تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ
Those cities - We relate to you, [O Muhammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before. Thus does Allah seal over the hearts of the disbelievers.
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ و(القُرى) هي بِلادُ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ بِلا خِلافٍ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، وجاءَتِ الإشارَةُ بِتِلْكَ إشارَةً إلى بُعْدِ هَلاكِها وتَقادُمِهِ وحَصَلَ الرَّبْطُ بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٦] و(نَقُصُّ) يُحْتَمَلُ إبْقاؤُهُ عَلى حالِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، والمَعْنى: قَدْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴿مِن أنْبائِها﴾ ونَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أيْضًا مِنها مُفَرَّقًا في السُّوَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ عَنِ الماضِي، أيْ: ﴿تِلْكَ القُرى﴾ قَصَصْنا، والإنْباءُ هُنا إخْبارُهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ ومَآلِ عِصْيانِهِمْ، و(تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(القُرى) خَبَرٌ (ونَقُصُّ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةٌ وفي الإخْبارِ بِالقُرى مَعْنى التَّعْظِيمِ لِمَهْلِكِها، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] وفي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ» وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ:
؎تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانِ مِن لَبَنٍ
ولَمّا كانَ الخَبَرُ مُقَيَّدًا بِالحالِ أفادَ كالتَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ في قَوْلِكَ هو الرَّجُلُ الكَرِيمُ وأجازُوا أنْ يَكُونَ (نَقُصُّ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا و(القُرى) صِفَةٌ، ومَعْنى (مِن) التَّبْعِيضُ فَدَلَّ عَلى أنَّ لَها أنْباءً أُخَرَ لَمْ تُقَصَّ عَلَيْهِ، وإنَّما قَصَّ ما فِيهِ عِظَةٌ وازْدِجارٌ وادِّكارٌ بِما جَرى عَلى مَن خالَفَ الرُّسُلَ لِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ السّامِعُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لِيُؤْمِنُوا اليَوْمَ بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلِ يَوْمِ المِيثاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كانُوا لِيُخالِفُوا عِلْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وقالَ يَمانُ بْنُ رِئابٍ: بِما كَذَّبُوا أسْلافَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] فالفِعْلُ في (لِيُؤْمِنُوا) لِقَوْمٍ وفي ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. وقِيلَ: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ المُعْجِزاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ بِهِ قَبْلَها كَما قالَ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، وقالَ الكِرْمانِيُّ: (مِن قَبْلُ) يَعُودُ عَلى الرُّسُلِ، تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ لَمْ يُسْلَبْ عَنْهُمُ اسْمَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، بَلْ بَقُوا كافِرِينَ مُكَذِّبِينَ كَما كانُوا قَبْلَ الرُّسُلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ بِما كَذَّبُوهُ مِن آياتِ اللَّهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ مِمّا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلى آخِرِ أعْمارِهِمْ بِما كَذَّبُوا بِهِ أوَّلًا حَتّى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ مِن لَدُنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ إلى أنْ باتُوا مُصِرِّينَ لا يَرْعَوُونَ، ولا تَلِينُ شَكِيمَتُهم في كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ مَعَ تَكْرارِ المَواعِظِ عَلَيْهِمْ، وتَتابُعِ الآياتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، أحَدُها أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما …