Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 21–30 of 165

21

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١].

(من) اسم استفهام والمراد به النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والنفي إذا جاء بصيغة الاستفهام صار أبلغ، لماذا يا جماعة؟ لأنه يكون مُشْرَبًا معنى التحدي كأن المتكلم يقول: بيِّن إن كنت صادقًا أحدًا أظلم ممن افترى على الله الكذب، فيكون مجيء النفي بصيغة الاستفهام أبلغ في النفي.

والظلم في الأصل النقص كما قال الله عز وجل: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أيش؟ ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، لكنه تعدَّى إلى نقص الإنسان فيما يجب عليه من فعل الأوامر وترك النواهي فإنه نقص حق نفسه بذلك.

﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ افترى بمعنى اختلق، اختلق على الله الكذب؛ لأن الكذب على الله عز وجل أعظم الكذب، ويليه الكذب على مَنْ؟ على الرسول ﷺ كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ»متفق عليه؛ البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ / ٤) من حديث المغيرة بن شعبة.، بل هو أعظم، يلي ذلك الكذب على علماء الشريعة، إذا كُذِبَ عليهم بأنهم أفتَوْا بكذا، فهذا كذب لأنه كذب على الشرع؛ إذ إن علماء الشريعة هم الذي يبلغون الشريعة، فإذا كُذِبَ عليهم فقد كذب على الشرع.

﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا للتنويع؛ يعني افترى أو كذب، وإن جمع بين الأمرين صار أشد، إذا طبقنا هذه الآية على واقع المشركين في قريش نجد أنها منطبقة عليهم تمامًا فقد افتروا على الله الكذب بأن أشركوا معه ما لم ينزل به سلطانًا؛ افتروا على الله الكذب فقالوا: هذا حلال، وهذا حرام ﴿قَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام ١٣٩] هم أيضًا كذَّبوا بآيات الله، كذبوا بالآيات الشرعية التي جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الآيات الكونية فهم لم يكذِّبوا بها.

* * *

نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى فيما سبق: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ مَنِ المراد بـ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، وما المراد بالكتاب؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: الإنجيل، ولماذا خَصَّ الأبناء ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.

* طالب: (...) يقينية.

* الشيخ: ومعرفة البنات فيها نظر؟ لا.

* طالب: لأن تعلُّق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات.

* الشيخ: لأن تعلق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات، فهذا يستلزم أن يكون معرفته بحاله أكثر من معرفته بحال البنات، ما المراد بهذه الجملة ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ما المراد بها؟

* الطالب: (...) ليس عندهم شكٌّ (...).

* الشيخ: أنهم ليس عندهم شكٌّ في أن هذا حق، فتكون الحجة قد قامت عليهم.

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أليس انتفاء الإيمان قبل الخسران؟ كيف قدم الخسران على ترتب الحكم؟

* الطالب: النتيجة عليه.

* الشيخ: يعني الذين قضى الله أنهم خاسرون، فلن يؤمنوا فهم لا يؤمنون.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾.

أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذَّب بآياته، فهذان صنفان الأول كذَب على الله، والثاني كذَّب آيات الله، لا أحد أظلم منه، ومن جمع بينهما فهو أشد.

﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن قال: إن لله ولدًا، هذا افتراء على الله كذبًا أو قال: إن لله شريكًا، هذا افتراء على الله كذبًا، أو قال: إن هذا الكون لم يخلقه الله، افترى على الله كذبًا، …

Al-An'aam 6:21Listen in Qur'an →
22

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allah, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل:

لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ)

إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟

الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم.

﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم.

﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد.

﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا.

﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم.

﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون.

فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟

الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة.

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم.

﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟

لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟

والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه.

﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.

وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين.

نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، عندي القراءات: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ والقراءة اللي في المصحف: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل ﴿تَكُنْ﴾ أيش؟ ﴿يَكُنْ﴾ لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن …

Al-An'aam 6:22Listen in Qur'an →
23

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allah, our Lord, we were not those who associated."

ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل:

لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ)

إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟

الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم.

﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم.

﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد.

﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا.

﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم.

﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون.

فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟

الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة.

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم.

﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟

لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟

والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه.

﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.

وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين.

نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، عندي القراءات: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ والقراءة اللي في المصحف: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل ﴿تَكُنْ﴾ أيش؟ ﴿يَكُنْ﴾ لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن …

Al-An'aam 6:23Listen in Qur'an →
24

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل:

لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ)

إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟

الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم.

﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم.

﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد.

﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا.

﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم.

﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون.

فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟

الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة.

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم.

﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟

لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟

والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه.

﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.

وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين.

نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، عندي القراءات: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ والقراءة اللي في المصحف: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل ﴿تَكُنْ﴾ أيش؟ ﴿يَكُنْ﴾ لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن …

Al-An'aam 6:24Listen in Qur'an →
25

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And among them are those who listen to you, but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ إلى آخره [الأنعام: ٢٥] ﴿مَنْ﴾ هذه تبعيضية، وعلامتها أن يحل محلها بعض؛ أي: بعضهم الذي يستمع إليك.

و﴿يَسْتَمِعُ﴾ هنا جاءت بصيغة الإفراد مراعاة للفظ (مَن)؛ لأن (مَن) الموصولة يجوز أن يُراعى معناها، وأن يراعى لفظها، فإذا رُوعي معناها جُعل العائد عليها حسب ما يراد بالمعنى، وإذا رُوعي اللفظ صار مفردًا.

﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي: من يحضر ويستمع إلى قراءتك، ولكن لا ينتفعون، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا.

﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ و(الأكنة) جمع (كنان) كـ(زِمام) و(أزِمَّة)، وهو ما يغطي الشيء ويستره.

وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: إرادة أن يفقهوه، فهو على تقدير مضاف؛ يعني: لا نريد أن يفقهوه، وإن شئت فقل: كراهة أن يفقهوه، وبعضهم قال: إنه على تقدير (لا)، والمعنى ألا يفقهوه، والمعنى واحد، لكن كوننا نفسرها بكراهة أولى من كوننا أن نفسرها بـ(لا)؛ لأننا إذا فسرناها بـ(لا) فسّرنا المثبت بالمنفي، وهذا بعيد، وإذا فسَّرناها بكراهة فهذا مضطرد، مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]؛ أي: كراهة أن تضلوا.

وقوله: ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ الفقه في اللغة الفهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] أي: لا تفهمونه؛ والمعنى أن الله جعل على قلوبهم سترًا واقيًا من فقههم له، فلا يصل معناه إلى قلوبهم.

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: وجعلنا في آذانهم. ﴿وَقْرًا﴾ أي: حملًا وصممًا بحيث لا ينتفعون بما سمعوا، ومن لا ينتفع بلا سمع فهو كمن لم يسمع، فنفى الله عز وجل عنه الفقه ومحله القلب، والسمع ومحله الأذن.

﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وهذا كقوله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥] يعني لم يفهمها، ولم يفقهها، وإنما يظنها أساطير أي سواليف ليست ذات معنى مصلح للخلق.

﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إن يروا بأبصارهم، أو يروا بقلوبهم كل آية فإنهم: ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾، والآية: هي العلامة الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عز وجل في سورة القمر: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢].

نسأل الله الهداية، الإنسان إذا طُبع على قلبه -نعوذ بالله- لا يؤمن بأي آية، تأتيه الآيات مثل الشمس، ولكن لا يؤمن؛ لأن القلب مُغَلَّف عليه لا يصل إليه الهدى.

﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ هنا نفى الله عنهم الفقه ومحله القلب، والسمع محله الأذن، والإيمان بالآيات ومحله القلب مع مشاهدة العين.

﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية، ويحتمل أن تكون للابتداء، والفرق بينهما أننا إذا جعلناها للغاية صار ما قبلها مُغيًّا بها، أي أنهم لا ينتفعون بالآيات حتى إنهم إذا جاؤوك جادلوك، ويحتمل أن تكون ابتدائية، والابتدائية: هي مثل الواو الاستئنافية.

﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره. ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ المجادلة: هي المخاصمة، وسميت مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يجدل الحجة لتقوم على صاحبه، مأخوذة من جَدْل الحبل؛ وهو فتله حتى يشتد ويقوى، فهم يجادلون النبي ﷺ بما يُوردون عليه من الشبهات، ولكن الله تعالى يجيب عنه.

وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ الجملة في محل نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾ أي: حال كونهم مجادلين لك.

﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم تُجزم؛ …

Al-An'aam 6:25Listen in Qur'an →
26

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٦].

﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ على الكفار المجادلين.

﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: عما جئت به من الوحي.

﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يبعدوه، وقدم (النهي) على (النأي) مع أنه كان المتوقع أن يُبدأ بـ(النأي) الذي هو فعلهم بأنفسهم دون فعلهم بغيرهم؛ إشارة إلى شدة كراهتهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى إنهم يبدؤون بنهي الناس قبل أن يبتعدوا عنه.

﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى: (ما)؛ أي: ما يُهلِكون إلا أنفسهم، وكما في آية أخرى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء ١١٣]، فمجادلتهم ونهيهم الناس لا يضر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا، وإنما هو هلاك أنفسهم، وهل المراد هنا الهلاك الحسي أو المعنوي؟

الجواب: المعنوي؛ لأن هذا الكافر المجادل لا يموت بجداله، بل يبقى، لكنه حقيقة من الناحية المعنوية قد هلك.

﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: ما يشعر هؤلاء أنهم بهذا النهي عما جاء به الرسول ﷺ والبعد عنه، لا يشعرون أنهم بذلك أهلكوا أنفسهم، ولذلك تجدهم يفتخرون بما هم عليه من الكفر، حتى إن أبا سفيان قال يوم أحد قال:« اعْلُ هُبَل». يفتخر بأيش؟ بالصنم الذي يعبده، ويقول: إنه علا على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال لهم النبي ﷺ: «أَجِيبُوهُ». قالوا: بماذا نجيبه؟ قال: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب..

فالشاهد أن هؤلاء الكفار المجادلين لا يشعرون أنهم على ضلال -نسأل الله العافية- وهذا غاية ما يكون من الابتلاء؛ أن يرى الإنسان أنه على الحق مع أنه على باطل، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ»قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٣ / ١٤١٨): لم أقف لأوّله على أصل، وروى المستغفري في الدعوات من حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ سَأَلْتَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا مَا لَا نَمْلِكُهُ إِلَّا بِكَ فَأَعْطِنَا مِنْهَا مَا يُرْضِيكَ عَنَّا». وفيه ولهان بن خبير، ضعفه الأزدي، وإن لمسلم من حديث عائشة فيما كان يفتتح به صلاته من الليل: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ» إلى آخر الحديث. وقال ابن شاهين في كتاب مذاهب أهل السنة (٣٨): ومن أدعية من تقدم: اللهم أرنا الحق حقا وألهمنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وألهمنا اجتنابه..

* طالب: الكتب التي يُنصح بها في مطالعة كلام المتكلمين، والذي فيه الردود التي تُقنع الإنسان، أحيانًا بعض الكتب والمؤلفات..

* الشيخ: نعم، والله أنا ما رأيت أحسن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، هو وابن القيم، لكن كلام ابن القيم -رحمه الله- أسهل وأقرب إلى الفهم، وأما بقية المتكلمين فأكثر ما يكون الجدل؛ الأشاعرة مع المعتزلة، وهذا ما يكفي، إذا أردت العقيدة السليمة فعليك بكتب شيخ الإسلام وابن القيم، هذا أحسن ما رأيت.

* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، شيخ الإسلام ابن تيمية يا شيخ أعمق بالدليل، وابن القيم -رحمهما الله- أسهل في تنسيق الكلام، وانتظام الكلام مع بعضه.

* الشيخ: صحيح، هذا هو الواقع؛ ولذلك تعتبر كتب ابن القيم سلّمًا لكتب شيخ الإسلام رحمه الله.

* طالب: كيف يجمع بين العذر بالجهل -يعني عذر هؤلاء الأتباع الذين يكونون أتباعًا للضلال- وبين أن الله عز وجل يزيد الناس ضلالًا؛ حيث إن الإنسان يعني ما تكون إقامة الحجة بالكلمة الواحدة فتعيد عليه دائمًا؟

* الشيخ: هؤلاء ما جهلوا؛ لأن الرسول أتاهم بآيات بينات، لكنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].

* الطالب: هل يُطبق هذا على أتباع الضلال يعني …

Al-An'aam 6:26Listen in Qur'an →
27

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].

أولًا: ﴿لَوْ﴾ شرطية، وهي حرف وجود لوجود، أو امتناع لامتناع؟

ننظر ﴿لَوْ تَرَى﴾ لرأيت الجواب محذوفًا، تقديره: لو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت أمرًا فظيعًا عظيمًا جسيمًا، فالجواب محذوف، إذا قلت: لو جاء زيد لجاء عمرو، هنا حرف امتناع لامتناع، لو قلت: لما جاء زيد جاء عمرو، فهذا حرف وجود لوجود، ولو قلت: لولا زيد لجاء عمرو؛ امتناع لوجود، إذن تقاسمت هذه الثلاث: الوجود والعدم.

وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يتأتّى خطابه؛ أي: لو ترى أيها الرائي ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾، وُقفوا عليها؛ أي: أوقفتهم الملائكة؛ لأنهم هم نفسهم لا يريدون النار، لكن يوقفون عليها اضطرارًا توقفهم الملائكة كما قال عز وجل: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك ٨] ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾، والنار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].

فقالوا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] قالوا بألسنتهم أو بقلوبهم؟ الأصل أن القول باللسان، بصوت وحرف.

وقولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، وليست حرف نداء، وإنما قلنا ذلك؛ لأن (ليت) حرف لا يصح أن يُنادَى، هذا هو الأسهل والأقرب.

وقيل: إن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، ويُقدّر بحسب ما يقتضيه السياق، فهنا يُقدر بقول: يا ربنا ليتنا نُردّ، لكن ما قلناه أولًا أصح؛ لأنه أيسر ولا يحتاج إلى تقدير، وإذا دار الكلام بين أن يكون فيه شيء مُقدّر أو لا فإنا نأخذ بالثاني؛ لأنه الأصل.

﴿لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ (ليت) للتمني، والتمني يكون في المحال وفي الصعب، في المحال كقول الشاعر:

أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَالْمَشِيـــــــــــــــــــــــــــبُ

هذا محال، في العسير قوله:

أَلَا لَيْتَ مَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا ∗∗∗ إِلَى حَمَـــــــــــــــامَتِنَا وَنِصْفَهُفَقَدِ

هذا عسير.

وكقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدق منه، هذا ليس بمحال لكنه عسير.

هنا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمني محال أو تمني عسير؟ تمني محال؛ لأنه لا يمكن أن يردوا إلى الدنيا، مع أنهم لو ردوا لكان الأمر خلاف ما قالوه.

﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ هذه داخلة في ضمن التمني. ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كذلك، تمنوا ثلاثة أشياء:

الأول: الرد إلى الدنيا.

الثاني: ألا يكذبوا بآيات الله.

الثالث: أن يكونوا من المؤمنين. ولهذا جاءت ﴿لَا نُكَذِّبَ﴾ بالنصب؛ لأن (الواو) هنا (واو المعية)، فالثاني مع الأول، وكذلك ﴿نَكُونَ﴾ جاءت بالنصب؛ لأن (الواو) أيش؟ (واو المعية)، فالثاني مع الأول، تمنوا هذا كله ثلاثة أشياء، ولكنهم كاذبون فيما قالوا؛ لذلك قال الله عز وجل: ﴿بلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨].

* طالب: نزلت في أبي طالب معنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ بمعنى أنه يدافع عن النبي ﷺ ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: أنه لا يؤمن.

* الشيخ: لا، هذا غلط عظيم؛ لأن الآية في سياق الذم للنهي عنه والنأي عنه، ومعلوم أن الدفاع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس ذمًّا، بل هو محمود، لا، هذا غلط لكن شاف الصورة تشبه حال أبي طالب فظنها كذلك، وهذا من تحريف القرآن، والذم منصبّ على الأمرين.

* * *

* …

Al-An'aam 6:27Listen in Qur'an →
28

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

ثم قال عز وجل: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام ٢٨] ﴿بَلْ﴾ إضراب لإبطال ما سبق من قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بل لن يؤمنوا ولو ردوا.

﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم.

﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ فما الذي يخفونه من قبل؟ هل هو تصديق الرسل بما جاؤوا به، ولكن يجحدون، أو ما كانوا يخفون من قبل من الكفر الذي كانوا يكتمونه؟

فعلى الأول يكون السياق في الكافرين، وعلى الثاني يكون السياق في المنافقين.

﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ما الذي أخفوه؟ تصديق الرسل، ولكن جحدوا، والجحد: هو إنكار ما كان معلومًا، أو ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ من الكفر؛ حيث إنهم يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فعلى الأول تكون الآية في مَن؟ في الكافرين، وعلى الثاني في المنافقين، فهل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟

الجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة، لكن يشكل على كونها في المنافقين أن السورة مكية؛ لأن سورة الأنعام مكية نزلت في مكة جملةً واحدة، فكيف يكون فيها إشارة للمنافقين؟ والجواب عن هذا الإشكال: أن لا إشكال؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عما يكون يوم القيامة، ويوم القيامة قد حصل النفاق، أليس كذلك؟

وأيضًا يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت ١١]، وهي مكية، وعليه فلا إشكال، وتكون الآية شاملة للمعنيين، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معاني متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني ما لم يكن بعضها منافيًا لبعض، فإن كان بعضها منافيًا لبعض طُلب الترجيح.

