Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 11–20 of 206

11

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

And We have certainly created you, [O Mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He was not of those who prostrated.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ولِقَدٍّ خَلَقْناكم في ظَهْرِ آَدَم ثُمَّ صَوَّرْناكم في الأرْحامِ، رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ولَقَدْ خَلَقْناكم في أصْلابِ الرِّجالِ، وصَوَّرْناكم في أرْحامِ النِّساءِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آَدَمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ مِن بَعْدِهِ رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾، يَعْنِي آَدَمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في ظَهْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: خَلَقْناكم نُطَفًا في أصْلابِ الرِّجالِ، وتَرائِبِ النِّساءِ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ عِنْدَ اجْتِماعِ النُّطَفِ في الأرْحامِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ فِيما بَعْدَ الخَلْقِ بِشِقِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ مَعْمَرٌ.

والسّابِعُ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آَدَمَ خَلَقْناهُ مِن تُرابٍ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أيْ: صَوَّرْناهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَجَعَلَ الخَلْقَ لَهم إذْ كانُوا مِنهُ؛ فَمَن قالَهُ: عَنِيَ بِقَوْلِهِ ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ آَدَمَ، فَمَعْناهُ: خَلَقْنا أصْلَكُمْ؛ ومَن قالَ: صُوَّرْنا ذُرِّيَّتَهُ في ظَهْرِهِ، أرادَ إخْراجَهم يَوْمَ المِيثاقِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ.

والثّامِنُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي الأرْواحَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يَعْنِي الأجْسادَ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى في "المُعْتَمَدِ" . وُفي ثُمَّ المَذْكُورَةِ مَرَّتَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما" أنَّها بِمَعْنى الواوِ، قالَهُ الأخْفَشُ. والثّانِي: أنَّها لَلتَّرْتِيبِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

Al-A'raaf 7:11Listen in Qur'an →
12

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ

[Allah] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ ما اسْتِفْهامٌ، ومَعْناها الإنْكارُ. قالَ الكِسائِيُّ: "لا" هاهُنا زائِدَةٌ. والمَعْنى: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: مُوضِعُ "ما" رَفْعٌ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ؟ و"لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ ومِثْلُهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ:٢٩] . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَدْ تُزادُ "لا" في الكَلامِ. والمَعْنى: طَرَحَها لَإباءٍ في الكَلامِ، أوْ جَحْدٍ، كَهَذِهِ الآَيَةِ. وإنَّما زادَ "لا" لِأنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ. ومِثْلُهُ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنْعامِ:١٠٩] عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ "أنَّها"، فَزادَ "لا" لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ ومِثْلُهُ: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٥] . وقالَ الفَرّاءُ: "لا" هاهُنا جَحْدٌ مَحْضٌ، ولَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، والمَنعُ راجِعٌ إلى تَأْوِيلِ القَوْلِ، والتَّأْوِيلُ: مَن قالَ لَكَ: لا تَسْجُدْ؛ فَأحَلَّ المَنعَ مَحَلَّ القَوْلِ، ودَخَلَتْ بَعْدَهُ "أنْ" لَيَدُلَّ عَلى تَأْوِيلِ القَوْلِ الَّذِي لَمَّ يَتَصَرَّحْ لَفْظُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَأحْوَجَكَ أنْ لا تَسْجُدَ؟ . قالَ الزَّجّاجُ: وسُؤالُ اللَّهِ تَعالى لَإبْلِيسَ ما مَنَعَك تَوْبِيخٌ لَهُ، ولِيُظْهِرَ أنَّهُ مُعانِدٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتُبْ، وأتى بِشَيْءٍ في مَعْنى الجَوابِ، ولَفْظُهُ غَيْرُ الجَوابِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ إنَّما هو جَوابُ، أيُّكُما خَيْرٌ؟ ولَكِنَّ المَعْنى: مَنَعَنِي مِنَ السُّجُودِ فَضْلِي عَلَيْهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُكَ لَلرَّجُلِ: كَيْفَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا صالِحٌ؛ وإنَّما الجَوابُ: كُنْتُ صالِحًا، فَيُجِيبُ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزِيادَةً. قالَ العُلَماءُ: وقَعَ الخَطَأُ مِن إبْلِيسَ حِينَ قاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وخَفِيَ عَلَيْهِ فَضْلُ الطِّينِ عَلى النّارِ؛ وفَضْلُهُ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُها أنَّ مَن طَبْعِ النّارِ الطَّيْشَ والِالتِهابَ والعَجَلَةَ، ومَن طَبْعِ الطِّينِ الهُدُوءُ والرَّزانَةُ.

