Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 171–180 of 206

171

۞ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them, [and Allah said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allah."

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

عادَ الكَلامُ إلى العِبْرَةِ بِقَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّ قِصَّةَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ مِن أُمَّهاتِ قَصَصِهِمْ، ولَيْسَتْ مِثْلَ قِصَّةِ القَرْيَةِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في

صفحة ١٦٥

السَّبْتِ، ولا مِثْلَ خَبَرِ إيذانِهِمْ بِمَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ كُلُّها هَنا مُرادٌ بِها بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى، بِقَرِينَةِ المَقامِ.

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها.

و(إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ ﴿إذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ .

والنَّتْقُ الفَصْلُ والقَلْعُ. والجَبَلُ الطُّورُ.

وهَذِهِ آيَةٌ أظْهَرَها اللَّهُ لَهم تَخْوِيفًا لَهم، لِتَكُونَ مُذَكِّرَةً لَهم، فَيَعْقُبُ ذَلِكَ أخْذُ العَهْدِ عَلَيْهِمْ بِعَزِيمَةِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، فَكانَ رَفْعُ الطُّورِ مُعْجِزَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَصْدِيقًا لَهُ فِيما سَيُبَلِّغُهم عَنِ اللَّهِ مِن أخْذِ أحْكامِ التَّوْراةِ بِعَزِيمَةٍ ومُداوَمَةٍ، والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] .

والظُّلَّةُ السَّحابَةُ، وجُمْلَةُ خُذُوا ما آتَيْناكم مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَظْمُ الكَلامِ، وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ شائِعٌ كَثِيرٌ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُدِّيَ (واقِعٌ) بِالباءِ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا مُسْتَقِرِّينَ في الجَبَلِ فَهو إذا ارْتَفَعَ وقَعَ مُلابِسًا لَهم فَفَتَّتَهم، فَهم يَرَوْنَ أعْلاهُ فَوْقَهم وهم في سَفْحِهِ، وهَذا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ فَوْقَهم وبَيْنَ باءِ المُلابَسَةِ، وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الباءَ بِمَعْنى ”عَلى“ .

وجُمْلَةُ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Al-A'raaf 7:171Listen in Qur'an →
172

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

هَذا كَلامٌ مَصْرُوفٌ إلى غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقُولُ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا انْتِقالٌ بِالكَلامِ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ

صفحة ١٦٦

العَرَبِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ ابْتِداءً ونِهايَةً، فَكانَ هَذا الِانْتِقالُ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. جاءَ هَذا الِانْتِقالُ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ العَهْدِ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في وصِيَّةِ مُوسى، وهو مِيثاقُ الكِتابِ، وفي يَوْمِ رَفْعِ الطُّورِ، وهو عَهْدٌ حَصَلَ بِالخِطابِ التَّكْوِينِيِّ أيْ بِجَعْلِ مَعْناهُ في جِبِلَّةِ كُلِّ نَسَمَةٍ وفِطْرَتِها، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِهِ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ. وتَبَدُّلُ أُسْلُوبِ القِصَّةِ واضِحٌ إذِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى خِطابٍ في قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وإذْ صُرِّحَ فِيها بِمُعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ فَعُمُومُ المَوْعِظَةِ تابِعٌ لِعُمُومِ العِظَةِ. فَهَذا ابْتِداءٌ لِتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ عَلى الإشْراكِ، وما ذُكِرَ بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ.

و(إذْ) اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفٍ.

وفِعْلُ (أخَذَ) يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن بَنِي آدَمَ وهو مُعَدًّى إلى ذُرِّيّاتِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخَذَ رَبُّكَ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الذُّرِّيَّةِ، مِن كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - .

و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾) وقَوْلِهِ (﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ فِيهِما.

والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ والذُّرِّيَّةُ اسْمُ جَمْعٍ لِما يَتَوَلَّدُ مِنَ الإنْسانِ، وجَمْعُهُ هُنا لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

وأخْذُ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ المُخْرَجِينَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ يَقْتَضِي أخْذَ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ في ظَهْرِ آدَمَ بِدَلالَةِ الفَحْوى، وإلّا لَكانَ أبْناءُ آدَمَ الأدْنَوْنَ لَيْسُوا مَأْخُوذًا عَلَيْهِمُ العَهْدُ مَعَ أنَّهم أوْلى بِأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ في ظَهْرِ آدَمَ.

ومِمّا يُثْبِتُ هَذِهِ الدَّلالَةَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وعَنْ جَمْعٍ مِن أصْحابِهِ، مُتَفاوِتَةٌ في القُوَّةِ غَيْرُ خالٍ واحِدٌ مِنها عَنْ مُتَكَلَّمٍ، غَيْرَ أنَّ كَثْرَتَها يُؤَيِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، وأوْضَحُها ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ في تَرْجَمَةِ

صفحة ١٦٧

النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالقَدَرِ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ …

Al-A'raaf 7:172Listen in Qur'an →
173

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allah before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

هَذا كَلامٌ مَصْرُوفٌ إلى غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقُولُ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا انْتِقالٌ بِالكَلامِ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ

صفحة ١٦٦

العَرَبِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ ابْتِداءً ونِهايَةً، فَكانَ هَذا الِانْتِقالُ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. جاءَ هَذا الِانْتِقالُ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ العَهْدِ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في وصِيَّةِ مُوسى، وهو مِيثاقُ الكِتابِ، وفي يَوْمِ رَفْعِ الطُّورِ، وهو عَهْدٌ حَصَلَ بِالخِطابِ التَّكْوِينِيِّ أيْ بِجَعْلِ مَعْناهُ في جِبِلَّةِ كُلِّ نَسَمَةٍ وفِطْرَتِها، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِهِ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ. وتَبَدُّلُ أُسْلُوبِ القِصَّةِ واضِحٌ إذِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى خِطابٍ في قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وإذْ صُرِّحَ فِيها بِمُعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ فَعُمُومُ المَوْعِظَةِ تابِعٌ لِعُمُومِ العِظَةِ. فَهَذا ابْتِداءٌ لِتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ عَلى الإشْراكِ، وما ذُكِرَ بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ.

و(إذْ) اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفٍ.

وفِعْلُ (أخَذَ) يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن بَنِي آدَمَ وهو مُعَدًّى إلى ذُرِّيّاتِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخَذَ رَبُّكَ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الذُّرِّيَّةِ، مِن كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - .

و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾) وقَوْلِهِ (﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ فِيهِما.

والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ والذُّرِّيَّةُ اسْمُ جَمْعٍ لِما يَتَوَلَّدُ مِنَ الإنْسانِ، وجَمْعُهُ هُنا لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

وأخْذُ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ المُخْرَجِينَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ يَقْتَضِي أخْذَ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ في ظَهْرِ آدَمَ بِدَلالَةِ الفَحْوى، وإلّا لَكانَ أبْناءُ آدَمَ الأدْنَوْنَ لَيْسُوا مَأْخُوذًا عَلَيْهِمُ العَهْدُ مَعَ أنَّهم أوْلى بِأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ في ظَهْرِ آدَمَ.

ومِمّا يُثْبِتُ هَذِهِ الدَّلالَةَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وعَنْ جَمْعٍ مِن أصْحابِهِ، مُتَفاوِتَةٌ في القُوَّةِ غَيْرُ خالٍ واحِدٌ مِنها عَنْ مُتَكَلَّمٍ، غَيْرَ أنَّ كَثْرَتَها يُؤَيِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، وأوْضَحُها ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ في تَرْجَمَةِ

صفحة ١٦٧

النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالقَدَرِ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ …

Al-A'raaf 7:173Listen in Qur'an →
174

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.

﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

هَذا كَلامٌ مَصْرُوفٌ إلى غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقُولُ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا انْتِقالٌ بِالكَلامِ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ

صفحة ١٦٦

العَرَبِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ ابْتِداءً ونِهايَةً، فَكانَ هَذا الِانْتِقالُ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. جاءَ هَذا الِانْتِقالُ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ العَهْدِ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في وصِيَّةِ مُوسى، وهو مِيثاقُ الكِتابِ، وفي يَوْمِ رَفْعِ الطُّورِ، وهو عَهْدٌ حَصَلَ بِالخِطابِ التَّكْوِينِيِّ أيْ بِجَعْلِ مَعْناهُ في جِبِلَّةِ كُلِّ نَسَمَةٍ وفِطْرَتِها، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِهِ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ. وتَبَدُّلُ أُسْلُوبِ القِصَّةِ واضِحٌ إذِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى خِطابٍ في قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وإذْ صُرِّحَ فِيها بِمُعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ فَعُمُومُ المَوْعِظَةِ تابِعٌ لِعُمُومِ العِظَةِ. فَهَذا ابْتِداءٌ لِتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ عَلى الإشْراكِ، وما ذُكِرَ بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ.

و(إذْ) اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفٍ.

وفِعْلُ (أخَذَ) يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن بَنِي آدَمَ وهو مُعَدًّى إلى ذُرِّيّاتِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخَذَ رَبُّكَ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الذُّرِّيَّةِ، مِن كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - .

و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾) وقَوْلِهِ (﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ فِيهِما.

والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ والذُّرِّيَّةُ اسْمُ جَمْعٍ لِما يَتَوَلَّدُ مِنَ الإنْسانِ، وجَمْعُهُ هُنا لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

وأخْذُ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ المُخْرَجِينَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ يَقْتَضِي أخْذَ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ في ظَهْرِ آدَمَ بِدَلالَةِ الفَحْوى، وإلّا لَكانَ أبْناءُ آدَمَ الأدْنَوْنَ لَيْسُوا مَأْخُوذًا عَلَيْهِمُ العَهْدُ مَعَ أنَّهم أوْلى بِأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ في ظَهْرِ آدَمَ.

ومِمّا يُثْبِتُ هَذِهِ الدَّلالَةَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وعَنْ جَمْعٍ مِن أصْحابِهِ، مُتَفاوِتَةٌ في القُوَّةِ غَيْرُ خالٍ واحِدٌ مِنها عَنْ مُتَكَلَّمٍ، غَيْرَ أنَّ كَثْرَتَها يُؤَيِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، وأوْضَحُها ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ في تَرْجَمَةِ

صفحة ١٦٧

النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالقَدَرِ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ …

Al-A'raaf 7:174Listen in Qur'an →
175

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

And recite to them, [O Muhammad], the news of him to whom we gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.

صفحة ١٧٢

صفحة ١٧٣

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]

أعْقَبَ ما يُفِيدُ أنَّ التَّوْحِيدَ جُعِلَ في الفِطْرَةِ بِذِكْرِ حالَةِ اهْتِداءِ بَعْضِ النّاسِ إلى نَبْذِ الشِّرْكِ في مَبْدَأِ أمْرِهِ ثُمَّ تَعْرِضُ وساوِسُ الشَّيْطانِ لَهُ بِتَحْسِينِ الشِّرْكِ.

ومُناسَبَتُها لِلَّتِي قَبْلَها إشارَةُ العِبْرَةِ مِن حالِ أحَدِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالتَّوْحِيدِ والِامْتِثالِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمَدَّهُ اللَّهُ بِعِلْمٍ يُعِينُهُ عَلى الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ في الفِطْرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ كُلُّهُ حِينَ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ الهُدى المُسْتَمِرَّ.

