Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 161–170 of 206

161

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٰٔتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [mention, O Muhammad], when it was said to them, "Dwell in this city and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens,' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا تُغْفَرُ لَكم خَطِيئاتُكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا نَظِيرُ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ اسْكُنُوا وفي سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ادْخُلُوا لِأنَّ القَوْلَيْنِ قِيلا لَهم، أيْ قِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا واسْكُنُوها، فَفُرِّقَ ذَلِكَ عَلى القِصَّتَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَغْيِيرِ أُسْلُوبِ القَصَصِ اسْتِجْدادًا لِنَشاطِ السّامِعِ.

صفحة ١٤٥

وكَذَلِكَ اخْتِلافُ التَّعْبِيرِ في قَوْلِهِ هُنا وكُلُوا وقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَكُلُوا فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهم بِما يُرادِفُ فاءَ التَّعْقِيبِ، كَما جاءَ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ التَّعْقِيبَ مَعْنًى زائِدٌ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ الَّذِي تُفِيدُهُ واوُ العَطْفِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى حِكايَةِ أنَّهُ قِيلَ لَهم، وكانَتْ آيَةُ البَقَرَةِ أوْلى بِحِكايَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ فاءُ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ فَناسَبَها ما هو أدَلُّ عَلى المِنَّةِ، وهو تَعْجِيلُ الِانْتِفاعِ بِخَيْراتِ القَرْيَةِ. وآياتُ الأعْرافِ سِيقَتْ لِمُجَرَّدِ العِبْرَةِ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ.

ولِأجْلِ هَذا الِاخْتِلافِ مُيِّزَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِإعادَةِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩] وعُوِّضَ عَنْهُ هُنا بِضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا لِأنَّ القَصْدَ في آيَةِ البَقَرَةِ بَيانُ سَبَبِ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ أُشِيرَ إلى أُولاهُما بِما يُومِئُ إلَيْهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ الحُكْمِ، وإلى الثّانِيَةِ بِحَرْفِ السَّبَبِيَّةِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى الثّانِي.

وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لَفْظُ فَأنْزَلْنا ووَقَعَ هُنا لَفْظُ فَأرْسَلْنا ولَمّا قُيِّدَ كِلاهُما بِقَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ كانَ مُفادُهُما واحِدًا، فالِاخْتِلافُ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ.

وعُبِّرَ هُنا ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وفي البَقَرَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] لِأنَّهُ لَمّا اقْتَضى الحالُ في القِصَّتَيْنِ تَأْكِيدَ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وأُدِّيَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ بُقُولِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، اسْتُثْقِلَتْ إعادَةُ لَفْظِ الظُّلْمِ هُنالِكَ ثالِثَةً، فَعُدِلَ عَنْهُ إلى ما يُفِيدُ مُفادَهُ، وهو الفِسْقُ، وهو أيْضًا أعَمُّ، فَهو أنْسَبُ بِتَذْيِيلِ التَّوْبِيخِ، وجِيءَ هُنا بِلَفْظِ (يَظْلِمُونَ) لِئَلّا يَفُوتَ تَسْجِيلُ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثالِثَةً، فَكانَ تَذْيِيلُ آيَةِ البَقَرَةِ أنْسَبَ بِالتَّغْلِيطِ في ذَمِّهِمْ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ يَقْتَضِيهِ.

ووَقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ (مِنهم) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ زِيادَتِها هُنا التَّصْرِيحُ بِأنَّ تَبْدِيلَ القَوْلِ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ، وأُجْمِلَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمّا سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ ناسَبَ إرْهابُهم بِما يُوهِمُ أنَّ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ هم جَمِيعُ القَوْمِ لِأنَّ تَبِعاتِ بَعْضِ القَبِيلَةِ تُحْمَلُ عَلى جَماعَتِها.

وقُدِّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ (﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾) عَلى قَوْلِهِ (﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾) وعُكِسَ هُنا وهو …

Al-A'raaf 7:161Listen in Qur'an →
162

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا تُغْفَرُ لَكم خَطِيئاتُكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا نَظِيرُ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ اسْكُنُوا وفي سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ادْخُلُوا لِأنَّ القَوْلَيْنِ قِيلا لَهم، أيْ قِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا واسْكُنُوها، فَفُرِّقَ ذَلِكَ عَلى القِصَّتَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَغْيِيرِ أُسْلُوبِ القَصَصِ اسْتِجْدادًا لِنَشاطِ السّامِعِ.

صفحة ١٤٥

وكَذَلِكَ اخْتِلافُ التَّعْبِيرِ في قَوْلِهِ هُنا وكُلُوا وقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَكُلُوا فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهم بِما يُرادِفُ فاءَ التَّعْقِيبِ، كَما جاءَ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ التَّعْقِيبَ مَعْنًى زائِدٌ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ الَّذِي تُفِيدُهُ واوُ العَطْفِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى حِكايَةِ أنَّهُ قِيلَ لَهم، وكانَتْ آيَةُ البَقَرَةِ أوْلى بِحِكايَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ فاءُ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ فَناسَبَها ما هو أدَلُّ عَلى المِنَّةِ، وهو تَعْجِيلُ الِانْتِفاعِ بِخَيْراتِ القَرْيَةِ. وآياتُ الأعْرافِ سِيقَتْ لِمُجَرَّدِ العِبْرَةِ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ.

