Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 131–140 of 206

131

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But when good came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allah, but most of them do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

صفحة ١٧٥

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ لا جَرَمَ بَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ ما أنْزَلَهُ بِفِرْعَوْنَ وبِقَوْمِهِ مِنَ المِحَنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، إلى أنْ وصَلَ الأمْرُ إلى الهَلاكِ تَنْبِيهًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، خَوْفًا مِن نُزُولِ هَذِهِ المِحَنِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: السِّنِينَ جَمْعُ السَّنَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: السَّنَةُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: يُرادُ بِها الحَوْلُ والعامُ.

والآخَرُ: يُرادُ بِها الجَدْبُ، وهو خِلافُ الخِصْبِ.

فَمِمّا أُرِيدَ بِهِ الجَدْبُ: هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِي يُوسُفَ» وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنّا لا نَقَعُ في عامِ السَّنَةِ، فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ يُعْنى بِها الجَدْبُ، اشْتَقُّوا مِنها كَما يُشْتَقُّ مِنَ الجَدَبِ. ويُقالُ: أسْنَتُوا كَما يُقالُ: أجْدَبُوا، قالَ الشّاعِرُ:

ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ

قالَ أبُو زَيْدٍ: بَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ: هَذِهِ سِنِينٌ، ورَأيْتُ سِنِينًا، فَتُعْرِبُ النُّونَ. ونَحْوَهُ قالَ الفَرّاءُ: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

دَعانِيَ مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شَيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا

قالَ الزَّجّاجُ: السِّنِينُ في كَلامِ العَرَبِ: الجُدُوبُ، يُقالُ مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، ومَعْناهُ: جَدْبُ السَّنَةِ وشِدَّةُ السَّنَةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يُرِيدُ الجُوعَ والقَحْطَ عامًا بَعْدَ عامٍ، فالسُّنُونُ لِأهْلِ البَوادِي ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ لِأهْلِ القُرى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المَضارَّ لِأجْلِ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ طَرِيقَةِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ إلى الِانْقِيادِ والعُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القَلْبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ إرادَةً مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرُوا، لا أنْ يُقِيمُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ لَفْظُ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ في القُرْآنِ، لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً تُشْبِهُ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ المِحَنِ عَلَيْهِمْ يُقْدِمُونَ عَلى ما يَزِيدُ في كُفْرِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالحَسَنَةِ العُشْبَ والخِصْبَ …

Al-A'raaf 7:131Listen in Qur'an →
132

وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .

صفحة ١٧٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لِجَهْلِهِمْ أسْنَدُوا حَوادِثَ هَذا العالَمِ لا إلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وهو أنَّهم لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المُعْجِزاتِ وبَيْنَ السِّحْرِ، وجَعَلُوا جُمْلَةَ الآياتِ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً مِن بابِ السِّحْرِ مِنهم، وقالُوا لِمُوسى: إنّا لا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنها البَتَّةَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ ”مَهْما“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ أصْلَها ”ما ما“ الأُولى هي ”ما“ الجَزاءُ، والثّانِيَةُ هي الَّتِي تُزادُ تَوْكِيدًا لِلْجَزاءِ، كَما تُزادُ في سائِرِ حُرُوفِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: إمّا ومِمّا وكَيْفَما، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهو كَقَوْلِكَ: إنْ تَثْقَفَنَّهم، ثُمَّ أبْدَلُوا مِن ألْفِ ”ما“ الأُولى ”ها“ كَراهَةً لِتَكْرارِ اللَّفْظِ، فَصارَ ”مَهْما“ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والبَصْرِيِّينَ.

