Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 161–170 of 206

161

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٰٔتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [mention, O Muhammad], when it was said to them, "Dwell in this city and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens,' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مَذْكُورَةٌ مَعَ الشَّرْحِ والبَيانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الآيَةِ تُخالِفُ ألْفاظَ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وهَهُنا قالَ: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَكُلُوا﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا﴿وكُلُوا﴾ بِالواوِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿رَغَدًا﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.

والخامِسُ: أنَّهُ قالَ في البَقَرَةِ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ .

والسّادِسُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَهُنا حَذَفَ

صفحة ٣٠

حَرْفَ الواوِ.

والسّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ .

والثّامِنُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مُتَقارِبَةٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَها البَتَّةَ، ويُمْكِنُ ذِكْرُ فَوائِدِ هَذِهِ الألْفاظِ المُخْتَلِفَةِ.

أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ فالفَرْقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن دُخُولِ القَرْيَةِ أوَّلًا، ثُمَّ سُكُونِها ثانِيًا.

وأمّا الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ في البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ [البقرة: ٥٨] بِالفاءِ. وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا﴾ بِالواوِ، والفَرْقُ أنَّ الدُّخُولَ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما يُوجَدُ بَعْضُها يَنْعَدِمُ. فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ داخِلًا في أوَّلِ دُخُولِهِ، وأمّا ما بَعْدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ سُكُونًا لا دُخُولًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُنْقَضِيَةٌ زائِلَةٌ ولَيْسَ لَها اسْتِمْرارٌ. فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ وأمّا السُّكُونُ فَحالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ باقِيَةٌ. فَيَكُونُ الأكْلُ حاصِلًا مَعَهُ لا عَقِيبَهُ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ﴿رَغَدًا﴾ وما ذَكَرَهُ هُنا، فالفَرْقُ أنَّ الأكْلَ عَقِيبَ دُخُولِ القَرْيَةِ يَكُونُ ألَذَّ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ الأكْلِ كانَتْ أكْمَلَ وأتَمَّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الأكْلُ ألَذَّ لا جَرَمَ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ وأمّا الأكْلُ حالَ سُكُونِ القَرْيَةِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ في مَحَلِّ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ ما لَمْ تَكُنِ اللَّذَّةُ فِيهِ مُتَكامِلَةً، فَلا جَرَمَ تَرَكَ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ فِيهِ.

وأمّا الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ …

Al-A'raaf 7:161Listen in Qur'an →
162

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مَذْكُورَةٌ مَعَ الشَّرْحِ والبَيانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الآيَةِ تُخالِفُ ألْفاظَ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وهَهُنا قالَ: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَكُلُوا﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا﴿وكُلُوا﴾ بِالواوِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿رَغَدًا﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.

والخامِسُ: أنَّهُ قالَ في البَقَرَةِ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ .

والسّادِسُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَهُنا حَذَفَ

صفحة ٣٠

حَرْفَ الواوِ.

والسّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ .

والثّامِنُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مُتَقارِبَةٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَها البَتَّةَ، ويُمْكِنُ ذِكْرُ فَوائِدِ هَذِهِ الألْفاظِ المُخْتَلِفَةِ.

أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ فالفَرْقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن دُخُولِ القَرْيَةِ أوَّلًا، ثُمَّ سُكُونِها ثانِيًا.

وأمّا الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ في البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ [البقرة: ٥٨] بِالفاءِ. وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا﴾ بِالواوِ، والفَرْقُ أنَّ الدُّخُولَ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما يُوجَدُ بَعْضُها يَنْعَدِمُ. فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ داخِلًا في أوَّلِ دُخُولِهِ، وأمّا ما بَعْدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ سُكُونًا لا دُخُولًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُنْقَضِيَةٌ زائِلَةٌ ولَيْسَ لَها اسْتِمْرارٌ. فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ وأمّا السُّكُونُ فَحالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ باقِيَةٌ. فَيَكُونُ الأكْلُ حاصِلًا مَعَهُ لا عَقِيبَهُ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ﴿رَغَدًا﴾ وما ذَكَرَهُ هُنا، فالفَرْقُ أنَّ الأكْلَ عَقِيبَ دُخُولِ القَرْيَةِ يَكُونُ ألَذَّ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ الأكْلِ كانَتْ أكْمَلَ وأتَمَّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الأكْلُ ألَذَّ لا جَرَمَ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ وأمّا الأكْلُ حالَ سُكُونِ القَرْيَةِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ في مَحَلِّ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ ما لَمْ تَكُنِ اللَّذَّةُ فِيهِ مُتَكامِلَةً، فَلا جَرَمَ تَرَكَ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ فِيهِ.