ولِأجْلِ هَذا الِاخْتِلافِ مُيِّزَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِإعادَةِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩] وعُوِّضَ عَنْهُ هُنا بِضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا لِأنَّ القَصْدَ في آيَةِ البَقَرَةِ بَيانُ سَبَبِ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ أُشِيرَ إلى أُولاهُما بِما يُومِئُ إلَيْهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ الحُكْمِ، وإلى الثّانِيَةِ بِحَرْفِ السَّبَبِيَّةِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى الثّانِي.

وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لَفْظُ فَأنْزَلْنا ووَقَعَ هُنا لَفْظُ فَأرْسَلْنا ولَمّا قُيِّدَ كِلاهُما بِقَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ كانَ مُفادُهُما واحِدًا، فالِاخْتِلافُ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ.

وعُبِّرَ هُنا ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وفي البَقَرَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] لِأنَّهُ لَمّا اقْتَضى الحالُ في القِصَّتَيْنِ تَأْكِيدَ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وأُدِّيَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ بُقُولِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، اسْتُثْقِلَتْ إعادَةُ لَفْظِ الظُّلْمِ هُنالِكَ ثالِثَةً، فَعُدِلَ عَنْهُ إلى ما يُفِيدُ مُفادَهُ، وهو الفِسْقُ، وهو أيْضًا أعَمُّ، فَهو أنْسَبُ بِتَذْيِيلِ التَّوْبِيخِ، وجِيءَ هُنا بِلَفْظِ (يَظْلِمُونَ) لِئَلّا يَفُوتَ تَسْجِيلُ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثالِثَةً، فَكانَ تَذْيِيلُ آيَةِ البَقَرَةِ أنْسَبَ بِالتَّغْلِيطِ في ذَمِّهِمْ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ يَقْتَضِيهِ.

ووَقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ (مِنهم) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ زِيادَتِها هُنا التَّصْرِيحُ بِأنَّ تَبْدِيلَ القَوْلِ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ، وأُجْمِلَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمّا سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ ناسَبَ إرْهابُهم بِما يُوهِمُ أنَّ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ هم جَمِيعُ القَوْمِ لِأنَّ تَبِعاتِ بَعْضِ القَبِيلَةِ تُحْمَلُ عَلى جَماعَتِها.

وقُدِّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ (﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾) عَلى قَوْلِهِ (﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾) وعُكِسَ هُنا وهو …

Al-A'raaf 7:162Listen in Qur'an →
163

وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يِسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

غُيِّرَ أُسْلُوبُ الخَبَرِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا: فابْتُدِئَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ بِطَلَبِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ بَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرِينَ عَنْها، فَنَعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ لِهَذِهِ القَصَصِ الآتِيَةِ شَأْنًا غَيْرَ شَأْنِ القِصَصِ الماضِيَةِ، ولا أحْسَبُ ذَلِكَ إلّا مِن أجْلِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَيْسَتْ مِمّا كُتِبَ في تَوْراةِ اليَهُودِ ولا في كُتُبِ أنْبِيائِهِمْ، ولَكِنَّها مِمّا كانَ مَرْوِيًّا عَنْ أحْبارِهِمْ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِالأمْرِ بِسُؤالِهِمْ عَنْها، لِإشْعارِ يَهُودِ العَصْرِ النَّبَوِيِّ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْها، وهم كانُوا يَكْتُمُونَها، وذَلِكَ أنَّ الحَوادِثَ الَّتِي تَكُونُ مَواعِظَ لِلْأُمَّةِ فِيما

صفحة ١٤٧

اجْتَرَحَتْهُ مِنَ المُخالَفاتِ والمَعاصِي تُبْقِي لَها عَقِبَ المَوْعِظَةِ أثَرًا قَدْ تُعَيَّرُ الأُمَّةُ بِهِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ لا يُؤْبَهُ بِهِ في جانِبِ ما يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ لَها بِالمَوْعِظَةِ، فالأُمَّةُ في خُوَيِّصَّتِها لا يَهْتَمُّ قادَتُها ونُصَحاؤُها إلّا بِإصْلاحِ الحالِ، وإنْ كانَ في ذِكْرِ بَعْضِ تِلْكَ الأحْوالِ غَضاضَةٌ عِنْدَها وامْتِعاضٌ، فَإذا جاءَ حُكْمُ التّارِيخِ العامِّ بَيْنَ الأُمَمِ تَناوَلَتِ الأُمَمُ أحْوالَ تِلْكَ الأُمَّةِ بِالحُكْمِ لَها وعَلَيْها، فَبَقِيَتْ حَوادِثُ فَلَتاتِها مَغْمَزًا عَلَيْها ومَعَرَّةً تُعَيَّرُ بِها. وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ اليَهُودِ لَمّا أضاعُوا مُلْكَهم ووَطَنَهم وجاوَرُوا أُمَمًا أُخْرى فَأصْبَحُوا يَكْتُمُونَ عَنْ أُولَئِكَ الجِيرَةِ مَساوِئَ تارِيخِهِمْ، حَتّى أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَعَلَّمَهُ مِن أحْوالِهِمْ ما فِيهِ مُعْجِزَةٌ لِأسْلافِهِمْ، وما بَقِيَ مَعَرَّةً لِأخْلافِهِمْ، وذَلِكَ تَحَدٍّ لَهم، ووَخْزٌ عَلى سُوءِ تَلَقِّيهِمُ الدَّعْوَةَ المُحَمَّدِيَّةَ بِالمَكْرِ والحَسَدِ.

