Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 121–130 of 206

121

قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، أيْ: ساجِدِينَ قائِلِينَ، فَقالُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]، أوْ مِنَ السَّحَرَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهم مُلْتَبِسُونَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ شُكْرًا عَلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ والقَوْلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصْدِيقِ الَّذِي مَحَلُّهُ القُلُوبُ ولَمّا كانَ السُّجُودُ أعْظَمَ القُرْبِ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ بادَرُوا بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالقَوْلِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ القادِرِ عَلَيْهِ، إذِ الدُّخُولُ في الإيمانِ إنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ القَوْلُ وقالُوا رَبَّ العالَمِينَ وِفاقًا لِقَوْلِ مُوسى: إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا كانَ قَدْ يُوهِمُ هَذا اللَّفْظُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، نَصُّوا بِالبَدَلِ عَلى أنَّ رَبَّ العالَمِينَ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، وأنَّهم فارَقُوا فِرْعَوْنَ وكَفَرُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ السَّحَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ قالَهُ رُؤَساؤُهم وسَمّى ابْنُ إسْحاقَ مِنهُمُ الرُّؤَساءَ، فَقالَ هم: سابُورُ وعازُورُ وخَطْخَطُ ومُصَفّى، وحَكاهُ ابْنُ ماكُولا أيْضًا، وقالَ مُقاتِلٌ: أكْبُرُهم شَمْعُونَ، وبَدَءُوا بِمُوسى قَبْلَ هارُونَ وإنْ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن مُوسى قِيلَ بِثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّ مُوسى هو الَّذِي ناظَرَ فِرْعَوْنَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَتانِ في يَدِهِ وعَصاهُ ولِأنَّ قَوْلَهُ: (وهارُونَ) فاصِلَةٌ، وجاءَ في طه ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [طه: ٧٠]؛ لِأنَّ مُوسى فِيها فاصِلَةٌ، ويُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنهُما مُرَتَّبًا مِن طائِفَةٍ وطائِفَةٍ، فَنَسَبَ فِعْلَ بَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ وبَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ أُخْرى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى حَقٌّ خارِجٌ عَنْ جِنْسِ السِّحْرِ ولَوْلا العِلْمُ لَتَوَهَّمُوا أنَّهُ سِحْرٌ، وأنَّهُ أسْحَرُ مِنهم.

Al-A'raaf 7:121Listen in Qur'an →
122

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ

The Lord of Moses and Aaron."

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، أيْ: ساجِدِينَ قائِلِينَ، فَقالُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]، أوْ مِنَ السَّحَرَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهم مُلْتَبِسُونَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ شُكْرًا عَلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ والقَوْلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصْدِيقِ الَّذِي مَحَلُّهُ القُلُوبُ ولَمّا كانَ السُّجُودُ أعْظَمَ القُرْبِ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ بادَرُوا بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالقَوْلِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ القادِرِ عَلَيْهِ، إذِ الدُّخُولُ في الإيمانِ إنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ القَوْلُ وقالُوا رَبَّ العالَمِينَ وِفاقًا لِقَوْلِ مُوسى: إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا كانَ قَدْ يُوهِمُ هَذا اللَّفْظُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، نَصُّوا بِالبَدَلِ عَلى أنَّ رَبَّ العالَمِينَ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، وأنَّهم فارَقُوا فِرْعَوْنَ وكَفَرُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ السَّحَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ قالَهُ رُؤَساؤُهم وسَمّى ابْنُ إسْحاقَ مِنهُمُ الرُّؤَساءَ، فَقالَ هم: سابُورُ وعازُورُ وخَطْخَطُ ومُصَفّى، وحَكاهُ ابْنُ ماكُولا أيْضًا، وقالَ مُقاتِلٌ: أكْبُرُهم شَمْعُونَ، وبَدَءُوا بِمُوسى قَبْلَ هارُونَ وإنْ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن مُوسى قِيلَ بِثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّ مُوسى هو الَّذِي ناظَرَ فِرْعَوْنَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَتانِ في يَدِهِ وعَصاهُ ولِأنَّ قَوْلَهُ: (وهارُونَ) فاصِلَةٌ، وجاءَ في طه ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [طه: ٧٠]؛ لِأنَّ مُوسى فِيها فاصِلَةٌ، ويُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنهُما مُرَتَّبًا مِن طائِفَةٍ وطائِفَةٍ، فَنَسَبَ فِعْلَ بَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ وبَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ أُخْرى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى حَقٌّ خارِجٌ عَنْ جِنْسِ السِّحْرِ ولَوْلا العِلْمُ لَتَوَهَّمُوا أنَّهُ سِحْرٌ، وأنَّهُ أسْحَرُ مِنهم.

Al-A'raaf 7:122Listen in Qur'an →
123

قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

Said Pharaoh, "You believed in him before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.

﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قَرَأ حَفْصٌ ﴿آمَنتُمْ﴾ عَلى الخَبَرِ في كُلِّ القُرْآنِ، أيْ: فَعَلْتُمْ هَذا الفِعْلَ الشَّنِيعَ، وبَّخَهم بِذَلِكَ وقَرَّعَهم، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ والبَزِّيُّ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها مُطَوَّلَةٍ في تَقْدِيرِ ألِفَيْنِ إلّا ورْشًا، فَإنَّهُ يُسَهِّلُ الثّانِيَةَ، ولَمْ يُدْخِلْ أحَدٌ ألِفًا بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ فِيهِنَّ بِالِاسْتِفْهامِ وحَقَّقا الهَمْزَةَ وبَعْدَها ألِفٌ، وقَرَأ قُنْبُلٌ هُنا بِإبْدالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ واوًا، لِضَمَّةِ نُونِ فِرْعَوْنَ وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ بَعْدَها، أوْ تَسْهِيلِها، أوْ إبْدالِها أوْ إسْكانِها، أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وقَرَأ في طه مِثْلَ حَفْصٍ وفي الشُّعَراءِ مِثْلَ البَزِّيِّ، هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١]، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، وفي طه والشُّعَراءِ يَعُودُ في قَوْلِهِ لَهُ عَلى مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ [طه: ٧١]، وقِيلَ: آمَنتُ بِهِ وآمَنتُ لَهُ واحِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم بِمُفارَقَةِ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ.

﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾، أيْ: صَنِيعُكم هَذا لِحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى في مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا مِنها إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، وتَواطَأْتُمْ عَلى ذَلِكَ لِغَرَضٍ لَكم وهو أنْ تُخْرِجُوا مِنها القِبْطَ وتُسْكِنُوا بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ هَذا تَمْوِيهًا عَلى النّاسِ لِئَلّا يَتَّبِعُوا السَّحَرَةَ في الإيمانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَّحَرَةِ شَمْعُونَ فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي، فَقالَ لَهُ نَعَمْ فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ فَقالَ ما قالَ. انْتَهى. ولَمّا خافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ إيمانُ السَّحَرَةِ حُجَّةَ قَوْمِهِ ألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ أحَدَهُما: إنَّ هَذا تَواطُؤٌ مِنهم لا أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، والثّانِي: إنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنهم لِلْمَلِكِ.

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، ومَفْعُولُ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَحِلُّ بِكم أُبْهِمَ في مُتَعَلِّقِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، ثُمَّ عَيَّنَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ لَمّا ظَهَرَتِ الحُجَّةُ عادَ إلى عادَةِ مُلُوكِ السُّوءِ إذا غُلِبُوا مِن تَعْذِيبِ مَن ناوَأهم وإنْ كانَ مُحِقًّا، ومَعْنى ﴿مِن خِلافٍ﴾، أيْ: يَدٌ يُمْنى ورِجْلٌ يُسْرى والعَكْسُ، قِيلَ: هو أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذا، وقِيلَ: المَعْنى مِن أجْلِ الخِلافِ الَّذِي ظَهَرَ مِنكم، والصَّلْبُ التَّعْلِيقُ عَلى الخَشَبِ، وهَذا التَّوَعُّدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ لَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَهُ وأوْقَعَهُ بِهِمْ، ولَكِنْ رُوِيَ في القِصَصِ أنَّهُ قَطَعَ بَعْضًا وصَلَبَ بَعْضًا وتَقَدَّمَ قَوْلُ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَأقْطَعَنَّ) مُضارِعُ قَطَعَ الثُّلاثِيِّ (لَأصْلُبَنَّكم) مُضارِعُ …

Al-A'raaf 7:123Listen in Qur'an →
124

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍۢ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ

I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."

﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قَرَأ حَفْصٌ ﴿آمَنتُمْ﴾ عَلى الخَبَرِ في كُلِّ القُرْآنِ، أيْ: فَعَلْتُمْ هَذا الفِعْلَ الشَّنِيعَ، وبَّخَهم بِذَلِكَ وقَرَّعَهم، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ والبَزِّيُّ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها مُطَوَّلَةٍ في تَقْدِيرِ ألِفَيْنِ إلّا ورْشًا، فَإنَّهُ يُسَهِّلُ الثّانِيَةَ، ولَمْ يُدْخِلْ أحَدٌ ألِفًا بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ فِيهِنَّ بِالِاسْتِفْهامِ وحَقَّقا الهَمْزَةَ وبَعْدَها ألِفٌ، وقَرَأ قُنْبُلٌ هُنا بِإبْدالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ واوًا، لِضَمَّةِ نُونِ فِرْعَوْنَ وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ بَعْدَها، أوْ تَسْهِيلِها، أوْ إبْدالِها أوْ إسْكانِها، أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وقَرَأ في طه مِثْلَ حَفْصٍ وفي الشُّعَراءِ مِثْلَ البَزِّيِّ، هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١]، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، وفي طه والشُّعَراءِ يَعُودُ في قَوْلِهِ لَهُ عَلى مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ [طه: ٧١]، وقِيلَ: آمَنتُ بِهِ وآمَنتُ لَهُ واحِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم بِمُفارَقَةِ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ.

﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾، أيْ: صَنِيعُكم هَذا لِحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى في مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا مِنها إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، وتَواطَأْتُمْ عَلى ذَلِكَ لِغَرَضٍ لَكم وهو أنْ تُخْرِجُوا مِنها القِبْطَ وتُسْكِنُوا بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ هَذا تَمْوِيهًا عَلى النّاسِ لِئَلّا يَتَّبِعُوا السَّحَرَةَ في الإيمانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَّحَرَةِ شَمْعُونَ فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي، فَقالَ لَهُ نَعَمْ فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ فَقالَ ما قالَ. انْتَهى. ولَمّا خافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ إيمانُ السَّحَرَةِ حُجَّةَ قَوْمِهِ ألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ أحَدَهُما: إنَّ هَذا تَواطُؤٌ مِنهم لا أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، والثّانِي: إنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنهم لِلْمَلِكِ.

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، ومَفْعُولُ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَحِلُّ بِكم أُبْهِمَ في مُتَعَلِّقِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، ثُمَّ عَيَّنَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ لَمّا ظَهَرَتِ الحُجَّةُ عادَ إلى عادَةِ مُلُوكِ السُّوءِ إذا غُلِبُوا مِن تَعْذِيبِ مَن ناوَأهم وإنْ كانَ مُحِقًّا، ومَعْنى ﴿مِن خِلافٍ﴾، أيْ: يَدٌ يُمْنى ورِجْلٌ يُسْرى والعَكْسُ، قِيلَ: هو أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذا، وقِيلَ: المَعْنى مِن أجْلِ الخِلافِ الَّذِي ظَهَرَ مِنكم، والصَّلْبُ التَّعْلِيقُ عَلى الخَشَبِ، وهَذا التَّوَعُّدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ لَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَهُ وأوْقَعَهُ بِهِمْ، ولَكِنْ رُوِيَ في القِصَصِ أنَّهُ قَطَعَ بَعْضًا وصَلَبَ بَعْضًا وتَقَدَّمَ قَوْلُ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَأقْطَعَنَّ) مُضارِعُ قَطَعَ الثُّلاثِيِّ (لَأصْلُبَنَّكم) مُضارِعُ …

Al-A'raaf 7:124Listen in Qur'an →
125

قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ

They said, "Indeed, to our Lord we will return.

﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ هَذا تَسْلِيمٌ واتِّكالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ، والمَعْنى: إنّا نَرْجِعُ إلى ثَوابِ رَبِّنا يَوْمَ الجَزاءِ عَلى ما نَلْقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ، أوْ إنّا نَنْقَلِبُ إلى لِقاءِ رَبِّنا ورَحْمَتِهِ، وخَلاصِنا مِنكَ ومِن لِقائِكَ، أوْ إنّا مَيِّتُونَ مُنْقَلِبُونَ إلى اللَّهِ فَلا نُبالِي بِالمَوْتِ إذْ لا تَقْدِرُ أنْ تَفْعَلَ بِنا إلّا ما لا بُدَّ لَنا مِنهُ، فالِانْقِلابُ الأوَّلُ يَكُونُ المُرادُ بِهِ يَوْمَ الجَزاءِ، وهَذانِ الِانْقِلابانِ المُرادُ بِهِما في الدُّنْيا، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: (وإنّا) ضَمِيرُ أنْفُسِهِمْ وفِرْعَوْنَ، أيْ: نَنْقَلِبُ إلى اللَّهِ جَمِيعًا فَيَحْكُمَ بَيْنَنا لِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] فَإنَّ هَذا الضَّمِيرَ يَخُصُّ مُؤْمِنِي السَّحَرَةِ، والأوْلى اتِّحادُ الضَّمائِرِ، والَّذِي أجازَ هَذا الوَجْهَ هو الزَّمَخْشَرِيُّ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿إلى رَبِّنا﴾ تَبَرُّؤٌ مِن فِرْعَوْنَ ومِن رُبُوبِيَّتِهِ، وفي الشُّعَراءِ: لا ضَيْرَ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اخْتُصِرَتْ فِيها القِصَّةُ واتَّسَعَتْ في الشُّعَراءِ، ذُكِرَ فِيها أحْوالُ فِرْعَوْنَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] فَوَقَعَ فِيها زَوائِدُ لَمْ تَقَعْ في هَذِهِ السُّورَةِ، ولا في طه. قالَهُ الكِرْمانِيُّ.

﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ [الأعراف: ١٢٦] قالَ الضَّحّاكُ: وما تَطْعَنُ عَلَيْنا، وقالَ غَيْرُهُ: وما تَكْرَهُ مِنّا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما تَعِيبُ مِنّا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ وعَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] في مَوْضِعِ المَفْعُولِ ويَكُونُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ مِنَ المَفْعُولِ، وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]، وهَذا الفِعْلُ في لِسانِ العَرَبِ يَتَعَدّى بِعَلى تَقُولُ نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ أنْقِمُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِمِن أنَّ المَعْنى وما تَنْقِمُ مِنّا، أيْ: ما تَنالُ مِنّا كَقَوْلِهِ: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، أيْ: يَنالُهُ بِمَكْرُوهٍ، ويَكُونُ فَعَلَ وافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَقَدَرَ واقْتَدَرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] مُفْعُولًا مِن أجْلِهِ، واسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، أيْ: ما تَنالُ مِنّا وتُعَذِّبُنا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا وعَلى هَذا المَعْنى يَدُلُّ تَفْسِيرُ عَطاءٍ، قالَ عَطاءٌ: أيْ: ما لَنا عِنْدَكَ ذَنْبٌ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنّا آمَنّا، والآياتُ المُعْجِزاتُ الَّتِي أتى بِها مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن جَعَلَ لَمّا ظَرْفًا جَعَلَ العامِلَ فِيها ﴿أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] ومَن جَعَلَها حَرْفًا جَعَلَ جَوابَها مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَمّا جاءَتْنا آمَنّا، وفي كَلامِهِمْ هَذا تَكْذِيبٌ لِفِرْعَوْنَ في ادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وانْسِلاخٌ مِنهم عَنِ اعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ والإيمانُ بِاللَّهِ هو أصْلُ المَفاخِرِ والمَناقِبِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ:

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو اليُسْرِ هاشِمٌ، وابْنُ …

Al-A'raaf 7:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ

And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience and let us die as Muslims [in submission to You]."

﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لَمّا أوْعَدَهم بِالقَطْعِ والصَّلْبِ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُمُ الصَّبْرَ عَلى ما يَحُلُّ بِهِمْ إنْ حَلَّ، ولَيْسَ في هَذا السُّؤالِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ هَذا المُوعَدِ بِهِمْ خِلافًا لِمَن قالَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ولا في قَوْلِهِ: وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحُلَّ بِهِمُ المَوْعُودُ خِلافًا لِمَن قالَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم سَألُوا اللَّهَ أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَطْعِ والقَتْلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جُمْلَةِ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ سَألُوا المَوْتَ عَلى الإسْلامِ وهو الِانْقِيادُ إلى دِينِ اللَّهِ وما أمَرَ بِهِ.

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ مُقاتِلٌ: ومَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَّحَرَةِ عامًا، أوْ نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ، وتَضَمَّنُ قَوْلُ المَلَأِ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عَنْ دِينِ فِرْعَوْنَ، ويَعْنِي بِقَوْمِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، وقِيلَ: هو اسْتِخْبارٌ، والغَرَضُ بِهِ أنْ يَعْلَمُوا ما في قَلْبِ فِرْعَوْنَ مِن مُوسى ومَن آمَنَ بِهِ، قالَ مُقاتِلٌ: والإفْسادُ هو خَوْفُ أنْ يَقْتُلُوا أبْناءَ القِبْطِ ويَسْتَحْيُوا نِساءَهم عَلى سَبِيلِ المُقاصَّةِ مِنهم، كَما فَعَلُوا هم بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: الإفْسادُ دُعاؤُهُمُ النّاسَ إلى مُخالَفَةِ فِرْعَوْنَ وتَرْكِ عِبادَتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَذَرَكَ) بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى (لِيُفْسِدُوا)، أيْ: لِلْإفْسادِ ولِتَرْكِكَ وتَرْكِ آلِهَتِكَ، وكانَ التَّرْكُ هو لِذَلِكَ وبَدَءُوا أوَّلًا بِالعِلَّةِ العامَّةِ وهي الإفْسادُ، ثُمَّ اتَّبَعُوهُ بِالخاصَّةِ لِيَدُلُّوا عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ مِن فِرْعَوْنَ لِمُوسى وقَوْمِهِ هو أيْضًا يَئُولُ إلى شَيْءٍ يَخْتَصُّ بِفِرْعَوْنَ قَدَحُوا بِذَلِكَ زَنْدَ تَغَيُّظِهِ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْقى عَلَيْهِمْ إذْ هُمُ الأشْرافُ، وبِتَرْكِ مُوسى وقَوْمِهِ بِمِصْرَ يَذْهَبُ مُلْكُهم وشَرَفُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النُّصْبُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أنّى يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِكَ مُوسى وقَوْمَهُ لِلْإفْسادِ وبَيْنَ تَرْكِهِمْ إيّاكَ وعِبادَةِ آلِهَتِكَ، أيْ: إنَّ هَذا مِمّا لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (ويَذَرُكَ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (أتَذَرُ)، بِمَعْنى أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، أيْ: أتُطْلِقُ لَهُ ذَلِكَ، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ وهو يَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (ويَذَرْكَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ النُّطْقَ يُفْسِدُوا جَزْمًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ كَما قالَ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، أوْ عَلى التَّخْفِيفِ مِن (ويَذَرَكَ)، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ (ونَذَرُكَ) بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ، تَوَعَّدُوهُ بِتَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، أوْ عَلى مَعْنى الإخْبارِ، أيْ: إنَّ الأمْرَ يَئُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: (في الأرْضِ)، وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ (وآلِهَتَكَ)، وقَرَأ …

Al-A'raaf 7:126Listen in Qur'an →
127

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ

And the eminent among the people of Pharaoh said," Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."

﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يُعاجِلْ مُوسى وقَوْمَهُ بِالقِتالِ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِيءٌ مِن مُوسى رُعْبًا، والمَعْنى: أنَّهُ قالَ سَنُعِيدُ عَلَيْهِمْ ما كُنّا فَعَلْنا بِهِمْ قَبْلُ مِن قَتْلِ أبْنائِهِمْ لِيَقِلَّ رَهْطُهُ الَّذِينَ يَقَعُ الإفْسادُ بِواسِطَتِهِمْ، والفَوْقِيَّةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ والتَّمَكُّنِ في الدُّنْيا و(قاهِرُونَ) يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم، أيْ: قاهِرُونَ لَهم قَهْرًا أقَلَّ مِن أنْ نَهْتَمَّ بِهِ فَنَحْنُ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الغَلَبَةِ، أوْ أنَّ غَلَبَةَ مُوسى لا أثَرَ لَها في مُلْكِنا واسْتِيلائِنا، ولِئَلّا يَتَوَهَّمُ العامَّةُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي تَحَدَّثَ المُنَجِّمُونَ عَنْهُ، والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ فَيُثَبِّطُهم ذَلِكَ عَنْ طاعَتِنا ويَدْعُوهم إلى اتِّباعِهِ وإنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ وشَدَّدَ (سَنُقَتِّلُ)، (ويُقَتِّلُونَ) الكُوفِيُّونَ والعَرَبِيّانِ، وخَفَّفَهُما نافِعٌ وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ (سَنَقْتُلُ) وشَدَّدَ (ويُقَتِّلُونَ) .

﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ لَمّا تَوَعَّدَهم فِرْعَوْنُ جَزِعُوا وتَضَجَّرُوا فَسَكَّنَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ وبِالصَّبْرِ وسَلّاهم ووَعَدَهُمُ النَّصْرَ، وذَكَّرَهم ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن إهْلاكِ القِبْطِ وتَوْرِيثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهم.

﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . أيْ: أرْضُ مِصْرَ وألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي الأرْضُ الَّتِي كانُوا فِيها، وقِيلَ: الأرْضُ أرْضُ الدُّنْيا، فَهي عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وتَعَدّى ﴿اسْتَعِينُوا﴾ هُنا بِالباءِ، وفي ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بِنَفْسِهِ، وجاءَ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَعِينُكَ.

﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قِيلَ: النَّصْرُ والظَّفَرُ، وقِيلَ: الدّارُ الآخِرَةُ، وقِيلَ: السَّعادَةُ والشَّهادَةُ، وقِيلَ: الجَنَّةُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخاتِمَةُ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مِنهم ومِنَ القِبْطِ وإنَّ المَشِيئَةَ مُتَناوِلَةٌ لَهم. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ﴿يُورِثُها﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿يُورِثُها﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى المُبالَغَةِ ورُوِيَتْ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ (والعاقِبَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أنَّ الأرْضَ) وفي وعْدِ مُوسى تَبْشِيرٌ لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الخاتِمَةِ، ونَتِيجَةُ طَلَبِ الإعانَةِ تَوْرِيثُ الأرْضِ لَهم، ونَتِيجَةُ الصَّبْرِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ والنَّصْرُ عَلى مَن عاداهم، فَلِذَلِكَ كانَ الأمْرُ بِشَيْئَيْنِ يَنْتِجُ عَنْهُما شَيْئانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخْلِيتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الواوِ وأُدْخِلَتْ عَلى الَّذِي قَبْلَها ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأمّا ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ فَمَعْطُوفَةٌ عَلى ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] . انْتَهى.

Al-A'raaf 7:127Listen in Qur'an →
128

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

Said Moses to his people, "Seek help through Allah and be patient. Indeed, the earth belongs to Allah. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."

﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يُعاجِلْ مُوسى وقَوْمَهُ بِالقِتالِ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِيءٌ مِن مُوسى رُعْبًا، والمَعْنى: أنَّهُ قالَ سَنُعِيدُ عَلَيْهِمْ ما كُنّا فَعَلْنا بِهِمْ قَبْلُ مِن قَتْلِ أبْنائِهِمْ لِيَقِلَّ رَهْطُهُ الَّذِينَ يَقَعُ الإفْسادُ بِواسِطَتِهِمْ، والفَوْقِيَّةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ والتَّمَكُّنِ في الدُّنْيا و(قاهِرُونَ) يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم، أيْ: قاهِرُونَ لَهم قَهْرًا أقَلَّ مِن أنْ نَهْتَمَّ بِهِ فَنَحْنُ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الغَلَبَةِ، أوْ أنَّ غَلَبَةَ مُوسى لا أثَرَ لَها في مُلْكِنا واسْتِيلائِنا، ولِئَلّا يَتَوَهَّمُ العامَّةُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي تَحَدَّثَ المُنَجِّمُونَ عَنْهُ، والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ فَيُثَبِّطُهم ذَلِكَ عَنْ طاعَتِنا ويَدْعُوهم إلى اتِّباعِهِ وإنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ وشَدَّدَ (سَنُقَتِّلُ)، (ويُقَتِّلُونَ) الكُوفِيُّونَ والعَرَبِيّانِ، وخَفَّفَهُما نافِعٌ وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ (سَنَقْتُلُ) وشَدَّدَ (ويُقَتِّلُونَ) .

﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ لَمّا تَوَعَّدَهم فِرْعَوْنُ جَزِعُوا وتَضَجَّرُوا فَسَكَّنَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ وبِالصَّبْرِ وسَلّاهم ووَعَدَهُمُ النَّصْرَ، وذَكَّرَهم ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن إهْلاكِ القِبْطِ وتَوْرِيثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهم.

﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . أيْ: أرْضُ مِصْرَ وألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي الأرْضُ الَّتِي كانُوا فِيها، وقِيلَ: الأرْضُ أرْضُ الدُّنْيا، فَهي عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وتَعَدّى ﴿اسْتَعِينُوا﴾ هُنا بِالباءِ، وفي ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بِنَفْسِهِ، وجاءَ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَعِينُكَ.

﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قِيلَ: النَّصْرُ والظَّفَرُ، وقِيلَ: الدّارُ الآخِرَةُ، وقِيلَ: السَّعادَةُ والشَّهادَةُ، وقِيلَ: الجَنَّةُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخاتِمَةُ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مِنهم ومِنَ القِبْطِ وإنَّ المَشِيئَةَ مُتَناوِلَةٌ لَهم. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ﴿يُورِثُها﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿يُورِثُها﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى المُبالَغَةِ ورُوِيَتْ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ (والعاقِبَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أنَّ الأرْضَ) وفي وعْدِ مُوسى تَبْشِيرٌ لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الخاتِمَةِ، ونَتِيجَةُ طَلَبِ الإعانَةِ تَوْرِيثُ الأرْضِ لَهم، ونَتِيجَةُ الصَّبْرِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ والنَّصْرُ عَلى مَن عاداهم، فَلِذَلِكَ كانَ الأمْرُ بِشَيْئَيْنِ يَنْتِجُ عَنْهُما شَيْئانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخْلِيتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الواوِ وأُدْخِلَتْ عَلى الَّذِي قَبْلَها ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأمّا ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ فَمَعْطُوفَةٌ عَلى ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] . انْتَهى.

Al-A'raaf 7:128Listen in Qur'an →
129

قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."

﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾، أيْ: بِابْتِلائِنا بِذَبْحِ أبْنائِنا مَخافَةَ ما كانَ يَتَوَقَّعُ فِرْعَوْنُ مِن هَلاكِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ المَوْلُودِ الَّذِي يُولَدُ مِنّا ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَبْلِ مَوْلِدِ مُوسى إلى أنِ اسْتَنْبَأ ﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ إعادَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانُوا يُسْتَعْبَدُونَ ويُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِن أنْواعِ الخَدَمِ والمِهَنِ ويُمَسُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهم، وقالَ الحَسَنُ: بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم قَبْلَ بَعْثِ مُوسى إلَيْهِمْ وبَعْدَ بَعْثِهِ ما زادَ عَلى ذَلِكَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا يَضْرِبُونَ لَهُ اللَّبِنَ ويُعْطِيهِمُ التِّبْنَ، فَلَمّا جاءَ مُوسى غَرَّمَهُمُ التِّبْنَ، وكانَ النِّساءُ يَغْزِلْنَ لَهُ الكَتّانَ ويَنْسِجْنَهُ، وقالَ جَرِيرٌ: اسْتَسْخَرَهم مِن قَبْلِ إتْيانِ مُوسى في أوَّلِ النَّهارِ إلى نِصْفِ النَّهارِ فَلَمّا جاءَ مُوسى اسْتَسْخَرَهُمُ النَّهارَ كُلَّهُ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى مِن قَبْلِ بِالِاسْتِعْبادِ وقَتْلِ الأوْلادِ ومِن بَعْدُ بِالتَّهْدِيدِ والإبْعادِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِعَهْدِ اللَّهِ بِالخَلاصِ ﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ بِهِ قالُوهُ في مَعْرِضِ الشَّكْوى مِن فِرْعَوْنَ واسْتِعانَةً عَلَيْهِ بِمُوسى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: قالُوا ذَلِكَ حِينَ اتَّبَعَهم واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوْا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم لَمّا أسْرى بِهِمْ مُوسى حَتّى هَجَمُوا عَلى البَحْرِ التَفَتُوا فَإذا هم بِرَهْجِ دَوابِّ فِرْعَوْنَ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وقالُوا هَذا البَحْرُ أمامَنا، وهَذا فِرْعَوْنُ وراءَنا قَدْ رَهِقَنا بِمَن مَعَهُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ، وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وقَدْ جاءَ بَعْدَ هَذِهِ ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو كَلامٌ يَجْرِي عَلى المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. قِيلَ: ولا يَدُلُّ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى كَراهَةِ مَجِيءِ مُوسى؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ وإنَّما قالُوهُ؛ لِأنَّهُ كانَ وعَدَهم بِزَوالِ المَضارِّ، فَظَنُّوا أنَّها نُزُولٌ عَلى الفَوْرِ، فَقَوْلُهم ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لا نَفْرَةٌ.