وأمّا الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ …

Al-A'raaf 7:162Listen in Qur'an →
163

وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهُمْ﴾ المَقْصُودُ تَعْرِفُ هَذِهِ القِصَّةَ مِن قَبْلِهِمْ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ صارَتْ مَعْلُومَةً لِلرَّسُولِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ أحَدُ أشْياءَ:

الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ تَقْرِيرُ أنَّهم كانُوا قَدْ أقْدَمُوا عَلى هَذا الذَّنْبِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ الفاحِشَةِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِمُعْجِزاتِهِ لَيْسَ شَيْئًا حَدَثَ في هَذا الزَّمانِ، بَلْ هَذا الكُفْرُ والإصْرارُ كانَ حاصِلًا في أسْلافِهِمْ مِنَ الزَّمانِ القَدِيمِ.

والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: هَلْ هَذا الأمْرُ كَذا وكَذا ؟ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُحِيطٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ، وغَيْرُ ذاهِلٍ عَنْ دَقائِقِها، ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أُمِّيًّا لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا، ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا، ثُمَّ أنَّهُ يَذْكُرُ هَذِهِ القَصَصَ عَلى وجْهِها مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُعْجِزِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ تِلْكَ القَرْيَةَ أيْلَةُ. وقِيلَ: مَدْيَنُ. وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، والعَرَبُ تُسَمِّي المَدِينَةَ قَرْيَةً، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: ما رَأيْتُ قَرَوِيِّينَ أفْصَحَ مِنَ الحَسَنِ والحَجّاجِ يَعْنِي رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ المُدُنِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ يَعْنِي قَرِيبَةً مِنَ البَحْرِ وبِقُرْبِهِ وعَلى شاطِئِهِ، والحُضُورُ نَقِيضُ الغَيْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ يَعْنِي يُجاوِزُونَ حَدَّ اللَّهِ فِيهِ، وهو اصْطَيادُهم يَوْمَ السَّبْتِ وقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وقُرِئَ ”يَعَدُّونَ“ بِمَعْنى يَعْتَدُونَ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ ”يُعِدُّونَ“ مِنَ الإعْدادِ وكانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ وهم مَأْمُورُونَ بِأنْ لا يَشْتَغِلُوا فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ و”السَّبْتُ“ مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها، فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ مَعْناهُ يَعْدُونَ في تَعْظِيمِ هَذا اليَوْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ مَعْناهُ: يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ أمْرَ السَّبْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ ويُؤَكِّدُهُ أيْضًا قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ”يَوْمَ أسْباتِهِمْ“، وقُرِئَ ”لا يَسْبُتُونَ“ بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”لا يُسْبِتُونَ“ بِضَمِّ الياءِ مَن أسْبَتُوا، وعَنِ الحَسَنِ ”لا يُسْبَتُونَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ نُصِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْدُونَ﴾ والمَعْنى: سَلْهم إذْ عَدُوا في وقْتِ الإتْيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وشُرَّعٌ جَمْعُ شارِعٍ وشارِعَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ دانَ مِن شَيْءٍ فَهو شارِعٌ، ودارٌ شارِعَةٌ أيْ دَنَتْ مِنَ الطَّرِيقِ، ونُجُومٌ شارِعَةٌ أيْ دَنَتْ مِنَ المَغِيبِ. وعَلى هَذا فالحِيَتانُ كانَتْ …