والثّانِي: أنَّ الطِّينَ سَبَبُ الإنْباتِ والإيجادِ، والنّارُ سَبَبُ الإعْدامِ والإهْلاكِ.

والثّالِثُ: أنَّ الطِّينَ سَبَبُ جَمْعِ الأشْياءِ، والنّارَ سَبَبُ تَفْرِيقِها.

Al-A'raaf 7:12Listen in Qur'an →
13

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

[Allah] said, "Descend from Paradise, for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى السَّماءِ، لِأنَّهُ كانَ فِيها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: إلى الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ إنْ قِيلَ: فَهَلْ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَبَّرَ في غَيْرِها؟ فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: ما لَلْمُتَكَبِّرِ أنْ يَكُونَ فِيها، وإنَّما المُتَكَبِّرُ في غَيْرِها. وأمّا الصّاغِرُ، فَهو الذَّلِيلُ. والصَّغارُ: الذُّلُّ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَكْبَرَ إبْلِيسٌ بِإبائِهِ السُّجُودَ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ صاغِرٌ بِذَلِكَ.

Al-A'raaf 7:13Listen in Qur'an →
14

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي﴾ أيْ أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فَأرادَ أنْ يَعْبُرَ قَنْطَرَةَ المَوْتِ؛ وسَألَ الخُلُودَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إلى ذَلِكَ، وأنْظَرْهُ إلى النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ يَمُوتُ الخَلْقُ كُلُّهم. وقَدْ بَيَّنَ مُدَّةَ إمْهالِهِ في (الحْجِرِ) بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ:٣٨] . وفي ما سَألَ الإمْهالَ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَوْتُ. والثّانِي: العُقُوبَةُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهُ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ولَيْسَ أحَدٌ أنْظَرُ سِواهُ؟ فالجَوابُ: أنَّ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السّاعَةُ مُنْظَرُونَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ بِآَجالِهِمْ، فَهو مِنهم.

Al-A'raaf 7:14Listen in Qur'an →
15

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "Indeed, you are of those reprieved."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي﴾ أيْ أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فَأرادَ أنْ يَعْبُرَ قَنْطَرَةَ المَوْتِ؛ وسَألَ الخُلُودَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إلى ذَلِكَ، وأنْظَرْهُ إلى النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ يَمُوتُ الخَلْقُ كُلُّهم. وقَدْ بَيَّنَ مُدَّةَ إمْهالِهِ في (الحْجِرِ) بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ:٣٨] . وفي ما سَألَ الإمْهالَ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَوْتُ. والثّانِي: العُقُوبَةُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهُ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ولَيْسَ أحَدٌ أنْظَرُ سِواهُ؟ فالجَوابُ: أنَّ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السّاعَةُ مُنْظَرُونَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ بِآَجالِهِمْ، فَهو مِنهم.

Al-A'raaf 7:15Listen in Qur'an →
16

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them on Your straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ في مَعْنى هَذا الإغْواءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإضْلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩]، أيْ: هَلاكًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وفي مَعْنى "فَبِما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى القَسَمِ، أيْ: فَبِإغْوائِكَ لِي.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الجَزاءِ، أيْ: فَبِأنَّكَ أغْوَيْتَنِي، ولِأجْلِ أنَّكَ أغْوَيْتَنِي ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ . قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أيْ عَلى صِراطِكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: ضَرَبَ زِيدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ. وفي المُرادِ بِالصِّراطِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ كَأنَّ المُرادَ صَدَّهم عَنِ الحَجِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ الحَنِيفَةِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

Al-A'raaf 7:16Listen in Qur'an →
17

ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ أُشَكِّكُهم في آَخِرَتِهِمْ، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ أُرَغِّبُهم في دُنْياهم، ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: مِن قِبَلِ حَسَناتِهِمْ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ سَيِّئاتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِثْلُهُ، إلّا أنَّهم جَعَلُوا ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ الدُّنْيا، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ الآَخِرَةَ، قالَهُ النَّخَعِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: مِثْلُ الثّانِي، إلّا أنَّهم جَعَلُوا ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الحَقِّ أصُدُّهم عَنْهُ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الباطِلِ أرُدُّهم إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ مِن سَبِيلِ الحَقِّ ومِن خَلْفِهِمْ مِن سَبِيلِ الباطِلِ، ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ آَخِرَتِهِمْ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والخامِسُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ، نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: لَأتَصَرَّفَنَّ لَهم في الإضْلالِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَعَلى هَذا، يَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الجِهاتِ، لَلْمُبالَغَةِ في التَّأْكِيدِ.

والسّابِعُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ فِيما بَقِيَ مِن أعْمارِهِمْ، فَلا يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى طاعَةٍ، ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ فِيما مَضى مِن أعْمارِهِمْ، فَلا يَتُوبُونَ فِيهِ مِن مَعْصِيَةٍ، ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الغِنى، فَلا يُنْفِقُونَهُ في مَشْكُورٍ، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الفَقْرِ، فَلا يَمْتَنِعُونَ فِيهِ مِن مَحْظُورٍ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُوَحِّدِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: شاكِرِينَ لَنِعْمَتِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَإنْ قِيلَ: مَن أيْنَ عَلِمَ إبْلِيسُ ذَلِكَ؟ فَقَدْ أسْلَفْنا الجَوابَ عَنْهُ في سُورَةِ (النِّساءِ) .

Al-A'raaf 7:17Listen in Qur'an →
18

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ

[Allah] said, "Get out of Paradise, reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: " مَذُومًا " بِضَمِّ الذّالِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الفَرّاءُ: الذَّأْمُ: الذَّمُّ؛ يُقالُ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ، أذْأمُهُ ذَأْمًا؛ وذَمَمْتُهُ، أذُمُّهُ ذَمًّا؛ وذِمْتُهُ، أذِيمُهُ ذَيْمًا؛ ويُقالُ: رَجُلٌ مَذْؤُومٌ، ومَذْمُومٌ، ومَذِيمٌ، بِمَعْنًى. قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:

؎ وأقامُوا حَتّى أبِيرُوا جَمِيعًا في مَقامٍ وكُلِّهِمُ مَذْؤُومُ

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَذْؤُومُ: المَذْمُومُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ. والمَدْحُورُ: المُقْصى المُبْعَدُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى المَذْؤُومِ كَمَعْنى المَذْمُومِ، والمَدْحُورِ: المُبْعَدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. واللّامُ مِن "لَأمْلَأنَّ": لامُ القَسَمِ؛ والكَلامُ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَن تَبِعَكَ، أُعَذِّبُهُ، فَدَخَلَتِ اللّامُ لَلْمُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ. فَلامُ "لَأمْلَأنَّ" هي لامُ القَسَمِ، ولامُ ﴿لَمَن تَبِعَكَ﴾ تَوْطِئَةٌ لَها. فَأمّا قَوْلُهُ: مِنهم فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الهاءُ والمِيمُ عائِدَتانِ عَلى ولَدِ آَدَمَ، لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١] كانَ مُخاطِبًا لَوَلَدِ آَدَمَ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ فَجَعَلَهم غائِبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَتَهم في ذا المَوْضِعِ تُوقِعُ لَبْسًا؛ والعَرَبُ تَرْجِعُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. ومَن قالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ خِطابٌ لِآَدَمَ، قالَ: أعادَ الهاءَ والمِيمَ عَلى ولَدِهِ، لِأنَّ ذِكْرَهُ يَكْفِي مِن ذِكْرِهِمْ؛ والعَرَبُ تَكْتَفِي بِذِكْرِ الوالِدِ مِن ذِكْرِ الأوْلادِ إذا انْكَشَفَ المَعْنى وزالَ اللَّبْسُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ أرى الخَطَفَيَّ بَذَّ الفَرَزْدَقُ شِعْرَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ خَيْرًا مِن كُلَيْبٍ مُجاشِعُ

أرادَ: أرى ابْنَ الخَطَفِيِّ، فاكْتَفى بِالخَطَفِيِّ مِنِ ابْنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي أوْلادَ آَدَمَ المُخالِفِينَ وقُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ.