والثّانِي - وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ -: الأصْلُ ”مَهِ“ الَّتِي بِمَعْنى الكَفِّ، أيِ ”اكْفُفْ“ دَخَلَتْ عَلى ”ما“ الَّتِي لِلْجَزاءِ، كَأنَّهم قالُوا: اكْفُفْ ما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ فَهو كَذا وكَذا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِمُوسى: مَهْما أتَيْتَنا بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ، فَهي عِنْدَنا مِن بابِ السِّحْرِ، ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِها البَتَّةَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الدّائِمَ لَيْلًا ونَهارًا سَبْتًا إلى سَبْتٍ، حَتّى كانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَرى شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِن دارِهِ وجاءَهُمُ الغَرَقُ، فَصَرَخُوا إلى فِرْعَوْنَ واسْتَغاثُوا بِهِ، فَأرْسَلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اكْشِفْ عَنّا العَذابَ فَقَدْ صارَتْ مِصْرُ بَحْرًا واحِدًا، فَإنْ كَشَفْتَ هَذا العَذابَ آمَنّا بِكَ، فَأزالَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ الرِّياحَ فَجَفَّفَتِ الأرْضَ، وخَرَجَ مِنَ النَّباتِ ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي جَزِعْنا مِنهُ خَيْرٌ لَنا، لَكِنّا لَمْ نَشْعُرْ، فَلا واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَكَثُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ، فَأكَلَ النَّباتَ وعَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى صارَتْ عِنْدَ طَيَرانِها تُغَطِّي الشَّمْسَ، ووَقَعَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في الأرْضِ ذِراعًا، فَأكَلَتِ النَّباتَ، فَصَرَخَ أهْلُ مِصْرَ، فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فاحْتَمَلَتِ الجَرادَ، فَألْقَتْهُ في البَحْرِ، فَنَظَرَ أهْلُ مِصْرَ إلى أنَّ بَقِيَّةً مِن كَلَئِهِمْ وزَرْعِهِمْ تَكْفِيهِمْ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي بَقِيَ يَكْفِينا ولا نُؤْمِنُ بِكَ. فَأرْسَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، سَبْتًا إلى سَبْتٍ، فَلَمْ يَبْقَ في أرْضِهِمْ عُودًا أخْضَرَ إلّا أكْلَتْهُ، فَصاحُوا وسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها رِيحًا حارَّةً فَأحْرَقَتْها، واحْتَمَلَتْها الرِّيحُ فَألْقَتْها في البَحْرِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ بَعْدَ …

Al-A'raaf 7:132Listen in Qur'an →
133

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍۢ مُّفَصَّلَٰتٍۢ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ

So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .

صفحة ١٧٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لِجَهْلِهِمْ أسْنَدُوا حَوادِثَ هَذا العالَمِ لا إلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وهو أنَّهم لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المُعْجِزاتِ وبَيْنَ السِّحْرِ، وجَعَلُوا جُمْلَةَ الآياتِ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً مِن بابِ السِّحْرِ مِنهم، وقالُوا لِمُوسى: إنّا لا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنها البَتَّةَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ ”مَهْما“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ أصْلَها ”ما ما“ الأُولى هي ”ما“ الجَزاءُ، والثّانِيَةُ هي الَّتِي تُزادُ تَوْكِيدًا لِلْجَزاءِ، كَما تُزادُ في سائِرِ حُرُوفِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: إمّا ومِمّا وكَيْفَما، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهو كَقَوْلِكَ: إنْ تَثْقَفَنَّهم، ثُمَّ أبْدَلُوا مِن ألْفِ ”ما“ الأُولى ”ها“ كَراهَةً لِتَكْرارِ اللَّفْظِ، فَصارَ ”مَهْما“ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والبَصْرِيِّينَ.

