Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 151–160 of 206

151

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

جُعِلَ رُجُوعُ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ كالأمْرِ الَّذِي وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ مِن قَبْلُ عَلى الأُسْلُوبِ المُبَيَّنِ في قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] . فَرُجُوعُ مُوسى مَعْلُومٌ مِن تَحَقُّقِ انْقِضاءِ المُدَّةِ المَوْعُودِ بِها، وكَوْنُهُ رَجَعَ في حالَةِ غَضَبٍ مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ فَأعْلَمَهُ بِما صَنَعَ قَوْمُهُ في مَغِيبِهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ طَهَ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ فِـ (﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾) حالانِ مِن مُوسى، فَهُما قَيْدانِ لِـ (رَجَعَ) فَعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ والأسَفَ مُقارِنانِ لِلرُّجُوعِ.

والغَضَبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]) في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١١٤

والأسِفُ بِدُونِ مَدٍّ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لِلْآسِفِ بِالمَدِّ الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ لِلَّذِي حَلَّ بِهِ الأسَفُ وهو الحُزْنُ الشَّدِيدُ، أيْ رَجَعَ غَضْبانَ مِن عِصْيانِ قَوْمِهِ حَزِينًا عَلى فَسادِ أحْوالِهِمْ.

وبِئْسَما ضِدُّ نِعِمّا وقَدْ مَضى القَوْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى بِئْسَتْ خِلافَةٌ خَلَفْتُمُونِيها خِلافَتُكم.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ خَلَفَ في قَوْلِهِ اخْلُفْنِي في قَوْمِي قَرِيبًا.

وهَذا خِطابٌ لِهارُونَ ووُجُوهِ القَوْمِ لِأنَّهم خُلَفاءُ مُوسى في قَوْمِهِمْ فَيَكُونُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ القَوْمِ، فَأمّا هارُونُ فَلِأنَّهُ لَمْ يُحْسِنِ الخِلافَةَ بِسِياسَةِ الأُمَّةِ كَما كانَ يَسُوسُها مُوسى، وأمّا القَوْمُ فَلِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَ غَيْبَةِ مُوسى، ومِن لَوازِمِ الخِلافَةِ فِعْلُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المَخْلُوفُ عَنْهُ، فَهم لَمّا تَرَكُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ مُوسى مِن عِبادَةِ اللَّهِ وصارُوا إلى عِبادَةِ العِجْلِ فَقَدِ انْحَرَفُوا عَنْ سِيرَتِهِ فَلَمْ يَخْلُفُوهُ في سِيرَتِهِ، وإطْلاقُ الخِلافَةِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ فَيَكُونُ فِعْلُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

وزِيادَةُ (مِن بَعْدِي) عَقِبَ خَلَفْتُمُونِي لِلتَّذْكِيرِ بِالبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الخَلَفِ وحالِ المَخْلُوفِ عَنْهُ تَصْوِيرًا لِفَظاعَةٍ ما خَلَفُوهُ بِهِ، أيْ بَعْدَ ما سَمِعْتُمْ مِنِّي التَّحْذِيرَ مِنَ الإشْراكِ وزَجْرِكم عَنْ تَقْلِيدِ المُشْرِكِينَ حِينَ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَيَكُونُ قَيْدُ (مِن بَعْدِي) لِلْكَشْفِ وتَصْوِيرِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . ومَعْلُومٌ أنَّ السَّقْفَ لا يَكُونُ إلّا مِن فَوْقَ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِتَصْوِيرِ حالَةِ الخُرُورِ وتَهْوِيلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ نَفَرٍ مِنَ الأنْبِياءِ وصِفاتِهِمْ - ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] أيْ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ …

Al-A'raaf 7:151Listen in Qur'an →
152

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ

Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ الدُّنْيا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى، فَبَعْدَ أنْ دَعا لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وأنَّهُ سَيَظْهَرُ أثَرُ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وسَتَنالُهم ذِلَّةٌ في الدُّنْيا وذَلِكَ بِوَحْيٍ تَلَقّاهُ، وانْتَهى كَلامُ

صفحة ١١٩

مُوسى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأنَّ جُمْلَةَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ خِطابٌ مِن جانِبِ اللَّهِ في القُرْآنِ، فَهو اعْتِراضٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ ذَيَّلَ اللَّهُ بِهَذا الِاعْتِراضِ حِكايَةَ كَلامِ مُوسى فَأخْبَرَ بِأنَّهُ يُجازِي كُلَّ مُفْتَرٍ بِمِثْلِ ما أخْبَرَ بِهِ مُوسى عَنْ مُفْتَرِيِّ قَوْمِهِ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلْفائِدَةِ بِبَيانِ حالَةِ أضْدادِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وعَنْ أمْثالِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى آخِرِها خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى، جَوابًا عَنْ دُعائِهِ لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قُلْنا إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إلى آخِرِهِ، مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] الآيَةَ.

و(يَنالُهم) يُصِيبُهم.

والنَّوْلُ والنَّيْلُ: الأخْذُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإصابَةِ والتَّلَبُّسِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي لِـ اتَّخَذُوا مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا.

وتَعْرِيفُهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ في اسْتِحْضارِهِمْ بِصِفَةٍ عُرِفُوا بِها، ولِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِسَبَبِيَّةِ ما نالَهم مِنَ العِقابِ، والمُرادُ بِالغَضَبِ ظُهُورُ أثَرِهِ مِنَ الخِذْلانِ ومَنعِ العِنايَةِ، وأمّا نَفْسُ الغَضَبِ فَهو حاصِلٌ في الحالِ.

وغَضَبُ اللَّهِ - تَعالى - إرادَتُهُ السُّوءَ بِعَبْدِهِ وعِقابُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في إحْداهُما، والذِّلَّةُ: خُضُوعٌ في النَّفْسِ واسْتِكانَةٌ مِن جَرّاءِ العَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، فَمَعْنى نَيْلِ الذِّلَّةِ إيّاهم أنَّهم يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ لِمَن يَغْلِبُهم، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَسْلِيطِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ، أوْ بِسَلْبِ الشُّجاعَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ خائِفِينَ العَدُوَّ ولَوْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ، أوْ ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ إذْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ مُلْكَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَكانُوا بِلا وطَنٍ طُولَ حَياتِهِمْ حَتّى انْقَرَضَ ذَلِكَ الجِيلُ كُلُّهُ، وهَذِهِ الذِّلَّةُ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ قَدْ لا تَمْحُوها التَّوْبَةُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَقْتَضِي العَفْوَ عَنْ عِقابِ التَّكْلِيفِ، ولا تَقْتَضِي تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِمَصائِبِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مُسَبَّباتٌ تَنْشَأُ عَنْ أسْبابِها، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَرْفَعَها التَّوْبَةُ إلّا بِعِنايَةٍ

صفحة ١٢٠

إلَهِيَّةٍ خاصَّةٍ، …

Al-A'raaf 7:152Listen in Qur'an →
153

وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ الدُّنْيا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى، فَبَعْدَ أنْ دَعا لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وأنَّهُ سَيَظْهَرُ أثَرُ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وسَتَنالُهم ذِلَّةٌ في الدُّنْيا وذَلِكَ بِوَحْيٍ تَلَقّاهُ، وانْتَهى كَلامُ

صفحة ١١٩

مُوسى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأنَّ جُمْلَةَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ خِطابٌ مِن جانِبِ اللَّهِ في القُرْآنِ، فَهو اعْتِراضٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ ذَيَّلَ اللَّهُ بِهَذا الِاعْتِراضِ حِكايَةَ كَلامِ مُوسى فَأخْبَرَ بِأنَّهُ يُجازِي كُلَّ مُفْتَرٍ بِمِثْلِ ما أخْبَرَ بِهِ مُوسى عَنْ مُفْتَرِيِّ قَوْمِهِ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلْفائِدَةِ بِبَيانِ حالَةِ أضْدادِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وعَنْ أمْثالِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى آخِرِها خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى، جَوابًا عَنْ دُعائِهِ لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قُلْنا إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إلى آخِرِهِ، مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] الآيَةَ.

و(يَنالُهم) يُصِيبُهم.

والنَّوْلُ والنَّيْلُ: الأخْذُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإصابَةِ والتَّلَبُّسِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي لِـ اتَّخَذُوا مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا.

وتَعْرِيفُهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ في اسْتِحْضارِهِمْ بِصِفَةٍ عُرِفُوا بِها، ولِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِسَبَبِيَّةِ ما نالَهم مِنَ العِقابِ، والمُرادُ بِالغَضَبِ ظُهُورُ أثَرِهِ مِنَ الخِذْلانِ ومَنعِ العِنايَةِ، وأمّا نَفْسُ الغَضَبِ فَهو حاصِلٌ في الحالِ.

