Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 151–160 of 206

151

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ

صفحة ١٠

خَبَرَهم مِن قَبْلُ في عِبادَةِ العِجْلِ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ ومُشاهَدَةِ أحْوالِهِمْ صارَ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عِنْدَ هُجُومِهِ عَلَيْهِمْ عَرَفَ ذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلْ كانَ عارِفًا بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، وهَذا أقْرَبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حالَ ما كانَ راجِعًا كانَ غَضْبانَ أسِفًا، وهو إنَّما كانَ راجِعًا إلى قَوْمِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ كانَ عالِمًا بِهَذِهِ الحالَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ طه أنَّهُ أخْبَرَهُ بِوُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ في المِيقاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الأسَفِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأسَفَ الشَّدِيدَ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ وعَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ أغْضَبُونا.

والثّانِي: وهو أيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ: إنَّ الآسِفَ هو الحَزِينُ. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: إنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ أيْ حَزِينٌ. قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، لِأنَّ الغَضَبَ مِنَ الحُزْنِ والحُزْنَ مِنَ الغَضَبِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ هو فَوْقَكَ حَزِنْتَ. فَتُسَمّى إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ حُزْنًا والأُخْرى غَضَبًا، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، أسِفًا حَزِينًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهم، وقَدْ كانَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ فَمَعْناهُ بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي وكُنْتُمْ خُلَفائِي مِن بَعْدِي وهَذا الخِطابُ إنَّما يَكُونُ لِعَبَدَةِ العِجْلِ مِنَ السّامِرِيِّ وأشْياعِهِ، أوْ لِوُجُوهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم: هارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ مَكانَ عِبادَةِ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي، يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ لَمْ تُمْنَعُوا مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أيْنَ ما يَقْتَضِيهِ(بِئْسَ) مِنَ الفاعِلِ، والمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ ؟

والجَوابُ: الفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ:(ما خَلَفْتُمُونِي) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم.

السُّؤالُ …

Al-A'raaf 7:151Listen in Qur'an →
152

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ

Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالِ مَن عَبَدَ العِجْلَ.

واعْلَمْ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مِن مَفْعُولَيِ الِاتِّخاذِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا ومَعْبُودًا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ باشَرُوا عِبادَةَ العِجْلِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قَتَلُوا أنْفُسَهم في مَعْرِضِ التَّوْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وإذا تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ إنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ؟

والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ ذَلِكَ الغَضَبَ إنَّما حَصَلَ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ الغَضَبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو أنَّهم قَدْ ضَلُّوا فَذَلُّوا.

فَإنْ قالُوا: السِّينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذا عَلى حُكْمِ الدُّنْيا ؟

قُلْنا: هَذا الكَلامُ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، فَأخْبَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ هَذا الكَلامُ سابِقًا عَلى وُقُوعِهِمْ في القَتْلِ وفي الذِّلَّةِ، فَصَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ مِن هَذا الِاعْتِبارِ.

والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ أبْناؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَفي الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تُعَيِّرُ الأبْناءَ بِقَبائِحِ أفْعالِ الآباءِ كَما تَفْعَلُ ذَلِكَ في المَناقِبِ. يَقُولُونَ لِلْأبْناءِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مَن مَضى مِن آبائِهِمْ، فَكَذا هَهُنا وُصِفَ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وإنْ كانَ آباؤُهم فَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرَةِ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] .

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيِ الَّذِينَ باشَرُوا ذَلِكَ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ أيْ سَيَنالُ أوْلادُهم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

صفحة ١٣

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ فَجَزاؤُهُ غَضَبُ اللَّهِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا ويَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُبْتَدِعَ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ …

Al-A'raaf 7:152Listen in Qur'an →
153

وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالِ مَن عَبَدَ العِجْلَ.

واعْلَمْ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مِن مَفْعُولَيِ الِاتِّخاذِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا ومَعْبُودًا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ باشَرُوا عِبادَةَ العِجْلِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قَتَلُوا أنْفُسَهم في مَعْرِضِ التَّوْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وإذا تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ إنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ؟

والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ ذَلِكَ الغَضَبَ إنَّما حَصَلَ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ الغَضَبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو أنَّهم قَدْ ضَلُّوا فَذَلُّوا.