والثّانِي - وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ -: الأصْلُ ”مَهِ“ الَّتِي بِمَعْنى الكَفِّ، أيِ ”اكْفُفْ“ دَخَلَتْ عَلى ”ما“ الَّتِي لِلْجَزاءِ، كَأنَّهم قالُوا: اكْفُفْ ما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ فَهو كَذا وكَذا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِمُوسى: مَهْما أتَيْتَنا بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ، فَهي عِنْدَنا مِن بابِ السِّحْرِ، ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِها البَتَّةَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الدّائِمَ لَيْلًا ونَهارًا سَبْتًا إلى سَبْتٍ، حَتّى كانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَرى شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِن دارِهِ وجاءَهُمُ الغَرَقُ، فَصَرَخُوا إلى فِرْعَوْنَ واسْتَغاثُوا بِهِ، فَأرْسَلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اكْشِفْ عَنّا العَذابَ فَقَدْ صارَتْ مِصْرُ بَحْرًا واحِدًا، فَإنْ كَشَفْتَ هَذا العَذابَ آمَنّا بِكَ، فَأزالَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ الرِّياحَ فَجَفَّفَتِ الأرْضَ، وخَرَجَ مِنَ النَّباتِ ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي جَزِعْنا مِنهُ خَيْرٌ لَنا، لَكِنّا لَمْ نَشْعُرْ، فَلا واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَكَثُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ، فَأكَلَ النَّباتَ وعَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى صارَتْ عِنْدَ طَيَرانِها تُغَطِّي الشَّمْسَ، ووَقَعَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في الأرْضِ ذِراعًا، فَأكَلَتِ النَّباتَ، فَصَرَخَ أهْلُ مِصْرَ، فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فاحْتَمَلَتِ الجَرادَ، فَألْقَتْهُ في البَحْرِ، فَنَظَرَ أهْلُ مِصْرَ إلى أنَّ بَقِيَّةً مِن كَلَئِهِمْ وزَرْعِهِمْ تَكْفِيهِمْ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي بَقِيَ يَكْفِينا ولا نُؤْمِنُ بِكَ. فَأرْسَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، سَبْتًا إلى سَبْتٍ، فَلَمْ يَبْقَ في أرْضِهِمْ عُودًا أخْضَرَ إلّا أكْلَتْهُ، فَصاحُوا وسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها رِيحًا حارَّةً فَأحْرَقَتْها، واحْتَمَلَتْها الرِّيحُ فَألْقَتْها في البَحْرِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ بَعْدَ …

Al-A'raaf 7:133Listen in Qur'an →
134

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ

And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا مَعْنى الرِّجْزِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو اسْمٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرِّجْزِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأنْواعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانَ نازِلًا بِهِمْ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”الرِّجْزُ“ مَعْناهُ: الطّاعُونُ، وهو العَذابُ الَّذِي أصابَهم فَماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ سَبْعُونَ ألْفَ إنْسانٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتُرِكُوا غَيْرَ مَدْفُونِينَ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْوى؛ لِأنَّ لَفْظَ ”الرِّجْزِ“ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالألِفِ واللّامِ، فَيَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهَهُنا المَعْهُودُ السّابِقُ هو الأنْواعُ الخَمْسَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأمّا غَيْرُها فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَعْلُومِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَشْكُوكِ فِيهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُناقَضَةِ القَبِيحَةِ؛ لِأنَّهم تارَةً يُكَذِّبُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُخْرى عِنْدَ الشَّدائِدِ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ فَزَعَ الأُمَّةِ إلى نَبِيِّها، ويَسْألُونَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ رَفْعَ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا مُجابَ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ زَوالِ تِلْكَ الشَّدائِدِ يَعُودُونَ إلى تَكْذِيبِهِ والطَّعْنِ فِيهِ، وأنَّهُ إنَّما يَصِلُ إلى مُطالَبَةٍ بِسِحْرِهِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ أنَّهم يُناقِضُونَ أنْفُسَهم في هَذِهِ الأقاوِيلِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ والمَعْنى: بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ، وفي هَذِهِ الباءِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ والتَّقْدِيرُ ”ادْعُ لَنا“ مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: في هَذِهِ الباءِ أنْ تَكُونَ قَسَمًا وجَوابُها قَوْلُهُ: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كانُوا قَدْ أخَذُوا بَنِي إسْرائِيلَ بِالكَدِّ الشَّدِيدِ، فَوَعَدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دُعائِهِ بِكَشْفِ العَذابِ عَنْهُمُ الإيمانَ بِهِ، والتَّخْلِيَةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وإرْسالَهم مَعَهُ يَذْهَبُ بِهِمْ أيْنَ شاءَ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ المَعْنى أنّا ما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ مُطْلَقًا، وما كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، بَلْ إنَّما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ الأجَلِ لا نُزِيلُ عَنْهُمُ العَذابَ بَلْ نُهْلِكُهم بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ هو جَوابٌ لِ ”ما“، يَعْنِي فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ كَما كَشَفْنا عَنْهم نَكَثُوا.