وغَضَبُ اللَّهِ - تَعالى - إرادَتُهُ السُّوءَ بِعَبْدِهِ وعِقابُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في إحْداهُما، والذِّلَّةُ: خُضُوعٌ في النَّفْسِ واسْتِكانَةٌ مِن جَرّاءِ العَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، فَمَعْنى نَيْلِ الذِّلَّةِ إيّاهم أنَّهم يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ لِمَن يَغْلِبُهم، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَسْلِيطِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ، أوْ بِسَلْبِ الشُّجاعَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ خائِفِينَ العَدُوَّ ولَوْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ، أوْ ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ إذْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ مُلْكَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَكانُوا بِلا وطَنٍ طُولَ حَياتِهِمْ حَتّى انْقَرَضَ ذَلِكَ الجِيلُ كُلُّهُ، وهَذِهِ الذِّلَّةُ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ قَدْ لا تَمْحُوها التَّوْبَةُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَقْتَضِي العَفْوَ عَنْ عِقابِ التَّكْلِيفِ، ولا تَقْتَضِي تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِمَصائِبِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مُسَبَّباتٌ تَنْشَأُ عَنْ أسْبابِها، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَرْفَعَها التَّوْبَةُ إلّا بِعِنايَةٍ

صفحة ١٢٠

إلَهِيَّةٍ خاصَّةٍ، …

Al-A'raaf 7:153Listen in Qur'an →
154

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾

نَظْمُ هَذا الكَلامِ مِثْلُ نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، أيْ: ثُمَّ سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ ولَمّا سَكَتَ عَنْهُ أخَذَ الألْواحَ

صفحة ١٢٢

وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ.

والسُّكُوتُ مُسْتَعارٌ لِذَهابِ الغَضَبِ عَنْهُ - شُبِّهَ ثَوَرانُ الغَضَبِ في نَفْسِ مُوسى المُنْشِئُ خَواطِرَ العُقُوبَةِ لِأخِيهِ ولِقَوْمِهِ وإلْقاءُ الألْواحِ حَتّى انْكَسَرَتْ، بِكَلامِ شَخْصٍ يُغْرِيهِ بِذَلِكَ، وحَسَّنَ هَذا التَّشْبِيهَ أنَّ الغَضْبانَ يَجِيشُ في نَفْسِهِ حَدِيثٌ لِلنَّفْسِ يَدْفَعُهُ إلى أفْعالٍ يُطْفِئُ بِها ثَوَرانَ غَضَبِهِ، فَإذا سَكَنَ غَضَبُهُ وهَدَأتْ نَفْسُهُ كانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ سُكُوتِ المُغْرِي، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ السُّكُوتُ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهَ الغَضَبِ بِالنّاطِقِ المُغْرِي عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، فاجْتَمَعَ اسْتِعارَتانِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ تُذْكَرِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها ورُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن رَوادِفِها وهو السُّكُوتُ وفي هَذا ما يُؤَيِّدُ أنَّ إلْقاءَ الألْواحِ كانَ أثَرًا لِلْغَضَبِ.

والتَّعْرِيفُ في الألْواحِ لِلْعَهْدِ، أيِ الألْواحَ الَّتِي ألْقاها، وإنَّما أخَذَها حِفْظًا لَها لِلْعَمَلِ بِها لِأنَّ انْكِسارَها لا يُضِيعُ ما فِيها مِنَ الكِتابَةِ.

والنُّسْخَةُ بِمَعْنى المَنسُوخِ كالخُطْبَةِ والقُبْضَةِ، والنَّسْخُ هو نَقْلُ مِثْلِ المَكْتُوبِ في لَوْحٍ أوْ صَحِيفَةٍ أُخْرى، وما يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الألْواحَ أُخِذَتْ مِنها نُسْخَةٌ لِأنَّ النُّسْخَةَ أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِ الألْواحِ، وهَذا مِنَ الإيجازِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أخَذَ الألْواحَ فَجُعِلَتْ مِنها نُسْخَةٌ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ، وهَذا يُشِيرُ إلى ما في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ " ثُمَّ قالَ الرَّبُّ لِمُوسى انْحِتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ مِثْلَ الأوَّلَيْنِ فَأكْتُبُ أنا عَلى اللَّوْحَيْنِ الكَلِماتِ الَّتِي كانَتْ عَلى اللَّوْحَيْنِ الأوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُما - ثُمَّ قالَ - فَنَحَتَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ كالأوَّلَيْنِ إلَهانِ - قالَ -: وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هَذِهِ الكَلِماتِ - إلى أنْ قالَ -: فَكَتَبَ عَلى اللَّوْحَيْنِ كَلِماتِ العَهْدِ الكَلِماتِ العَشْرَ.

