Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 171–180 of 206

171

۞ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them, [and Allah said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allah."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ النَّتْقِ قَلْعُ الشَّيْءِ مِن مَوْضِعِهِ، والرَّمْيُ بِهِ. يُقالُ: نَتَقَ ما في الجِرابِ إذا رَمى بِهِ وصَبَّهُ. وامْرَأةٌ ناتِقٌ ومِنتاقٌ إذا كَثُرَ ولَدُها؛ لِأنَّها تَرْمِي بِأوْلادِها رَمْيًا، فَمَعْنى﴿نَتَقْنا الجَبَلَ﴾ أيْ قَلَعْناهُ مِن أصْلِهِ، وجَعَلْناهُ فَوْقَهم وقَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَأنَّهُ سَقِيفَةٌ، والظُّلَّةُ كُلُّ ما أظَلَّكَ مِن سَقْفِ بَيْتٍ أوْ سَحابَةٍ أوْ جَناحِ حائِطٍ، والجَمْعُ ظُلَلٌ وظِلالٌ، وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ﴿وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَلِمُوا وأيْقَنُوا. وقالَ أهْلُ المَعانِي: قَوِيَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ إنْ خالَفُوهُ، وهَذا هو الأظْهَرُ في مَعْنى الظَّنِّ، ومَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] رُوِيَ أنَّهم أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا أحْكامَ التَّوْراةِ لِغِلَظِها وثِقَلِها، فَرَفَعَ اللَّهُ الطُّورَ عَلى رَءُوسِهِمْ مِقْدارَ عَسْكَرِهِمْ، وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، وقِيلَ لَهم: إنْ قَبِلْتُمُوها بِما فِيها وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكم، فَلَمّا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى خَوْفًا مِن سُقُوطِهِ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى، ويَقُولُونَ هي السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ أيْ وقُلْنا: خُذُوا ما آتَيْناكم أوْ قائِلِينَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِنَ الكِتابِ بِقُوَّةٍ وعَزْمٍ عَلى احْتِمالِ مَشاقِّهِ وتَكالِيفِهِ،﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، أيْ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ بِقُوَّةٍ، إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.

Al-A'raaf 7:171Listen in Qur'an →
172

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

صفحة ٣٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَوابِعِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَقْرِيرِ الحُجَّةِ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ الأثَرِ ما رَوى مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ الجُهَنِيُّ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ» .

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ بَيْضاءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ تَتَحَرَّكُ، ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ سَوْداءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ يا آدَمُ هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ.

ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَقالَ لِلْبِيضِ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ بِرَحْمَتِي وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وقالَ لِلسُّودِ هَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي وهم أصْحابُ المَشْأمَةِ، ثُمَّ أعادَهم جَمِيعًا في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ القَبُولِ مَحْبُوسُونَ حَتّى يَخْرُجَ أهْلُ المِيثاقِ كُلُّهم مِن أصْلابِ الرِّجالِ، وأرْحامِ النِّساءِ. وقالَ تَعالى فِيمَن نَقَضَ العَهْدَ الأوَّلَ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وهَذا القَوْلُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ المُفَسِّرِينَ كَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ أبْصَرَ آدَمَ في ذُرِّيَّتِهِ قَوْمًا لَهم نُورٌ. فَقالَ يا رَبِّ مَن هم ؟ فَقالَ: الأنْبِياءُ، ورَأى واحِدًا هو أشَدُّهم نُورًا فَقالَ مَن هو ؟ قالَ: داوُدُ، قالَ: فَكَمْ عُمْرُهُ ؟ قالَ: سَبْعُونَ سَنَةً قالَ آدَمُ: هو قَلِيلٌ قَدْ وهَبْتُهُ مِن عُمُرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَمّا تَمَّ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ سَنَةً أتاهُ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقالَ بَقِيَ مِن أجَلِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقالَ: …

Al-A'raaf 7:172Listen in Qur'an →
173

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allah before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

صفحة ٣٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَوابِعِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَقْرِيرِ الحُجَّةِ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ الأثَرِ ما رَوى مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ الجُهَنِيُّ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ» .

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ بَيْضاءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ تَتَحَرَّكُ، ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ سَوْداءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ يا آدَمُ هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ.

ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَقالَ لِلْبِيضِ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ بِرَحْمَتِي وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وقالَ لِلسُّودِ هَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي وهم أصْحابُ المَشْأمَةِ، ثُمَّ أعادَهم جَمِيعًا في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ القَبُولِ مَحْبُوسُونَ حَتّى يَخْرُجَ أهْلُ المِيثاقِ كُلُّهم مِن أصْلابِ الرِّجالِ، وأرْحامِ النِّساءِ. وقالَ تَعالى فِيمَن نَقَضَ العَهْدَ الأوَّلَ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وهَذا القَوْلُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ المُفَسِّرِينَ كَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ أبْصَرَ آدَمَ في ذُرِّيَّتِهِ قَوْمًا لَهم نُورٌ. فَقالَ يا رَبِّ مَن هم ؟ فَقالَ: الأنْبِياءُ، ورَأى واحِدًا هو أشَدُّهم نُورًا فَقالَ مَن هو ؟ قالَ: داوُدُ، قالَ: فَكَمْ عُمْرُهُ ؟ قالَ: سَبْعُونَ سَنَةً قالَ آدَمُ: هو قَلِيلٌ قَدْ وهَبْتُهُ مِن عُمُرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَمّا تَمَّ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ سَنَةً أتاهُ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقالَ بَقِيَ مِن أجَلِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقالَ: …

Al-A'raaf 7:173Listen in Qur'an →
174

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.

صفحة ٣٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَوابِعِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَقْرِيرِ الحُجَّةِ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ الأثَرِ ما رَوى مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ الجُهَنِيُّ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ» .

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ بَيْضاءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ تَتَحَرَّكُ، ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ سَوْداءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ يا آدَمُ هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ.

ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَقالَ لِلْبِيضِ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ بِرَحْمَتِي وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وقالَ لِلسُّودِ هَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي وهم أصْحابُ المَشْأمَةِ، ثُمَّ أعادَهم جَمِيعًا في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ القَبُولِ مَحْبُوسُونَ حَتّى يَخْرُجَ أهْلُ المِيثاقِ كُلُّهم مِن أصْلابِ الرِّجالِ، وأرْحامِ النِّساءِ. وقالَ تَعالى فِيمَن نَقَضَ العَهْدَ الأوَّلَ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وهَذا القَوْلُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ المُفَسِّرِينَ كَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ أبْصَرَ آدَمَ في ذُرِّيَّتِهِ قَوْمًا لَهم نُورٌ. فَقالَ يا رَبِّ مَن هم ؟ فَقالَ: الأنْبِياءُ، ورَأى واحِدًا هو أشَدُّهم نُورًا فَقالَ مَن هو ؟ قالَ: داوُدُ، قالَ: فَكَمْ عُمْرُهُ ؟ قالَ: سَبْعُونَ سَنَةً قالَ آدَمُ: هو قَلِيلٌ قَدْ وهَبْتُهُ مِن عُمُرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَمّا تَمَّ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ سَنَةً أتاهُ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقالَ بَقِيَ مِن أجَلِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقالَ: …

Al-A'raaf 7:174Listen in Qur'an →
175

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

And recite to them, [O Muhammad], the news of him to whom we gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

صفحة ٤٥

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَلْعَمَ بْنِ باعُوراءَ، وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَصَدَ بَلَدَهُ الَّذِي هو فِيهِ، وغَزا أهْلَهُ وكانُوا كُفّارًا، فَطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ، وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، وعِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، فامْتَنَعَ مِنهُ، فَما زالُوا يَطْلُبُونَهُ مِنهُ حَتّى دَعا عَلَيْهِ فاسْتُجِيبَ لَهُ، ووَقَعَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ في التِّيهِ بِدُعائِهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ بِأيِّ ذَنْبٍ وقَعْنا في التِّيهِ ؟ فَقالَ: بِدُعاءِ بَلْعَمَ. فَقالَ: كَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ، فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا مُوسى عَلَيْهِ أنْ يَنْزِعَ مِنهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ والإيمانَ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ونَزَعَ مِنهُ المَعْرِفَةَ. فَخَرَجَتْ مِن صَدْرِهِ كَحَمامَةٍ بَيْضاءَ، فَهَذِهِ قِصَّتُهُ. ويُقالُ أيْضًا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَعا عَلَيْهِ مُوسى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ وصارَ كافِرًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وأبُو رَوْقٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: (آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ) يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِ الآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الفاسِقَ كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدِ ضِرارٍ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ، وقِيلَ: هو عامٌّ فِيمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الهَدْيُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مُسْلِمٍ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ نَبِيًّا، ثُمَّ صارَ كافِرًا ؟

قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدًا مِن عَبِيدِهِ بِالرِّسالَةِ، إلّا إذا عَلِمَ امْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العَبِيدِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ، والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، والمَناقِبِ العَظِيمَةِ، فَمَن كانَ هَذا حالَهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الكُفْرُ ؟

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ …

Al-A'raaf 7:175Listen in Qur'an →
176

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

And if We had willed, we could have elevated him thereby, but he adhered [instead] to the earth and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs. So relate the stories that perhaps they will give thought.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

صفحة ٤٥

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَلْعَمَ بْنِ باعُوراءَ، وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَصَدَ بَلَدَهُ الَّذِي هو فِيهِ، وغَزا أهْلَهُ وكانُوا كُفّارًا، فَطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ، وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، وعِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، فامْتَنَعَ مِنهُ، فَما زالُوا يَطْلُبُونَهُ مِنهُ حَتّى دَعا عَلَيْهِ فاسْتُجِيبَ لَهُ، ووَقَعَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ في التِّيهِ بِدُعائِهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ بِأيِّ ذَنْبٍ وقَعْنا في التِّيهِ ؟ فَقالَ: بِدُعاءِ بَلْعَمَ. فَقالَ: كَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ، فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا مُوسى عَلَيْهِ أنْ يَنْزِعَ مِنهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ والإيمانَ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ونَزَعَ مِنهُ المَعْرِفَةَ. فَخَرَجَتْ مِن صَدْرِهِ كَحَمامَةٍ بَيْضاءَ، فَهَذِهِ قِصَّتُهُ. ويُقالُ أيْضًا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَعا عَلَيْهِ مُوسى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ وصارَ كافِرًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وأبُو رَوْقٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: (آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ) يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِ الآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الفاسِقَ كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدِ ضِرارٍ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ، وقِيلَ: هو عامٌّ فِيمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الهَدْيُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مُسْلِمٍ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ نَبِيًّا، ثُمَّ صارَ كافِرًا ؟

قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدًا مِن عَبِيدِهِ بِالرِّسالَةِ، إلّا إذا عَلِمَ امْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العَبِيدِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ، والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، والمَناقِبِ العَظِيمَةِ، فَمَن كانَ هَذا حالَهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الكُفْرُ ؟

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ …

Al-A'raaf 7:176Listen in Qur'an →
177

سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ تَمْثِيلِهِمْ بِالكَلْبِ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وزَجَرَ بِذَلِكَ عَنِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ أكَّدَهُ في بابِ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: ساءَ يَسُوءُ فِعْلٌ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: سَيَأ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو ساءٍ إذا قَبُحَ، وساءَهُ يَسُوءُهُ مَساءَةً. قالَ النَّحْوِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، انْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ ساءَ جازَ أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا آخَرَ سِوى مَثَلًا، فَلَمّا ذَكَرْتَ نَوْعًا، فَقَدْ مَيَّزْتَهُ مِن سائِرِ الأنْواعِ، وقَوْلُكَ القَوْمُ ارْتِفاعُهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ قَوْلُكَ ساءَ مَثَلًا خَبَرُهُ.

والثّانِي: أنَّكَ لَمّا قُلْتَ ساءَ مَثَلًا. قِيلَ لَكَ: مَن هو ؟ قُلْتَ القَوْمُ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ساءَ مَثَلُ القَوْمِ.

البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المَثَلِ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ هَذا المَثَلَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وأيْضًا فَهو يُفِيدُ الزَّجْرَ عَنِ الكُفْرِ والدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِالسُّوءِ ما أفادَهُ المَثَلُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْها، حَتّى صارُوا في التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الكَلْبِ اللّاهِثِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ”كَذَّبُوا“ فَيَدْخُلَ حِينَئِذٍ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِمَعْنى الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامًا مُنْقَطِعًا عَنِ الصِّلَةِ بِمَعْنى وما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم بِالتَّكْذِيبِ، وأمّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ فَهو لِلِاخْتِصاصِ، كَأنَّهُ قِيلَ وخَصُّوا أنْفُسَهم بِالظُّلْمِ وما تَعَدّى أثَرُ ذَلِكَ الظُّلْمِ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ.

Al-A'raaf 7:177Listen in Qur'an →
178

مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Whoever Allah guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray - it is those who are the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الضّالِّينَ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ وعَرَّفَ حالَهم بِالمَثَلِ المَذْكُورِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ الإضْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ هَذِهِ اضْطَرَبَتِ المُعْتَزِلَةُ، وذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ وارْتَضاهُ القاضِي أنَّ المُرادَ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ، فَهو المُهْتَدِي في الدُّنْيا، السّالِكُ طَرِيقَةَ الرُّشْدِ فِيما كُلِّفَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ إلّا مَن هَذا وصْفُهُ، ومَن يُضْلِلْهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

والثّانِي:

صفحة ٤٩

قالَ بَعْضُهم: إنَّ في الآيَةِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَقَبِلَ وتَمَسَّكَ بِهُداهُ فَهو المُهْتَدِي، ومَن يُضَلِلْ بِأنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهو الخاسِرُ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ بِمَعْنى أنَّ مَن وصَفَهُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا فَهو المُهْتَدِي، لِأنَّ ذَلِكَ كالمَدْحِ ومَدْحُ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا في حَقِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ الوَصْفِ المَمْدُوحِ، ومَن يُضْلِلْ أيْ ومَن وصَفَهُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ بِالألْطافِ وزِيادَةِ الهُدى فَهو المُهْتَدِي، ومَن يُضْلِلْ عَنْ ذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مِن سُوءِ اخْتِيارِهِ، فَأُخْرِجَ لِهَذا السَّبَبِ بِتِلْكَ الألْطافِ مِن أنْ يُؤَثَّرَ فِيهِ فَهو مِنَ الخاسِرِينَ.

واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ القاطِعَةَ، قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي وحُصُولُ الدّاعِي لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ فالفِعْلُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ، فَمَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكُفْرِ وبِالضِّدِّ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْصِدُ حُصُولَ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَإذا حَصَلَ الكُفْرُ عَقِيبَهُ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ بَلْ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ:

أمّا التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: فَضَعِيفٌ لِأنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ عَلى الهِدايَةِ في الآخِرَةِ إلى الجَنَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ عَلى الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ في الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ رَكاكَةً في النَّظْمِ، بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ والِاهْتِداءُ راجِعَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، حَتّى يَكُونَ الكَلامُ حَسَنَ النَّظْمِ.

وأمّا الثّانِي: فَإنَّهُ التِزامٌ لِإضْمارِ زائِدٍ، وهو خِلافُ اللَّفْظِ، ولَوْ جازَ فَتْحُ بابِ أمْثالِ هَذِهِ الإضْماراتِ لانْقَلَبَ النَّفْيُ إثْباتًا، والإثْباتُ نَفْيًا، ويَخْرُجُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَإنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يُضْمِرَ في الآيَةِ ما يَشاءُ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ الكُلُّ عَنِ الإفادَةِ.

وأمّا الثّالِثُ: فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ هَدى فُلانًا. لا يُفِيدُ في اللُّغَةِ البَتَّةَ أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا، وقِياسُ هَذا عَلى قَوْلِهِ: فُلانٌ ضَلَّلَ فُلانًا وكَفَّرَهُ، قِياسٌ في اللُّغَةِ، وأنَّهُ في نِهايَةِ الفَسادِ. والرّابِعُ أيْضًا باطِلٌ؛ …

Al-A'raaf 7:178Listen in Qur'an →
179

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray. It is they who are the heedless.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ هي الحُجَّةُ الثّانِيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ وإرادَةِ الكائِناتِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ أنَّهُ خَلَقَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لِجَهَنَّمَ، ولا مَزِيدَ عَلى بَيانِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ النّارِ انْقَلَبَ عِلْمُ اللَّهِ جَهْلًا وخَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَعَدَمُ دُخُولِهِمْ في النّارِ مُحالٌ، ومَن عَلِمَ كَوْنَ الشَّيْءِ مُحالًا امْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ أنْ لا يُدْخِلَهم في النّارِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُرِيدَ أنْ يُدْخِلَهم في النّارِ، وذَلِكَ هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ القادِرَ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإيمانِ، فالَّذِي خَلَقَ فِيهِ القُدْرَةَ عَلى الكُفْرِ، فَقَدْ أرادَ أنْ يُدْخِلَهُ في النّارِ، وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الكُفْرِ وعَلى الإيمانِ مَعًا امْتَنَعَ رُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ حَصَلَ مِن قِبَلِهِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ حَصَلَ مَن قِبَلِهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ هو الخالِقَ لِلدّاعِيَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ، فَقَدْ خَلَقَهُ لِلنّارِ قَطْعًا.

الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهُ لِلْجَنَّةِ وأعانَهُ عَلى اكْتِسابِ تَحْصِيلِ ما يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، ثُمَّ قَدَّرْنا أنَّ العَبْدَ سَعى في تَحْصِيلِ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلدُّخُولِ في النّارِ، فَحِينَئِذٍ حَصَلَ مُرادُ العَبْدِ، ولَمْ يَحْصُلْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ كَوْنُ العَبْدِ أقْدَرَ وأقْوى مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.

والخامِسُ: أنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ الكُفْرَ والجَهْلَ المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ النّارِ، وإنَّما يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ المُوجِبَةَ لِاسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والدُّخُولِ في الجَنَّةِ، فَلَمّا حَصَلَ الكُفْرُ والجَهْلُ عَلى خِلافِ قَصْدِ العَبْدِ وضِدِّ جَهْدِهِ واجْتِهادِهِ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حُصُولُهُ مِن قِبَلِ العَبْدِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قالُوا: العَبْدُ إنَّما سَعى في تَحْصِيلِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ الفاسِدِ الباطِلِ؛ لِأنَّهُ اشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ وظَنَّ أنَّهُ هو الِاعْتِقادُ الحَقُّ الصَّحِيحُ.

فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إنَّما وقَعَ في هَذا الجَهْلِ لِأجْلِ ذَلِكَ الجَهْلِ المُتَقَدِّمِ، فَإنْ كانَ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الجَهْلِ السّابِقِ لِجَهْلٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى جَهْلٍ حَصَلَ ابْتِداءً لا لِسابِقَةِ جَهْلٍ آخَرَ، فَقَدْ تَوَجَّهَ الإلْزامُ وتَأكَّدَ الدَّلِيلُ والبُرْهانُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ البَراهِينَ العَقْلِيَّةَ ناطِقَةٌ بِصِحَّةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ أرادَ مِنَ الكُلِّ الطّاعَةَ والعِبادَةَ والخَيْرَ …

Al-A'raaf 7:179Listen in Qur'an →
180

وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And to Allah belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names. They will be recompensed for what they have been doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المَخْلُوقِينَ لِجَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أمَرَ بَعْدَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ هو الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والمُخَلِّصُ عَنْ عَذابِ جَهَنَّمَ هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، وأصْحابُ الذَّوْقِ والمُشاهَدَةِ يَجِدُونَ مِن أرْواحِهِمْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَإنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها، وقَعَ في بابِ الحِرْصِ وزَمْهَرِيرِ الحِرْمانِ، ولا يَزالُ يَنْتَقِلُ مِن رَغْبَةٍ إلى رَغْبَةٍ، ومِن طَلَبٍ إلى طَلَبٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ، فَإذا انْفَتَحَ عَلى قَلْبِهِ بابُ ذِكْرِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ اللَّهِ تَخَلَّصَ عَنْ نِيرانِ الآفاتِ وعَنْ حَسَراتِ الخَساراتِ، واسْتَشْعَرَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مَذْكُورٌ في سُوَرٍ أرْبَعَةٍ:

أوَّلُها: هَذِهِ السُّورَةُ.

وثانِيها: في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] .

وثالِثُها: في أوَّلِ طه، وهو قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] .

ورابِعُها: في آخِرِ الحَشْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: (الأسْماءُ) ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى المَعانِي فَهي إنَّما تَحْسُنُ بِحُسْنِ مَعانِيها ومَفْهُوماتِها، ولا مَعْنى لِلْحُسْنِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى إلّا ذِكْرُ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، وهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: عَدَمُ

صفحة ٥٥

افْتِقارِهِ إلى غَيْرِهِ، وثُبُوتُ افْتِقارِ غَيْرِهِ إلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ لَنا في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ كِتابًا كَثِيرَ الدَّقائِقِ شَرِيفَ الحَقائِقِ سَمَّيْناهُ بِلَوامِعِ البَيِّناتِ في تَفْسِيرِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، مَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فِيهِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ هَهُنا لُمَعًا ونُكَتًا مِنها. فَنَقُولُ: إنَّ أسْماءَ اللَّهِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: الِاسْمُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلذّاتِ، أوْ لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الذّاتِ، أوْ لِصِفَةٍ خارِجَةٍ عَنِ الذّاتِ قائِمَةٍ بِها. أمّا اسْمُ الذّاتِ فَهو المُسَمّى بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، وفي كَشْفِ الغِطاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ المُباحَثاتِ أسْرارٌ. وأمّا اسْمُ جُزْءِ الذّاتِ فَهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّ هَذا إنَّما يُفْعَلُ في الذّاتِ المُرَكَّبَةِ مِنَ الأجْزاءِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُمْكِنٌ، فَواجِبُ الوُجُودِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ.

وأمّا اسْمُ الصِّفَةِ فَنَقُولُ: الصِّفَةُ إمّا أنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً أوْ إضافِيَّةً أوْ سَلْبِيَّةً، أوْ ما يَتَرَكَّبُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وهي أرْبَعَةٌ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً حَقِيقِيَّةً مَعَ إضافَةٍ أوْ مَعَ سَلْبٍ أوْ صِفَةً سَلْبِيَّةً مَعَ إضافَةٍ أوْ مَجْمُوعَ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وإضافَةٍ وسَلْبِيَّةٍ. أمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ العارِيَةُ عَنِ الإضافَةِ فَكَقَوْلِنا مَوْجُودٌ …

Al-A'raaf 7:180Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.