Al-A'raaf 7:18Listen in Qur'an →
19

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: " مَذُومًا " بِضَمِّ الذّالِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الفَرّاءُ: الذَّأْمُ: الذَّمُّ؛ يُقالُ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ، أذْأمُهُ ذَأْمًا؛ وذَمَمْتُهُ، أذُمُّهُ ذَمًّا؛ وذِمْتُهُ، أذِيمُهُ ذَيْمًا؛ ويُقالُ: رَجُلٌ مَذْؤُومٌ، ومَذْمُومٌ، ومَذِيمٌ، بِمَعْنًى. قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:

؎ وأقامُوا حَتّى أبِيرُوا جَمِيعًا في مَقامٍ وكُلِّهِمُ مَذْؤُومُ

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَذْؤُومُ: المَذْمُومُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ. والمَدْحُورُ: المُقْصى المُبْعَدُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى المَذْؤُومِ كَمَعْنى المَذْمُومِ، والمَدْحُورِ: المُبْعَدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. واللّامُ مِن "لَأمْلَأنَّ": لامُ القَسَمِ؛ والكَلامُ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَن تَبِعَكَ، أُعَذِّبُهُ، فَدَخَلَتِ اللّامُ لَلْمُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ. فَلامُ "لَأمْلَأنَّ" هي لامُ القَسَمِ، ولامُ ﴿لَمَن تَبِعَكَ﴾ تَوْطِئَةٌ لَها. فَأمّا قَوْلُهُ: مِنهم فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الهاءُ والمِيمُ عائِدَتانِ عَلى ولَدِ آَدَمَ، لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١] كانَ مُخاطِبًا لَوَلَدِ آَدَمَ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ فَجَعَلَهم غائِبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَتَهم في ذا المَوْضِعِ تُوقِعُ لَبْسًا؛ والعَرَبُ تَرْجِعُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. ومَن قالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ خِطابٌ لِآَدَمَ، قالَ: أعادَ الهاءَ والمِيمَ عَلى ولَدِهِ، لِأنَّ ذِكْرَهُ يَكْفِي مِن ذِكْرِهِمْ؛ والعَرَبُ تَكْتَفِي بِذِكْرِ الوالِدِ مِن ذِكْرِ الأوْلادِ إذا انْكَشَفَ المَعْنى وزالَ اللَّبْسُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ أرى الخَطَفَيَّ بَذَّ الفَرَزْدَقُ شِعْرَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ خَيْرًا مِن كُلَيْبٍ مُجاشِعُ

أرادَ: أرى ابْنَ الخَطَفِيِّ، فاكْتَفى بِالخَطَفِيِّ مِنِ ابْنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي أوْلادَ آَدَمَ المُخالِفِينَ وقُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ.

Al-A'raaf 7:19Listen in Qur'an →
20

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

قَوْلُهُ: تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ قِيلَ: إنَّ الوَسْوَسَةَ: إخْفاءُ الصَّوْتِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَسْواسُ: صَوْتُ الحُلِيِّ، ومِنهُ وسْواسُ الشَّيْطانِ. و"لَهُما" بِمَعْنى "إلَيْهِما" ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ أيْ: لَيُظْهِرَ لَهُما (ما وُورِيَ عَنْهُما) أيْ: سَتَرَ. وقِيلَ: إنَّ لامَ "لِيُبْدِيَ" لامُ العاقِبَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ عاقِبَةَ الوَسْوَسَةِ أدَّتْ إلى ظُهُورِ عَوْرَتِهِما، ولَمْ تَكُنَ الوَسْوَسَةُ لَظُهُورِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ قالَ الأخْفَشُ، والزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ما نَهاكُما إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: إلّا أنْ لا تَكُونا، فاكْتَفى بِـ"أنَّ" مِن "لا" فَأسْقَطَها. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ انْقادَ آَدَمُ لَإبْلِيسَ، مُسْتَشْرِفًا إلى أنْ يَكُونَ مَلِكًا، وقَدْ شاهَدَ المَلائِكَةَ ساجِدَةً لَهُ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَفَ قُرْبَهم مِنَ اللَّهِ، واجْتِماعَ أكْثَرِهِمْ حَوْلَ عَرْشِهِ، فاسْتَشْرَفَ لَذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَكُونا طَوِيلَيَّ العُمْرِ مَعَ المَلائِكَةِ ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ لا تَمُوتانِ أبَدًا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَدْ رَوى يَعْلى بْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ﴿أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ.

.

Al-A'raaf 7:20Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.