فالسُّؤالُ هُنا في مَعْنى التَّقْرِيرِ لِتَقْرِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْبِيخِهِمْ وعَدِّ سَوابِقِ عِصْيانِهِمْ، أيْ لَيْسَ عِصْيانُهم إيّاكَ بِبِدْعٍ، فَإنَّ ذَلِكَ شِنْشِنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، ولَيْسَ سُؤالَ الِاسْتِفادَةِ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ أُعْلِمَ بِذَلِكَ مِن جانِبِ رَبِّهِ - تَعالى - . وهو نَظِيرُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ فَوِزانُ (﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾) وزِانُ: أعَدَوْتُمْ في السَّبْتِ، فَإنَّ السُّؤالَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى نَوْعَيْنِ أشْهَرُهُما أنْ يَسْألَ السّائِلُ عَمّا لا يَعْلَمُهُ لِيَعْلَمَهُ، والآخَرُ أنْ يَسْألَ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ حِينَ يَكُونُ السّائِلُ يَعْلَمُ حُصُولَ المَسْئُولِ عَنْهُ، ويَعْلَمُ المَسْئُولُ أنَّ السّائِلَ عالِمٌ وأنَّهُ إنَّما سَألَهُ لِيُقَرِّرَهُ.

وجُمْلَةُ (واسْألْهم) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١] واقِعَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَصَصِ الِامْتِنانِ وقَصَصِ الِانْتِقامِ الآتِيَةِ في قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم، ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ إلى هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ في كِلْتا القِصَّتَيْنِ حَدِيثًا يَتَعَلَّقُ بِأهْلِ قَرْيَةٍ مِن قُرى بَنِي إسْرائِيلَ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القَرْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] الآيَةَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهَذِهِ القَرْيَةُ قِيلَ (أيْلَةُ) وهي …

Al-A'raaf 7:163Listen in Qur'an →
164

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allah is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والتَّقْدِيرُ: واسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾، فَإذْ فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا، ولَها حُكْمُ (إذْ) أُخْتِها، المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فالتَّقْدِيرُ: واسْألْهم عَنْ وقْتِ قالَتْ أُمَّةٌ، أيْ عَنْ زَمَنِ قَوْلِ أُمَّةٍ مِنهم، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِن عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ اسْألْهم ولَيْسَ عائِدًا إلى القَرْيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْبِيخُ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، فَإنْ كانَ هَذا القَوْلُ حَصَلَ في تِلْكَ القَرْيَةِ كَما ذَكَرُوهُ المُفَسِّرُونَ كانَ غَيْرَ مَنظُورٍ إلى حُصُولِهِ في تِلْكَ القَرْيَةِ، بَلْ مَنظُورًا إلَيْهِ بِأنَّهُ مَظْهَرٌ آخَرُ مِن مَظاهِرِ عِصْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى المَوْعِظَةِ

صفحة ١٥١

فِيهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ مَعْلُومٌ مِنهم عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَتْ هَذِهِ القِصَّةُ أُعِيدَ مَعَها لَفْظُ اسْمِ الزَّمانِ فَقِيلَ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وقالَتْ أُمَّةٌ.

والأُمَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُشْتَرِكَةُ في هَذا القَوْلِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ دائِبَةً عَلى القِيامِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمَةً كانَتْ قامَتْ بِذَلِكَ ثُمَّ أيِسَتْ مِنَ اتِّعاظِ المَوْعُوظِينَ وأيْقَنَتْ أنْ قَدْ حَقَّتْ عَلى المَوْعُوظِينَ المُصِمِّينَ آذانَهم كَلِمَةُ العَذابِ، وأُمَّةً كانَتْ سادِرَةً في غُلَوائِها، لا تَرْعَوِي عَنْ ضَلالَتِها، ولا تَرْقُبُ اللَّهَ في أعْمالِها.

وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما كانَ مِنَ الأُمَّةِ القائِلَةِ إيجازًا في الكَلامِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ قَوْلَهُمُ (﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلى المَوْعُوظِينَ. وأنَّهم ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ مارَسُوا أمْرَهم، وسَبَرُوا غَوْرَهم، ورَأوْا أنَّهم لا تُغْنِي مَعَهُمُ العِظاتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ. وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ”﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ﴾“ إذْ جَعَلَ النّاسَ فَرِيقَيْنِ، فَعَلِمْنا أنَّ القائِلِينَ مِنَ الفَرِيقِ النّاجِي، لِأنَّهم لَيْسُوا بِظالِمِينَ. وعَلِمْنا أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَعْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

واللّامُ في (﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾) لِلتَّعْلِيلِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مِن نَوْعِ العِلَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جَمِيعِ العِلَلِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُوعَظَ لِتَحْصِيلِها. وذَلِكَ يُفْضِي إلى اليَأْسِ مِن حُصُولِ اتِّعاظِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ تَعِظُونَ أُمَّةً أُخْرى.

ووَصْفُ القَوْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ …

Al-A'raaf 7:164Listen in Qur'an →
165

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

And when they forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والتَّقْدِيرُ: واسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾، فَإذْ فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا، ولَها حُكْمُ (إذْ) أُخْتِها، المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فالتَّقْدِيرُ: واسْألْهم عَنْ وقْتِ قالَتْ أُمَّةٌ، أيْ عَنْ زَمَنِ قَوْلِ أُمَّةٍ مِنهم، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِن عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ اسْألْهم ولَيْسَ عائِدًا إلى القَرْيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْبِيخُ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، فَإنْ كانَ هَذا القَوْلُ حَصَلَ في تِلْكَ القَرْيَةِ كَما ذَكَرُوهُ المُفَسِّرُونَ كانَ غَيْرَ مَنظُورٍ إلى حُصُولِهِ في تِلْكَ القَرْيَةِ، بَلْ مَنظُورًا إلَيْهِ بِأنَّهُ مَظْهَرٌ آخَرُ مِن مَظاهِرِ عِصْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى المَوْعِظَةِ

صفحة ١٥١

فِيهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ مَعْلُومٌ مِنهم عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَتْ هَذِهِ القِصَّةُ أُعِيدَ مَعَها لَفْظُ اسْمِ الزَّمانِ فَقِيلَ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وقالَتْ أُمَّةٌ.

والأُمَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُشْتَرِكَةُ في هَذا القَوْلِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ دائِبَةً عَلى القِيامِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمَةً كانَتْ قامَتْ بِذَلِكَ ثُمَّ أيِسَتْ مِنَ اتِّعاظِ المَوْعُوظِينَ وأيْقَنَتْ أنْ قَدْ حَقَّتْ عَلى المَوْعُوظِينَ المُصِمِّينَ آذانَهم كَلِمَةُ العَذابِ، وأُمَّةً كانَتْ سادِرَةً في غُلَوائِها، لا تَرْعَوِي عَنْ ضَلالَتِها، ولا تَرْقُبُ اللَّهَ في أعْمالِها.

وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما كانَ مِنَ الأُمَّةِ القائِلَةِ إيجازًا في الكَلامِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ قَوْلَهُمُ (﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلى المَوْعُوظِينَ. وأنَّهم ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ مارَسُوا أمْرَهم، وسَبَرُوا غَوْرَهم، ورَأوْا أنَّهم لا تُغْنِي مَعَهُمُ العِظاتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ. وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ”﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ﴾“ إذْ جَعَلَ النّاسَ فَرِيقَيْنِ، فَعَلِمْنا أنَّ القائِلِينَ مِنَ الفَرِيقِ النّاجِي، لِأنَّهم لَيْسُوا بِظالِمِينَ. وعَلِمْنا أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَعْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

واللّامُ في (﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾) لِلتَّعْلِيلِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مِن نَوْعِ العِلَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جَمِيعِ العِلَلِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُوعَظَ لِتَحْصِيلِها. وذَلِكَ يُفْضِي إلى اليَأْسِ مِن حُصُولِ اتِّعاظِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ تَعِظُونَ أُمَّةً أُخْرى.

ووَصْفُ القَوْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ …

Al-A'raaf 7:165Listen in Qur'an →
166

فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والتَّقْدِيرُ: واسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾، فَإذْ فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا، ولَها حُكْمُ (إذْ) أُخْتِها، المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فالتَّقْدِيرُ: واسْألْهم عَنْ وقْتِ قالَتْ أُمَّةٌ، أيْ عَنْ زَمَنِ قَوْلِ أُمَّةٍ مِنهم، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِن عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ اسْألْهم ولَيْسَ عائِدًا إلى القَرْيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْبِيخُ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، فَإنْ كانَ هَذا القَوْلُ حَصَلَ في تِلْكَ القَرْيَةِ كَما ذَكَرُوهُ المُفَسِّرُونَ كانَ غَيْرَ مَنظُورٍ إلى حُصُولِهِ في تِلْكَ القَرْيَةِ، بَلْ مَنظُورًا إلَيْهِ بِأنَّهُ مَظْهَرٌ آخَرُ مِن مَظاهِرِ عِصْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى المَوْعِظَةِ

صفحة ١٥١

فِيهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ مَعْلُومٌ مِنهم عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَتْ هَذِهِ القِصَّةُ أُعِيدَ مَعَها لَفْظُ اسْمِ الزَّمانِ فَقِيلَ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وقالَتْ أُمَّةٌ.

والأُمَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُشْتَرِكَةُ في هَذا القَوْلِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ دائِبَةً عَلى القِيامِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمَةً كانَتْ قامَتْ بِذَلِكَ ثُمَّ أيِسَتْ مِنَ اتِّعاظِ المَوْعُوظِينَ وأيْقَنَتْ أنْ قَدْ حَقَّتْ عَلى المَوْعُوظِينَ المُصِمِّينَ آذانَهم كَلِمَةُ العَذابِ، وأُمَّةً كانَتْ سادِرَةً في غُلَوائِها، لا تَرْعَوِي عَنْ ضَلالَتِها، ولا تَرْقُبُ اللَّهَ في أعْمالِها.

وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما كانَ مِنَ الأُمَّةِ القائِلَةِ إيجازًا في الكَلامِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ قَوْلَهُمُ (﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلى المَوْعُوظِينَ. وأنَّهم ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ مارَسُوا أمْرَهم، وسَبَرُوا غَوْرَهم، ورَأوْا أنَّهم لا تُغْنِي مَعَهُمُ العِظاتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ. وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ”﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ﴾“ إذْ جَعَلَ النّاسَ فَرِيقَيْنِ، فَعَلِمْنا أنَّ القائِلِينَ مِنَ الفَرِيقِ النّاجِي، لِأنَّهم لَيْسُوا بِظالِمِينَ. وعَلِمْنا أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَعْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

واللّامُ في (﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾) لِلتَّعْلِيلِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مِن نَوْعِ العِلَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جَمِيعِ العِلَلِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُوعَظَ لِتَحْصِيلِها. وذَلِكَ يُفْضِي إلى اليَأْسِ مِن حُصُولِ اتِّعاظِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ تَعِظُونَ أُمَّةً أُخْرى.

ووَصْفُ القَوْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ …

Al-A'raaf 7:166Listen in Qur'an →
167

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ واسْألْهم بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، وضَمِيرُ عَلَيْهِمْ عائِدٌ إلى اليَهُودِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ بِدَلالَةِ المَقامِ في قَوْلِهِ - تَعالى - واسْألْهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ فالمُتَحَدَّثَ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ لا عَلاقَةَ لَهم بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّذِينَ عَدَوْا في السَّبْتِ.

و(تَأذَّنَ) عَلى اخْتِلافِ إطْلاقاتِهِ ومِمّا فِيهِ هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الإذْنِ وهو

صفحة ١٥٥

العِلْمُ، يُقالُ أذِنَ أيْ عَلِمَ، وأصْلُهُ العِلْمُ بِالخَبَرِ لِأنَّ مادَّةَ هَذا الفِعْلِ وتَصارِيفَهُ جائِيَةٌ مِنَ الأُذُنِ - اسْمِ الجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّمْعِ، فَهَذِهِ التَّصارِيفُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجامِدِ نَحْوَ اسْتَحْجَرَ الطِّينُ أيْ صارَ حَجَرًا، واسْتَنْسَرَ البُغاثُ أيْ صارَ نَسْرًا. فَتَأذَّنَ: بِزِنَةٍ تَفَعَّلَ الدّالَّةِ عَلى مُطاوَعَةِ فَعَلَ، والمُطاوَعَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى قُوَّةِ حُصُولِ الفِعْلِ، فَقِيلَ هو هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَما يُقالُ تَوَعَّدَ بِمَعْنى أوْعَدَ فَمَعْنى تَأذَّنَ رَبُّكَ أعْلَمَ وأخْبَرَ لَيَبْعَثَنَّ، فَيَكُونُ فِعْلُ أعْلَمَ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِلامِ القَسَمِ، وإلى هَذا مالَ الطَّبَرِيُّ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ تَأذَّنَ إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ أعْلَمَ ويَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنَ التَّعَدِّي وغَيْرِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: تَأذَّنَ تَألّى قالَ في الكَشّافِ مَعْناهُ عَزَمَ رَبُّكَ؛ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِهِ أرادَ أنَّ إشْرابَهُ مَعْنى القَسَمِ ناشِئٌ عَنْ مَجازٍ فَأُطْلِقَ التَّأذُّنُ عَلى العَزْمِ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، فَهو يُؤْذِنُها بِفِعْلِهِ فَتَعْزِمُ نَفْسُهُ، ثُمَّ أُجْرِيَ مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ مِثْلَ عَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ. قالابْنُ عَطِيَّةَ: ”وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللّامِ في الجَوابِ وأمّا اللَّفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عَنْ هَذا“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”تَأذَّنَ رَبُّكَ قالَ رَبُّكَ“ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ أعْلَنَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ.

وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهم بِذَلِكَ وتَوَعَّدَهم بِهِ وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.