Al-A'raaf 7:163Listen in Qur'an →
164

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allah is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ قالَتْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ وحُكْمُهُ حُكْمُهُ في الإعْرابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ رَكِبُوا الصَّعْبَ والذَّلُولَ في مَوْعِظَةِ أُولَئِكَ الصَّيّادِينَ حَتّى أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِأقْوامٍ آخَرِينَ ما كانُوا يُقْلِعُونَ عَنْ وعْظِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهُمْ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِتَمادِيهِمْ في الشَّرِّ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (مَعْذِرَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ ”مَعْذِرَةً“ فَقالَ الزَّجّاجُ مَعْناهُ: نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً، وأمّا مَن رَفَعَ فالتَّقْدِيرُ: هَذِهِ مَعْذِرَةٌ أوْ قَوْلُنا مَعْذِرَةٌ، وهي خَبَرٌ لِهَذا المَحْذُوفِ.

البَحْثُ الثّانِي: المَعْذِرَةُ مَصْدَرٌ كالعُذْرِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: عَذَرْتُهُ أعْذُرُهُ عُذْرًا ومَعْذِرَةً، ومَعْنى عَذَرَهُ في اللُّغَةِ أيْ قامَ بِعُذْرِهِ، وقِيلَ: عُذْرُهُ، يُقالُ: مَن يَعْذُرُنِي أيْ يَقُومُ بِعُذْرِي، وعَذَرْتُ فُلانًا فِيما صَنَعَ أيْ قُمْتُ بِعُذْرِهِ، فَعَلى هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قِيامٌ مِنّا بِعُذْرِ أنْفُسِنا إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا إذا طَوَّلْنا بِإقامَةِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قُلْنا: قَدْ فَعَلْنا، فَنَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورِينَ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: المَعْذِرَةُ اسْمٌ عَلى مَفْعِلَةٍ مِن عَذَرَ يَعْذُرُ، وأُقِيمَ مُقامَ الِاعْتِذارِ. كَأنَّهم قالُوا: مَوْعِظَتُنا اعْتِذارٌ إلى رَبِّنا. فَأُقِيمَ الِاسْمُ مُقامَ الِاعْتِذارِ، ويُقالُ: اعْتَذَرَ فُلانٌ اعْتِذارًا وعُذْرًا ومَعْذِرَةً مِن ذَنْبِهِ فَعَذَرْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ وجائِزٌ عِنْدَنا أنْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا الوَعْظِ فَيَتَّقُوا اللَّهَ ويَتْرُكُوا هَذا الذَّنْبَ.

صفحة ٣٣

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ مِنهم مَن صادَ السَّمَكَ وأقْدَمَ عَلى ذَلِكَ الذَّنْبِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي صارُوا قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن وعَظَ الفِرْقَةَ المُذْنِبَةَ، وزَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، ومِنهم مَن سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الوَعْظِ، وأنْكَرُوا عَلى الواعِظِينَ وقالُوا لَهم: لِمَ تَعِظُونَهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم ؟ يَعْنِي: أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإصْرارِ عَلى هَذا الذَّنْبِ إلى حَدٍّ لا يَكادُونَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ، فَصارَ هَذا الوَعْظُ عَدِيمَ الفائِدَةِ عَدِيمَ الأثَرِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أهْلَ القَرْيَةِ كانُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ أقْدَمَتْ عَلى الذَّنْبِ، وفِرْقَةٌ أحْجَمُوا عَنْهُ ووَعَظُوا الأوَّلِينَ، فَلَمّا اشْتَغَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِوَعْظِ الفِرْقَةِ المُذْنِبَةِ المُتَعَدِّيَةِ المُقْدِمَةِ عَلى القَبِيحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ الفِرْقَةُ المُذْنِبَةُ لِلْفِرْقَةِ الواعِظَةِ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا …

Al-A'raaf 7:164Listen in Qur'an →
165

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

And when they forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ قالَتْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ وحُكْمُهُ حُكْمُهُ في الإعْرابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ رَكِبُوا الصَّعْبَ والذَّلُولَ في مَوْعِظَةِ أُولَئِكَ الصَّيّادِينَ حَتّى أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِأقْوامٍ آخَرِينَ ما كانُوا يُقْلِعُونَ عَنْ وعْظِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهُمْ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِتَمادِيهِمْ في الشَّرِّ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (مَعْذِرَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ ”مَعْذِرَةً“ فَقالَ الزَّجّاجُ مَعْناهُ: نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً، وأمّا مَن رَفَعَ فالتَّقْدِيرُ: هَذِهِ مَعْذِرَةٌ أوْ قَوْلُنا مَعْذِرَةٌ، وهي خَبَرٌ لِهَذا المَحْذُوفِ.

البَحْثُ الثّانِي: المَعْذِرَةُ مَصْدَرٌ كالعُذْرِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: عَذَرْتُهُ أعْذُرُهُ عُذْرًا ومَعْذِرَةً، ومَعْنى عَذَرَهُ في اللُّغَةِ أيْ قامَ بِعُذْرِهِ، وقِيلَ: عُذْرُهُ، يُقالُ: مَن يَعْذُرُنِي أيْ يَقُومُ بِعُذْرِي، وعَذَرْتُ فُلانًا فِيما صَنَعَ أيْ قُمْتُ بِعُذْرِهِ، فَعَلى هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قِيامٌ مِنّا بِعُذْرِ أنْفُسِنا إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا إذا طَوَّلْنا بِإقامَةِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قُلْنا: قَدْ فَعَلْنا، فَنَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورِينَ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: المَعْذِرَةُ اسْمٌ عَلى مَفْعِلَةٍ مِن عَذَرَ يَعْذُرُ، وأُقِيمَ مُقامَ الِاعْتِذارِ. كَأنَّهم قالُوا: مَوْعِظَتُنا اعْتِذارٌ إلى رَبِّنا. فَأُقِيمَ الِاسْمُ مُقامَ الِاعْتِذارِ، ويُقالُ: اعْتَذَرَ فُلانٌ اعْتِذارًا وعُذْرًا ومَعْذِرَةً مِن ذَنْبِهِ فَعَذَرْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ وجائِزٌ عِنْدَنا أنْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا الوَعْظِ فَيَتَّقُوا اللَّهَ ويَتْرُكُوا هَذا الذَّنْبَ.

صفحة ٣٣

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ مِنهم مَن صادَ السَّمَكَ وأقْدَمَ عَلى ذَلِكَ الذَّنْبِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي صارُوا قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن وعَظَ الفِرْقَةَ المُذْنِبَةَ، وزَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، ومِنهم مَن سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الوَعْظِ، وأنْكَرُوا عَلى الواعِظِينَ وقالُوا لَهم: لِمَ تَعِظُونَهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم ؟ يَعْنِي: أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإصْرارِ عَلى هَذا الذَّنْبِ إلى حَدٍّ لا يَكادُونَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ، فَصارَ هَذا الوَعْظُ عَدِيمَ الفائِدَةِ عَدِيمَ الأثَرِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أهْلَ القَرْيَةِ كانُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ أقْدَمَتْ عَلى الذَّنْبِ، وفِرْقَةٌ أحْجَمُوا عَنْهُ ووَعَظُوا الأوَّلِينَ، فَلَمّا اشْتَغَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِوَعْظِ الفِرْقَةِ المُذْنِبَةِ المُتَعَدِّيَةِ المُقْدِمَةِ عَلى القَبِيحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ الفِرْقَةُ المُذْنِبَةُ لِلْفِرْقَةِ الواعِظَةِ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا …

Al-A'raaf 7:165Listen in Qur'an →
166

فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: العُتُوُّ عِبارَةٌ عَنِ الإباءِ والعِصْيانِ، وإذا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ فَقَدْ أطاعُوا؛ لِأنَّهم أبَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا عَتَوْا عَنْ تَرْكِ ما نُهُوا عَنْهُ، ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ، وإذا أبَوْا تَرْكَ المَنهِيِّ كانَ ذَلِكَ ارْتِكابًا لِلْمَنهِيِّ.

البَحْثُ الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ لَيْسَ مِنَ المَقالِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ. قالَ: وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] هو بِمَعْنى الفِعْلِ لا الكَلامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بِقَوْلٍ سُمِعَ فَيَكُونُ أبْلَغَ.

واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ هَذا الكَلامِ عَلى هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِالفِعْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ، والقَوْمُ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى أنْ يَقْلِبُوا أنْفُسَهم قِرَدَةً.

البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أصْبَحَ القَوْمُ وهم قِرَدَةٌ صاغِرُونَ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلاثًا فَرَآهُمُ النّاسُ ثُمَّ هَلَكُوا. ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ شَبابَ القَوْمِ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ خَنازِيرَ، وهَذا القَوْلُ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ. واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ مُسِخُوا هَلْ بَقُوا قِرَدَةً ؟ وهَلْ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ أوْ هَلَكُوا، وانْقَطَعَ نَسْلُهم ؟ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلَيْهِ، والكَلامُ في المَسْخِ وما فِيهِ مِنَ المُباحَثاتِ قَدْ سَبَقَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-A'raaf 7:166Listen in Qur'an →
167

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَهُنا بَعْضَ مَصالِحِ أعْمالِ اليَهُودِ وقَبائِحِ أفْعالِهِمْ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصَّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أذَّنَ أعْلَمَ. وأذَّنَ نادى وصاحَ لِلْإعْلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقَوْلُهُ:(تَأذَّنَ) بِمَعْنى أذَّنَ أيْ أعْلَمَ. ولَفْظَةُ تَفَعَّلَ، هَهُنا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ أظْهَرَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ، بَلْ مَعْناهُ فَعَلَ، فَقَوْلُهُ:(تَأذَّنَ) بِمَعْنى أذِنَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ لا بِمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ العُلُوَّ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فِيهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ:(لَيَبْعَثَنَّ) جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ﴾ جارٍ مَجْرى القَسَمِ في كَوْنِهِ جازِمًا بِذَلِكَ الخَبَرِ.

البَحْثُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ:(عَلَيْهِمْ) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

صفحة ٣٥

لَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِينَ مُسِخُوا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ نَسْلُهم والَّذِينَ بَقُوا مِنهم. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ سائِرُ اليَهُودِ فَإنَّ أهْلَ القَرْيَةِ كانُوا بَيْنَ صالِحٍ وبَيْنَ مُتَعَدٍّ، فَمُسِخَ المُتَعَدِّي وأُلْحِقَ الذُّلُّ بِالبَقِيَّةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ الَّذِينَ أدْرَكَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ ودَعاهم إلى شَرِيعَتِهِ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَخْوِيفُ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ وزَجْرُهم عَنِ البَقاءِ عَلى اليَهُودِيَّةِ؛ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا بَقاءَ الذُّلِّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ انْزَجَرُوا.

البَحْثُ الثّالِثُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى الكُفْرِ واليَهُودِيَّةِ، فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَخارِجُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ مَمْدُودٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما يَحْصُلُ في الدُّنْيا، وعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: هو أخْذُ الجِزْيَةِ. وقِيلَ: الِاسْتِخْفافُ والإهانَةُ والإذْلالُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٢ ] وقِيلَ: القَتْلُ والقِتالُ. وقِيلَ: الإخْراجُ والإبْعادُ مِنَ الوَطَنِ، وهَذا القائِلُ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ في أهْلِ خَيْبَرَ وبَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ عَلى أنَّهُ لا دَوْلَةَ لَهم ولا عِزَّ، وأنَّ الذُّلَّ يَلْزَمُهم، والصَّغارُ لا يُفارِقُهم. ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ شاهَدْنا بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ كانَ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا، والخَبَرُ المَرْوِيُّ في أنَّ أتْباعَ الدَّجّالِ هُمُ اليَهُودُ إنْ صَحَّ، فَمَعْناهُ أنَّهم كانُوا قَبْلَ خُرُوجِهِ يَهُودًا ثُمَّ دانُوا بِإلَهِيَّتِهِ، فَذُكِرُوا بِالِاسْمِ الأوَّلِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ في وقْتِ اتِّباعِهِمُ الدَّجّالَ قَدْ خَرَجُوا عَنِ الذِّلَّةِ والقَهْرِ، وذَلِكَ خِلافُ هَذِهِ الآيَةِ. واحْتَجَّ بَعْضُ العُلَماءِ عَلى لُزُومِ …

Al-A'raaf 7:167Listen in Qur'an →
168

وَقَطَّعْنَٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًۭا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