فَإنْ قالُوا: السِّينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذا عَلى حُكْمِ الدُّنْيا ؟

قُلْنا: هَذا الكَلامُ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، فَأخْبَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ هَذا الكَلامُ سابِقًا عَلى وُقُوعِهِمْ في القَتْلِ وفي الذِّلَّةِ، فَصَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ مِن هَذا الِاعْتِبارِ.

والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ أبْناؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَفي الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تُعَيِّرُ الأبْناءَ بِقَبائِحِ أفْعالِ الآباءِ كَما تَفْعَلُ ذَلِكَ في المَناقِبِ. يَقُولُونَ لِلْأبْناءِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مَن مَضى مِن آبائِهِمْ، فَكَذا هَهُنا وُصِفَ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وإنْ كانَ آباؤُهم فَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرَةِ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] .

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيِ الَّذِينَ باشَرُوا ذَلِكَ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ أيْ سَيَنالُ أوْلادُهم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

صفحة ١٣

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ فَجَزاؤُهُ غَضَبُ اللَّهِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا ويَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُبْتَدِعَ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ …

Al-A'raaf 7:153Listen in Qur'an →
154

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لَنا ما كانَ مِنهُ مَعَ الغَضَبِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما كانَ مِنهُ عِنْدَ سُكُوتِ الغَضَبِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ عَلى قانُونِ الِاسْتِعارَةِ كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُقَوِّيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا وكَذا، وألْقِ الألْواحَ وخُذْ بِرَأْسِ أخِيكَ إلَيْكَ، فَلَمّا زالَ الغَضَبُ، صارَ كَأنَّهُ سَكَتَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، إنَّ المَعْنى: سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ وقُلِبَ كَما قالُوا: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، والمَعْنى: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ بِالسُّكُوتِ السُّكُونُ والزَّوالُ، وعَلى هَذا جازَ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ ولا يَجُوزُ صَمَتَ لِأنَّ﴿سَكَتَ﴾ بِمَعْنى سَكَنَ، وأمّا صَمَتَ فَمَعْناهُ سَدَّ فاهُ عَنِ الكَلامِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الغَضَبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَرَفَ أنَّ أخاهُ هارُونَ لَمْ يَقَعْ مِنهُ تَقْصِيرٌ وظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ عُذْرِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَكَنَ غَضَبُهُ. وهو الوَقْتُ الَّذِي قالَ فِيهِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ وكَما دَعا لِأخِيهِ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى زَوالِ غَضَبِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ ما تَقَدَّمَ مِن أماراتِ غَضَبِهِ عَلى ما فَعَلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ، فَجُعِلَ ضِدَّ ذَيْنِكَ الفِعْلَيْنِ كالعَلامَةِ لِسُكُونِ غَضَبِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ المُرادُ مِنهُ الألْواحُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَيْئًا مِنها لَمْ يَنْكَسِرْ ولَمْ يَبْطَلْ، وأنَّ الَّذِي قِيلَ مِن أنَّ سِتَّةَ أسْباعِ التَّوْراةِ رُفِعَتْ إلى السَّماءِ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ النَّسْخُ عِبارَةٌ عَنِ النَّقْلِ والتَّحْوِيلِ فَإذا كَتَبْتَ كِتابًا عَنْ كِتابٍ

صفحة ١٤

حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ. قُلْتَ: نَسَخْتُ ذَلِكَ الكِتابَ، كَأنَّكَ نَقَلْتَ ما في الأصْلِ إلى الكِتابِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا ألْقى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الألْواحَ تَكَسَّرَتْ فَصامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأعادَ اللَّهُ تَعالى الألْواحَ وفِيها عَيْنُ ما في الأُولى، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أيْ وفِيما نُسِخَ مِنها. وأمّا إنْ قُلْنا إنَّ الألْواحَ لَمْ تَتَكَسَّرْ وأخَذَها مُوسى بِأعْيانِها بَعْدَما ألْقاها، ولا شَكَّ أنَّها كانَتْ مَكْتُوبَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَهي أيْضًا تَكُونُ نَسْخًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ أيْ﴿هُدًى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ﴿ورَحْمَةٌ﴾ مِنَ العَذابِ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يُرِيدُ الخائِفِينَ مِن رَبِّهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: التَّقْدِيرُ لِلَّذِينِ يَرْهَبُونَ رَبَّهم فَما الفائِدَةُ في اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ ؟

قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ تَأْخِيرَ الفِعْلِ عَنْ مَفْعُولِهِ يُكْسِبُهُ ضَعْفًا فَدَخَلَتِ اللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] .