ومَعْنى البَعْثِ الإرْسالُ وهو هُنا مَجازٌ في التَّقْيِيضِ والإلْهامِ وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ ذَلِكَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ فِعْلُ لَيَبْعَثَنَّ دُونَ نَحْوِ لَيُلْزِمَنَّهم، وضُمِّنَ مَعْنى التَّسْلِيطِ فَعُدِّيَ بِعَلى كَقَوْلِهِ بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا وقَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ.

و(إلى يَوْمِ القِيامَةِ) غايَةٌ لِما في القَسَمِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وهي غايَةٌ مَقْصُودٌ مِنها جَعْلُ أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ ظَرْفًا لِلْبَعْثِ، لِإخْراجِ ما بَعْدَ الغايَةِ، وهَذا الِاسْتِغْراقُ لِأزْمِنَةِ البَعْثِ أيْ أنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في خِلالِ المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، والبَعْثُ مُطْلَقٌ لا عامٌّ.

ويَسُومُهم يَفْرِضُ عَلَيْهِمْ، وحَقِيقَةُ السَّوْمِ أنَّهُ تَقْدِيرُ العِوَضِ الَّذِي يُسْتَبْدَلُ

صفحة ١٥٦

بِهِ الشَّيْءُ، واسْتُعْمِلَ …

Al-A'raaf 7:167Listen in Qur'an →
168

وَقَطَّعْنَٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًۭا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونُ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وهو عَوْدٌ إلى قَصَصِ الإخْبارِ عَنْ أحْوالِهِمْ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ إشارَةً إلى تَفَرُّقِهِمْ بَعْدَ الِاجْتِماعِ، والتَّقْطِيعُ التَّفْرِيقُ، فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِثْلَ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا، ويَكُونُ مَذْمُومًا، فالتَّعْوِيلُ عَلى القَرِينَةِ لا عَلى لَفْظِ التَّقْطِيعِ.

فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ الجِنْسُ أيْ في أقْطارِ الأرْضِ.

و(أُمَمًا) جَمْعُ أُمَّةٍ بِمَعْنى الجَماعَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا تَقْطِيعًا مَذْمُومًا أيْ تَفْرِيقًا بَعْدَ اجْتِماعِ أُمَّتِهِمْ فَيَكُونُ إشارَةً إلى أسْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَما غَزا مَمْلَكَةَ إسْرائِيلَ ”شَلَمْناصِرُ“ مَلِكُ بابِلَ، ونَقَلَهم إلى جِبالِ أنْشُورَ وأرْضِ بابِلَ سَنَةَ: ٧٢١ قَبْلَ المِيلادِ. ثُمَّ أسَرَ ”بُخْتَنَصَّرُ“ مَمْلَكَةَ يَهُوذا ومَلَكَها سَنَةَ: ٥٧٨ قَبْلَ المِيلادِ، ونَقَلَ اليَهُودَ مِن ”أُرْشَلِيمَ“ ولَمْ يَبْقَ إلّا الفُقَراءُ والعُجَّزُ. ثُمَّ عادُوا إلى أُرْشَلِيمَ سَنَةَ: ٥٣٠ وبَنَوُا البَيْتَ المُقَدَّسَ إلى أنْ أجْلاهم ”طَيْطُوسُ“ الرُّومانِيُّ وخُرِّبَ بَيْتُ المَقْدِسِ في أوائِلِ القَرْنِ الثّانِي بَعْدَ المِيلادِ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ أُمَّتُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَمَزَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ.

ووَصْفُ الأُمَمِ بِأنَّهم مِنهُمُ الصّالِحُونَ إيذانٌ بِأنَّ التَّفْرِيقَ شَمِلَ المُذْنِبِينَ وغَيْرَهم، وأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلصّالِحِينَ مَنزِلَةَ إكْرامٍ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي حَلُّوا بَيْنَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ .

صفحة ١٥٨

وشَمِلَ قَوْلُهُ ومِنهم دُونُ ذَلِكَ كُلَّ مَن لَمْ يَكُنْ صالِحًا عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ فُقْدانِ الصَّلاحِ مِنهم.

و(الصّالِحُونَ) هُمُ المُتَمَسِّكُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسى والمُصَدِّقُونَ لِلْأنْبِياءِ المَبْعُوثِينَ مِن بَعْدِهِ والمُؤْمِنُونَ بِعِيسى بَعْدَ بِعْثَتِهِ. وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا بَعْدَ بِعْثَةِ عِيسى غَيْرَ صالِحِينَ إلّا قَلِيلًا مِنهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وزادُوا بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ، بُعْدًا عَنِ الصَّلاحِ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومُخَيْرِيقٍ.

وانْتَصَبَ (دُونَ ذَلِكَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ وصْفًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنهم أيْ ومِنهم فَرِيقٌ دُونَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) بِمَعْنى بَعْضٍ اسْمًا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ، فَهي مُبْتَدَأٌ، و(دُونَ) خَبَرٌ عَنْهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تُشِيرُ إلى تَفْرِيقِهِمْ في الأرْضِ في مُدَّةِ مُلُوكِ بابِلَ، وأنَّهم كانُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِبابِلَ مِنهُمُ الصّالِحُونَ مِثْلُ ”دانْيالَ“ وغَيْرِهِ، ومِنهم دُونُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّقْسِيمَ بِمِنهم مُشْعِرٌ بِوَفْرَةِ كِلا الفَرِيقَيْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيْ أظْهَرْنا مُخْتَلِفَ حالِ بَنِي إسْرائِيلَ في الصَّبْرِ والشُّكْرِ، أوْ في الجَزَعِ والكُفْرِ، بِسَبَبِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فَهي جَمْعُ حَسَنَةٍ وسَيِّئَةٍ بِمَعْنى الَّتِي تَحْسُنُ والَّتِي تَسُوءُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وعَلى هَذا يَكُونُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تَفْصِيلًا لِلْبَلْوى، فالحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ مِن فِعْلِ اللَّهِ - تَعالى -، أيْ بالَتِي …

Al-A'raaf 7:168Listen in Qur'an →
169

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌۭ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌۭ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ ۗ وَٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture taken from them that they would not say about Allah except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allah, so will you not use reason?

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ جُمْلَةُ فَخَلَفَ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم أنْ كانَ المُرادُ تَقْطِيعَهم في بِلادِ أعْدائِهِمْ وإخْراجَهم مِن مَمْلَكَتِهِمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى عَوْدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بِلادِهِمْ في عَهْدِ المَلِكِ ”كُورَشَ“ مَلِكِ الفُرْسِ في حُدُودِ سَنَةِ: ٥٣٠ قَبْلَ المِيلادِ، فَإنَّهُ لَمّا فَتَحَ بِلادَ آشُورَ أذِنَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أسَرَهم ”بُخْتَنَصَّرُ“ أنْ يَرْجِعُوا إلى بِلادِهِمْ فَرَجَعُوا وبَنَوْا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ خَرابِهِ عَلى يَدِ ”نَحْمِيا“ و”عِزْرا“ كَما تَضَمَّنَهُ سِفْرُ ”نَحْمِيا“ وسِفْرُ ”عِزْرا“، وكانَ مِن جُمْلَةِ ما أحْيَوْهُ أنَّهم أتَوْا بِسِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسى الَّذِي كَتَبَهُ عِزْرا وقَرَءُوهُ عَلى الشَّعْبِ في أُورْشَلِيمَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ ما أوَّلُهُ ذَلِكَ الفَلُّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِن أسْرِ الآشُورِيِّينَ. والمُرادُ بِإرْثِ الكِتابِ إعادَةُ مُزاوَلَتِهِمُ التَّوْراةَ الَّتِي أخْرَجَها إلَيْهِمْ ”عِزْرا“ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الإسْلامِ بِاسْمِ عُزَيْرٍ، ويَكُونُ أخْذُهم عَرَضَ الأدْنى أخْذَ بَعْضِ الخَلْفِ لا جَمِيعِهِ؛ لِأنَّ صَدْرَ ذَلِكَ الخَلْفِ كانُوا تائِبِينَ وفِيهِمْ أنْبِياءُ وصالِحُونَ.

وإنْ كانَ المُرادُ مِن تَقْطِيعِهِمْ في الأرْضِ أُمَمًا تَكْثِيرَهم والِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ، كانَ

صفحة ١٦٠

قَوْلُهُ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ تَفْرِيعًا عَلى جَمِيعِ القَصَصِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي قَصَصُ أسْلافِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ مَن نَشَأ مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ اليَهُودِ بَعْدَ زَوالِ الأُمَّةِ وتَفَرُّقِها، مِنهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ وإلى هَذا المَعْنى في الخَلْفِ نَحا المُفَسِّرُونَ.

والخَلْفُ - بِسُكُونِ اللّامِ - مَن يَأْتِي بَعْدَ غَيْرِهِ سابِقِهِ في مَكانٍ أوْ عَمَلٍ أوْ نَسْلٍ، يُبَيِّنُهُ المَقامُ أوِ القَرِينَةُ، ولا يَغْلِبُ فِيمَن يَخْلُفُ في أمْرٍ سَيِّءٍ، قالَهُ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، خِلافًا لِكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ إذْ قالُوا: الأكْثَرُ اسْتِعْمالُ الخَلْفِ - بِسُكُونِ اللّامِ - فِيمَن يَخْلُفُ في الشَّرِّ، وبِفَتْحِ اللّامِ فِيمَن يَخْلُفُ في الخَيْرِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والإسْكانُ في الرَّدِيءِ وأمّا الحَسَنُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ.

