قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ
[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
جُعِلَ رُجُوعُ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ كالأمْرِ الَّذِي وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ مِن قَبْلُ عَلى الأُسْلُوبِ المُبَيَّنِ في قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] . فَرُجُوعُ مُوسى مَعْلُومٌ مِن تَحَقُّقِ انْقِضاءِ المُدَّةِ المَوْعُودِ بِها، وكَوْنُهُ رَجَعَ في حالَةِ غَضَبٍ مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ فَأعْلَمَهُ بِما صَنَعَ قَوْمُهُ في مَغِيبِهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ طَهَ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ فِـ (﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾) حالانِ مِن مُوسى، فَهُما قَيْدانِ لِـ (رَجَعَ) فَعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ والأسَفَ مُقارِنانِ لِلرُّجُوعِ.
والغَضَبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]) في هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ١١٤
والأسِفُ بِدُونِ مَدٍّ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لِلْآسِفِ بِالمَدِّ الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ لِلَّذِي حَلَّ بِهِ الأسَفُ وهو الحُزْنُ الشَّدِيدُ، أيْ رَجَعَ غَضْبانَ مِن عِصْيانِ قَوْمِهِ حَزِينًا عَلى فَسادِ أحْوالِهِمْ.
وبِئْسَما ضِدُّ نِعِمّا وقَدْ مَضى القَوْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى بِئْسَتْ خِلافَةٌ خَلَفْتُمُونِيها خِلافَتُكم.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ خَلَفَ في قَوْلِهِ اخْلُفْنِي في قَوْمِي قَرِيبًا.
وهَذا خِطابٌ لِهارُونَ ووُجُوهِ القَوْمِ لِأنَّهم خُلَفاءُ مُوسى في قَوْمِهِمْ فَيَكُونُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ القَوْمِ، فَأمّا هارُونُ فَلِأنَّهُ لَمْ يُحْسِنِ الخِلافَةَ بِسِياسَةِ الأُمَّةِ كَما كانَ يَسُوسُها مُوسى، وأمّا القَوْمُ فَلِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَ غَيْبَةِ مُوسى، ومِن لَوازِمِ الخِلافَةِ فِعْلُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المَخْلُوفُ عَنْهُ، فَهم لَمّا تَرَكُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ مُوسى مِن عِبادَةِ اللَّهِ وصارُوا إلى عِبادَةِ العِجْلِ فَقَدِ انْحَرَفُوا عَنْ سِيرَتِهِ فَلَمْ يَخْلُفُوهُ في سِيرَتِهِ، وإطْلاقُ الخِلافَةِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ فَيَكُونُ فِعْلُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وزِيادَةُ (مِن بَعْدِي) عَقِبَ خَلَفْتُمُونِي لِلتَّذْكِيرِ بِالبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الخَلَفِ وحالِ المَخْلُوفِ عَنْهُ تَصْوِيرًا لِفَظاعَةٍ ما خَلَفُوهُ بِهِ، أيْ بَعْدَ ما سَمِعْتُمْ مِنِّي التَّحْذِيرَ مِنَ الإشْراكِ وزَجْرِكم عَنْ تَقْلِيدِ المُشْرِكِينَ حِينَ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَيَكُونُ قَيْدُ (مِن بَعْدِي) لِلْكَشْفِ وتَصْوِيرِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . ومَعْلُومٌ أنَّ السَّقْفَ لا يَكُونُ إلّا مِن فَوْقَ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِتَصْوِيرِ حالَةِ الخُرُورِ وتَهْوِيلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ نَفَرٍ مِنَ الأنْبِياءِ وصِفاتِهِمْ - ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] أيْ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ …