Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 131–140 of 206

131

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But when good came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allah, but most of them do not know.

﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ ابْتُلُوا بِالجَدْبِ ونَقْصِ الثَّمَراتِ رَجاءَ التَّذْكِيرِ فَلَمْ يَقَعِ المَرْجُوُّ وصارُوا إذا أخْصَبُوا وصَحُّوا قالُوا: نَحْنُ أحِقّاءُ بِذَلِكَ، وإذا أصابَهم ما يَسُوءُهم تَشاءَمُوا بِمُوسى وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ، واللّامُ في (لَنا) قِيلَ لِلِاسْتِحْقاقِ كَما تَقُولُ السَّرْجُ لِلْفَرَسِ وتَشاؤُمُهم بِمُوسى ومَن مَعَهُ مَعْناهُ أنَّهُ لَوْلا كَوْنُهم فِينا لَمْ يُصِبْنا كَما قالَ الكُفّارُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ مِن عِنْدِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] وأتى الشَّرْطُ بِإذا في مَجِيءِ الحَسَنَةِ وهي لِما تَيَقَّنَ وُجُودُهُ؛ لِأنَّ إحْسانَ اللَّهِ هو المَعْهُودُ الواسِعُ العامُّ لِخَلْقِهِ بِحَيْثُ إنَّ إحْسانَهُ لِخَلْقِهِ عامٌّ حَتّى في حالِ الِابْتِلاءِ، وأتى الشَّرْطُ بِإنْ في إصابَةِ السَّيِّئَةِ وهي لِلْمُمْكِنِ إبْرازًا أنَّ إصابَةَ السَّيِّئَةِ مِمّا قَدْ يَقَعُ، وقَدْ لا يَقَعُ، وجْهُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ أوْسَعُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ بِإذا وتَعْرِيفِ الحَسَنَةِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ بِإنْ وتَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ قُلْتُ: لِأنَّ جِنْسَ الحَسَنَةِ وُقُوعُهُ كالواجِبِ لِكَثْرَتِهِ واتِّساعِهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَلا تَقَعُ إلّا في النُّدْرَةِ، ولا يَقَعُ إلّا يَسِيرٌ مِنها ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وقَدْ عَدَدْتَ أيّامَ البَلاءِ فَهَلّا عَدَدْتَ أيّامَ الرَّخاءِ. انْتَهى. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَطَيَّرُوا بِالتّاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا، وهو جَوابُ ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ﴾، وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ أعْنِي أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ مُضارِعًا وفِعْلُ الجَزاءِ ماضِيَ اللَّفْظِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎مَن يَكِدْنِي بِسَيِّئٍ كُنْتُ مِنهُ كالشَّجى بَيْنَ حَلْقِهِ والوَرِيدِ

وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجَوِّزُهُ في الكَلامِ وما رُوِيَ مِن أنْ مُجاهِدًا قَرَأ تَشاءَمُوا مَكانَ تَطَيَّرُوا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ.

* *

﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (طائِرُهم) ما يُصِيبُهم، أيْ: ما طارَ لَهم في القَدَرِ مِمّا هم لاقُوهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَّيْرِ، سُمِّيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ يُعْتَقَدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطّائِرِ فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو حُكْمُهُ ومَشِيئَتُهُ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَشاءُ ما يُصِيبُهم مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، ولَيْسَ شُؤْمُ أحَدِهِمْ ولا يُمْنُهُ بِسَبَبٍ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ألا إنَّما سَبَبُ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وهو عَمَلُهُمُ المَكْتُوبُ عِنْدَهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ ما يَسُوءُهم لِأجْلِهِ ويُعاقَبُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦] الآيَةَ ولا طائِرَ أشْأمُ مِن هَذا، وقَرَأ الحَسَنُ ألا إنَّما طَيْرُهم وحَكَمَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ القَلِيلَ مِنهم عَلِمَ كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ …

Al-A'raaf 7:131Listen in Qur'an →
132

وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."

﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ في (وقالُوا) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ لَمْ يَزِدْهُمُ الأخْذُ بِالجُدُوبِ ونَقْصِ الثَّمَراتِ إلّا طُغْيانًا وتَشَدُّدًا في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، ولَمْ يَكْتَفُوا بِنِسْبَةِ ما يُصِيبُهم مِنَ السَّيِّئاتِ إلّا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ حَتّى واجَهُوهُ بِهَذا القَوْلِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ لَوْ أتى بِما أتى مِنَ الآياتِ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وأتَوْا بِمَهْما الَّتِي تَقْتَضِي العُمُومَ، ثُمَّ فَسَّرُوا بِآيَةٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ في تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ آيَةً كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] وتَسْمِيَتُهُ لَها بِآيَةٍ، أيْ: عَلى زَعْمِكَ ولِذَلِكَ عَلَّلُوا الإتْيانَ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ وبالَغُوا في انْتِفاءِ الإيمانِ بِأنْ صَدَّرُوا الجُمْلَةَ بِنَحْنُ وأدْخَلُوا الباءَ في (بِمُؤْمِنِينَ)، أيْ: إنَّ إيمانَنا لَكَ لا يَكُونُ أبَدًا (ومَهْما) مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَحْضُرُ تَأْتِنا بِهِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (مَهْما) وفي (بِها) عائِدٌ أيْضًا عَلى مَعْنى مَهْما؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ أيَّةُ آيَةٍ كَما عادَ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وكَما قالَ زُهَيْرٌ:

؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنْ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمِ

فَأنَّثَ عَلى المَعْنى، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الكَلِمَةُ في عِدادِ الكَلِماتِ الَّتِي يُحَرِّفُها مَن لا يَدَ لَهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ فَيَضَعُها غَيْرَ مَوْضِعِها ويَحْسَبُ مَهْما بِمَعْنى مَتى ما، ويَقُولُ مَهْما جِئْتَنِي أعْطَيْتُكَ، وهَذا مِن وضْعِهِ، ولَيْسَ مِن كَلامِ واضِعِ العَرَبِيَّةِ في شَيْءٍ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُفَسِّرُ مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَيُلْحِدُ في آياتِ اللَّهِ تَعالى وهو لا يَشْعُرُ، وهَذا وأمْثالُهُ مِمّا يُوجِبُ الجُثُوَّ بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أنْكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ مَهْما لا تَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ، وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ ذَكَرَهُ في التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ مِن تَصانِيفِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقْصُرْ مَدْلُولُها عَلى أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ، بَلْ قالَ: وقَدْ تَرِدُ ما ومَهْما ظَرْفَيْ زَمانٍ وقالَ في أُرْجُوزَتِهِ الطَّوِيلَةِ المُسَمّاةِ بِالشّافِيَةِ الكافِيَةِ:

؎، وقَدْ أتَتْ مَهْما وما ظَرْفَيْنِ في ∗∗∗ شَواهِدَ مَن يَعْتَضِدْ بِها كُفِي

وقالَ في شَرْحِ هَذا البَيْتِ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُونَ ما ومَهْما مِثْلَ مِن في لُزُومِ التَّجَرُّدِ عَنِ الظَّرْفِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَهُما ظَرْفَيْنِ ثابِتٌ في اسْتِعْمالِ الفُصَحاءِ مِنَ العَرَبِ، وأنْشَدَ أبْياتًا عَنِ العَرَبِ زَعَمَ مِنها أنَّ ما ومَهْما ظَرْفا زَمانٍ وكَفانا الرَّدَّ عَلَيْهِ فِيها ابْنُهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، وقَدْ تَأوَّلْنا نَحْنُ بَعْضَها وذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، وكَفاهُ رَدًّا نَقْلُهُ عَنْ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ خِلافَ ما قالَهُ لَكِنَّ مَن يُعانِي عِلْمًا يَحْتاجُ إلى مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الشُّيُوخِ، وأمّا مَن فَسَّرَ مَهْما في الآيَةِ بِأنَّها ظَرْفُ زَمانٍ فَهو كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُلْحِدٌ في آياتِ اللَّهِ، وأمّا قَوْلُ …

Al-A'raaf 7:132Listen in Qur'an →
133

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍۢ مُّفَصَّلَٰتٍۢ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ

So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: الطُّوفانُ جَمْعُ طُوفانَةٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو عِنْدُ الكُوفِيِّينَ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ، وحَكى أبُو زَيْدٍ في مَصْدَرِ طافَ طَوْفًا وطَوافًا ولَمْ يَحْكِ طَوَفانًا، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَلا يُرادُ بِهِ هُنا المَصْدَرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الماءُ المُغْرِقُ، وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ ومُقاتِلٌ هو المَطَرُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ دائِمًا اللَّيْلَ والنَّهارَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مَعَ ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لا يَرَوْنَ شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَخْرُجَ مِن دارِهِ. وقِيلَ: أُمْطِرُوا حَتّى كادُوا يَهْلِكُونَ وبُيُوتُ القِبْطِ وبَنِي إسْرائِيلَ مُشْتَبِكَةٌ فامْتَلَأتْ بُيُوتُ القِبْطِ ماءً حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ فَمَن جَلَسَ غَرِقَ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ قَطْرَةٌ وفاضَ الماءُ عَلى وجْهِ أرْضِهِمْ ورَكَدَ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والبِناءِ والتَّصَرُّفِ ودامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عَلَيْهِمْ حَتّى مَلَأ الأرْضَ سَهْلًا وجَبَلًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ أكْثَرُ في الماءِ والمَطَرِ الشَّدِيدِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎غَيَّرَ الجِدَّةَ مِن عِرْفانِهِ خُرُقُ الرِّيحِ وطُوفانُ المَطَرِ

وقالَ أبُو النَّجْمِ:

؎ومَدَّ طُوفانٌ مُبِيدٌ مَدَدًا ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا

وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ ووَهْبٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: هو هُنا المَوْتُ الجارِفُ. ورَوَتْهُ عائِشَةٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ ووَهْبٍ: إنَّهُ الطّاعُونُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقالَ أبُو قَلابَةَ: هو الجُدَرِيُّ وهو أوَّلُ عَذابٍ وقَعَ فِيهِمْ فَبَقِيَ في الأرْضِ. وقِيلَ: هو عَذابٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَطافَ بِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مُعَمًّى عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللَّهُ بِهِمْ فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ فَدَعا فَرَفَعَ عَنْهم فَما آمَنُوا فَنَبَتَ لَهم في تِلْكَ السَّنَةِ مِنَ الكَلَأِ والزَّرْعِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فَأقامُوا شَهْرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَتْ عامَّةَ زَرْعِهِمْ وثِمارِهِمْ، ثُمَّ أكَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الأبْوابَ وسُقُوفَ البُيُوتِ والثِّيابَ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنها شَيْءٌ فَفَزِعُوا إلى مُوسى ووَعَدُوهُ التَّوْبَةَ فَكَشَفَ عَنْهم سَبْعَةَ أيّامٍ وخَرَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الفَضاءِ فَأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَرَجَعَ الجَرادُ إلى النَّواحِي الَّتِي جِئْنَ مِنها وقالُوا ما نَحْنُ بِتارِكِي دِينِنا فَأقامُوا شَهْرًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ: هو الدَّبا وهو صِغارُ الجَرادِ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ لَهُ أجْنِحَةٌ ولا يَطِيرُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو السُّوسُ الَّذِي يَقَعُ في الحِنْطَةِ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: هو الجِعْلانُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَمْنانُ وهو ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هو القُمَّلُ المَعْرُوفُ وهو لُغَةٌ فِيهِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ بِفَتْحِ …

Al-A'raaf 7:133Listen in Qur'an →
134

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ

And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."

﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الرِّجْزَ هُنا هو ما كانَ أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ، فَإنْ كانَ أُرِيدَ الظّاهِرُ كانَ سُؤالُهم مُوسى بَعْدَ وُقُوعِ جَمِيعِها لا بَعْدَ وُقُوعِ نَوْعٍ مِنها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَوْعٌ مِن الرِّجْزِ، فَيَكُونُ سُؤالُهم قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ نَوْعٍ ونَوْعٍ ومَعْنى ﴿وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وثَبَتَ وقالَ قَوْمٌ: (الرِّجْزُ) الطّاعُونُ نَزَلَ بِهِمْ ماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ وإضافَةُ الرَّبِّ إلى مُوسى عَدَمُ إقْرارٍ بِأنَّهُ رَبُّهم حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا ادْعُ لَنا رَبَّنا، ومَعْنى ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ فَنَبَّأكَ، أوْ بِما وصّاكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ لِيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في الآياتِ، أوْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿بِما عَهِدَ﴾ بِادْعُ لَنا رَبَّكَ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ هَذا الرِّجْزِ، و﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قالُوا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُقْسِمِينَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ، أيْ: وأقْسَمُوا لَئِنْ كَشَفْتَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُما أنْ تَكُونَ الباءُ في ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ باءُ القَسَمِ، أيْ: قالُوا ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ الرِّجْزِ مُقْسِمِينَ ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ وأقْسَمُوا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، والمَعْنى: لَئِنْ كَشَفْتَ بِدُعائِكَ، وفي قَوْلِهِمْ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإيمانَ كَما أنَّهُ طَلَبَ مِنهم إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَدَّمُوا الإيمانَ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأعْظَمُ النّاشِئُ مِنهُ الطَّواعِيَةُ، وفي إسْنادِ الكَشْفِ إلى مُوسى حَيْدَةٌ عَنْ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو فَدَعا مُوسى فَكَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ، وأسْنَدَ تَعالى الكَشْفَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو الكاشِفُ حَقِيقَةً، فَلَمّا كانَ مِن قَوْلِهِمْ أسْنَدُوهُ إلى مُوسى، وهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ ولَمّا كانَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، ولَمّا كانَ الرِّجْزُ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى غَيْرِ مَقُولَةٍ لَهم حَسُنَ إظْهارُهُ دُونَ ضَمِيرِهِ، وكانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ في غَيْرِ القُرْآنِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ﴾ ومَعْنى ﴿إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ هم بالِغُوهُ لا مَحالَةَ فَيُعَذَّبُونَ فِيهِ لا يَنْفَعُهم ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الإمْهالِ وكَشْفِ العَذابِ إلى حُلُولِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ بِهِ غايَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ هَذا اللّازِمُ مِنَ اللَّفْظِ كَما تَقُولُ أخَّرْتُ كَذا إلى وقْتِ كَذا، وأنْتَ لا تُرِيدُ وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هاهُنا الغَرَقُ، قالَ وإنَّما قالَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطّائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا …

Al-A'raaf 7:134Listen in Qur'an →
135

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ

But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach, then at once they broke their word.

﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الرِّجْزَ هُنا هو ما كانَ أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ، فَإنْ كانَ أُرِيدَ الظّاهِرُ كانَ سُؤالُهم مُوسى بَعْدَ وُقُوعِ جَمِيعِها لا بَعْدَ وُقُوعِ نَوْعٍ مِنها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَوْعٌ مِن الرِّجْزِ، فَيَكُونُ سُؤالُهم قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ نَوْعٍ ونَوْعٍ ومَعْنى ﴿وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وثَبَتَ وقالَ قَوْمٌ: (الرِّجْزُ) الطّاعُونُ نَزَلَ بِهِمْ ماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ وإضافَةُ الرَّبِّ إلى مُوسى عَدَمُ إقْرارٍ بِأنَّهُ رَبُّهم حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا ادْعُ لَنا رَبَّنا، ومَعْنى ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ فَنَبَّأكَ، أوْ بِما وصّاكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ لِيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في الآياتِ، أوْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿بِما عَهِدَ﴾ بِادْعُ لَنا رَبَّكَ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ هَذا الرِّجْزِ، و﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قالُوا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُقْسِمِينَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ، أيْ: وأقْسَمُوا لَئِنْ كَشَفْتَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُما أنْ تَكُونَ الباءُ في ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ باءُ القَسَمِ، أيْ: قالُوا ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ الرِّجْزِ مُقْسِمِينَ ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ وأقْسَمُوا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، والمَعْنى: لَئِنْ كَشَفْتَ بِدُعائِكَ، وفي قَوْلِهِمْ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإيمانَ كَما أنَّهُ طَلَبَ مِنهم إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَدَّمُوا الإيمانَ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأعْظَمُ النّاشِئُ مِنهُ الطَّواعِيَةُ، وفي إسْنادِ الكَشْفِ إلى مُوسى حَيْدَةٌ عَنْ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو فَدَعا مُوسى فَكَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ، وأسْنَدَ تَعالى الكَشْفَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو الكاشِفُ حَقِيقَةً، فَلَمّا كانَ مِن قَوْلِهِمْ أسْنَدُوهُ إلى مُوسى، وهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ ولَمّا كانَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، ولَمّا كانَ الرِّجْزُ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى غَيْرِ مَقُولَةٍ لَهم حَسُنَ إظْهارُهُ دُونَ ضَمِيرِهِ، وكانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ في غَيْرِ القُرْآنِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ﴾ ومَعْنى ﴿إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ هم بالِغُوهُ لا مَحالَةَ فَيُعَذَّبُونَ فِيهِ لا يَنْفَعُهم ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الإمْهالِ وكَشْفِ العَذابِ إلى حُلُولِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ بِهِ غايَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ هَذا اللّازِمُ مِنَ اللَّفْظِ كَما تَقُولُ أخَّرْتُ كَذا إلى وقْتِ كَذا، وأنْتَ لا تُرِيدُ وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هاهُنا الغَرَقُ، قالَ وإنَّما قالَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطّائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا …

Al-A'raaf 7:135Listen in Qur'an →
136

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ

So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾، أيْ: أحْلَلْنا بِهِمُ النِّقْمَةَ وهي ضِدُّ النِّعْمَةِ، فَإنْ كانَ الِانْتِقامُ هو الإغْراقُ فَتَكُونُ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن أثْبَتَ هَذا المَعْنى لِلْفاءِ وإلّا كانَ المَعْنى فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم، والباءُ في (بِأنَّهم) سَبَبِيَّةٌ، والآياتُ هي المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (عَنْها) إلى الآياتِ، أيْ: غَفَلُوا عَمّا تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِنَ الهُدى والنَّجاةِ وما فَكَّرُوا فِيها، وتِلْكَ الغَفْلَةُ هي سَبَبُ التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى النِّقْمَةِ الدّالِّ عَلَيْها (فانْتَقَمْنا)، أيْ: كانُوا عَنِ النِّقْمَةِ وحُلُولِها بِهِمْ غافِلِينَ، والغَفْلَةُ في القَوْلِ الأوَّلِ عُنِيَ بِهِ الإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْهُ والتَّكْذِيبَ لا يَجْتَمِعانِ مِن حَيْثُ إنَّ الغَفْلَةَ تَسْتَدْعِي عَدَمَ الشُّعُورِ بِالشَّيْءِ، والتَّكْذِيبُ بِهِ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَتَهُ ولِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ صِفَةُ الغَفْلَةِ لَكانُوا مَعْذُورِينَ؛ لِأنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِاخْتِيارِ العَبْدِ.

Al-A'raaf 7:136Listen in Qur'an →
137

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ

And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.

﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ لَمّا قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانَ كَما تَرَجّى مُوسى فَأغْرَقَ أعْداءَهم في اليَمِّ، واسْتَخْلَفَ بَنِي إسْرائِيلَ في الأرْضِ ﴿الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ كانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَعْبِدُهم ويَسْتَخْدِمُهم، والِاسْتِضْعافُ طَلَبُ الضَّعِيفِ بِالقَهْرِ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى قِيلَ اسْتَضْعَفَهُ، أيْ: وجَدَهُ ضَعِيفًا ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي الأرْضُ كُلُّها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وأمّا عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّهُ مَلَّكَ ذَرِّيَّتَهم وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ﴾ الشّامُ ﴿ومَغارِبَها﴾ دِيارُ مِصْرَ، مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إيّاها بِإهْلاكِ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وقالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَصَرَّفُوا فِيها كَيْفَ شاءُوا في أطْرافِها ونَواحِيها الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: هي أرْضُ الشّامِ، وفي كِتابِ النَّقّاشِ عَنِ الحَسَنِ: أرْضُ مِصْرَ والبَرَكَةُ فِيها بِالماءِ والشَّجَرِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وذَيَّلَهُ غَيْرُهُ فَقالَ: بِالخِصْبِ والأنْهارِ وكَثْرَةِ الأشْجارِ وطَيِّبِ الثِّمارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ بِإقْدامِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ مَقامِهِمْ بِها ودَفْنِهِمْ فِيها، وهَذا يَتَخَرَّجُ عَلى مَن قالَ أرْضُ الشّامِ، وقِيلَ: (بارَكْنا) جَعَلْنا الخَيْرَ فِيها دائِمًا ثابِتًا، وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّها مِصْرُ. وقالَ اللَّيْثُ هي مِصْرُ بارَكَ اللَّهُ فِيها بِما يَحْدُثُ عَنْ نِيلِها مِنَ الخَيْراتِ وكَثْرَةِ الحُبُوبِ والثَّمَراتِ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ نِيلَ مِصْرَ سَيِّدُ الأنْهارِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَتِ الجَنّاتُ بِحافَّتَيْ هَذا النِّيلِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ في البَرَّيْنِ جَمِيعًا ما بَيْنَ أسْوانَ إلى رَشِيدٍ وكانَتِ الأشْجارُ مُتَّصِلَةً لا يَنْقَطِعُ مِنها شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ. وقالَ أبُو بَصْرَةَ الغِفارِيُّ: مِصْرُ خَزائِنُ الأرْضِ كُلِّها، ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] ويُرْوى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقامَ بِها اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مَرْيَمَ أنِ الحَقِي بِمِصْرَ وأرْضِها، وذَكَرَ أنَّها الرَّبْوَةُ الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: البَرَكاتُ عَشْرٌ فَفي مِصْرَ تِسْعٌ، وفي الأرْضِ كُلِّها واحِدَةٌ، وانْتِصابُ مَشارِقَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأوْرَثْنا و﴿الَّتِي بارَكْنا﴾ نَعْتٌ لِمَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وقَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّ انْتِصابَ (مَشارِقَ) والمَعْطُوفَ عَلَيْها عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلَ فِيهِما هو (يُسْتَضْعَفُونَ) و(الَّتِي بارَكْنا) هو المَفْعُولُ الثّانِي، أيِ: الأرْضُ الَّتِي بارَكْنا فِيها تَكَلُّفٌ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، ومَن أجازَ أنْ تَكُونَ (الَّتِي) نَعْتًا لِلْأرْضِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بِالعَطْفِ بَيْنَ المَنعُوتِ ونَعْتِهِ.