قال الله عز وجل: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم: ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾.

﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ يعني إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ إذن قولهم حقيقة أو كذب؟ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: من تكذيب الرسل ومن النفاق، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾.

* ففي الآية الكريمة: أنه تظهر الحقائق يوم القيامة وتبين، واقرأ قول الله عز وجل في سورة (يس) حيث قال آخر السورة، قال الله عز وجل في آخر السورة عند ذكر نفخ الصور: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أو يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢] فيتبين الأمر جليًّا في ذلك الوقت، ولكنه لا ينفع من لم يؤمن به في حياته.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعلُّق علم الله بالمستحيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.

فإذا قال قائل: هذا ليس بمستحيل؛ لأن الله قادر أن يعيدهم إلى الدنيا.

فيقال: إنه مستحيل حسب وعد الله عز وجل، فإن الله قد قضى أن الناس لا يرجعون إلى الدنيا، ولهذا إذا تمنى الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ تمنوا أن يرجعوا إلى الدنيا فيقتلوا مرة ثانية كما فعل عبد الله بن حرام «حين قال له الله عز وجل: تمنّ، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيتُ أنهم إليها لا يُرجعون»أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠) من حديث جابر بن عبد الله.. هذا قضاء كوني قدري، فيكون مستحيلًا حسب قدرة الله أو حسب وعد الله؟

* طلبة: حسب وعد الله.

* الشيخ: حسب وعد الله، كالظلم بالنسبة لله عز وجل مستحيل حسب وعد الله عز وجل، لكنه قادر على أن يظلم، هناك شيء مستحيل لذاته وشيء مستحيل لغيره، إذن قوله: …

Al-An'aam 6:28Listen in Qur'an →
29

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿قَالُوا﴾ أي: المنكرون للبعث.

﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: ما هي.

﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ يعني ما فيه حياة أخرى ما فيه إلا الحياة الدنيا، ثم أكدوا هذه الجملة بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، وهذا إنكار صريح للبعث، مع أن البعث قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والإجماع، وسيأتي في الفوائد.

وقوله: ﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾ هل هي من الدنو رتبة ومنزلة، أو من الدنو وقتًا وزمنًا أو منهما؟

منهما جميعًا، فهي بالنسبة للآخرة قبل الآخرة فتكون دنيا، وهي بالنسبة للمرتبة أيضًا دنيا دون الآخرة، كما قال عز وجل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٧]، ولهذا لا تجد في الدنيا سرورًا دائمًا أبدًا؛ يعني سرورًا للبدن وسرورًا للقلب، هذا لا تجده؛ أي: نعيمًا للبدن والقلب، لا يمكن دائمًا، فإما نعيم في البدن وهو الرفاهية التي يدعو إليها الناس الآن، كثير من الناس يدعون للرفاهية أهم شيء عندهم الترفيه والرفاهية، هذا نعيم أيش؟ نعيم بدن، لكنه يُولّد في القلب حسرة عظيمة وضيق صدر، وإما نعيم في القلب، وهذا للمؤمنين كما قال عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧]، ولكن مع ذلك لا بد للإنسان من وجود ما يسر به وما يساء به، فلا يمكن أن تجد في الدنيا شيئًا كاملًا من كل وجه، ولهذا انطبق الوصف تمامًا عليها، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الزهادة فيها والرغبة في الآخرة.

وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي: بمخرجين من القبور، وليس عندهم دليل على هذا الإنكار إلا مجرد الأهواء والمكابرة، وإلا ما المانع؟ وقد أقام الله الدلائل العقلية والحسية والشرعية على وجوب البعث أو على إمكان البعث، وأنه ليس بممتنع، لكن هم -والعياذ بالله- أنكروا هذا، ومن أجل إنكارهم له لم يعملوا للآخرة، عملهم كله للدنيا، نسأل الله السلامة.

* في هذه الآيات الكريمة: أن الكافرين ينكرون البعث؛ لأن قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ معطوف على ما سبق، وقد صرح الله عز وجل بهذا في قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧].

* ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى دنوّ حياة الدنيا، وأنها ليست بتلك الحياة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها وينسى الآخرة؛ لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾.

وقد جاء في الحديث: «لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمْ يَسْقِ اللَّهُ مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ»أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠) من حديث سهل بن سعد.. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله:

لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذَا الْكُفْرَانِ؎لَكِنَّهَا وَاللَّهِ أَحْقَرُعِنْــــــــــــــــــــــــــــــدَهُ ∗∗∗ مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَاصِرِالطَّيــــَرَانِ

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنكار هؤلاء للبعث إنكار مكابرة، نأخذها من أنه لو صدق ما قالوا لأصبح خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، أمم تحيا وتموت وتتقاتل وتتناحر، ثم لا يكون بعث، يُجازَى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا غير ممكن.