وشَأْنُ القَصَصِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ ”﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾“ أنْ يُقْصَدَ مِنها وعْظُ المُشْرِكِينَ بِصاحِبِ القِصَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]“ إلَخْ، ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أيْضًا تَعْلِيمٌ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَأِ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ﴾ [القصص: ٣] ونَظائِرُ ذَلِكَ. فَضَمِيرُ عَلَيْهِمْ راجِعٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ وُجِّهَتْ إلَيْهِمُ العِبَرُ والمَواعِظُ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَصَّتْ عَلَيْهِمْ

صفحة ١٧٤

قَصَصَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ، عَلى أنَّ تَوْجِيهَ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ إلَيْهِمْ أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَهَذا مِن قَبِيلِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.

ومُناسَبَةُ فِعْلِ التِّلاوَةِ لَهم أنَّهم كانُوا قَوْمًا تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الأُمِّيَّةُ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّعْلِيمِ ما يُساوُونَ بِهِ حالَ أهْلِ الكِتابِ في التِّلاوَةِ، فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِعَلى عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ ضَمِيرُ جَمْعِ الغائِبِ في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ المُشْرِكُونَ كَقَوْلِهِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ.

والنَّبَأُ الخَبَرُ المَرْوِيُّ.

وظاهِرُ اسْمِ المَوْصُولِ المُفْرَدِ أنَّ صاحِبَ الصِّلَةِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ، وأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ حالٌ مِن أحْوالِهِ الَّتِي عُرِفَ بِها، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ صاحِبُ هَذا النَّبَأِ مِمَّنْ لِلْعَرَبِ إلْمامٌ بِمُجْمَلِ خَبَرِهِ.

فَقِيلَ المَعْنِيُّ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، بِأسانِيدَ كَثِيرَةٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وقالَ القُرْطُبِيُّ في التَّفْسِيرِ: هو الأشْهَرُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ، ذَلِكَ أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيَّ كانَ مِمَّنْ أرادَ اتِّباعَ دِينٍ غَيْرَ الشِّرْكِ طالَبًا دِينَ الحَقِّ، ونَظَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَلَمْ يَرَ النَّجاةَ في اليَهُودِيَّةِ ولا النَّصْرانِيَّةِ، وتَزَهَّدَ وتَوَخّى الحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْراهِيمَ وأُخْبِرَ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا في العَرَبِ، فَطَمِعَ أنْ يَكُونَهُ، ورَفَضَ عِبادَةَ الأصْنامِ وحَرَّمَ الخَمْرَ وذَكَرَ في شِعْرِهِ أخْبارًا مِن قَصَصِ التَّوْراةِ، ويُرْوى أنَّهُ كانَتْ لَهُ إلْهاماتٌ ومُكاشَفاتٌ وكانَ يَقُولُ: …

Al-A'raaf 7:175Listen in Qur'an →
176

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

And if We had willed, we could have elevated him thereby, but he adhered [instead] to the earth and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs. So relate the stories that perhaps they will give thought.

﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] الآيَتَيْنِ، والمِثالُ الحالُ أيْ ذَلِكَ التَّمْثِيلُ مَثَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ، تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. لِأنَّ حالَةَ الكَلْبِ المُشْتَبَهِ شَبِيهَةٌ بِحالِ المُكَذِّبِينَ ولَيْسَتْ عَيْنَها.

والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] وهو صاحِبُ القِصَّةِ، هو مَثَلُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم شابَهُوهُ في أنَّهم أُوتُوا القُرْآنَ فَكَذَّبُوا بِهِ، فَكانَتْ حالُهم كَحالِ ذَلِكَ المُكَذِّبِ، والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى المَثَلِ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ حالُ الكَلْبِ المَذْكُورَةِ كَحالِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ في أنَّهم كانُوا يَوَدُّونَ مَعْرِفَةَ دِينِ إبْراهِيمَ، ويَتَمَنَّوْنَ مُساواةَ أهْلِ الكِتابِ في العِلْمِ والفَضْلِ، فَكانُوا بِذَلِكَ في عَناءٍ وحَيْرَةٍ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِنهم بِكِتابٍ مُبِينٍ انْتَقَلُوا إلى عَناءِ مُعانَدَتِهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] وهَذا تَأْوِيلُ ما رُوِيَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ آيَةَ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] إلى آخِرِها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ.

وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيِ اقْصُصْ هَذِهِ القِصَّةَ وغَيْرَها، وهَذا تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ المُمَثَّلِ بِها يَشْمَلُها وغَيْرَها مِنَ القَصَصِ الَّتِي في القُرْآنِ، فَإنَّ في القَصَصِ تَفَكُّرًا ومَوْعِظَةً فَيُرْجى مِنهُ تَفَكُّرُهم ومَوْعِظَتُهم، لِأنَّ لِلْأمْثالَ واسْتِحْضارِ النَّظائِرِ شَأْنًا عَظِيمًا في اهْتِداءِ النُّفُوسِ بِها وتَقْرِيبِ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ إلى النُّفُوسِ الذّاهِلَةِ أوِ المُتَغافِلَةِ، لِما في التَّنْظِيرِ بِالقِصَّةِ المَخْصُوصَةِ مِن تَذَكُّرِ مُشاهَدَةِ الحالَةِ بِالحَواسِّ، بِخِلافِ التَّذْكِيرِ المُجَرَّدِ عَنِ التَّنْظِيرِ بِالشَّيْءِ المَحْسُوسِ.

Al-A'raaf 7:176Listen in Qur'an →
177

سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جُعِلَتْ إنْشاءَ ذَمٍّ لَهم. بِأنْ كانُوا في حالَةٍ شَنِيعَةٍ

صفحة ١٨٠

وظَلَمُوا أنْفُسَهم.

والظُّلْمُ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ، فَإنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِما أحَلُّوهُ بِها مِنَ الكُفْرِ الَّذِي جَعَلَهم مَذْمُومِينَ في الدُّنْيا ومُعَذَّبِينَ في الآخِرَةِ.

وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ ما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم، وشَأْنُ العاقِلِ أنْ لا يُؤْذِيَ نَفْسَهُ وفِيهِ إزالَةُ تَبَجُّحِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَتْبَعُوا مُحَمَّدًا ﷺ ظَنًّا مِنهم أنَّ ذَلِكَ يَغِيظُهُ ويَغِيظُ المُسْلِمِينَ، وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.

وجُمْلَةُ ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهم مَعْرُوفُونَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ فَتَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها إخْبارًا عَنْهم بِأنَّهم في تَكْذِيبِهِمْ، وانْتِفاءِ تُفَكُّرِهِمْ مِنَ القَصَصِ ما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم.

وقَوْلُهُ ﴿كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢] أقْوى في إفادَةِ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ مِن أنْ يُقالَ: وظَلَمُوا أنْفُسَهم، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

Al-A'raaf 7:177Listen in Qur'an →
178

مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Whoever Allah guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray - it is those who are the losers.

﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهْوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ والمَثَلِ وما أُعْقِبا بِهِ مِن وصْفِ حالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُحَصِّلُ ذَلِكَ كُلَّهُ وتَجْرِي مَجْرى المَثَلِ، وذَلِكَ أعْلى أنْواعِ التَّذْيِيلِ، وفِيها تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُهْتَدِينَ وتَلْقِينٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِطَلَبِ الهِدايَةِ مِنهُ والعِصْمَةِ مِن مَزالِقِ الضَّلالِ، أيْ فالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى الحَقِّ بَعْدَ أنْ جاءَهم دَلَّتْ حالُهم عَلى أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَحَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ.

والهِدايَةُ حَقِيقَتُها إبانَةُ الطَّرِيقِ، وتُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الإرْشادِ لِما فِيهِ النَّفْعُ سَواءٌ اهْتَدى المَهْدِيُّ إلى ما هُدِيَ إلَيْهِ أمْ لَمْ يَهْتَدِ، قالَ - تَعالى - ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .

ثُمَّ قَدْ عُلِمَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي يُسْنَدُ إلى اللَّهِ - تَعالى - إنَّما يُرادُ بِهِ أتْقَنُ أنْواعِ تِلْكَ الماهِيَّةِ وأدْوَمُها، ما لَمْ تَقُمِ القَرِينَةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي بِهِ مَن يُقَدِّرُ اللَّهُ اهْتِداءَهُ، ولَيْسَ المَعْنى مَن يُرْشِدُهُ اللَّهُ بِالأدِلَّةِ أوْ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ،

صفحة ١٨١

وقَدِ اسْتُفِيدَ ذَلِكَ مِنَ القِصَّةِ المُذَيَّلَةِ فَإنَّهُ قالَ فِيها ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] فَإيتاءُ الآياتِ ضَرْبٌ مِنَ الهِدايَةِ بِالمَعْنى الأصْلِيِّ، ثُمَّ قالَ فِيها ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقالَ ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقالَ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ أرْشَدَهُ، ولَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الِاهْتِداءَ، فالحالَةُ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَخْلُدَ إلى الأرْضِ لَيْسَتْ حالَةَ هُدًى، ولَكِنَّها حالَةُ تَرَدُّدٍ وتَجْرِبَةٍ، كَما تَكُونُ حالَةُ المُنافِقِ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ إذْ يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِمَحاسِنِ الإسْلامِ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُبْطِنٍ لَها كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى هُنا: مَن يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ أنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا فَهو المُهْتَدِي.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ الكَمالِ واسْتِمْرارِ الِاهْتِداءِ إلى وفاةِ صاحِبِهِ، وهي مَسْألَةُ المُوافاةِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ، أيْ وأمّا غَيْرُهُ فَهو وإنْ بانَ مُهْتَدِيًا فَلَيْسَ بِالمُهْتَدِي لِيَنْطَبِقَ هَذا عَلى حالِ الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها وكانَ الشَّأْنُ أنْ يُرْفَعَ بِها.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ لَيْسَ مِن بابِ قَوْلِ أبِي النَّجْمِ ”وشِعْرِي شِعْرِي“ وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» لِأنَّ ذَلِكَ فِيما لَيْسَ في مَفادِ الثّانِي مِنهُ شَيْءٌ زائِدٌ عَلى مَفادِ ما قَبْلَهُ بِخِلافِ ما في الآيَةِ فَإنَّ فِيها القَصْرَ.

وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وزِيدَ في جانِبِ الخاسِرِينَ الفَصْلُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ …

Al-A'raaf 7:178Listen in Qur'an →
179

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray. It is they who are the heedless.

﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، والمُناسَبَةُ أنَّ صاحِبَ القِصَّةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها انْتَقَلَ مِن صُورَةِ الهُدى إلى الضَّلالِ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَهُ خَلَقَهُ لِيَكُونَ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ، مَعَ ما لَها مِنَ المُناسَبَةِ لِلتَّذْيِيلِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ القِصَّةُ وهو قَوْلُهُ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ [الأعراف: ١٧٨] الآيَةَ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وبِقَدْ لِقَصْدِ تَحْقِيقِهِ لِأنَّ غَرابَتَهُ تُنْزِلُ سامِعَهُ خالِيَ الذِّهْنِ مِنهُ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في تَأْوِيلِهِ، ولِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهم قَدْ وُصِفُوا بِ ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾، والمَعْنِيُّ بِهِمُ المُشْرِكُونَ وهم يُنْكِرُونَ أنَّهم في ضَلالٍ ويَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم أصْحابُ أحْلامٍ وأفْهامٍ ولِذَلِكَ قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ في مَعْرِضِ التَّهَكُّمِ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]

والذَّرْءُ الخَلْقُ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

واللّامُ في لِجَهَنَّمَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ خَلَقْنا كَثِيرًا لِأجْلِ جَهَنَّمَ.