Al-A'raaf 7:134Listen in Qur'an →
135

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ

But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach, then at once they broke their word.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا مَعْنى الرِّجْزِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو اسْمٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرِّجْزِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأنْواعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانَ نازِلًا بِهِمْ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”الرِّجْزُ“ مَعْناهُ: الطّاعُونُ، وهو العَذابُ الَّذِي أصابَهم فَماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ سَبْعُونَ ألْفَ إنْسانٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتُرِكُوا غَيْرَ مَدْفُونِينَ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْوى؛ لِأنَّ لَفْظَ ”الرِّجْزِ“ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالألِفِ واللّامِ، فَيَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهَهُنا المَعْهُودُ السّابِقُ هو الأنْواعُ الخَمْسَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأمّا غَيْرُها فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَعْلُومِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَشْكُوكِ فِيهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُناقَضَةِ القَبِيحَةِ؛ لِأنَّهم تارَةً يُكَذِّبُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُخْرى عِنْدَ الشَّدائِدِ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ فَزَعَ الأُمَّةِ إلى نَبِيِّها، ويَسْألُونَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ رَفْعَ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا مُجابَ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ زَوالِ تِلْكَ الشَّدائِدِ يَعُودُونَ إلى تَكْذِيبِهِ والطَّعْنِ فِيهِ، وأنَّهُ إنَّما يَصِلُ إلى مُطالَبَةٍ بِسِحْرِهِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ أنَّهم يُناقِضُونَ أنْفُسَهم في هَذِهِ الأقاوِيلِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ والمَعْنى: بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ، وفي هَذِهِ الباءِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ والتَّقْدِيرُ ”ادْعُ لَنا“ مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: في هَذِهِ الباءِ أنْ تَكُونَ قَسَمًا وجَوابُها قَوْلُهُ: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كانُوا قَدْ أخَذُوا بَنِي إسْرائِيلَ بِالكَدِّ الشَّدِيدِ، فَوَعَدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دُعائِهِ بِكَشْفِ العَذابِ عَنْهُمُ الإيمانَ بِهِ، والتَّخْلِيَةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وإرْسالَهم مَعَهُ يَذْهَبُ بِهِمْ أيْنَ شاءَ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ المَعْنى أنّا ما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ مُطْلَقًا، وما كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، بَلْ إنَّما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ الأجَلِ لا نُزِيلُ عَنْهُمُ العَذابَ بَلْ نُهْلِكُهم بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ هو جَوابٌ لِ ”ما“، يَعْنِي فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ كَما كَشَفْنا عَنْهم نَكَثُوا.