الثّانِي: أنَّها لامُ الأجْلِ، والمَعْنى: لِلَّذِينِ هم لِأجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لا رِياءً ولا سُمْعَةً.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يُزادُ حَرْفُ الجَرِّ في المَفْعُولِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ …

Al-A'raaf 7:154Listen in Qur'an →
155

وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًۭا لِّمِيقَٰتِنَا ۖ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّٰىَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَٰفِرِينَ

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment. And when the earthquake seized them, he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الِاخْتِيارُ: افْتِعالٌ مِن لَفْظِ الخَيْرِ يُقالُ: اخْتارَ الشَّيْءَ إذا أخَذَ خَيْرَهُ وخِيارَهُ، وأصْلُ اخْتارَ: اخْتَيَرَ، فَلَمّا تَحَرَّكَتِ الياءُ وقَبْلَها فَتْحَةٌ قُلِبَتْ ألِفًا نَحْوَ قالَ وباعَ، ولِهَذا السَّبَبِ اسْتَوى لَفْظُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَقِيلَ فِيهِما مُخْتارٌ، والأصْلُ مُخْتَيِرٌ ومُخْتَيَرٌ، فَقُلِبَتِ الياءُ فِيهِما ألِفًا فاسْتَوَيا في اللَّفْظِ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الأعْضاءَ السَّلِيمَةَ بِحَسَبِ سَلامَتِها الأصْلِيَّةِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، وصالِحَةٌ لِلْفِعْلِ ولِضِدِّهِ، وما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ مَصْدَرًا لِأحَدِ الجانِبَيْنِ دُونَ الثّانِي، وإلّا لَزِمَ رُجْحانُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وهو مُحالٌ، فَإذا حَكَمَ الإنْسانُ بِأنَّ لَهُ في الفِعْلِ نَفْعًا زائِدًا وصَلاحًا راجِحًا، فَقَدْ حَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ الجانِبَ خَيْرٌ لَهُ مِن ضِدِّهِ. فَعِنْدَ حُصُولِ هَذا الِاعْتِقادِ في القَلْبِ يَصِيرُ الفِعْلُ راجِحًا عَلى التَّرْكِ، فَلَوْلا الحُكَمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ الطَّرَفِ خَيْرًا مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ فاعِلًا، فَلَمّا كانَ صُدُورُ الفِعْلِ

صفحة ١٥

عَنِ الحَيَوانِ مَوْقُوفًا عَلى حُكْمِهِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ خَيْرًا مِن تَرْكِهِ، فَلا جَرَمَ سُمِّيَ الفِعْلُ الحَيَوانِيُّ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا. واللَّهُ أعْلَمُ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ، وقَدْ يَرْمِي نَفْسَهُ مِن شاهِقِ جَبَلٍ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الخَيْراتِ بَلْ مِنَ الشُّرُورِ.

فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ لا يَقْدِمُ عَلى قَتْلِ نَفْسِهِ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَتْلِ يَتَخَلَّصُ عَنْ ضَرَرٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ القَتْلِ، والضَّرَرُ الأسْهَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّرَرِ الأعْظَمِ يَكُونُ خَيْرًا لا شَرًّا. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ جَماعَةُ النَّحْوِيِّينَ: مَعْناهُ واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ، فَحُذِفَتْ كَلِمَةُ ”مِن“ ووُصِلَ الفِعْلُ فَنُصِبَ، يُقالُ: اخْتَرْتُ مِنَ الرِّجالِ زَيْدًا، واخْتَرْتُ الرِّجالَ زَيْدًا، وأنْشَدُوا قَوْلَ الفَرَزْدَقِ:

ومِنّا الَّذِي اخْتارَ الرِّجالَ سَماحَةً وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّ مِنَ الأفْعالِ ما يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِحَرْفٍ واحِدٍ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فَيُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، مِن ذَلِكَ قَوْلُكَ: اخْتَرْتُ مِنَ الرِّجالِ زَيْدًا ثُمَّ يُتَّسَعُ فَيُقالُ اخْتَرْتُ الرِّجالَ زَيْدًا، وقَوْلُكَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن ذَنْبِي، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبِي، قالَ الشّاعِرُ:

أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ أُحْصِيهِ

ويُقالُ أمَرْتُ زَيْدًا بِالخَيْرِ وأمَرْتُ زَيْدًا الخَيْرَ، قالَ الشّاعِرُ:

أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ

واللَّهُ أعْلَمُ.

وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ لِمِيقاتِنا، وأرادَ بِقَوْمِهِ …

Al-A'raaf 7:155Listen in Qur'an →
156

۞ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allah] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakah and those who believe in Our verses -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ دُعاءِ مُوسى ﷺ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الرَّجْفَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ مَعْناهُ أنَّهُ قَرَّرَ أوَّلًا أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ ثُمَّ إنَّ المُتَوَقَّعَ مِنَ الوَلِيِّ والنّاصِرِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: دَفْعُ الضَّرَرِ.

والثّانِي: تَحْصِيلُ النَّفْعِ.

ودَفْعُ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى تَحْصِيلِ النَّفْعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِطَلَبِ دَفْعِ الضَّرَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِطَلَبِ تَحْصِيلِ النَّفْعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ﴾ أيْ أوْجِبْ لَنا، والكِتابَةُ تُذْكَرُ بِمَعْنى الإيجابِ، وسُؤالُهُ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَسُؤالِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، حَيْثُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .

واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى ولِيًّا لِلْعَبْدِ يُناسِبُ أنْ يَطْلُبَ العَبْدُ مِنهُ دَفْعَ المَضارِّ وتَحْصِيلَ المَنافِعِ؛ لِيُظْهِرَ آثارَ كَرَمِهِ وفَضْلِهِ وإلَهِيَّتِهِ، وأيْضًا اشْتِغالُ العَبْدِ بِالتَّوْبَةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ يُناسِبُ طَلَبَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ الأوَّلَ أوَّلًا، وهو كَوْنُهُ تَعالى ولِيًّا لَهُ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ طَلَبَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ السَّبَبَ الثّانِيَ، وهو اشْتِغالُ العَبْدِ بِالتَّوْبَةِ والخُضُوعِ فَقالَ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿هُدْنا﴾ أيْ تُبْنا ورَجَعْنا إلَيْكَ، قالَ

صفحة ١٩

اللَّيْثُ: الهَوْدُ التَّوْبَةُ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ أيْضًا؛ لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَقْتَضِي حُسْنَ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا مَجْمُوعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: كَوْنُهُ إلَهًا ورَبًّا ووَلِيًّا، وكَوْنُنا عَبِيدًا لَهُ تائِبِينَ خاضِعِينَ خاشِعِينَ، فالأوَّلُ عَهْدُ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والثّانِي عَهْدُ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، فَإذا حَصَلا واجْتَمَعا فَلا سَبَبَ أقْوى مِنهُما.

ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى دُعاءَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ بَعْدَهُ ما كانَ جَوابًا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقالَ تَعالى قالَ: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُعَذِّبُ مَن أشاءُ ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيَّ اعْتِراضٌ؛ لِأنَّ الكُلَّ مِلْكِي، ومَن تَصَرَّفَ في خالِصِ مِلْكِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”مَن أساءَ“ مِنَ الإساءَةِ، واخْتارَ الشّافِعِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو أنَّ رَحْمَتَهُ في الدُّنْيا عَمَّتِ الكُلَّ، وأمّا في الآخِرَةِ فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الوُجُودُ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا مَوْجُودَ إلّا وقَدْ وصَلَتْ إلَيْهِ رَحْمَتُهُ، وأقَلُّ المَراتِبِ وجُودُهُ، وقِيلَ الخَيْرُ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ راجِحٌ غالِبٌ، وما بِالعَرَضِ …

Al-A'raaf 7:156Listen in Qur'an →
157

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and forbids them what is wrong and makes lawful for them the good things and prohibits for them the evil and relieves them of their burden and the shackles which were upon them. So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

صفحة ٢٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَةِ مَن تُكْتَبُ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ التَّقْوى وإيتاءَ الزَّكاةِ والإيمانَ بِالآياتِ، ضَمَّ إلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن صِفَتِهِ اتِّباعُ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَتَّبِعُوهُ بِاعْتِقادِ نُبُوَّتِهِ مِن حَيْثُ وجَدُوا صِفَتَهُ في التَّوْراةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّبِعُوهُ في شَرائِعِهِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ إلى الخَلْقِ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ إنَّ المُرادَ سَيَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في الإنْجِيلِ؛ لِأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَجِدُوهُ فِيهِ قَبْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ الإنْجِيلَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مَن لَحِقَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيّامَ الرَّسُولِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ اللّاحِقِينَ لا يَكْتُبُ لَهم رَحْمَةَ الآخِرَةِ إلّا إذا اتَّبَعُوا الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ. والقَوْلُ الثّانِي أقْرَبُ، لِأنَّ اتِّباعَهُ قَبْلَ أنْ بُعِثَ ووُجِدَ لا يُمْكِنُ. فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ لا يَفُوزُ بِها مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَنِ اتَّقى وآتى الزَّكاةَ وآمَنَ بِالدَّلائِلِ في زَمَنِ مُوسى، ومَن هَذِهِ صِفَتُهُ في أيّامِ الرَّسُولِ إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ مُتَبِّعًا لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ في شَرائِعِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ تِسْعٍ.

الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ رَسُولًا، وقَدِ اخْتَصَّ هَذا اللَّفْظُ بِحَسَبِ العُرْفِ بِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ لِتَبْلِيغِ التَّكالِيفِ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ نَبِيًّا، وهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَفِيعَ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ أُمِّيًّا. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى﴿الأُمِّيَّ﴾ الَّذِي هو عَلى صِفَةِ أُمَّةِ العَرَبِ. قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ» ) فالعَرَبُ أكْثَرُهم ما كانُوا يَكْتُبُونَ ولا يَقْرَءُونَ، والنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ أُمِّيًّا. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وكَوْنُهُ أُمِّيًّا بِهَذا التَّفْسِيرِ كانَ مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى مَنظُومًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مِن غَيْرِ تَبْدِيلِ ألْفاظِهِ ولا تَغْيِيرِ كَلِماتِهِ، والخَطِيبُ مِنَ العَرَبِ إذا ارْتَجَلَ خُطْبَةً ثُمَّ أعادَها فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُزِيدَ فِيها وأنْ يُنْقِصَ عَنْها بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ أنَّهُ ما كانَ يَكْتُبُ، وما كانَ يَقْرَأُ كانَ يَتْلُو كِتابَ اللَّهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ولا تَغْيِيرٍ. فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] . …

Al-A'raaf 7:157Listen in Qur'an →
158

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

Say, [O Muhammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allah to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allah and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allah and His words, and follow him that you may be guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن شَرْطِ حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِأُولَئِكَ المُتَّقِينَ، كَوْنَهم مُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، حَقَّقَ في هَذِهِ الآيَةِ رِسالَتَهُ إلى الخَلْقِ بِالكُلِّيَّةِ. فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ. وقالَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ وهم أتْباعُ عِيسى الأصْفَهانِيِّ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ صادِقٌ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ. وغَيْرُ مَبْعُوثٍ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ودَلِيلُنا عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ يَتَناوَلُ كُلَّ النّاسِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ النّاسِ، وأيْضًا فَما يُعْلَمُ بِالتَّواتُرِ مِن دِينِهِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ رَسُولًا حَقًّا أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ رَسُولًا حَقًّا، امْتَنَعَ الكَذِبُ عَلَيْهِ. ووَجَبَ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ صادِقًا في كُلِّ ما يَدَّعِيهِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وبِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا في هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى العَرَبِ فَقَطْ، لا إلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وأمّا قَوْلُ القائِلِ: إنَّهُ ما كانَ رَسُولًا حَقًّا، فَهَذا يَقْتَضِي القَدْحَ في كَوْنِهِ رَسُولًا إلى العَرَبِ وإلى غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ رَسُولٌ إلى بَعْضِ الخَلْقِ دُونَ بَعْضٍ كَلامٌ باطِلٌ مُتَناقِضٌ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ مِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقالُوا: إنَّهُ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ رَسُولٌ إلى النّاسِ إذا كانُوا مِن جُمْلَةِ المُكَلَّفِينَ فَأمّا إذا لَمْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ المُكَلَّفِينَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: («رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَبْلُغَ، وعَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ» ) .

الثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى كُلِّ مَن وصَلَ إلَيْهِ خَبَرُ وُجُودِهِ وخَبَرُ مُعْجِزاتِهِ وشَرائِعِهِ، حَتّى يُمْكِنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُتابَعَتُهُ، أمّا لَوْ قَدَّرْنا حُصُولَ قَوْمٍ في طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ لَمْ يَبْلَغْهم خَبَرُ وُجُودِهِ ولا مُعْجِزاتِهِ، فَهم لا يَكُونُونَ مُكَلَّفِينَ بِالإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِدُخُولِ التَّخْصِيصِ في الآيَةِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ:

أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ، وهَذا الخِطابُ لا يَتَناوَلُ إلّا المُكَلَّفِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ …

Al-A'raaf 7:158Listen in Qur'an →
159

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among the people of Moses is a community which guides by truth and by it establishes justice.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الرَّسُولَ، وذَكَرَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الخَلْقِ مُتابَعَتُهُ، ذَكَرَ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وهُدِيَ إلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّهم جَماعَةٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ يُنْبِئُ عَنِ الكَثْرَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مَتى حَصَلَتْ، وفي أيِّ زَمانٍ كانَتْ ؟ فَقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وأسْلَمُوا مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنِ صُورِيا، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ، ولَفْظُ الأُمَّةِ يَقْتَضِي الكَثْرَةَ، يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَمّا كانُوا مُخْتَلِفِينَ في الدِّينِ، جازَ إطْلاقُ لَفْظِ الأُمَّةِ عَلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] وقِيلَ: إنَّهم قَوْمٌ مَشَوْا عَلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ وصانُوهُ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ في زَمَنِ تَفَرُّقِ بَنِي إسْرائِيلَ وإحْداثِهِمُ البِدَعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أقامُوا عَلى ذَلِكَ إلى أنْ جاءَ المَسِيحُ فَدَخَلُوا في دِينِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا هَلَكُوا قَبْلَ ذَلِكَ، وقالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كَفَرُوا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَقِيَ سِبْطٌ في جُمْلَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَما صَنَعُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُنْقِذَهم مِنهم، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ. ثُمَّ هَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، مِنهم مَن قالَ: إنَّهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ اليَهُودِيَّةِ إلى الآنِ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُمُ الآنَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَسْتَقْبِلُونَ الكَعْبَةَ، وتَرَكُوا السَّبْتَ وتَمَسَّكُوا بِالجُمُعَةِ، لا يَتَظالَمُونَ ولا يَتَحاسَدُونَ ولا يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنّا أحَدٌ ولا إلَيْنا مِنهم أحَدٌ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: وصَلَ إلَيْهِمْ خَبَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ ما وصَلَ إلَيْهِمْ هَذا الخَبَرُ.

فَإنْ قُلْنا: وصَلَ خَبَرُهُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى اليَهُودِيَّةِ فَهم كُفّارٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهم بِكَوْنِهِمْ أُمَّةً يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ؟ وإنْ قُلْنا بِأنَّهم لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ خَبَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا وصَلَ خَبَرُهم إلَيْنا، مَعَ أنَّ الدَّواعِيَ لا تَتَوَفَّرُ عَلى نَقْلِ أخْبارِهِمْ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ لا يَصِلَ إلَيْهِمْ خَبَرُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ أنَّ الدُّنْيا قَدِ امْتَلَأتْ مِن خَبَرِهِ وذِكْرِهِ ؟

فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ قَدْ وصَلَ خَبَرُهم إلَيْنا ولَمْ يَصِلْ خَبَرُنا إلَيْهِمْ ؟

قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَمِن أيْنَ عُرِفَ أنَّهُ لَمْ يَصِلْ خَبَرُنا إلَيْهِمْ ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ بِالحَقِّ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قالَ

صفحة ٢٨

الزَّجّاجُ: العَدْلُ الحُكْمُ بِالحَقِّ. يُقالُ: هو يَقْضِي بِالحَقِّ ويَعْدِلُ؛ وهو حَكَمٌ عادِلٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] .