وهُوَ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ أيْ (خالِفٌ)، والخَلْفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ ضِدِّ القُدّامِ لِأنَّ مَن يَجِيءُ بَعْدَ قَوْمٍ فَكَأنَّهُ جاءَ مِن ورائِهِمْ، ولا حَدَّ لِآخِرِ الخَلْفِ، بَلْ يَكُونُ تَحْدِيدُهُ بِالقَرائِنِ، فَلا يَنْحَصِرُ في جِيلٍ ولا في قَرْنٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الخَلْفُ مُمْتَدًّا. قالَ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مريم: ٥٩] فَيَشْمَلُ مَن خَلْفَهم مِن ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهُ ذَكَرَ مِن أسْلافِهِمْ إدْرِيسَ وهو جَدُّ نُوحٍ.

و(ورِثُوا) مَجازٌ في القِيامِ مَقامَ الغَيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - …

Al-A'raaf 7:169Listen in Qur'an →
170

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ

But those who hold fast to the Book and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ جُمْلَةُ فَخَلَفَ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم أنْ كانَ المُرادُ تَقْطِيعَهم في بِلادِ أعْدائِهِمْ وإخْراجَهم مِن مَمْلَكَتِهِمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى عَوْدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بِلادِهِمْ في عَهْدِ المَلِكِ ”كُورَشَ“ مَلِكِ الفُرْسِ في حُدُودِ سَنَةِ: ٥٣٠ قَبْلَ المِيلادِ، فَإنَّهُ لَمّا فَتَحَ بِلادَ آشُورَ أذِنَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أسَرَهم ”بُخْتَنَصَّرُ“ أنْ يَرْجِعُوا إلى بِلادِهِمْ فَرَجَعُوا وبَنَوْا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ خَرابِهِ عَلى يَدِ ”نَحْمِيا“ و”عِزْرا“ كَما تَضَمَّنَهُ سِفْرُ ”نَحْمِيا“ وسِفْرُ ”عِزْرا“، وكانَ مِن جُمْلَةِ ما أحْيَوْهُ أنَّهم أتَوْا بِسِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسى الَّذِي كَتَبَهُ عِزْرا وقَرَءُوهُ عَلى الشَّعْبِ في أُورْشَلِيمَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ ما أوَّلُهُ ذَلِكَ الفَلُّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِن أسْرِ الآشُورِيِّينَ. والمُرادُ بِإرْثِ الكِتابِ إعادَةُ مُزاوَلَتِهِمُ التَّوْراةَ الَّتِي أخْرَجَها إلَيْهِمْ ”عِزْرا“ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الإسْلامِ بِاسْمِ عُزَيْرٍ، ويَكُونُ أخْذُهم عَرَضَ الأدْنى أخْذَ بَعْضِ الخَلْفِ لا جَمِيعِهِ؛ لِأنَّ صَدْرَ ذَلِكَ الخَلْفِ كانُوا تائِبِينَ وفِيهِمْ أنْبِياءُ وصالِحُونَ.

وإنْ كانَ المُرادُ مِن تَقْطِيعِهِمْ في الأرْضِ أُمَمًا تَكْثِيرَهم والِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ، كانَ

صفحة ١٦٠

قَوْلُهُ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ تَفْرِيعًا عَلى جَمِيعِ القَصَصِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي قَصَصُ أسْلافِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ مَن نَشَأ مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ اليَهُودِ بَعْدَ زَوالِ الأُمَّةِ وتَفَرُّقِها، مِنهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ وإلى هَذا المَعْنى في الخَلْفِ نَحا المُفَسِّرُونَ.

والخَلْفُ - بِسُكُونِ اللّامِ - مَن يَأْتِي بَعْدَ غَيْرِهِ سابِقِهِ في مَكانٍ أوْ عَمَلٍ أوْ نَسْلٍ، يُبَيِّنُهُ المَقامُ أوِ القَرِينَةُ، ولا يَغْلِبُ فِيمَن يَخْلُفُ في أمْرٍ سَيِّءٍ، قالَهُ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، خِلافًا لِكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ إذْ قالُوا: الأكْثَرُ اسْتِعْمالُ الخَلْفِ - بِسُكُونِ اللّامِ - فِيمَن يَخْلُفُ في الشَّرِّ، وبِفَتْحِ اللّامِ فِيمَن يَخْلُفُ في الخَيْرِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والإسْكانُ في الرَّدِيءِ وأمّا الحَسَنُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ.

وهُوَ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ أيْ (خالِفٌ)، والخَلْفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ ضِدِّ القُدّامِ لِأنَّ مَن يَجِيءُ بَعْدَ قَوْمٍ فَكَأنَّهُ جاءَ مِن ورائِهِمْ، ولا حَدَّ لِآخِرِ الخَلْفِ، بَلْ يَكُونُ تَحْدِيدُهُ بِالقَرائِنِ، فَلا يَنْحَصِرُ في جِيلٍ ولا في قَرْنٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الخَلْفُ مُمْتَدًّا. قالَ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مريم: ٥٩] فَيَشْمَلُ مَن خَلْفَهم مِن ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهُ ذَكَرَ مِن أسْلافِهِمْ إدْرِيسَ وهو جَدُّ نُوحٍ.

و(ورِثُوا) مَجازٌ في القِيامِ مَقامَ الغَيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - …

Al-A'raaf 7:170Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.