Al-A'raaf 7:135Listen in Qur'an →
136

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ

So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى، لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ مِن قَبْلُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ ولَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ثُمَّ بَلَغُوا الأجَلَ المُؤَقَّتَ انْتَقَمَ مِنهم بِأنْ أهْلَكَهم بِالغَرَقِ. والِانْتِقامُ في اللُّغَةِ سَلْبُ النِّعْمَةِ بِالعَذابِ، واليَمُّ البَحْرُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اليَمُّ: البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ ومُعْظَمُ مائِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّ المُسْتَقِينَ بِهِ يَقْصِدُونَهُ. وبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أنَّ ذَلِكَ الِانْتِقامَ هو لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ اخْتَلَفُوا في الكِنايَةِ في ”عَنْها“ . فَقِيلَ: إنَّها عائِدَةٌ إلى النِّقْمَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿انْتَقَمْنا﴾ والمَعْنى: وكانُوا عَنِ النِّقْمَةِ قَبْلَ حُلُولِها غافِلِينَ، وقِيلَ: الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الآياتِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قالَ: لِأنَّهم كانُوا لا يَعْتَبِرُونَ بِالآياتِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: الغَفْلَةُ لَيْسَتْ مِن فِعْلِ الإنْسانِ ولا تَحْصُلُ بِاخْتِيارِهِ، فَكَيْفَ جاءَ الوَعِيدُ عَلى الغَفْلَةِ.

قُلْنا: المُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الآياتِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، فَهم أعْرَضُوا عَنْها حَتّى صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ ضَمُّوا إلى التَّكْذِيبِ والغَفْلَةِ مَعاصِيَ كَثِيرَةً ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ الِانْتِقامُ لِهَذَيْنَ دُونَ غَيْرِهِما.

قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانٌ أنَّهُ تَعالى انْتَقَمَ مِنهم لِهَذَيْنَ مَعًا دَلالَةً عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ في الآياتِ النَّظَرُ فِيها؛ ولِذَلِكَ ذَمَّهم بِأنْ غَفَلُوا عَنْها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ طَرِيقٌ مَذْمُومٌ.

Al-A'raaf 7:136Listen in Qur'an →
137

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ

And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ قَوْلَهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩] فَهَهُنا لَمّا بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَ القَوْمِ بِالغَرَقِ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ، بَيَّنَ ما فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْراتِ، وهو أنَّهُ تَعالى أوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم فَقالَ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾

صفحة ١٨١

﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِضْعافِ أنَّهُ كانَ يُقَتِّلُ أبْناءَهم، ويَسْتَحْيِي نِساءَهم، ويَأْخُذُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، ويَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ فَبَعْضُهم حَمَلَهُ عَلى مَشارِقِ أرْضِ الشّامِ ومِصْرَ ومَغارِبِها؛ لِأنَّها هي الَّتِي كانَتْ تَحْتَ تَصَرُّفِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ المُرادُ بارَكْنا فِيها بِالخِصْبِ وسَعَةِ الأرْزاقِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأرْضِ الشّامِ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ جُمْلَةُ الأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن جُمْلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ داوُدُ وسُلَيْمانُ قَدْ مَلَكَ الأرْضَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ هَهُنا اسْمُ الجِنْسِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: المُرادُ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، ومَعْنى تَمَّتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: مَضَتْ عَلَيْهِمْ واسْتَمَرَّتْ، مِن قَوْلِهِمْ: تَمَّ عَلَيْكَ الأمْرُ إذا مَضى عَلَيْكَ. وقِيلَ: مَعْنى تَمامِ الكَلِمَةِ الحُسْنى إنْجازُ الوَعْدِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ، وإنَّما كانَ الإنْجازُ تَمامًا لِلْكَلامِ؛ لِأنَّ الوَعْدَ بِالشَّيْءِ يَبْقى كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فَإذا حَصَلَ المَوْعُودُ بِهِ فَقَدْ تَمَّ لَكَ الوَعْدُ وكَمُلَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ التَّمامُ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ، وحَسْبُكَ بِهِ حاثًّا عَلى الصَّبْرِ ودالًّا عَلى أنَّ مَن قابَلَ البَلاءَ بِالجَزَعِ وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومَن قابَلَهُ بِالصَّبْرِ وانْتِظارِ النَّصْرِ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ الفَرَجَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ ”وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ الحُسْنى“ ونَظِيرُهُ ”﴿مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾“ [النجم: ١٨] . وقَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا﴾ قالَ اللَّيْثُ: الدَّمارُ الهَلاكُ التّامُّ. يُقالُ: دُمِّرَ القَوْمُ يُدَمَّرُونَ دَمارًا أيْ هَلَكُوا. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الصّانِعَ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ إذا بَنى، قِيلَ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقِيلَ: ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ يَرْفَعُونَ مِنَ الأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ في السَّماءِ، كَصَرْحِ هامانَ وفِرْعَوْنَ. وقُرِئَ ”يَعْرِشُونَ“ بِالكَسْرِ والضَّمِّ، وذَكَرَ اليَزِيدِيُّ أنَّ الكَسْرَ أفْصَحُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وبَلَغَنِي أنَّهُ قَرَأ بَعْضُ …