صفحة ٣٦

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ:(وقَطَّعْناهم) أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ المُرادُ جُمْلَةُ اليَهُودِ، ومَعْنى(قَطَّعْناهم) أيْ فَرَّقْناهم تَفْرِيقًا شَدِيدًا. فَلِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي الأرْضِ أُمَمًا﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّهُ لا أرْضَ مَسْكُونَةً إلّا ومِنهم فِيها أُمَّةٌ، وهَذا هو الغالِبُ مِن حالِ اليَهُودِ، ومَعْنى قَطَّعْناهم، فَإنَّهُ قَلَّما يُوجَدُ بَلَدٌ إلّا وفِيهِ طائِفَةٌ مِنهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ قِيلَ المُرادُ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ أدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ وآمَنُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ ومِنهم قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ، والمُرادُ مَن أقامَ عَلى اليَهُودِيَّةِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ مَن يَكُونُ صالِحًا إلّا أنَّ صَلاحَهُ كانَ دُونَ صَلاحِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إلى الظّاهِرِ أقْرَبُ ؟

قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ مَن ثَبَتَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وخَرَجَ مِنَ الصَّلاحِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيْ عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُبْتَلى المُخْتَبَرِ بِالحَسَناتِ، وهي النِّعَمُ والخِصْبُ والعافِيَةُ، والسَّيِّئاتُ هي الجَدْبُ والشَّدائِدُ، قالَ أهْلُ المَعانِي: وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ يَدْعُو إلى الطّاعَةِ، أمّا النِّعَمُ فَلِأجْلِ التَّرْغِيبِ، وأمّا النِّقَمُ فَلِأجْلِ التَّرْهِيبِ. وقَوْلُهُ:(يَرْجِعُونَ) يُرِيدُ كَيْ يَتُوبُوا.

Al-A'raaf 7:168Listen in Qur'an →
169

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌۭ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌۭ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ ۗ وَٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture taken from them that they would not say about Allah except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allah, so will you not use reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الأوَّلَ مَمْدُوحٌ، والثّانِي مَذْمُومٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِ الصّالِحِينَ مِنهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم خَلْفٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَلْفُ ما أخْلَفَ عَلَيْكَ مِمّا أُخِذَ مِنكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ لِلْقَرْنِ الَّذِي يَجِيءُ في إثْرِ قَرْنٍ خَلْفٌ، ويُقالُ فِيهِ أيْضًا خَلَفٌ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: النّاسُ كُلُّهم يَقُولُونَ: خَلْفُ صِدْقٍ وخَلْفُ سُوءٍ، وخَلْفٌ لِلسُّوءِ لا غَيْرُ. وحاصِلُ

صفحة ٣٧

الكَلامِ: أنَّ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن قالَ: الخَلْفُ والخَلَفُ قَدْ يُذْكَرُ في الصّالِحِ وفي الرَّدِيءِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ؛ قالَ لَبِيَدٌ.

وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ المُسْتَعْمَلُ في الذَّمِّ مَأْخُوذٌ مِنَ الخُلْفِ، وهو الفَسادُ، يُقالُ: لِلرَّدِيءِ مِنَ القَوْلِ خُلْفٌ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، وخَلَفَ الشَّيْءُ يَخْلَفُ خُلُوفًا وخَلَفًا إذا فَسَدَ، وكَذَلِكَ الفَمُ إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، يُقالُ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، وأمّا العَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ فَما خالَفَ العَيْنَ، أعْنِي الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، وجَمْعُهُ عُرُوضٌ، فَكانَ كُلُّ عَرْضٍ عَرَضًا، ولَيْسَ كُلُّ عَرَضٍ عَرْضًا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى يُرِيدُ الدُّنْيا وما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنها، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا الأدْنى﴾ تَخْسِيسٌ وتَحْقِيرٌ، و(الأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ بِمَعْنى القُرْبِ لِأنَّهُ عاجِلٌ قَرِيبٌ، وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها. والمُرادُ ما كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الأحْكامِ عَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم يَسْتَحْقِرُونَ ذَلِكَ الذَّنْبَ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ إصْرارِهِمْ عَلى الذُّنُوبِ. وقالَ الحَسَنُ هَذا إخْبارٌ عَنْ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وأنَّهم لا يَسْتَمْتِعُونَ مِنها. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قُبْحَ فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ،﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قِيلَ المُرادُ مَنعُهم عَنْ تَحْرِيفِ الكِتابِ وتَغْيِيرِ الشَّرائِعِ لِأجْلِ أخْذِ الرِّشْوَةِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم قالُوا سَيُغْفَرُ لَنا هَذا الذَّنْبُ مَعَ الإصْرارِ، وذَلِكَ قَوْلٌ باطِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ هو أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ.

قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ بِأنَّ هَذِهِ الكَبِيرَةَ مَغْفُورَةٌ، ونَحْنُ لا نَقْطَعُ بِالغُفْرانِ بَلْ نَرْجُو الغُفْرانَ، ونَقُولُ: إنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ عَلَيْها فَذَلِكَ العَذابُ …

Al-A'raaf 7:169Listen in Qur'an →
170

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ

But those who hold fast to the Book and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الأوَّلَ مَمْدُوحٌ، والثّانِي مَذْمُومٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِ الصّالِحِينَ مِنهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم خَلْفٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَلْفُ ما أخْلَفَ عَلَيْكَ مِمّا أُخِذَ مِنكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ لِلْقَرْنِ الَّذِي يَجِيءُ في إثْرِ قَرْنٍ خَلْفٌ، ويُقالُ فِيهِ أيْضًا خَلَفٌ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: النّاسُ كُلُّهم يَقُولُونَ: خَلْفُ صِدْقٍ وخَلْفُ سُوءٍ، وخَلْفٌ لِلسُّوءِ لا غَيْرُ. وحاصِلُ

صفحة ٣٧

الكَلامِ: أنَّ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن قالَ: الخَلْفُ والخَلَفُ قَدْ يُذْكَرُ في الصّالِحِ وفي الرَّدِيءِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ؛ قالَ لَبِيَدٌ.

وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ المُسْتَعْمَلُ في الذَّمِّ مَأْخُوذٌ مِنَ الخُلْفِ، وهو الفَسادُ، يُقالُ: لِلرَّدِيءِ مِنَ القَوْلِ خُلْفٌ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، وخَلَفَ الشَّيْءُ يَخْلَفُ خُلُوفًا وخَلَفًا إذا فَسَدَ، وكَذَلِكَ الفَمُ إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، يُقالُ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، وأمّا العَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ فَما خالَفَ العَيْنَ، أعْنِي الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، وجَمْعُهُ عُرُوضٌ، فَكانَ كُلُّ عَرْضٍ عَرَضًا، ولَيْسَ كُلُّ عَرَضٍ عَرْضًا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى يُرِيدُ الدُّنْيا وما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنها، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا الأدْنى﴾ تَخْسِيسٌ وتَحْقِيرٌ، و(الأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ بِمَعْنى القُرْبِ لِأنَّهُ عاجِلٌ قَرِيبٌ، وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها. والمُرادُ ما كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الأحْكامِ عَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم يَسْتَحْقِرُونَ ذَلِكَ الذَّنْبَ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ إصْرارِهِمْ عَلى الذُّنُوبِ. وقالَ الحَسَنُ هَذا إخْبارٌ عَنْ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وأنَّهم لا يَسْتَمْتِعُونَ مِنها. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قُبْحَ فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ،﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قِيلَ المُرادُ مَنعُهم عَنْ تَحْرِيفِ الكِتابِ وتَغْيِيرِ الشَّرائِعِ لِأجْلِ أخْذِ الرِّشْوَةِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم قالُوا سَيُغْفَرُ لَنا هَذا الذَّنْبُ مَعَ الإصْرارِ، وذَلِكَ قَوْلٌ باطِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ هو أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ.

قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ بِأنَّ هَذِهِ الكَبِيرَةَ مَغْفُورَةٌ، ونَحْنُ لا نَقْطَعُ بِالغُفْرانِ بَلْ نَرْجُو الغُفْرانَ، ونَقُولُ: إنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ عَلَيْها فَذَلِكَ العَذابُ …

Al-A'raaf 7:170Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.