وجَهَنَّمُ مُسْتَعْمَلَةٌ هُنا في الأفْعالِ المُوجِبَةِ لَها بِعَلاقَةِ المُسَبِّبِيَّةِ، لِأنَّهم خُلِقُوا لِأعْمالِ الضَّلالَةِ المُفْضِيَةِ إلى الكَوْنِ في جَهَنَّمَ، ولَمْ يُخْلَقُوا لِأجْلِ جَهَنَّمَ لِأنَّ جَهَنَّمَ لا يُقْصَدُ إيجادُ خَلْقٍ لِتَعْمِيرِها، ولَيْسَتِ اللّامُ لامَ العاقِبَةِ لِعَدَمِ انْطِباقِ حَقِيقَتِها عَلَيْها، وفي الكَشّافِ: جَعَلَهم لِإغْراقِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يَأْتِي مِنهم إلّا أفْعالُ أهْلِ النّارِ، مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِهِمْ فِيما يُؤَهِّلُهم لِدُخُولِ النّارِ، وهَذا

صفحة ١٨٣

يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ في ذَرَأْنا وهو تَكَلُّفٌ راعى بِهِ قَواعِدَ الِاعْتِزالِ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ وفي نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ في قَوْلِهِ ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا﴾ لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُهُ بِ ذَرَأْنا.

ومَعْنى خَلْقِ الكَثِيرِ لِأعْمالِ الشَّرِّ المُفْضِيَةِ إلى النّارِ: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ كَثِيرًا فَجَعَلَ في نُفُوسِهِمْ قُوًى مِن شَأْنِها إفْسادُ ما أوْدَعَهُ في النّاسِ مِنِ اسْتِقامَةِ الفِطْرَةِ المُشارِ إلَيْها في قَوْلِهِ (﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]) وهي قُوى الشَّهْوَةِ والغَضَبِ فَخَلْقُها أشَدُّ سُلْطانًا عَلى نُفُوسِهِمْ مِنَ القُوَّةِ الفِطْرِيَّةِ المُسَمّاةِ الحِكْمَةَ فَجُعِلَتِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ المُسَمَّيْنَ بِالهَوى تَغْلِبُ قُوَّةَ الفِطْرَةِ، وهي الحِكْمَةُ والرَّشادُ، فَتُرَجِّحُ نُفُوسُهم دَواعِي الشَّهْوَةِ والغَضَبِ فَتَتْبَعُها وتُعْرِضُ عَنِ الفِطْرَةِ، فَدَلائِلُ الحَقِّ قائِمَةٌ في نُفُوسِهِمْ ولَكِنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْها لِغَلَبَةِ الهَوى عَلَيْهِمْ، فَبِحَسَبِ خِلْقَةِ نُفُوسِهِمْ غَيْرَ ذاتِ عَزِيمَةٍ عَلى مُقاوَمَةِ الشَّهَواتِ: جُعِلُوا كَأنَّهم خُلِقُوا لِجَهَنَّمَ …

Al-A'raaf 7:179Listen in Qur'an →
180

وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And to Allah belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names. They will be recompensed for what they have been doing.

﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

هَذا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَوَسَّطَهُ في خِلالَ مَذامِّ المُشْرِكِينَ لِمُناسَبَةِ أنَّ أفْظَعَ أحْوالِ المَعْدُودِينَ لِجَهَنَّمَ هو حالُ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، لِأنَّ في ذَلِكَ إبْطالًا لِأخَصِّ الصِّفاتِ بِمَعْنى الإلَهِيَّةِ: وهي صِفَةُ الوَحْدانِيَّةِ وما في مَعْناها مِنَ الصِّفاتِ نَحْوَ الفَرْدِ، الصَّمَدِ. ويَنْضَوِي تَحْتَ الشِّرْكِ تَعْطِيلُ صِفاتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ الباعِثِ، الحَسِيبِ والمُعِيدِ، ونَشَأ عَنْ عِنادِ أهْلِ الشِّرْكِ إنْكارُ صِفَةِ الرَّحْمانِ.