فَوَصْفُ النُّسْخَةِ بِأنَّ فِيها هُدًى ورَحْمَةً يَسْتَلْزِمُ الأصْلَ المُنْتَسَخَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في النُّسْخَةِ نَظِيرُ ما في الأصْلِ، وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ النُّسْخَةِ هُنا إشارَةً إلى أنَّ اللَّوْحَيْنِ الأصْلِيَّيْنِ عُوِّضا بِنُسْخَةٍ لَهُما، وقَدْ قِيلَ: إنَّ رُضاضَ الألْواحِ الأصْلِيَّةِ وضَعَهُ في تابُوتِ العَهْدِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يَتَنازَعُ تَعَلُّقَهُ كُلٌّ مِن (هُدًى) و(رَحْمَةٌ)، واللّامُ في قَوْلِهِ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لامُ التَّقْوِيَةِ دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ لِضَعْفِ العامِلِ

صفحة ١٢٣

بِتَأْخِيرِهِ عَنِ المَعْمُولِ.

Al-A'raaf 7:154Listen in Qur'an →
155

وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًۭا لِّمِيقَٰتِنَا ۖ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّٰىَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَٰفِرِينَ

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment. And when the earthquake seized them, he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]

عُطِفَتْ جُمْلَةُ واخْتارَ مُوسى عَلى جُمْلَةِ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ: لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مِن مَواقِعِ المَوْعِظَةِ والعِبْرَةِ بَيْنَ العِبَرِ المَأْخُوذَةِ مِن قِصَّةِ مُوسى مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّ في هَذِهِ عِبْرَةً بِعَظَمَةِ اللَّهِ - تَعالى - ورَحْمَتِهِ، ودُعاءُ مُوسى بِما فِيهِ جُمّاعُ الخَيْراتِ، والبِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومِلاكُ شَرِيعَتِهِ.

والِاخْتِيارُ تَمْيِيزُ المَرْغُوبِ مِن بَيْنِ ما هو مَخْلُوطٌ مِن مَرْغُوبٍ وضِدِّهِ، وهو زِنَةُ افْتِعالٍ مِنَ الخَيْرِ صِيغَ الفِعْلُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى مُطاوَعَةٍ لِفِعْلِ (خارَ) .

وقَوْلُهُ سَبْعِينَ رَجُلًا بَدَلٌ مِن (قَوْمَهُ) بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ إنَّما نُصِبَ (قَوْمَهُ) عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: اخْتارَ مِن قَوْمِهِ، قالُوا وحَذْفُ الجارِ مِنَ المُتَعَلِّقِ الَّذِي هو في رُتْبَةِ المَفْعُولِ الثّانِي شائِعٌ في ثَلاثَةِ أفْعالٍ: اخْتارَ، واسْتَغْفَرَ وأمَرَ، ومِنهُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ (سَبْعِينَ) مَفْعُولًا أوَّلًا. وأيًّا ما كانَ فَبِناءُ نَظْمِ الكَلامِ عَلى ذِكْرِ القَوْمِ ابْتِداءً دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى سَبْعِينَ رَجُلًا اقْتَضاهُ حالُ الإيجازِ في الحِكايَةِ، وهو مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ.

وهَذا الِاخْتِيارُ وقَعَ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالمَجِيءِ لِلْمُناجاةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ، فَقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ”أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَصْعَدَ طُورَ سِينا هو و(هارُونُ) و(نادابُ) و(أبِيهُو) و(يَشُوعُ) وسَبْعُونَ مِن شُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ ويَكُونُ شُيُوخُ بَنِي إسْرائِيلَ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الجَبَلِ ويَتَقَدَّمُ مُوسى حَتّى يَدْخُلَ في السَّحابِ لِيَسْمَعَ كَلامَ

صفحة ١٢٤

اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ لَمّا تَجَلّى لِلْجَبَلِ ارْتَجَفَ الجَبَلُ ومَكَثَ مُوسى أرْبَعِينَ يَوْمًا. وجاءَ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ والَّذِي بَعْدَهُ، بَعْدَ ذِكْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ وكَسْرِ الألْواحِ، أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى بِأنْ يَنْحِتَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ مِثْلَ الأوَّلَيْنِ لِيَكْتُبَ عَلَيْهِما الكَلِماتِ العَشْرَ المَكْتُوبَةَ عَلى اللَّوْحَيْنِ المُنْكَسِرَيْنِ وأنْ يَصْعَدَ إلى طُورِ سِينا وذُكِرَتْ صِفَةُ صُعُودٍ تُقارِبُ الصِّفَةَ الَّتِي في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ، وأنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى مَن أخْطَأ أمْحُوهُ مِن كِتابِي، وأنَّ مُوسى سَجَدَ لِلَّهِ - تَعالى - واسْتَغْفَرَ لِقَوْمِهِ قِلَّةَ امْتِثالِهِمْ وقالَ:“ فَإنْ غَفَرْتَ خَطِيئَتَهم وإلّا فامْحُنِي مِن كِتابِكَ. ”وجاءَ في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: أنَّ مُوسى لَمّا صَعِدَ الطُّورَ في المُناجاةِ الثّانِيَةِ صامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَأْكُلُ طَعامًا ولا يَشْرَبُ ماءً اسْتِغْفارًا لِخَطِيئَةِ قَوْمِهِ وطَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْهم. فَتَبَيَّنَ مِمّا في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِمُوسى مِيقاتَيْنِ …

Al-A'raaf 7:155Listen in Qur'an →
156

۞ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allah] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakah and those who believe in Our verses -

﴿قالَ عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْرَيةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ أمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

جُمْلَةُ قالَ إلَخْ جَوابٌ لِكَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِوُقُوعِها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وكَلامُ مُوسى، وإنْ كانَ طَلَبًا، وهو لا يَسْتَدْعِي جَوابًا، فَإنَّ جَوابَ الطّالِبِ عِنايَةٌ بِهِ وفَضْلٌ.

والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الكَلامَ جَوابٌ لِقَوْلِ مُوسى ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . والإهْلاكُ عَذابٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سَبَبَ المَشِيئَةِ وهو أعْلَمُ بِهِ، ومُوسى يَعْلَمُهُ إجْمالًا، فالكَلامُ يَتَضَمَّنُ طَمْأنَةَ مُوسى مِن أنْ يَنالَهُ العَذابُ هو والبُرَآءُ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ مِن أنْ يُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُجْرِمِينَ، والمَعْنى: إنِّي قادِرٌ عَلى تَخْصِيصِ العَذابِ بِمَن عَصَوْا وتَنْجِيَةِ مَن لَمْ يُشارِكْ في العِصْيانِ، وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةٍ مُجْمَلَةٍ شَأْنَ كَلامِ مَن لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.

وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مُقابِلُ قَوْلِ مُوسى فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا، وهو وعْدُ تَعْرِيضٍ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ المَسْئُولَةِ لَهُ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُخْتارِينَ، لِأنَّها لَمّا

صفحة ١٣٠

وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهم أرْجى النّاسِ بِها، وأنَّ العاصِينَ هم أيْضًا مَغْمُورُونَ بِالرَّحْمَةِ، فَمِنها رَحْمَةُ الإمْهالِ والرِّزْقِ، ولَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عِبادَهَ ذاتُ مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ.

وقَوْلُهُ ﴿عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ إلى قَوْلِهِ كُلَّ شَيْءٍ جَوابٌ إجْمالِيٌّ، هو تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها.

والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها تَفْرِيعٌ عَلى سِعَةِ الرَّحْمَةِ، لِأنَّها لَمّا وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كانَ مِنها ما يُكْتَبُ أيْ يُعْطى في المُسْتَقْبَلِ لِلَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وعْدًا لِمُوسى ولِصُلَحاءَ قَوْمِهِ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّلاتِ فِيهِمْ، وهو وعْدُ ناظِرٍ إلى قَوْلِ مُوسى ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أكْتُبُها عائِدٌ إلى ﴿رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] فَهو ضَمِيرُ جِنْسٍ، وهو مُساوٍ لِلْمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، أيِ اكْتُبُ فَرْدًا مِن هَذا الجِنْسِ لِأصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يَكْتُبُ جَمِيعَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ لِأنَّ هَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الِاسْتِعْمالِ في الإخْبارِ عَنِ الأجْناسِ، لَكِنْ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الرَّحْمَةِ نَوْعٌ عَظِيمٌ بِقَرِينَةِ الثَّناءِ عَلى مُتَعَلِّقِها بِصِفاتٍ تُؤْذِنُ بِاسْتِحْقاقِها، وبِقَرِينَةِ السُّكُوتِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيُعْلَمُ أنَّ لِهَذا المُتَعَلِّقِ رَحْمَةً خاصَّةً عَظِيمَةً وأنَّ غَيْرَهُ داخِلٌ في بَعْضِ مَراتِبِ عُمُومِ الرَّحْمَةِ المَعْلُومَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَدْ …

Al-A'raaf 7:156Listen in Qur'an →
157

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and forbids them what is wrong and makes lawful for them the good things and prohibits for them the evil and relieves them of their burden and the shackles which were upon them. So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

﴿قالَ عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْرَيةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ أمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

جُمْلَةُ قالَ إلَخْ جَوابٌ لِكَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِوُقُوعِها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وكَلامُ مُوسى، وإنْ كانَ طَلَبًا، وهو لا يَسْتَدْعِي جَوابًا، فَإنَّ جَوابَ الطّالِبِ عِنايَةٌ بِهِ وفَضْلٌ.

والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الكَلامَ جَوابٌ لِقَوْلِ مُوسى ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . والإهْلاكُ عَذابٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سَبَبَ المَشِيئَةِ وهو أعْلَمُ بِهِ، ومُوسى يَعْلَمُهُ إجْمالًا، فالكَلامُ يَتَضَمَّنُ طَمْأنَةَ مُوسى مِن أنْ يَنالَهُ العَذابُ هو والبُرَآءُ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ مِن أنْ يُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُجْرِمِينَ، والمَعْنى: إنِّي قادِرٌ عَلى تَخْصِيصِ العَذابِ بِمَن عَصَوْا وتَنْجِيَةِ مَن لَمْ يُشارِكْ في العِصْيانِ، وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةٍ مُجْمَلَةٍ شَأْنَ كَلامِ مَن لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.

وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مُقابِلُ قَوْلِ مُوسى فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا، وهو وعْدُ تَعْرِيضٍ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ المَسْئُولَةِ لَهُ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُخْتارِينَ، لِأنَّها لَمّا

صفحة ١٣٠

وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهم أرْجى النّاسِ بِها، وأنَّ العاصِينَ هم أيْضًا مَغْمُورُونَ بِالرَّحْمَةِ، فَمِنها رَحْمَةُ الإمْهالِ والرِّزْقِ، ولَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عِبادَهَ ذاتُ مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ.

وقَوْلُهُ ﴿عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ إلى قَوْلِهِ كُلَّ شَيْءٍ جَوابٌ إجْمالِيٌّ، هو تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها.

والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها تَفْرِيعٌ عَلى سِعَةِ الرَّحْمَةِ، لِأنَّها لَمّا وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كانَ مِنها ما يُكْتَبُ أيْ يُعْطى في المُسْتَقْبَلِ لِلَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وعْدًا لِمُوسى ولِصُلَحاءَ قَوْمِهِ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّلاتِ فِيهِمْ، وهو وعْدُ ناظِرٍ إلى قَوْلِ مُوسى ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أكْتُبُها عائِدٌ إلى ﴿رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] فَهو ضَمِيرُ جِنْسٍ، وهو مُساوٍ لِلْمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، أيِ اكْتُبُ فَرْدًا مِن هَذا الجِنْسِ لِأصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يَكْتُبُ جَمِيعَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ لِأنَّ هَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الِاسْتِعْمالِ في الإخْبارِ عَنِ الأجْناسِ، لَكِنْ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الرَّحْمَةِ نَوْعٌ عَظِيمٌ بِقَرِينَةِ الثَّناءِ عَلى مُتَعَلِّقِها بِصِفاتٍ تُؤْذِنُ بِاسْتِحْقاقِها، وبِقَرِينَةِ السُّكُوتِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيُعْلَمُ أنَّ لِهَذا المُتَعَلِّقِ رَحْمَةً خاصَّةً عَظِيمَةً وأنَّ غَيْرَهُ داخِلٌ في بَعْضِ مَراتِبِ عُمُومِ الرَّحْمَةِ المَعْلُومَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَدْ …

Al-A'raaf 7:157Listen in Qur'an →
158

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

Say, [O Muhammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allah to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allah and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allah and His words, and follow him that you may be guided.

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِ ويُمِيتُ فَأمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، جاءَتْ مُسْتَطْرِدَةً لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ، تَذْكِيرًا لِبَنِي إسْرائِيلَ بِما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإيقاظًا لِأفْهامِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو مِصْداقُ الصِّفاتِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ مُوسى.

والخِطابُ بِـ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ لِجَمِيعِ البَشَرِ، وضَمِيرُ التَّكَلُّمِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) بِاعْتِبارِ أنَّ في جُمْلَةِ المُخاطَبِينَ مُنْكِرِينَ ومُتَرَدِّدِينَ اسْتِقْصاءٌ في إبْلاغِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِمْ.

وتَأْكِيدُ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِوَصْفِ (جَمِيعًا) الدّالِّ نَصًّا عَلى العُمُومِ، لِرَفْعِ احْتِمالِ تَخْصِيصِ رِسالَتِهِ بِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأنَّ مِنَ اليَهُودِ فَرِيقًا كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيءٌ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ نَبِيءُ العَرَبِ خاصَّةً ولِذَلِكَ لَمّا قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِابْنِ صَيّادٍ - وهو يَهُودِيٌّ - أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالَ ابْنُ صَيّادٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. وقَدْ ثَبَتَ مِن مَذاهِبِ اليَهُودِ مَذْهَبُ فَرِيقٍ مِن يَهُودِ أصْفَهانَ يُدْعَوْنَ بِالعِيسَوِيَّةِ وهم أتَباعُ أبِي عِيسى الأصْفَهانِيِّ اليَهُودِيِّ القائِلِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلى العَرَبِ خاصَّةً لا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ اليَهُودَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَزْعُمُونَ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُنْسَخُ بِغَيْرِها. وفَرِيقٌ يَزْعُمُونَ أنَّها لا تُنْسَخُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ رَسُولٌ لِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.

وانْتَصَبَ (جَمِيعًا) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، بِـ (إلى) وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَجْمُوعِينَ، ولِذَلِكَ لَزِمَ الإفْرادَ لِأنَّهُ لا يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ.

صفحة ١٤٠

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ نَعْتٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ، دالٌّ عَلى الثَّناءِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لا لِغَيْرِهِ مِمّا يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ، فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ لا إلَهَ إلّا هو حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قُوَّةِ مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ، وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِتَحْقِيقِ صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، لا لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ يُحْيِي ويُمِيتُ حالٌ.

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ: تَذْكِيرُ اليَهُودِ، ووَعْظُهم، حَيْثُ جَحَدُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا رَسُولَ بَعْدَ مُوسى، واسْتَعْظَمُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ، فَكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ مُوسى لا يُشْبِهُهُ رَسُولٌ، فَذُكِّرُوا بِأنَّ اللَّهَ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو واهِبُ الفَضائِلِ، فَلا يُسْتَعْظَمُ أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا ثُمَّ يُرْسِلَ رَسُولًا آخَرَ؛ لِأنَّ المُلْكَ بِيَدِهِ، وبِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي لا يُشابِهُهُ أحَدٌ في إلُوهِيَّتِهِ، فَلا يَكُونُ إلَهانِ لِلْخَلْقِ. وأمّا مَرْتَبَةُ الرِّسالَةِ فَهي قابِلَةٌ لِلتَّعَدُّدِ، وبِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي ويُمِيتُ فَكَذَلِكَ هو يُمِيتُ شَرِيعَةً ويُحْيِي شَرِيعَةً أُخْرى، وإحْياءُ الشَّرِيعَةِ إيجادُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ: لِأنَّ الإحْياءَ حَقِيقَتُهُ إيجادُ الحَياةِ في المَوْجُودِ، ثُمَّ يُحَصَّلُ …

Al-A'raaf 7:158Listen in Qur'an →
159

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among the people of Moses is a community which guides by truth and by it establishes justice.

﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾

﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]

صفحة ١٤٢

الآيَةَ، فَهَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ العُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٤٨] قُصِدَ بِهِ الِاحْتِراسُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ عَمِلَهُ قَوْمُ مُوسى كُلُّهم، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ قُدِّمَ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ.

وقَوْمُ مُوسى هم أتْباعُ دِينِهِ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَن بَقِيَ مُتَمَسِّكًا بَدِينِ مُوسى، بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَةِ الإسْلامِ إلَيْهِ، فَلَيْسَ مِن قَوْمِ مُوسى، ولَكِنْ يُقالُ هو مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِنَ اليَهُودِ، لِأنَّ الإضافَةَ في ﴿قَوْمِ مُوسى﴾ تُؤْذِنُ بِأنَّهم مُتَّبِعُو دِينِهِ الَّذِي مِن جُمْلَةِ أُصُولِهِ تَرَقُّبُ مَجِيءِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ ﷺ .

و(أُمَّةٌ): جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مُتَّفِقَةٌ في عَمَلٍ يَجْمَعُها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ أنَّ مِنهم في كُلِّ زَمانٍ قَبْلَ الإسْلامِ.

و﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَهْدُونَ النّاسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ بِبَثِّ فَضائِلِ الدِّينِ الإلَهِيِّ، وهو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ بِالحَقِّ و(يَعْدِلُونَ) أيْ يَحْكُمُونَ حُكْمًا لا جَوْرَ فِيهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، إذْ لا مُقْتَضِي لِإرادَةِ القَصْرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ حَيْثُ لَمْ يُقَدَّمِ المَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهم يَحْكُمُونَ بِالعَدْلِ عَلى بَصِيرَةٍ وعِلْمٍ، ولَيْسَ بِمُجَرَّدِ مُصادَفَةِ الحَقِّ عَنْ جَهْلٍ، فَإنَّ القاضِيَ الجاهِلَ إذا قَضى بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ أحَدَ القاضِيَيْنِ اللَّذَيْنِ في النّارِ، ولَوْ صادَفَ الحَقَّ. لِأنَّهُ بِجَهْلِهِ قَدِ اسْتَخَفَّ بِحُقُوقِ النّاسِ ولا تَنْفَعُهُ مُصادَفَةُ الحَقِّ لِأنَّ تِلْكَ المُصادَفَةَ لا عَمَلَ لَهُ فِيها.

Al-A'raaf 7:159Listen in Qur'an →
160

وَقَطَّعْنَٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًۭا ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We divided them into twelve descendant tribes [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾

عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩] إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ التَّقْطِيعَ وقَعَ في الأُمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ.

والتَّقْطِيعُ شِدَّةٌ في القَطْعِ وهو التَّفْرِيقُ، والمُرادُ بِهِ التَّقْسِيمُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهَذا الخَبَرِ الذَّمَّ، ولا بِالتَّقْطِيعِ العِقابَ. لِأنَّ ذَلِكَ التَّقْطِيعَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وهو مِن مَحاسِنِ سِياسَةِ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ، ومِن مُقَدِّماتِ نِظامِ الجَماعَةِ كَما فَصَّلَهُ السِّفْرُ الرّابِعُ، وهو سِفْرُ عَدَدِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَقْسِيمِهِمْ، وهو نَظِيرُ ما فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن تَدْوِينِ

صفحة ١٤٣

الدِّيوانِ، وهم كانُوا مُنْتَسِبِينَ إلى أسْباطِ إسْحاقَ، ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُقَسَّمِينَ عَشائِرَ لَمّا كانُوا في مِصْرَ، ولَمّا اجْتازُوا البَحْرَ، فَكانَ التَّقْسِيمُ بَعْدَ اجْتِيازِهِمُ البَحْرَ الأحْمَرَ، وقَبْلَ انْفِجارِ العُيُونِ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِما ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وذِكْرُهُ هُنا الِاسْتِسْقاءَ عَقِبَ الِانْقِسامِ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً، وذَلِكَ ضَرُورِيٌّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الِاسْتِسْقاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ السَّقْيُ قَبْلَ التَّقْسِيمِ لَحَصَلَ مِنَ التَّزاحُمِ عَلى الماءِ ما يُفْضِي إلى الضُّرِّ بِالقَوْمِ، وظاهِرُ التَّوْراةِ أنَّهم لَمّا مَرُّوا بِحُورِيبَ، وجاءَ شُعَيْبٌ لِلِقاءِ مُوسى: أنَّ شُعَيْبًا أشارَ عَلى مُوسى أنْ يُقِيمَ لَهم رُؤَساءَ أُلُوفٍ، ورُؤَساءَ مِئاتٍ، ورُؤَساءَ خَماسِينَ، ورُؤَساءَ عَشَراتٍ، حَسَبَ الإصْحاحِ ١٨ مِنَ الخُرُوجِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الأُمَّةَ كانَتْ مُنْتَسِبَةً قَبائِلَ مِن قَبْلُ، لِيَسْهُلَ وضْعُ الرُّؤَساءِ عَلى الأعْدادِ، ووَقَعَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِن خُرُوجِهِمْ أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يُحْصِيَ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُوسى وهارُونَ جَمَعا جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ فانْتَسَبُوا إلى عَشائِرِهِمْ وبُيُوتِ آبائِهِمْ، كَما في الإصْحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الأسْباطِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجِيءَ بِاسْمِ العَدَدِ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ لِأنَّ السِّبْطَ أُطْلِقَ هُنا عَلى الأُمَّةِ فَحُذِفَ تَمْيِيزُ العَدَدِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ أُمَمًا عَلَيْهِ.

و(أسْباطًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في وقَطَّعْناهم ولا يَجُوزُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا لِأنَّ تَمْيِيزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ونَحْوِهِ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا.

وقَوْلُهُ (أُمَمًا) بَدَلٌ مِن (أسْباطًا) أوْ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وعُدِلَ عَنْ جَعْلِ أحَدِ الحالَيْنِ تَمْيِيزًا في الكَلامِ إيجازًا وتَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ المِنَّةِ بِكَوْنِهِمْ أُمَمًا مِن آباءٍ إخْوَةٍ، وأنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِن أُولَئِكَ قَدْ صارَ أُمَّةً قالَ - تَعالى - ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] مَعَ ما يُذْكَرُ بِهِ لَفْظُ أسْباطٍ مِن تَفْضِيلِهِمْ لِأنَّ الأسْباطَ أسْباطُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

* * *

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾

هَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ حِكْمَةِ تَقْسِيمِهِمْ إلى اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ولَمْ يُعْطَفْ هَذا الخَبَرُ بِالفاءِ لِإفادَةِ أنَّهُ مِنَّةٌ …

Al-A'raaf 7:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.