Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 11–20 of 206

11

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

And We have certainly created you, [O Mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He was not of those who prostrated.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾

اَلْخِطابُ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والمُرادُ أنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ مُمْكِنٌ في الأرْضِ؛ و"اَلْمَعايِشُ": جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وهي لَفْظَةٌ تَعُمُّ المَأْكُولَ الَّذِي يُعاشُ بِهِ؛ والتَحَرُّفَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعايِشَ" بِكَسْرِ الياءِ؛ دُونَ هَمْزٍ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "مَعائِشَ"؛ بِالهَمْزِ؛ كَـ "مَدائِنُ"؛ و"سَفائِنُ"؛ ورَواهُ خارِجَةُ عن نافِعٍ ؛ ورُوِيَ عن ورْشٍ: "مَعايْشَ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ فَمَن قَرَأ: "مَعايِشَ"؛ بِتَصْحِيحِ الياءِ فَهو الأصْوَبُ؛ لِأنَّها جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعِلَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ قالَهُما سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "مَفْعَلَةٌ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فالياءُ في "مَعِيشَةٌ" أصْلِيَّةٌ؛ وأُعِلَّتْ "مَعِيشَةٌ"؛ لِمُوافَقَتِها الفِعْلَ؛ الَّذِي هو "يَعِيشُ"؛ في الياءِ؛ أيْ في المُتَحَرِّكِ؛ والساكِنِ؛ وصُحِّحَتْ "مَعايِشُ"؛ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ لِزَوالِ المُوافَقَةِ المَذْكُورَةِ في اللَفْظِ؛ ولِأنَّ التَكْسِيرَ - مَعْنًى - لا يَكُونُ في الفِعْلِ؛ إنَّما تَخْتَصُّ بِهِ الأسْماءُ؛ ومَن قَرَأ "مَعايْشَ"؛ فَعَلى التَخْفِيفِ مِن "مَعايِشَ"؛ ومَن قَرَأ "مَعائِشَ"؛ فَأعَلَّها؛ فَذَلِكَ غَلَطٌ؛ وأمّا تَوْجِيهُهُ فَعَلى تَشْبِيهِ الأصْلِ بِالزائِدِ؛ لِأنَّ "مَعِيشَةٌ"؛ تُشْبِهُ في اللَفْظِ "صَحِيفَةٌ"؛ فَكَما يُقالُ: "صَحائِفُ"؛ قِيلَ: "مَعائِشُ"؛ وإنَّما هُمِزَتْ ياءُ "صَحائِفُ"؛ ونَظائِرُها؛ مِمّا الياءُ فِيهِ زائِدَةٌ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها في الحَرَكَةِ؛ وإنَّما وزْنُها "فَعِيلَةٌ"؛ ساكِنَةً؛ فَلَمّا اضْطُرَّ إلى تَحْرِيكِها في الجَمْعِ؛ بُدِّلَتْ بِأجْلَدَ مِنها.

و"قَلِيلًا"؛ نُصِبَ بِـ "تَشْكُرُونَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما"؛ زائِدَةً؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "شُكْرًا قَلِيلًا شُكْرُكُمْ"؛ أو "شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها التَنْبِيهُ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ والتَعْجِيبِ؛ مِن غَرِيبِ الصَنْعَةِ؛ وإسْداءِ النِعْمَةِ؛ فَبَدَأ بِالخَلْقِ؛ الَّذِي هو الإيجادُ بَعْدَ العَدَمِ؛ ثُمَّ بِالتَصْوِيرِ في هَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ لِلْبَشَرِ؛ وإلّا فَلَمْ يُعَرَّ المَخْلُوقُ قَطُّ مِن صُورَةٍ.

واضْطِرابُ الناسِ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنَّ الخَلْقَ؛ والتَصْوِيرَ لِبَنِي آدَمَ؛ قَبْلَ القَوْلِ لِلْمَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا؛ وقَدْ صَحَّحَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ الأمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ؛ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِنَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ الخِطابُ لِبَنِيهِ؛ وذَلِكَ لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -سَبَبَ وُجُودِ بَنِيهِ فَما فُعِلَ فِيهِ صَحَّ - مَعَ تَجَوُّزِ - أنْ يُقالَ: "إنَّهُ فُعِلَ في بَنِيهِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى: "وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفي وقْتِ اسْتِخْراجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ظَهْرِهِ؛ أمْثالَ الذَرِّ؛ في صُورَةِ البَشَرِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: …

Al-A'raaf 7:11Listen in Qur'an →
12

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ

[Allah] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ

وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ

وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في …

Al-A'raaf 7:12Listen in Qur'an →
13

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

[Allah] said, "Descend from Paradise, for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ

وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ

وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في …

Al-A'raaf 7:13Listen in Qur'an →
14

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ

وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ

وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في …

Al-A'raaf 7:14Listen in Qur'an →
15

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "Indeed, you are of those reprieved."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ

وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ

وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في …

Al-A'raaf 7:15Listen in Qur'an →
16

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them on Your straight path.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ

وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ

وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في …

Al-A'raaf 7:16Listen in Qur'an →
17

ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

هَذا تَوْكِيدٌ مِن إبْلِيسَ في أنَّهُ يَجِدُّ في إغْواءِ بَنِي آدَمَ؛ وهَذا لَمْ يَكُنْ؛ حَتّى عَلِمَ إبْلِيسُ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً؛ وعَلِمَ أنَّهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإلّا فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى عِلْمِ أنْسالِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ عن نَفْسِهِ أنَّهُ يَأْتِي لِإضْلالِ ابْنِ آدَمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وعَلى كُلِّ طَرِيقٍ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَهُ مِن مُعْتَقَدِهِ؛ ويُنْسِيهِ صالِحَ أعْمالِ الآخِرَةِ؛ ويُغْرِيهِ بِقَبِيحِ أعْمالِ الدُنْيا؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِألْفاظٍ تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِهِمْ؛ وفي اللَفْظِ تَجَوُّزٌ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما رُوِيَ عنهُ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآخِرَةَ؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ اَلدُّنْيا؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَقَّ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلْباطِلَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا - فِيما رُوِيَ عنهُ -: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ هي الدُنْيا؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ هي الآخِرَةُ؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَسَناتُ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلسَّيِّئاتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وعن أيْمانِهِمْ"؛ مَعْناهُ: حَيْثُ يُبْصِرُونَ؛ و"وَمِن خَلْفِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ"؛ حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ؛ أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ظَنًّا مِنهُ؛ وتَوَهُّمًا في خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى خِلْقَتَهُ؛ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَعَلِمَ أنَّهُ سَتَكُونُ لَهم شِيَمٌ تَقْتَضِي طاعَتَهُ؛ كالغِلِّ؛ والحَسَدِ؛ والشَهَواتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: إلّا أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَأْتِي بَنِي آدَمَ مِن فَوْقِهِمْ؛ ولا جَعَلَ اللهُ تَعالى لَهُ سَبِيلًا إلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وعَفْوِهِ؛ ومَنِّهِ؛ وما ظَنَّهُ إبْلِيسُ صَدَّقَهُ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] ؛ فَجَعَلَ أكْثَرَ العالَمِ كَفَرَةً؛ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ: (يا آدَمُ؛ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ)؛ فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النارِ؟ فَيَقُولُ: (مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ"؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَخُصُّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "ما أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَوْرِ الأسْوَدِ» ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "كالشَعْرَةِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ شَعْرَةً واحِدَةً؛ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَناسُبَ الحَدِيثِ الأوَّلِ يَرُدُّهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشَعْرَةَ الَّتِي هي لِلْجِنْسِ؛ والقَصْدُ أنْ يُشَبِّهَهم بِثَوْرٍ أسْوَدَ؛ قَدْ أُنْبِتَتْ في خِلالِ سَوادِهِ شَعْرَةٌ بَيْضاءُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَمْعَةَ …

Al-A'raaf 7:17Listen in Qur'an →
18

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ

[Allah] said, "Get out of Paradise, reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

هَذا تَوْكِيدٌ مِن إبْلِيسَ في أنَّهُ يَجِدُّ في إغْواءِ بَنِي آدَمَ؛ وهَذا لَمْ يَكُنْ؛ حَتّى عَلِمَ إبْلِيسُ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً؛ وعَلِمَ أنَّهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإلّا فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى عِلْمِ أنْسالِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ عن نَفْسِهِ أنَّهُ يَأْتِي لِإضْلالِ ابْنِ آدَمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وعَلى كُلِّ طَرِيقٍ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَهُ مِن مُعْتَقَدِهِ؛ ويُنْسِيهِ صالِحَ أعْمالِ الآخِرَةِ؛ ويُغْرِيهِ بِقَبِيحِ أعْمالِ الدُنْيا؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِألْفاظٍ تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِهِمْ؛ وفي اللَفْظِ تَجَوُّزٌ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما رُوِيَ عنهُ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآخِرَةَ؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ اَلدُّنْيا؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَقَّ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلْباطِلَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا - فِيما رُوِيَ عنهُ -: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ هي الدُنْيا؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ هي الآخِرَةُ؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَسَناتُ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلسَّيِّئاتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وعن أيْمانِهِمْ"؛ مَعْناهُ: حَيْثُ يُبْصِرُونَ؛ و"وَمِن خَلْفِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ"؛ حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ؛ أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ظَنًّا مِنهُ؛ وتَوَهُّمًا في خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى خِلْقَتَهُ؛ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَعَلِمَ أنَّهُ سَتَكُونُ لَهم شِيَمٌ تَقْتَضِي طاعَتَهُ؛ كالغِلِّ؛ والحَسَدِ؛ والشَهَواتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: إلّا أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَأْتِي بَنِي آدَمَ مِن فَوْقِهِمْ؛ ولا جَعَلَ اللهُ تَعالى لَهُ سَبِيلًا إلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وعَفْوِهِ؛ ومَنِّهِ؛ وما ظَنَّهُ إبْلِيسُ صَدَّقَهُ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] ؛ فَجَعَلَ أكْثَرَ العالَمِ كَفَرَةً؛ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ: (يا آدَمُ؛ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ)؛ فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النارِ؟ فَيَقُولُ: (مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ"؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَخُصُّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "ما أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَوْرِ الأسْوَدِ» ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "كالشَعْرَةِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ شَعْرَةً واحِدَةً؛ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَناسُبَ الحَدِيثِ الأوَّلِ يَرُدُّهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشَعْرَةَ الَّتِي هي لِلْجِنْسِ؛ والقَصْدُ أنْ يُشَبِّهَهم بِثَوْرٍ أسْوَدَ؛ قَدْ أُنْبِتَتْ في خِلالِ سَوادِهِ شَعْرَةٌ بَيْضاءُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَمْعَةَ …

Al-A'raaf 7:18Listen in Qur'an →
19

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِن الظالِمِينَ﴾

إذا أُمِرَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ؛ فَإنَّما المَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى حالِهِ؛ ويَتَمادى في هَيْئَتِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - "اُسْكُنْ"؛ هو مِن هَذا البابِ؛ وأكَّدَ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِهِ: "اُسْكُنْ"؛ بِقَوْلِهِ: "أنْتَ"؛ وحِينَئِذٍ جازَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ وهو ضَمِيرٌ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ؛ ولا يَتَرَتَّبُ؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَلْفُوظِ بِهِ لا يَجُوزُ؛ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "قُمْتَ أنْتَ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ الضَمِيرَ بِمَنزِلَةِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ وهَذا الضَمِيرُ الَّذِي في "اُسْكُنْ"؛ أضْعَفُ مِنَ المَلْفُوظِ بِهِ؛ فَأحْرى ألّا يَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ التَأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "فَكُلا"؛ هو مِن "أكَلَ"؛ فَأصْلُهُ "اُؤْكُلا"؛ فَحُذِفَتْ فاءُ الفِعْلِ؛ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ؛ واسْتُغْنِيَ عَنِ الأُخْرى لَمّا تَحَرَّكَ ما بَعْدَها؛ وحَسُنَ أيْضًا حَذْفُ فاءِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الحَرَكَةَ عَلى حَرْفِ عِلَّةٍ؛ وهَذا بابُ كَلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ هَمْزَةٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلَ"؛ كَـ "أخَذَ"؛ و"أمَرَ"؛ ونَحْوِهِما؛ وكانَ القِياسُ ألّا تُحْذَفَ فاءُ الفِعْلِ؛ ولَكِنْ ورَدَ اسْتِعْمالُهم هَكَذا.

ويُقالُ: "قَرُبَ؛ يَقْرَبُ"؛ و﴿هَذِهِ الشَجَرَةَ﴾ ؛ اَلظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ مِن نَوْعٍ؛ وأرادَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وهو يُرِيدُ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ؛ وعَبَّرَ باسِمِ الواحِدَةِ؛ كَما تَقُولُ: "أصابَ الناسُ الدِينارَ؛ والدِرْهَمَ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ النَوْعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما قَصَدَ في وقْتِ مَعْصِيَتِهِ فِعْلَ ما نُهِيَ عنهُ؛ قالَهُ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ؛ وبِذَلِكَ أغْواهُ إبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللهُ تَعالى - بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ أو تَكُونَ مَلِكًا؛ فَيَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما أخْطَأ مُتَأوِّلًا؛ بِأنْ ظَنَّ النَهْيَ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصِ شَجَرَةٍ؛ فَأكَلَ مِنَ النَوْعِ؛ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالخَطَإ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ هَذا القائِلَ إنَّما يَفْرِضُ آدَمَ مُعْتَقِدًا أنَّ النَهْيَ إنَّما تَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَكَيْفَ يُقالُ لَهُ - مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ -: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ ثُمَّ يَقْصِدُ هو طَلَبَ الخُلُودِ في ارْتِكابِ غَيْرِ ما نُهِيَ عنهُ؟ ولا فارِقَ بَيْنَ أكْلِهِ ما يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَمْ يُنْهَ عنهُ؛ وبَيْنَ أكْلِهِ سائِرَ المُباحاتِ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والهاءُ الأخِيرَةُ في "هَذِهِ"؛ بَدَلٌ مِنَ الياءِ في "هَذِي"؛ أُبْدِلَتْ في الوَقْفِ؛ ثُمَّ ثَبَتَتْ في الوَصْلِ هاءً؛ حَمْلًا عَلى الوَقْفِ؛ ولَيْسَ في الكَلامِ هاءُ تَأْنِيثٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ إلّا هَذِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَذِي الشَجَرَةَ"؛ عَلى الأصْلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَتَكُونا"؛ نُصِبَ في جَوابِ النَهْيِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَعَلَّقَ الناسُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ مَسْألَةَ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها عَلى ضَرْبَيْنِ: فَأمّا الفُقَهاءُ؛ فَدَعاهم إلى الكَلامِ فِيها أنَّهُ تُنْزَلَ …

Al-A'raaf 7:19Listen in Qur'an →
20

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عنهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عن هَذِهِ الشَجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أو تَكُونا مِن الخالِدِينَ﴾ ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ الناصِحِينَ﴾

"اَلْوَسْوَسَةُ": اَلْحَدِيثُ في اخْتِفاءٍ؛ هَمْسًا؛ وسِرارًا مِنَ الصَوْتِ؛ و"اَلْوَسْواسُ": صَوْتُ الحُلِيِّ؛ فَشُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ؛ وسُمِّيَ إلْقاءُ الشَيْطانِ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ "وَسْوَسَةً"؛ إذْ هي أبْلَغُ السِرارِ؛ وأخْفاهُ؛ هَذا حالُ الشَيْطانِ مَعَنا الآنَ؛ وأمّا مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فَمُمْكِنٌ أنْ تَكُونَ وسْوَسَةً بِمُجاوَرَةٍ؛ خُفْيَةً؛ أو بِإلْقاءٍ في نَفْسٍ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎ وسْوَسَ يَدْعُو جاهِدًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗.................

فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن كَلامٍ خَفِيٍّ؛ و"اَلشَّيْطانُ"؛ يُرادُ بِهِ إبْلِيسُ نَفْسُهُ؛ واخْتَلَفَ نَقَلَةُ القَصَصِ في صُورَةِ وسْوَسَتِهِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدْخُلُ إلى الجَنَّةِ في فَمِ الحَيَّةِ؛ مُسْتَخْفِيًا - بِزَعْمِهِ - فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ كانا يَخْرُجانِ خارِجَ الجَنَّةِ؛ فَيَتَمَكَّنُ إبْلِيسُ مِنهُما؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أقْدَرَهُ عَلى الإلْقاءِ في أنْفُسِهِما؛ فَأغْواهُما؛ وهو في الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لِيُبْدِيَ"؛ هي - عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ المُؤَلِّفِينَ - لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ؛ وهَذا بِحَسَبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ وبِحَسَبِ إبْلِيسَ؛ في هَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِها فَيَقْصِدَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"؛ عَلى بابِها؛ بِحَسَبِ قَصْدِ إبْلِيسَ إلى حَطِّ مَرْتَبَتِهِما؛ وإلْقائِهِما في العُقُوبَةِ غَيْرِ المَخْصُوصَةِ؛ و"ما وُورِيَ"؛ مَعْناهُ: "ما سُتِرَ"؛ مِن قَوْلِكَ: "وارى؛ يُوارِي"؛ إذا سَتَرَ؛ وظاهِرُ هَذا اللَفْظِ أنَّها "مُفاعَلَةٌ"؛ مِن واحِدٍ؛ ويُمْكِنُ أنْ تُقَدَّرَ مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الشَيْءَ الَّذِي يُوارى [يُوارِي] هو أيْضًا مِن جِهَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما وُرِيَ"؛ بِواوٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن "وَراءَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو قَوْلٌ يُوهِنُهُ التَصْرِيفُ.

و"اَلسَّوْأةُ": اَلْفَرْجُ؛ والدُبُرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّ مَنظَرَهُ يَسُوءُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ: "مِن سَوَّتِهِما"؛ بِالإفْرادِ؛ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وشَدِّ الواوِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَسَنُ ؛ والزُهْرِيُّ: "مِن سَوّاتِهِما"؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ لُغَةً؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجْهُها حَذْفُ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى الواوِ فَيَقُولُونَ: "سَوَةٌ"؛ ومِنهم مَن يُشَدِّدُ الواوَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ العِبارَةَ إنَّما قُصِدَ بِها أنَّهُما كُشِفَتْ لَهُما مَعانِيهِما؛ وما يَسُوؤُهُما؛ ولَمْ يُقْصَدْ بِها العَوْرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ كانَ اللَفْظُ يَحْتَمِلُهُ؛ إلّا أنَّ ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ؛ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِما"؛ عائِدًا عَلى بَدَنَيْهِما؛ إذْ تَمَزَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ فَيَصِحَّ القَوْلُ المَذْكُورُ. …

Al-A'raaf 7:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.