قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ
They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهِ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ جَرَتْ جُمْلَةُ قالَ المَلَأُ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ لِأنَّها جَرَتْ في طَرِيقِ المُجاوَرَةِ الجارِيَةِ بَيْنَ مُوسى وبَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَإنَّهُ حِوارٌ واحِدٌ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَلَأِ آنِفًا في القَصَصِ الماضِيَةِ. فَمَلَأُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ هم سادَتُهم وهم أهْلُ مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ ومَشُورَتِهِ، وقَدْ كانَتْ دَعْوَةُ مُوسى أوَّلَ الأمْرِ قاصِرَةً عَلى
صفحة ٤٢
فِرْعَوْنَ في مَجْلِسِهِ فَلَمْ يَكُنْ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ العامَّةِ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] وإنَّما أُشْهِرَتْ دَعْوَتُهُ في المَرَّةِ الآتِيَةِ بَعْدَ اجْتِماعِ السَّحَرَةِ.
وإنَّما قالُوا هَذا الكَلامَ عَلى وجْهِ الشُّورى مَعَ فِرْعَوْنَ واسْتِنْباطِ الِاعْتِذارِ لِأنْفُسِهِمْ عَنْ قِيامِ حُجَّةِ مُوسى في وُجُوهِهِمْ فاعْتَلُّوا لِأنْفُسِهِمْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِأنَّ مُوسى إنَّما هو ساحِرٌ عَلِيمٌ بِالسِّحْرِ أظْهَرَ لَهم ما لا عَهْدَ لَهم بِمِثْلِهِ مِن أعْمالِ السَّحَرَةِ، وهَذا القَوْلُ قَدْ أعْرَبَ عَنْ رَأْيِ جَمِيعِ أهْلِ مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، فَفِرْعَوْنُ كانَ مُشارِكًا لَهم في هَذا لِأنَّ القُرْآنَ حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، وهَذِهِ المَعْذِرَةُ قَدِ انْتَحَلُوها وتَواطَئُوا عَلَيْها تَبِعُوا فِيها مَلِكَهم أوْ تَبِعَهم فِيها، فَكُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ المَجْلِسِ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ ولِذَلِكَ فالخِطابُ في قَوْلِهِ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ خِطابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وهو حاصِلٌ مِن طَوائِفِ ذَلِكَ المَلَأِ لِطَوائِفَ يُرَدِّدُونَهُ بَيْنَهم ويَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
ووَجْهُ اسْتِفادَتِهِمْ أنَّ مُوسى يُرِيدُ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ، إمّا أنَّهم قاسُوا ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ مُوسى فَأرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ بِقاعِدَةِ ما جازَ عَلى المِثْلِ يَجُوزُ عَلى المُماثِلِ، يَعْنُونَ أنَّهُ ما أظْهَرَ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا ذَرِيعَةً لِإخْراجِ كُلِّ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِيَتَّخِذَهم تَبَعًا ويُقِيمَ بِهِمْ مُلْكًا خارِجَ مِصْرَ، فَزَعَمُوا أنَّ تِلْكَ مَكِيدَةٌ مِن مُوسى لِثَلْمِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ.
وإمّا أنْ يَكُونَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ مُحْتَوِيًا عَلى رِجالٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُقَرَّبِينَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ ومِن أهْلِ الرَّأْيِ في المَمْلَكَةِ، فَهُمُ المَقْصُودُ بِالخِطابِ، أيْ: يُرِيدُ إخْراجَ قَوْمِكم مِن أرْضِكُمُ الَّتِي اسْتَوْطَنْتُمُوها أرْبَعَةَ قُرُونٍ وصارَتْ لَكم مَوْطِنًا كَما هي لِلْمِصْرِيِّينَ، ومَقْصِدُهم مِن ذَلِكَ تَذْكِيرُهم بِحُبِّ وطَنِهِمْ، وتَقْرِيبُهم مِن أنْفُسِهِمْ، وإنْساؤُهم ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ اضْطِهادِ القِبْطِ واسْتِذْلالِهِمْ، شُعُورًا مِنهم بِحَراجَةِ المَوْقِفِ.
وإمّا أنَّهم عَلِمُوا أنَّهُ إذا شاعَ في الأُمَّةِ ظُهُورُ حُجَّةِ مُوسى وعَجْزُ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ أدْخَلَ ذَلِكَ فِتْنَةً في عامَّةِ الأُمَّةِ فَآمَنُوا بِمُوسى وأصْبَحَ هو المَلِكَ عَلى مِصْرَ فَأخْرَجَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَلَأُ خاطَبُوا بِذَلِكَ فِرْعَوْنَ. فَجَرَتْ ضَمائِرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم عَلى صِيغَةِ …