فَعَقَّبَتِ الآياتُ الَّتِي وصَفَتْ ضَلالَ إشْراكِهِمْ بِتَنْبِيهِ المُسْلِمِينَ لِلْإقْبالِ عَلى دُعاءِ اللَّهِ بِأسْمائِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ، والدَّوامِ عَلى ذَلِكَ وأنْ يُعْرِضُوا عَنْ شَغَبِ المُشْرِكِينَ وجِدالِهِمْ في أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - .

وقَدْ كانَ مِن جُمْلَةِ ما يَتَوَرَّكُ بِهِ المُشْرِكُونَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، أنْ أنْكَرُوا اسْمَهُ - تَعالى - الرَّحْمانَ، وهو إنْكارٌ لَمْ يُقْدِمْهم عَلَيْهِ جَهْلُهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِما

صفحة ١٨٦

يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ رَحِمانٍ مِن شِدَّةِ الرَّحْمَةِ، وإنَّما أقْدَمَهم عَلَيْهِ ما يُقَدِّمُ كُلَّ مُعانِدٍ مِن تَطَلُّبِ التَّغْلِيظِ والتَّخْطِئَةِ لِلْمُخالِفِ، ولَوْ فِيما يَعْرِفُ أنَّهُ حَقٌّ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ أنَّهُ «رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ أنَّ أبا جَهْلٍ سَمِعَ بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ في قِراءَتِهِ ومَرَّةً يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ الرَّحْمانَ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وهو إنَّما يَعْبُدُ آلِهَةً كَثِيرَةً» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

فَعَطْفُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها عَطْفُ الأخْبارِ عَنْ أحْوالِ المُشْرِكِينَ وضَلالِهِمْ، والغَرَضُ مِنها قَوْلُهُ ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ المُفِيدِ تَأْكِيدَ اسْتِحْقاقِهِ إيّاها، المُسْتَفادِ مِنَ اللّامِ، والمَعْنى أنَّ اتِّسامَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ، وذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾، وقَدِ التُزِمُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيمِ في جَمِيعِ الآيِ الَّتِي في هَذا الغَرَضِ مِثْلِ قَوْلِهِ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وسُورَةِ طه ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] وفي سُورَةِ الحَشْرِ ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤]، وكُلُّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأسْماءِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ أوْ كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ أسْماءً لِلَّهِ - تَعالى - بِتَخْيِيلِهِمْ أنَّ تَعَدُّدَ الِاسْمِ تَعَدُّدٌ لِلْمُسَمّى تَمْوِيهًا عَلى الدَّهْماءِ.

والأسْماءُ هي الألْفاظُ المَجْعُولَةُ أعْلامًا عَلى الذّاتِ بِالتَّخْصِيصِ أوْ بِالغَلَبَةِ فاسْمُ الجَلالَةِ وهو (اللَّهُ) عَلَمٌ عَلى ذاتِ الإلَهِ الحَقِّ بِالتَّخْصِيصِ، شَأْنُ الإعْلامِ، و(الرَّحْمانُ) و(الرَّحِيمُ) اسْمانِ لِلَّهِ بِالغَلَبَةِ، وكَذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ مُفْرَدٍ دَلَّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ، وأُطْلِقَ إطْلاقَ الإعْلامِ نَحْوَ الرَّبِّ، والخالِقِ، والعَزِيزِ، والحَكِيمِ، والغَفُورِ، ولا يَدْخُلُ في هَذا ما كانَ مُرَكَّبًا إضافِيًّا نَحْوَ ذُو الجَلالِ، ورَبُّ العَرْشِ، فَإنَّ …

Al-A'raaf 7:180Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.