Al-A'raaf 7:159Listen in Qur'an →
160

وَقَطَّعْنَٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًۭا ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We divided them into twelve descendant tribes [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ، شَرْحُ نَوْعَيْنِ مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى فَرَقَ بَنِي إسْرائِيلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ، فَمَيَّزَهم وفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِئَلّا يَتَحاسَدُوا فَيَقَعَ فِيهِمُ الهَرْجُ والمَرْجُ. وقَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ صَيَّرْناهم قِطَعًا أيْ فِرَقًا ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وقُرِئَ ”وقَطَعْناهم“ بِالتَّخْفِيفِ وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: مُمَيَّزُ ما عَدا العَشَرَةَ مُفْرَدٌ، فَما وجْهُ مَجِيئِهِ مَجْمُوعًا، وهَلّا قِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ؟

والجَوابُ: المُرادُ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، وكُلُّ قَبِيلَةٍ أسْباطٌ، فَوَضَعَ أسْباطًا مَوْضِعَ قَبِيلَةٍ.

السُّؤالُ الثّانِي: قالَ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ مَعَ أنَّ السِّبْطَ مُذَكَّرٌ لا مُؤَنَّثٌ.

الجَوابُ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَهُ﴿أُمَمًا﴾ فَذَهَبَ التَّأْنِيثُ إلى الأُمَمِ.

ثُمَّ قالَ: ولَوْ قالَ: اثْنَيْ عَشَرَ لِأجْلِ أنَّ السِّبْطَ مُذَكَّرٌ كانَ جائِزًا. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ فِرْقَةً ”أسْباطًا“ فَقَوْلُهُ: ﴿أسْباطًا﴾ نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وهو الفِرْقَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أسْباطًا﴾ تَمْيِيزًا، ولَكِنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ .

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُمَمًا﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هو بَدَلٌ مِن﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ بِمَعْنى: وقَطَّعْناهم أُمَمًا لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً وجَماعَةً كَثِيفَةَ العَدَدِ، وكُلَّ واحِدَةٍ كانَتْ تَؤُمُّ خِلافَ ما تَؤُمُّهُ الأُخْرى، ولا تَكادُ تَأْتَلِفُ. وقُرِئَ ”اثْنَتَيْ عَشِرَةَ“ بِكَسْرِ الشِّينِ.

النَّوْعُ الثّانِي مِن شَرْحِ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ وهَذِهِ القِصَّةُ أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ الحَسَنُ: ما كانَ إلّا حَجَرًا اعْتَرَضَهُ وإلّا عَصًا أخَذَها.

واعْلَمْ أنَّهم كانُوا رُبَّما احْتاجُوا في التِّيهِ إلى ماءٍ يَشْرَبُونَهُ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَضْرِبَ

صفحة ٢٩

بِعَصاهُ الحَجَرَ، وكانُوا يُرِيدُونَهُ مَعَ أنْفُسِهِمْ فَيَأْخُذُوا مِنهُ قَدْرَ الحاجَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: فانْبَجَسَ الماءُ وانْبِجاسُهُ انْفِجارُهُ. يُقالُ: بَجَسَ الماءُ يَبْجُسُ، وانْبَجَسَ وتَبَجَّسَ إذا تَفَجَّرَ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ: والِانْبِجاسُ والِانْفِجارُ سَواءٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ الِانْبِجاسِ المَذْكُورِ هَهُنا وبَيْنَ الِانْفِجارِ المَذْكُورِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: الِانْبِجاسُ خُرُوجُ الماءِ بِقِلَّةٍ، والِانْفِجارُ خُرُوجُهُ بِكَثْرَةٍ، وطَرِيقُ الجَمْعِ: أنَّ الماءَ ابْتَدَأ بِالخُرُوجِ …

Al-A'raaf 7:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.