Al-A'raaf 7:137Listen in Qur'an →
138

وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ

And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم أتْبَعَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى، وهي أنْ جاوَزَ بِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ كَيْفَ سَيَّرَهم في البَحْرِ مَعَ السَّلامَةِ، وذَلِكَ بِأنْ فَلَقَ البَحْرَ عِنْدَ ضَرْبِ مُوسى البَحْرَ بِالعَصا وجَعْلَهُ يَبَسًا، بَيَّنَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا شاهَدُوا قَوْمًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، جَهِلُوا وارْتَدُّوا وقالُوا لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، ولا

صفحة ١٨٢

شَكَّ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ، ثُمَّ شاهَدُوا أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْواعِ السَّلامَةِ والكَرامَةِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ هَذِهِ المَواقِفِ والمَقاماتِ يَذْكُرُونَ هَذا الكَلامَ الفاسِدَ الباطِلَ - كانُوا في نِهايَةِ الجَهْلِ وغايَةِ الخِلافِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ يُقالُ: جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ وخَلَفَهُ وراءَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ: عَبَرَ بِهِ، وقُرِئَ ”جَوَّزْنا“ بِمَعْنى: أجَزْنا. يُقالُ: أجازَ المَكانَ وجَوَّزَهُ بِمَعْنى: جازَهُ ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها. يُقالُ لِكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومِن هَذا قِيلَ لِمُلازِمِ المَسْجِدِ: مُعْتَكِفٌ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مِن لَخْمٍ، وكانُوا نُزُولًا بِالرِّيفِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تِلْكَ الأصْنامُ تَماثِيلَ بَقَرٍ، وذَلِكَ أوَّلُ بَيانِ قِصَّةِ العِجْلِ.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَقُولَ العاقِلُ لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ وخالِقًا ومُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِجَعْلِ مُوسى، وتَقْدِيرُهُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا لَهُ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كامِلَ العَقْلِ. والأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أصْنامًا وتَماثِيلَ يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ كانَ هَذا القَوْلُ كُفْرًا ؟ فَنَقُولُ: أجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، سَواءٌ اعْتَقَدَ في ذَلِكَ الغَيْرِ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوِ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ والإكْرامِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِن كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن بَعْضِهِمْ ؟

قُلْنا: بَلْ مِن بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، وكانَ …

Al-A'raaf 7:138Listen in Qur'an →
139

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم أتْبَعَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى، وهي أنْ جاوَزَ بِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ كَيْفَ سَيَّرَهم في البَحْرِ مَعَ السَّلامَةِ، وذَلِكَ بِأنْ فَلَقَ البَحْرَ عِنْدَ ضَرْبِ مُوسى البَحْرَ بِالعَصا وجَعْلَهُ يَبَسًا، بَيَّنَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا شاهَدُوا قَوْمًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، جَهِلُوا وارْتَدُّوا وقالُوا لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، ولا

صفحة ١٨٢

شَكَّ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ، ثُمَّ شاهَدُوا أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْواعِ السَّلامَةِ والكَرامَةِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ هَذِهِ المَواقِفِ والمَقاماتِ يَذْكُرُونَ هَذا الكَلامَ الفاسِدَ الباطِلَ - كانُوا في نِهايَةِ الجَهْلِ وغايَةِ الخِلافِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ يُقالُ: جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ وخَلَفَهُ وراءَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ: عَبَرَ بِهِ، وقُرِئَ ”جَوَّزْنا“ بِمَعْنى: أجَزْنا. يُقالُ: أجازَ المَكانَ وجَوَّزَهُ بِمَعْنى: جازَهُ ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها. يُقالُ لِكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومِن هَذا قِيلَ لِمُلازِمِ المَسْجِدِ: مُعْتَكِفٌ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مِن لَخْمٍ، وكانُوا نُزُولًا بِالرِّيفِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تِلْكَ الأصْنامُ تَماثِيلَ بَقَرٍ، وذَلِكَ أوَّلُ بَيانِ قِصَّةِ العِجْلِ.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَقُولَ العاقِلُ لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ وخالِقًا ومُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِجَعْلِ مُوسى، وتَقْدِيرُهُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا لَهُ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كامِلَ العَقْلِ. والأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أصْنامًا وتَماثِيلَ يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ كانَ هَذا القَوْلُ كُفْرًا ؟ فَنَقُولُ: أجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، سَواءٌ اعْتَقَدَ في ذَلِكَ الغَيْرِ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوِ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ والإكْرامِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِن كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن بَعْضِهِمْ ؟

قُلْنا: بَلْ مِن بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، وكانَ …

Al-A'raaf 7:139Listen in Qur'an →
140

قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

He said, "Is it other than Allah I should desire for you as a god while He has preferred you over the worlds?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ في الجَوابِ وُجُوهًا:

أوَّلُها: أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالجَهْلِ، فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ أيْ سَبَبٌ لِلْخُسْرانِ والهَلاكِ.

وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هَذا العَمَلُ الشّاقُّ لا يُفِيدُهم نَفْعًا في الدُّنْيا والدِّينِ.

ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّعَجُّبِ مِنهم عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ فَقالَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الإلَهَ لَيْسَ شَيْئًا يُطْلَبُ ويُلْتَمَسُ ويُتَّخَذُ، بَلِ الإلَهُ هو اللَّهُ الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى الإنْعامِ بِالإيجادِ وإعْطاءِ الحَياةِ وجَمِيعِ النِّعَمِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ فَهَذا المَوْجُودُ هو الإلَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلى الخَلْقِ عِبادَتُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ العُدُولُ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقالُ: بَغَيْتُ فُلانًا شَيْئًا وبَغَيْتُ لَهُ. قالَ تَعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ يَبْغُونَ لَكم، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: (إلَهًا) وجْهانِ:

أحَدُهُما: الحالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ مَعْبُودًا، ونَصْبُ ”غَيْرَ“ في هَذا الوَجْهِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.

الثّانِي: أنْ يُنْصَبَ ”إلَهًا“ عَلى المَفْعُولِ بِهِ و”غَيْرَ“ عَلى الحالِ المُقَدَّمَةِ الَّتِي لَوْ تَأخَّرَتْ كانَتْ صِفَةً، كَما تَقُولُ: أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى فَضَّلَهم عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِتِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ، ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُها لِأحَدٍ مِنَ العالَمِينَ، وإنْ كانَ غَيْرُهم فَضَلَهم بِسائِرِ الخِصالِ، ومِثالُهُ: رَجُلٌ تَعْلَّمَ عِلْمًا واحِدًا وآخَرُ تَعَلَّمَ عُلُومًا كَثِيرَةً سِوى ذَلِكَ العِلْمِ، فَصاحِبُ العِلْمِ الواحِدِ مُفَضَّلٌ عَلى صاحِبِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ بِذَلِكَ الواحِدِ، إلّا أنَّ صاحِبَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ مُفَضَّلٌ عَلى صاحِبِ العِلْمِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ.

Al-A'raaf 7:140Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.