Al-An'aam 6:29Listen in Qur'an →
30

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment because you used to disbelieve."

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام ٣٠]، هذا موقف آخر، والخطاب في قوله: ﴿تَرَى﴾ إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يتوجه إليه الخطاب.

﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ أي: حين وُقفوا على ربهم، وفي الآية التي سبقت قد يقول قائل: كيف عُبِّر عن المستقبل بالماضي؛ ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ ولم يقل: إذ يقفون؟

فيقال: الشيء المحقَّق يُعبّر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون هذا تصويرًا للحال المستقبلة كأنها شيء حاضر ماضٍ.

﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ وهو الله عز وجل، وإنما أضاف ربوبيته إليهم مع أنهم من أراذل عباد الله إشارة إلى أنه عز وجل هو الخالق المالك المدبر لهم فكان عليهم أن يقوموا بعبادته، فيكون إضافة الربوبية إليهم للإشارة إلى أن السلطان له عليهم عز وجل، ومع ذلك لم يؤمنوا به ولا برسله، ولا عملوا لهذا اليوم.

قال الله عز وجل: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ﴿قَالَ﴾ جملة استئنافية لبيان ما حصل عند الوقوف.

﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ المشار إليه البعث الذي كانوا ينكرونه، وفي هذه الجملة حرف جر زائد؛ (الباء) في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، زيادة الحروف يقول أهل العلم في البلاغة: إنها تدل على التوكيد، فعلى هذا تكون هذه الجملة مؤكدة بـ(الباء) الزائدة إعرابًا ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه.

﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ فأجابوا بالجواب مع الإقسام، وكانوا بالأول يقولون: لا نُبعث، وهنا أقسموا على أن هذا البعث حق، ولكن لو سألني سائل هل ينفعهم هذا الإقسام؟ لا ينفع؛ لأن الدار الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل.

﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (قال) طيب. ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (الواو) هذه حرف قسم، والقسم -كما مر علينا كثيرًا- هو تأكيد الشيء بذكر مُعظّم بأداة مخصوصة؛ وهي (الواو) و(الباء) و(التاء).

قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ يعني قال الله عز وجل لما أقروا بأن هذا هو الحق تبيّن أن إنكارهم الأول كان كفرًا بإقرارهم.

وقوله: ﴿ذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الأمر هنا للإهانة، وليس للتكريم؛ لأنه لا أحد يكرم بالعذاب لكنه للإهانة، وأطلق الذوق على العذاب لتحقق وقوعه، فإن ذوق الإنسان للشيء يعني أنه تيقنه تمامًا، فلو قلت لك مثلًا: في جيبي لك تفاحة، تُصدِّق، فإذا رأيتها ازداد يقينك، فإذا أكلتها ازداد أكثر؛ ويسمى الأول: علم اليقين، والثاني: عين اليقين، والثالث: حق اليقين.

وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الباء) للسببية، و(ما) مصدرية، وعليه فيُقدر ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: بكونكم تكفرون؛ أي: تكفرون باليوم الآخر، وبمن أخبركم باليوم الآخر وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبمن أرسلهم.

أين جواب (لو)؟ محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا، وحذفه جائز، ولكن هل حذفه جائز أي مستوي الطرفين أو حذفه أبلغ؟

الجواب: الثاني، من أجل أن يذهب الذهن كل مذهب؛ لأنه لو ذُكر الجواب تحدّد بما ذُكر، لكن إذا حُذف صار الإنسان يتصوّر هذا الشيء المحذوف شيئًا عظيمًا أكثر مما يُوصف، فيكون حذف مثل هذا الشيء من باب البلاغة إلا أنه مطابق لمقتضى الحال.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات ربوبية لله عز وجل لهؤلاء الكفار؛ لقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن لله ملائكة يأتون بالناس إليه عز وجل بدليل قوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ ولم يقل: إذ وَقَفُوا فهم يؤتى بهم ويقفون.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.

* ومنها: أن قول الله بالحرف وبالصوت، الحرف؛ لأن ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ حروف، وبالصوت؛ لأنهم سمعوا وأجابوا، فقالوا: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾.

* ومنها: أن هذا القسم منه يُشعر بشدة الندم على …

Al-An'aam 6:30Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.