Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 141–150 of 206

141

وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنْجَيْناكم) وفِرْقَةٌ (نَجَّيْناكم) مُشَدَّدًا وابْنُ عامِرٍ (أنْجاكم) فَعَلى أنْجاكم يَكُونُ جارِيًا عَلى قَوْلِهِ (وهو فَضَّلَكم) خاطَبَ بِها مُوسى قَوْمَهُ، وفي قِراءَةِ النُّونِ خاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِمَن كانَ عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ تَقْرِيعًا لَهم بِما فَعَلَ أوائِلُهم وبِما جاءُوا بِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (يَقْتُلُونَ) مِن قَتَلَ والجُمْهُورُ مِن قَتَّلَ مُشَدَّدًا.

Al-A'raaf 7:141Listen in Qur'an →
142

۞ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them], and do not follow the way of the corrupters."

﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهو بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ تَعالى الكِتابَ فَأمَرَهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ كُنّا نَشُمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، وقِيلَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أما عَلِمْتَ أنَّ«خُلُوفَ فَمِ الصّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ» فَأمَرَهُ أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ عَشْرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِذَلِكَ، وقِيلَ أمَرَهَ اللَّهُ بِأنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في العَشْرِ وكُلِّمَ فِيها، وأُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في البَقَرَةِ وفُصِّلَ هُنا، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا قَطَعَ مُوسى البَحْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ائْتِنا بِكِتابٍ مِن رَبِّنا كَما وعَدْتَنا وزَعَمْتَ أنَّكَ تَأْتِينا بِهِ إلى شَهْرٍ فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ فَلَمّا تَجَهَّزُوا قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى أخْبِرْ قَوْمَكَ أنَّكَ لَنْ تَأْتِيَهم أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ حِينَ أُتِمَّتْ بِعَشْرٍ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى بِالسَّبْعِينَ أمَرَهم أنْ يَنْتَظِرُوهُ أسْفَلَ الجَبَلِ وصَعِدَ مُوسى الجَبَلَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكَتَبَ لَهُ الألْواحَ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَدُّوا عِشْرِينَ لَيْلَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالُوا قَدْ أخْلَفَنا مُوسى الوَعْدَ وجَعَلَ لَهُمُ السّامِرِيُّ العِجْلَ فَعَبَدُوهُ، وقِيلَ: زِيدَتِ العَشْرُ بَعْدَ الشَّهْرِ لِلْمُناجاةِ، وقِيلَ: التَفَتَ في طَرِيقِهِ فَزِيدَها، وقِيلَ: زِيدَتْ عُقُوبَةً لِقَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: أُعْلِمَ مُوسى بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَلَمّا زادَهُ العَشْرَ في مَغِيبِهِ لَمْ يُعْلَمُوا بِذَلِكَ ووَجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم فَقالَ السّامِرِيُّ هَلَكَ مُوسى ولَيْسَ بِراجِعٍ، وأضَلَّهم بِالعِجْلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وفائِدَةُ التَّفْصِيلِ قالُوا: إنَّ الثَّلاثِينَ لِلتَّهَيُّؤِ لِلْمُناجاةِ والعَشْرَ لِإنْزالِ التَّوْراةِ وتَكْلِيمِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بادَرَ إلى مِيقاتِ رَبِّهِ قَبْلَ قَوْمِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٨٣] الآيَةَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ أتى الطُّورَ عِنْدَ تَمامِ الثَّلاثِينَ فَلَمّا أُعْلِمَ بِخَبَرِ قَوْمِهِ مَعَ السّامِرِيِّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ تَمامِ مُدَّةِ الوَعْدِ ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ في عَشْرٍ أُخَرَ، قِيلَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ وعْدانِ أوَّلٌ حَضَرَهُ مُوسى وثانٍ حَضَرَهُ المُخْتارُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ فاخْتَلَفَ الوَعْدُ لِاخْتِلافِ الحاضِرِينَ، والثَّلاثُونَ هي شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ والعَشْرُ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ومُجاهِدٌ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ووَعَدْنا وقالُوا انْتَصَبَ (ثَلاثِينَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ إتْيانَ ثَلاثِينَ أوْ تَمامَ ثَلاثِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وثَلاثِينَ) نُصِبَ عَلى تَقْدِيرِ أجَّلْناهُ أوْ مُناجاةِ ثَلاثِينَ، …

Al-A'raaf 7:142Listen in Qur'an →
143

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allah] said, "You will not see Me, but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level, and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first of the believers."

﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ لِلْوَقْتِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُ أيْ لِتَمامِ الأرْبَعِينَ كَما تَقُولُ أتَيْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، ومَعْنى اللّامِ الِاخْتِصاصُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ وحْدَهُ خُصَّ بِالتَّكْلِيمِ إذْ جاءَ لِلْمِيقاتِ، وقالَ القاضِي: سَمِعَ هو والسَّبْعُونَ كَلامَ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خُلِقَ لَهُ إدْراكًا سَمِعَ بِهِ الكَلامَ القائِمَ بِالذّاتِ القَدِيمَةِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: أدْنى اللَّهُ تَعالى مُوسى حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَلَّمَهُ رَبُّهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما يُكَلِّمُ المَلَكَ، وتَكْلِيمُهُ أنْ يَخْلُقَ الكَلامَ مَنطُوقًا بِهِ في بَعْضِ الأجْرامِ كَما خَلَقَهُ مَحْفُوظًا في اللَّوْحِ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى كانَ يَسْمَعُ الكَلامَ في كُلِّ جِهَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَلَّمَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً وكَتَبَ لَهُ الألْواحَ، وقِيلَ: إنَّما كَلَّمَهُ في أوَّلِ الأرْبَعِينَ انْتَهى. وقالَ وهْبٌ كَلَّمَهُ في ألْفِ مَقامٍ وعَلى أثَرِ كُلِّ مَقامٍ يُرى نُورٌ عَلى وجْهِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَمْ يَقْرَبِ النِّساءَ مُذْ كَلَّمَهُ اللَّهُ، وقَدْ أوْرَدُوا هُنا الخِلافَ الَّذِي في كَلامِ اللَّهِ، وهو مَذْكُورٌ، ودَلائِلُ المُخْتَلِفِينَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ، وكَلَّمَهُ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَ، وقِيلَ: حالَ، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ ”وكَلَّمْناهُ“ إلى قَوْلِهِ: وكَلَّمَهُ رَبُّهُ لِلْمَعْنى الَّذِي عَدَلَ إلى قَوْلِهِ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ، وفَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ.

* *

﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ . قالَ السُّدِّيُّ وأبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: لَمّا كَلَّمَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلى رُتْبَةِ الرُّؤْيَةِ وتَشَوَّفَ إلى ذَلِكَ فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: شَوَّقَهُ الكَلامُ فَعِيلَ صَبْرُهُ فَحَمَلَهُ عَلى سُؤالِ الرُّؤْيَةِ، وقالَ الرَّبِيعُ: لَمْ يَعْهَدْ إلَيْهِ في الرُّؤْيَةِ فَظَنَّ أنَّ السُّؤالَ في هَذا الوَقْتِ جائِزٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: غارَ الشَّيْطانُ في الأرْضِ فَخَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ إنَّما يُكَلِّمُكَ شَيْطانٌ فَسَألَ الرُّؤْيَةَ ولَوْ لَمْ تَجُزِ الرُّؤْيَةُ ما سَألَها ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ورُؤْيَةُ اللَّهِ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ وأهْلِ السُّنَّةِ جائِزَةٌ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ هو مَوْجُودٌ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ وقَرَّرَتِ الشَّرِيعَةُ رُؤْيَةَ اللَّهِ في الآخِرَةِ ومَنَعَتْ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا بِظَواهِرِ الشَّرْعِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْألْ مُحالًا وإنَّما سَألَ جائِزًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ الآيَةَ لَيْسَ بِجَوابِ مَن سَألَ مُحالًا وقَدْ قالَ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، فَلَوْ سَألَ مُوسى مُحالًا لَكانَ في الجَوابِ زَجْرٌ ما وتَيْئِيسٌ، وقالَ الكِرْمانِيُّ وغَيْرُهُ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَنْ تَرانِي في الدُّنْيا، وقِيلَ: لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَرانِي، وقِيلَ: لَنْ تَرانِي بِسُؤالِكَ، وقِيلَ: لَنْ تَرانِي ولَكِنْ سَتَرانِي حِينَ أتَجَلّى لِلْجَبَلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ وهو مِن أعْلَمِ النّاسِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَجُوزُ وبِتَعالِيهِ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي هي إدْراكٌ بِبَعْضِ الحَواسِّ وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ …

Al-A'raaf 7:143Listen in Qur'an →
144

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

[Allah] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."

﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لَمّا طَلَبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرُّؤْيَةَ ومُنِعَها عَدَّدَ عَلَيْهِ تَعالى وُجُوهَ نِعَمِهِ العَظِيمَةِ عَلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِشُكْرِها وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنهُ تَعالى لَهُ، والِاصْطِفاءُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وعَلى النّاسِ لَفْظٌ عامٌّ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ، أيْ: عَلى أهْلِ زَمانِكَ، أوْ يَبْقى عَلى عُمُومِهِ ويَعْنِي في مَجْمُوعِ الدَّرَجَتَيْنِ الرِّسالَةَ والكَلامَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى وُقُوعِ الكَلامِ في الأرْضِ إذْ ثَبَتَ أنَّ آدَمَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ ورَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ ويَظْهَرُ مِن حَدِيثِ الإسْراءِ أنَّهُ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ويَدُلُّ قَوْلُهُ: (وبِكَلامِي) عَلى أنَّهُ سَمِعَ الكَلامَ مِنَ اللَّهِ لا مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ عَلى الرُّسُلِ بِكَلامِ اللَّهِ وقَدَّمَ (بِرِسالاتِي) عَلى (وبِكَلامِي)؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ أسْبَقُ في الزَّمانِ، أوْ لِأنَّهُ انْتَقَلَ مِن شَرِيفٍ إلى أشْرَفَ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: بِرِسالَتِي عَلى الإفْرادِ وهو مُرادٌ بِهِ المَصْدَرُ، أيْ: بِإرْسالِي، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِتَبْلِيغِ رِسالَتِي؛ لِأنَّ مَدْلُولَ الرِّسالَةِ غَيْرُ مَدْلُولِ المَصْدَرِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وأنْواعٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (وبِكَلامِي) فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وبِتَكْلِيمِي، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبِسَماعِ كَلامِي، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: ”بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي“ جَمْعُ كَلِمَةٍ، أيْ: وبِسَماعِ كَلِمِي، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”بِرِسالاتِي وتَكَلُّمِي“، وحَكى عَنْهُ المَهْدَوِيُّ: وتَكْلِيمِي عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وأمَرَهُ تَعالى أنْ يَأْخُذَ ما آتاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ في الأمْرِ بِالأخْذِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ وحُصُولَ أجْرٍ بِالِامْتِثالِ، والمَعْنى: خُذْ ما آتَيْتُكَ بِاجْتِهادٍ في تَبْلِيغِهِ وجِدٍّ في النَّفْعِ بِهِ ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى ما آتَيْناكَ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَنَعِ والرِّضا بِما أعْطاهُ اللَّهُ، والشُّكْرِ عَلَيْهِ.

Al-A'raaf 7:144Listen in Qur'an →
145

وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ

And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."

﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ قِيلَ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَعِقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ وأفاقَ فِيهِ وأُعْطِيَ التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: (وكَتَبْنا) نِسْبَةُ الكِتابَةِ إلَيْهِ. فَقِيلَ: كَتَبَ بِيَدِهِ، وأهْلُ السَّماءِ يَسْمَعُونَ صَرِيرَ القَلَمِ في اللَّوْحِ، وقِيلَ: أظْهَرَها وخَلَقَها في الألْواحِ، وقِيلَ: أمَرَ القَلَمَ أنْ يَخُطَّ لِمُوسى في الألْواحِ، وقِيلَ: كَتَبَها جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَلَمِ الَّذِي كُتِبَ بِهِ الذِّكْرُ، واسْتَمَدَّ مِن نَهْرِ النُّورِ فَفي هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ تَشْرِيفٍ إذْ ذاكَ صادِرٌ عَنْ أمْرِهِ، وقِيلَ: مَعْنى (كَتَبْنا) فَرَضْنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] والضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى مُوسى، والألْواحُ جَمْعُ قِلَّةٍ وألْ فِيها لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ فَإنْ كانَ هو الَّذِي قَطَعَها وشَقَّقَها فَتَكُونُ ألْ فِيها لِلْعَهْدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَوَّضَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ الألْواحِ ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقْدِيرُهُ في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]، أيْ: مَأْواهُ. انْتَهى وكَوْنُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ لَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ ولَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ عَنْ مِن فاحْتاجَتِ الجُمْلَةُ إلى رابِطٍ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: ألْ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ مَأْواهُ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هي المَأْوى لَهُ وظاهِرُ الألْواحِ الجَمْعُ، فَقِيلَ: كانَتْ سَبْعَةً، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ، ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ. قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: عَشْرَةٌ. قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وقِيلَ: اثْنانِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ بِالجَمْعِ عَلى اثْنَيْنِ قِياسًا لَهُ شَرْطٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ هو مَفْقُودٌ هُنا، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتِ التَّوْراةُ وهي وقْرُ سَبْعِينَ بَعِيرًا يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنها في سَنَةٍ ولَمْ يَقْرَأْها سِوى أرْبَعَةِ نَفَرٍ: مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى. وقَدِ اخْتَلَفُوا مِن أيِّ شَيْءٍ هي ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ: زَبَرْجَدٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أيْضًا مِن بَرَدٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ: مِن زُمُرُّدٍ وياقُوتٍ، وعَنِ الحَسَنِ مِن خَشَبٍ طُولُها عَشْرَةُ أذْرُعٍ، وعَنْ وهْبٍ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ أُمِرَ بِقَطْعِها ولانَتْ لَهُ فَقَطَعَها بِيَدِهِ وشَقَّقَها بِأصابِعِهِ، وقِيلَ: مِن نُورٍ حَكاهُ الكِرْمانِيُّ،، والمَعْنى: مِن كُلِّ شَيْءٍ مُحْتاجٍ إلَيْهِ في شَرِيعَتِهِمْ (مَوْعِظَةٌ) لِلِازْدِجارِ والِاعْتِبارِ ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ التَّكالِيفِ الحَلالِ والحَرامِ والأمْرِ والنَّهْيِ والقَصَصِ والعَقائِدِ والأخْبارِ والمُغَيَّباتِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ مَكْتُوبًا في الألْواحِ إنِّي أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ولا تَقْطَعُوا السُّبُلَ ولا تَحْلِفُوا بِاسْمِي كاذِبِينَ فَإنَّ مَن حَلَفَ بِاسْمِي …

Al-A'raaf 7:145Listen in Qur'an →
146

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ

I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness, they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.

﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ لَمّا ذَكَرَ ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ذَكَرَ ما يَفْعَلُ بِهِمْ تَعالى مِن صَرْفِهِ إيّاهم عَنْ آياتِهِ لِفِسْقِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْ طَوْرِهِمْ إلى وصْفٍ لَيْسَ لَهم، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن أحْوالِهِمْ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ اسْمَ الفِسْقِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ سَأصْرِفُهم عَنِ الِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ والآياتِ عَلى هَذِهِ المُعْجِزاتِ وبَدائِعِ المَخْلُوقاتِ، وقالَ قَتادَةُ: سَأصُدُّهم عَنِ الإعْراضِ والطَّعْنِ والتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، فالآياتُ: القُرْآنُ فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِصَوْنِهِ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ سَأمْنَعُهم مِن تَدَبُّرِها ونَظَرِها النَّظَرَ الصَّحِيحَ المُؤَدِّي إلى الحَقِّ، وقالَ الزَّجّاجَ: أجْعَلُ جَزاءَهم سَأصْرِفُهم عَنْ دَفْعِ الِانْتِقامِ، أيْ: إذا أصابَتْهم عُقُوبَةٌ لَمْ يَدْفَعْها عَنْهم، فالآياتُ عَلى هَذا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المَثُلاتِ الَّتِي صارُوا بِها مُثْلَةً وعِبْرَةً، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عامٌّ، أيْ: كُلُّ مَن قامَ بِهِ هَذا الوَصْفُ، وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ خِطابِ مُوسى، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي أُعْطِيها، والمُتَكَبِّرُونَ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الِاعْتِبارِ بِها بِما انْهَمَكُوا فِيهِ مِن لَذّاتِ الدُّنْيا، وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْضَ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ فَقالَ سَأصْرِفُ عَنْ آياتِي بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُتَكَبِّرِينَ وخِذْلانِهِمْ فَلا يُفَكِّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها غَفْلَةً وانْهِماكًا فِيما يَشْغَلُهم عَنْها مِن شَهَواتِهِمْ وفِيهِ إنْذارُ المُخاطَبِينَ مِن عاقِبَةِ والَّذِينَ يُصْرَفُونَ عَنِ الآياتِ لِتَكَبُّرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِها لِئَلّا يَكُونُوا مِثْلَهم فَيَسْلُكُ بِهِمْ سَبِيلَهم. انْتَهى. والَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَنِ الإيمانِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَّرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةَ المُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ. انْتَهى. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَحْتَقِرُونَ النّاسَ ويَرَوْنَ لَهُمُ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّما الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِصَ النّاسَ» . ويَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الحَقِّ بـِ ”يَتَكَبَّرُونَ“، أيْ: بِما لَيْسَ بِحَقٍّ وما هم عَلَيْهِ مِن دِينِهِمْ، وقَدْ يَكُونُ التَّكَبُّرُ بِالحَقِّ كَتَكَبُّرِ المُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ، والمَعْنى: غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ؛ لِأنَّ التَّكَبُّرَ بِالحَقِّ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والفَضْلُ الَّذِي لَيْسَ لِأحَدٍ.

﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ وصَفَهم هَذا الوَصْفَ الذَّمِيمَ، وهو التَّكَبُّرُ عَنِ الإيمانِ حَتّى لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ كُلُّ آيَةٍ لَمْ يَرَوْها آيَةً فَيُؤْمِنُوا بِها، وهَذا خَتْمٌ مِنهُ تَعالى عَلى الطّائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ أنْ لا يُؤْمِنُوا. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: وإنْ (يُرَوْا) بِضَمِّ الياءِ.

* *

﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ . أراهُمُ اللَّهُ السَّبِيلَيْنِ فَرَأوْهُما فَآثَرُوا الغَيَّ عَلى الرُّشْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] . وقَرَأ الأخَوانِ (الرَّشَدِ) وباقِي …

Al-A'raaf 7:146Listen in Qur'an →
147

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ تَعالى ما يَئُولُ إلَيْهِ في الآخِرَةِ أمْرُ المُكَذِّبِينَ، فَذَكَرَ أنَّهُ يُحْبِطُ أعْمالَهم، أيْ: لا يَعْبَأُ بِها، وأصْلُ الحَبْطِ أنْ يَكُونَ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، فاسْتُعْمِلَ الحُبُوطُ هُنا إذا كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً عَلى طَرِيقٍ صالِحٍ، فَكانَ الحَبْطُ فِيها بِحَسَبَ مُعْتَقَداتِهِمْ؛ إذِ المُكَذِّبُ بِالآياتِ قَدْ يَكُونُ لَهُ عَمَلٌ فِيهِ إحْسانٌ لِلنّاسِ وصَفْحٌ وعَفْوٌ عَمَّنْ جَنى عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يُجازى عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَشَمَلَ حَبْطُ الأعْمالِ مَن لَهُ عَمَلٌ بَرٌّ ومَن عَمَلُهُ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ فاسِدٌ، ونَبَّهَ بِلِقاءِ الآخِرَةِ عَلى مَحَلِّ افْتِضاحِهِمْ وجَزائِهِمْ، وتَهْدِيدًا لَهم ووَعِيدًا بِها، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، وإضافَةُ: لِقاءِ ) إلى: الآخِرَةِ ) إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: ولِقائِهِمُ الآخِرَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: ولِقائِهِمُ الآخِرَةَ ومُشاهَدَتِهِمْ أحْوالَها، ومِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ، بِمَعْنى ولِقاءِ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ، انْتَهى، ويُجِيزُ جِلَّةُ النَّحْوِيِّينَ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ هو عَلى تَقْدِيرِ في، والإضافَةُ عِنْدَهم إنَّما هي عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، أوْ تَقْدِيرِ مِن، عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَإنِ اتُّسِعَ في العامِلِ جازَ أنْ يَنْصِبَ الظَّرْفَ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، وجازَ إذْ ذاكَ أنْ يُضافَ مُصْدَرُهُ إلى ذَلِكَ الظَّرْفِ المُتَّسَعِ في عامِلِهِ، وأجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى تَقْدِيرِ في، كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْدُودٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، و: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ: (إلّا) والِاسْتِفْهامُ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّقْرِيرِ هو مُوجِبٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَيَبْعُدُ دُخُولُ إلّا، ولَعَلَّهُ لا يَجُوزُ.

Al-A'raaf 7:147Listen in Qur'an →
148

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ

And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ ) إنْ كانَ الِاتِّخاذُ بِمَعْنى اتِّخاذِهِ إلَهًا مَعْبُودًا، فَصَحَّ نِسْبَتُهُ إلى القَوْمِ، وذُكِرَ أنَّهم كُلَّهم عَبَدُوهُ غَيْرَ هارُونَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ [الأعراف: ١٥١] )؛ وقِيلَ: إنَّما عَبَدَهُ قَوْمٌ مِنهم لا جَمِيعُهم لِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وإنْ كانَ بِمَعْنى العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، أيْ: عَمِلَتْ وصَنَعَتْ، فالمُتَّخِذُ إنَّما هو السّامِرِيُّ، واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ، مِن قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى قَوْمِ مُوسى مَجازًا، كَما قالُوا: بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم، ولِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، ومَعْنى: مِن بَعْدِهِ مِن بَعْدِ مُضِيِّهِ لِلْمُناجاةِ و﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اتَّخَذَ وبِها يَتَعَلَّقُ مِن بَعْدِهِ وإنْ كانا حَرْفَيْ جَرٍّ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيْهِما؛ لِأنَّ مِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْعِيضِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: عِجْلًا ) كائِنًا مِن حُلِيِّهِمْ. وقَرَأ الأخَوانِ مِن: حِلِيِّهِمْ ) بِكَسْرِ الحاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ اللّامِ، كَما قالُوا: عَصى، وهي قِراءَةُ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِضَمِّ الحاءِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ نَحْوُ ثَدْيٍ وثُدِيٍّ، ووَزْنُهُ فُعُولٌ، اجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وهو مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، أوِ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدُهُ حَلْيَةٌ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وإضافَةُ الحُلِيِّ إلَيْهِمْ إمّا لِكَوْنِهِمْ مَلَكُوهُ مِن ما كانَ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ غَرِقُوا ولَفَظَهُمُ البَحْرُ، فَكانَ كالغَنِيمَةِ، ولِذَلِكَ أُمِرَ هارُونُ بِجَمْعِهِ حَتّى يَنْظُرَ مُوسى إذا رَجَعَ في أمْرِهِ، أوْ مَلَكُوهُ إذْ كانَ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي اغْتَصَبَها القِبْطُ بِالجِزْيَةِ الَّتِي كانُوا وضَعُوها عَلَيْهِمْ، فَتَحَيَّلَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى اسْتِرْجاعِها إلَيْهِمْ بِالعارِيَةِ، وإمّا لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ لَكِنْ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بِالعارِيَةِ، فَصَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأنَّها تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ. رَوى يَحْيى بْنُ سَلامٍ، عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُمُ اسْتَعارُوا الحُلِيَّ مِنَ القِبْطِ لِعُرْسٍ؛ وقِيلَ: لِيَوْمِ زِينَةٍ، ولَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ بَقِيَ الحُلِيُّ مَعَهم وكانَ حَرامًا عَلَيْهِمْ، وأخَذَ بَنُو إسْرائِيلَ في بَيْعِهِ وتَمْحِيقِهِ، فَقالَ السّامِرِيُّ لِهارُونَ: إنَّهُ عارِيَةٌ ولَيْسَ لَنا، فَأمَرَ هارُونُ مُنادِيًا بِرَدِّ العارِيَةِ لِيَرى فِيها مُوسى رَأْيَهُ إذا جاءَ، فَجَمَعَهُ وأوْدَعَهُ هارُونُ عِنْدَ السّامِرِيِّ وكانَ صائِغًا، فَصاغَ لَهم صُورَةَ عِجْلٍ مِنَ الحُلِيِّ؛ وقِيلَ: مَنَعَهم مِن رَدِّ العارِيَةِ خَوْفُهم أنْ يَطَّلِعَ القِبْطُ عَلى سُراهم؛ إذْ كانَ تَعالى أمَرَ مُوسى أنْ يُسْرِيَ بِهِمْ، والعِجْلُ: ولَدُ البَقَرَةِ القَرِيبُ الوِلادَةِ، ومَعْنى جَسَدًا ) جُثَّةً جَمادًا؛ وقِيلَ: بَدَنًا بِلا رَأْسٍ …

Al-A'raaf 7:148Listen in Qur'an →
149

وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And when regret overcame them and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."

﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ قَوْلَ العَرَبِ: سُقِطَ في يَدِهِ، فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ مِنهُ مُضارِعٌ، ولا اسْمُ فاعِلٍ، ولا مَفْعُولٌ، وكانَ أصْلُهُ مُتَصَرِّفًا، تَقُولُ: سَقَطَ الشَّيْءُ، إذا وقَعَ مِن عُلْوٍ، فَهو في الأصْلِ مُتَصَرِّفٌ لازِمٌ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: سُقِطَ في يَدِهِ مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ، مِثْلَما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِّقاطُ في كَلامِ العَرَبِ: كَثْرَةُ الخَطَأِ والنَّدَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي كاهِلٍ:

؎كَيْفَ يَرْجُونَ سِقاطِي بَعْدَما بَقَّعَ الرَّأْسَ مَشِيبٌ وصَلَعْ

وحُكِيَ عَنْ أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أحَدِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ بِالأنْدَلُسِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ: سُقِطَ في يَدِهِ، مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن نَدِمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عَنْهُ: سُقِطَ في يَدِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سُقِطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، أيْ: في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، كَما يُقالُ: حَصَلَ في أيْدِيهِمْ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ، تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ ويُرى بِالعَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: العَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أوْ طالِبًا غايَةً، فَعَرَضَ لَهُ ما صَدَّهُ عَنْ وجْهِهِ ووَقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ وتَيَقَّنَ أنَّهُ عاجِزٌ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقَدْ يَعْرِضُ لَهُ النَّدَمُ، وقَدْ لا يَعْرِضُ، قالَ: والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَّعْيَ أوِ الصَّرْفَ أوِ الدِّفاعَ سُقِطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها، ولا يَكُونُ لَهُ في الخارِجِ أثَرٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اشْتَدَّ نَدَمُهم وحَسْرَتُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا، فَتَصِيرَ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها؛ لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها، وسُقِطَ مُسْنَدٌ إلى: ﴿فِي أيْدِيهِمْ﴾، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ، انْتَهى، والصَّوابُ: وسُقِطَ مُسْنَدٌ إلى ما: في أيْدِيهِمْ، وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّقِيطِ، وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغُذَواتِ شِبْهُ الثَّلْجِ، يُقالُ مِنهُ: سُقِطَتِ الأرْضُ، كَما يُقالُ: مِنَ الثَّلْجِ ثُلِّجَتِ الأرْضُ وثُلِّجْنا، أيْ: أصابَنا الثَّلْجُ، ومَعْنى سُقِطَ في يَدِهِ والسَّقِيطِ والسُّقْطِ يَذُوبُ بِأدْنى حَرارَةٍ ولا يَبْقى، ومَن وقَعَ في يَدِهِ السَّقِيطُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ عَلى شَيْءٍ، فَصارَ مَثَلًا لِكُلِّ مَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن بُغْيَتِهِ عَلى طائِلٍ وكانَتِ النَّدامَةُ آخِرَ أمْرِهِ؛ وقِيلَ: مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَ ذَقْنَهُ عَلى يَدِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، ويَصِيرَ عَلى هَيْئَةٍ لَوْ نُزِعَتْ يَدُهُ لَسُقِطَ عَلى وجْهِهِ، كانَ اليَدُ مَسْقُوطًا فِيها، ومَعْنى: (في) عَلى، أيْ: سُقِطَ عَلى يَدِهِ، ومَعْنى: في أيْدِيهِمْ، أيْ: عَلى أيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، انْتَهى. وكانَ مُتَعَلِّقُ سُقِطَ قَوْلَهُ: ﴿فِي أيْدِيهِمْ﴾؛ لِأنَّ اليَدَ هي الآلَةُ الَّتِي يُؤْخَذُ بِها ويُضْبَطُ: وسُقِطَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والَّذِي أُوقِعَ مَوْضِعَ …

Al-A'raaf 7:149Listen in Qur'an →
150

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people oppressed me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me and do not place me among the wrongdoing people."

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾، أيْ: رَجَعَ مِنَ المُناجاةِ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ سَمِعَ أصْواتَهم، فَقالَ: هَذِهِ أصْواتُ قَوْمٍ لاهِينَ، فَلَمّا تَحَقَّقَ عُكُوفَهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ داخَلَهُ الغَضَبُ والأسَفُ وألْقى الألْواحَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: أخْبَرَهُ تَعالى قَبْلَ رُجُوعِهِ أنَّهم قَدْ فُتِنُوا بِالعِجْلِ فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غاضِبٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] الآيَةَ، وغَضْبانَ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ والغَضَبِ غَلَيانُ القَلْبِ بِسَبَبِ حُصُولِ ما يُؤْلِمُ، وذَكَرُوا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مِن أسْرَعِ النّاسِ غَضَبًا وكانَ سَرِيعَ الفَيْئَةِ، قالَ ابْنُ القاسِمِ: سَمِعْتُ مالِكًا يَقُولُ: كانَ إذا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخانُ مِن قَلَنْسُوَتِهِ ورَفَعَ شَعْرُ بَدَنِهِ جُبَّتَهُ وأسِفًا مِن أسِفَ فَهو أسِفٌ، كَما تَقُولُ فَرِقَ فَهو فَرِقٌ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَصْفِ، ولَوْ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الزَّمانِ لَكانَ عَلى فاعِلٍ، فَيُقالُ: آسِفٌ، والآسِفُ: الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ، أوِ الجَزِعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُتَلَهِّفُ أوِ الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الحَزِينِ أوِ المُغْضَبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوِ النّادِمُ قالَهُ القُتَبِيُّ أيْضًا، أوْ مُتَقارِبانِ قالَهُ الواحِدِيُّ، قالَ: فَإذا أتاكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ دُونَكَ غَضِبْتَ، أوْ مِمَّنْ فَوْقَكَ حَزِنْتَ، فَأغْضَبَهُ عِبادَتُهُمُ العِجْلَ، وأحْزَنَهُ فِتْنَةُ اللَّهِ إيّاهم، وكانَ قَدْ أخْبَرَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بِئْسَما في أوائِلِ البَقَرَةِ، والخِطابُ إمّا لِلسّامِرِيِّ وعُبّادِ العِجْلِ، أيْ: بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ مَكانَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإمّا لِوُجُوهِ بَنِي إسْرائِيلَ: هارُونَ والمُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ يَكُفُّوا مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، وخَلَفْتُمُونِي يَدُلُّ عَلى البَعْدِيَّةِ في الزَّمانِ، والمَعْنى هُنا: مِن بَعْدِ ما رَأيْتُمْ مِنِّي تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى ونَفْيَ الشُّرَكاءِ عَنْهُ وإخْلاصَ العِبادَةِ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ ما كُنْتُ أحْمِلُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ وأكُفُّهم عَنْ ما طَمَحَتْ إلَيْهِ أبْصارُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ، ومِن حَقِّ الخَلَفِ أنْ يَسِيرَ سِيرَةَ المُسْتَخْلَفِ ولا يُخالِفَهُ، ويُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، إذا فَعَلَهُ عَنْ تَرْكِ مَن بَعْدَهُ. أعَجِلْتُمْ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، ونَقِيضُهُ تَمَّ عَلَيْهِ، وأعْجَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، ويَضْمَنُ مَعْنًى سَبَقَ فَيُعَدّى تَعْدِيَتَهُ، فَيُقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ، والمَعْنى: أعْجِلْتُمْ عَنْ أمْرِ رَبِّكم، وهو انْتِظارُ مُوسى حافِظِينَ لِعَهْدِهِ وما وصّاكم بِهِ فَبَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى أنَّ المِيعادَ قَدْ بَلَغَ آخِرَهُ، ولَمْ أرْجِعْ إلَيْكم فَحَدَّثْتُمْ أنْفُسَكم بِمَوْتِي فَغَيَّرْتُمْ كَما غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ أخْرَجَ إلَيْهِمُ العِجْلَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، إنَّ مُوسى لَنْ يَرْجِعَ، وإنَّهُ قَدْ ماتَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ أسابَقْتُمْ قَضاءَ رَبِّكم …

Al-A'raaf 7:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.