* *

﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ . أيْ: مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ مِن قَوْلِهِمْ تَمَّ عَلى الأمْرِ إذا مَضى عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى ما سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ وكَلامِهِ …

Al-A'raaf 7:137Listen in Qur'an →
138

وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ

And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ أتْبَعَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى مِن إراءَتِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ وقَطْعِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، والبَحْرُ بَحْرُ القُلْزُمِ، وأخْطَأ مَن قالَ إنَّهُ نِيلُ مِصْرَ ومَعْنى (جاوَزْنا) قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ البَحْرَ عَبَرَ بِهِ فَكَأنَّهُ قالَ وجُزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: أجَزْناهُمُ البَحْرَ، وفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ يُقالُ: جاوَزَ وجازَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، وأبُو رَجاءٍ ويَعْقُوبُ (وجَوَّزْنا) وهو مِمّا جاءَ فِيهِ فَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ نَحْوُ قَدَّرَ وقَدَرَ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، رُوِيَ أنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَما أهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَصامُوا شُكْرًا لِلَّهِ، وأُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.

* *

﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم مِن لَخْمٍ وجُذامٍ كانُوا يَسْكُنُونَ الرِّيفَ، وقِيلَ: كانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ رِقَّةِ مِصْرَ، وهي قَرْيَةٌ بِرِيفِ مِصْرَ تُعْرَفُ بِساحِلِ البَحْرِ يُتَوَصَّلُ مِنها إلى الفَيُّومِ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى بِقِتالِهِمْ ومَعْنى (فَأتَوْا) فَمَرُّوا يُقالُ أتَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، ومَعْنى (يَعْكُفُونَ) يُقِيمُونَ ويُواظِبُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامٍ، وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ بِكَسْرِ الكافِ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما فَصِيحَتانِ، والأصْنامُ قِيلَ: بَقَرٌ حَقِيقَةً. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كانَتْ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.

* *

﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ مِثْلِ هَذا كُفْرٌ وارْتِدادٌ وعِنادٌ، جَرَوْا في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في تَعَنُّتِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لا يَنْبَغِي، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو كُفْرٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوْا مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ. انْتَهى وفي الحَدِيثِ: «مَرُّوا في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَلى رَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ» . وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهم، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها، فَأرادَ قائِلُ ذَلِكَ أنْ يَشْرَعَ الرَّسُولُ ذَلِكَ في الإسْلامِ، ورَأى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَّرْحَةِ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ قُلْتُمْ واللَّهِ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ» .

﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ خالِقًا مُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُوسى لا يُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَهُ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا، فالأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا أنْ يُعَيِّنَ لَهم تَماثِيلَ وصُوَرًا، يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ …

Al-A'raaf 7:138Listen in Qur'an →
139

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ أتْبَعَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى مِن إراءَتِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ وقَطْعِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، والبَحْرُ بَحْرُ القُلْزُمِ، وأخْطَأ مَن قالَ إنَّهُ نِيلُ مِصْرَ ومَعْنى (جاوَزْنا) قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ البَحْرَ عَبَرَ بِهِ فَكَأنَّهُ قالَ وجُزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: أجَزْناهُمُ البَحْرَ، وفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ يُقالُ: جاوَزَ وجازَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، وأبُو رَجاءٍ ويَعْقُوبُ (وجَوَّزْنا) وهو مِمّا جاءَ فِيهِ فَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ نَحْوُ قَدَّرَ وقَدَرَ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، رُوِيَ أنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَما أهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَصامُوا شُكْرًا لِلَّهِ، وأُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.

* *

﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم مِن لَخْمٍ وجُذامٍ كانُوا يَسْكُنُونَ الرِّيفَ، وقِيلَ: كانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ رِقَّةِ مِصْرَ، وهي قَرْيَةٌ بِرِيفِ مِصْرَ تُعْرَفُ بِساحِلِ البَحْرِ يُتَوَصَّلُ مِنها إلى الفَيُّومِ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى بِقِتالِهِمْ ومَعْنى (فَأتَوْا) فَمَرُّوا يُقالُ أتَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، ومَعْنى (يَعْكُفُونَ) يُقِيمُونَ ويُواظِبُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامٍ، وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ بِكَسْرِ الكافِ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما فَصِيحَتانِ، والأصْنامُ قِيلَ: بَقَرٌ حَقِيقَةً. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كانَتْ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.

* *

﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ مِثْلِ هَذا كُفْرٌ وارْتِدادٌ وعِنادٌ، جَرَوْا في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في تَعَنُّتِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لا يَنْبَغِي، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو كُفْرٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوْا مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ. انْتَهى وفي الحَدِيثِ: «مَرُّوا في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَلى رَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ» . وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهم، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها، فَأرادَ قائِلُ ذَلِكَ أنْ يَشْرَعَ الرَّسُولُ ذَلِكَ في الإسْلامِ، ورَأى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَّرْحَةِ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ قُلْتُمْ واللَّهِ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ» .

﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ خالِقًا مُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُوسى لا يُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَهُ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا، فالأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا أنْ يُعَيِّنَ لَهم تَماثِيلَ وصُوَرًا، يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ …

Al-A'raaf 7:139Listen in Qur'an →
140

قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

He said, "Is it other than Allah I should desire for you as a god while He has preferred you over the worlds?"

﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ ما أحْسَنَ ما خاطَبَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَدَأهم أوَّلًا بِنِسْبَتِهِمْ إلى الجَهْلِ ثُمَّ ثانِيًا أخْبَرَهم بِأنَّ عُبّادَ الأصْنامِ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ بَلْ مَآلُ أمْرِهِمْ إلى الهَلاكِ وبُطْلانِ العَمَلِ، وثالِثًا أنْكَرَ وتَعَجَّبَ أنْ يَقَعَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ في أنْ يَبْغِيَ لَهم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا أيْ أغَيْرَ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ أطْلُبُ لَكم مَعْبُودًا ؟ وهو الَّذِي شَرَّفَكم واخْتَصَّكم بِالنِّعَمِ الَّتِي لَمْ يُعْطِها مَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ لا غَيْرُهُ فَكَيْفَ أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَهُ، ومَعْنى عَلى العالَمِينَ عَلى عالَمَيْ زَمانِهِمْ أوْ بِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، قالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وبِما خَصَّهم مِنَ الآياتِ، وانْتَصَبَ (غَيْرَ) مَفْعُولًا بِأبْغِيكم أيْ أبْغِي لَكم غَيْرَ اللَّهِ، (وإلَهًا) تَمْيِيزٌ عَنْ (غَيْرَ) أوْ حالٌ أوْ عَلى الحالِ (وإلَهًا) المَفْعُولُ والتَّقْدِيرُ أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ فَكانَ غَيْرُ صِفَةً، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ حالًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَيْرُ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هَذا هو الظّاهِرُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ انْتَهى. ولا يَظْهَرَ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لِأنَّ أبْغِي مُفَرِّغٌ لَهُ أوْ لِقَوْلِهِ إلَهًا، فَإنَّ تَخَيُّلَ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ أبْغِي مُضْمَرَةً يُفَسِّرُها هَذا الظّاهِرُ فَلا يَصِحُّ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُفَسِّرَةَ لا رابِطَ فِيها لا مِن ضَمِيرٍ ولا مِن مُلابِسٍ يَرْبُطُها بِغَيْرٍ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكُمُوهُ لَصَحَّ، ويَحْتَمِلُ وهو فَضَّلَكم أنْ يَكُونَ حالًا وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

Al-A'raaf 7:140Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.