* *

﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ هَذا رَجاءٌ مِن نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِثْلُهُ مِنَ الأنْبِياءِ يُقَوِّي قُلُوبَ أتْباعِهِمْ فَيَصْبِرُونَ إلى وُقُوعِ مُتَعَلِّقِ الرَّجاءِ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذا الرَّجاءِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] مِن حَيْثُ إنَّ الرَّجاءَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِ مُتَعَلِّقِهِ، والإخْبارُ بِأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ إنْ كانَتْ في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ جِدًّا عَدَمُ التَّنافِي، وإنْ كانَتْ في الدُّنْيا فَلَيْسَ فِيها تَصْرِيحٌ بِعاقِبَةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ المَخْصُوصِينَ، فَسَلَكَ مُوسى طَرِيقَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ وساقَ الكَلامَ مَساقَ الرَّجاءِ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ …

Al-A'raaf 7:129Listen in Qur'an →
130

وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

And We certainly seized the people of Pharaoh with years of famine and a deficiency in fruits that perhaps they would be reminded.

﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ الأخْذُ: التَّناوُلُ بِاليَدِ ومَعْناهُ هُنا الِابْتِلاءُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ أقامَ بَيْنَهم مُوسى يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، ومَعْنى بِالسِّنِينَ: بِالقُحُوطِ والجُدُوبِ، والسَّنَةُ تُطْلَقُ عَلى الحَوْلِ وتُطْلَقُ عَلى الجَدْبِ ضِدُّ الخِصْبِ وبِهَذا المَعْنى تَكُونُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ والدَّبَرانِ، وقَدِ اشْتَقُّوا مِنها بِهَذا المَعْنى فَقالُوا أسْنَتَ القَوْمُ إذا أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ

وقالَ حاتِمٌ:

؎فَإنّا نُهِينُ المالَ مِن غَيْرِ ضِنَّةٍ ∗∗∗ ولا يَشْتَكِينا في السِّنِينَ ضَرِيرُها

وفِي سِنِينَ لُغَتانِ أشْهُرُهُما إعْرابُها بِالواوِ رَفْعًا والياءِ جَرًّا ونَصْبًا، وقَدْ تَكَلَّفَ النُّحاةُ عِلَّةً لِكَوْنِها جُمِعَتْ هَذا الجَمْعَ، والأُخْرى جَعْلُ الإعْرابِ في النُّونِ والتِزامُ الياءِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، نَقَلَها أبُو زَيْدٍ والفَرّاءُ، وقالَ الفَرّاءُ: هي في هَذِهِ اللُّغَةِ مَصْرُوفَةٌ عِنْدَ بَنِي عامِرٍ، وغَيْرُ مَصْرُوفَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ أمْعَنُ في كُتُبِ النَّحْوِ، وكانَ هَذا الجَدَبُ سَبْعَ سِنِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: أمّا السُّنُونَ فَكانَتْ لِبادِيَتِهِمْ ومَواشِيهِمْ، وأمّا نَقْصُ الثَّمَراتِ فَكانَ في أمْصارِهِمْ وهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ في الأُمَمِ يَبْتَلِيها بِالنِّقَمِ لِيَزْدَجِرُوا ويَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، فَإنَّ الشِّدَّةَ تَجْلِبُ الإنابَةَ والخَشْيَةَ ورِقَّةَ القَلْبِ والرُّجُوعَ إلى طَلَبِ لُطْفِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وكَذا فَعَلَ بِقُرَيْشٍ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» . ورُوِيَ أنَّهُ يَبِسَ لَهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى نِيلُ مِصْرَ، ونُقِصُوا مِنَ الثَّمَراتِ حَتّى كانَتِ النَّخْلَةُ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ الواحِدَةَ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ رَجاءٌ لِتَذَكُّرِهم وتَنَبُّهِهِمْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ إنَّما هو لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَزْدَجِرُوا.

Al-A'raaf 7:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.