Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 165

81

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allah that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ: وكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، وأنْتُمْ لا تَخافُونَ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ الذُّنُوبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ فِيهِ

صفحة ٥٠

وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ امْتِناعِ وُجُودِ الحُجَّةِ والسُّلْطانِ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] والمُرادُ مِنهُ امْتِناعُ حُصُولِ البُرْهانِ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أنْ يُؤْمَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ قِبْلَةً لِلدُّعاءِ والصَّلاةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَعْناهُ: عَدَمُ وُرُودِ الأمْرِ بِهِ. وحاصِلُ هَذا الكَلامِ: ما لَكم تُنْكِرُونَ عَلَيَّ الأمْنَ في مَوْضِعِ الأمْنِ، ولا تُنْكِرُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الأمْنَ في مَوْضِعِ الخَوْفِ ؟ ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ ؟ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ يَعْنِي فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُوَحِّدِينَ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهَذا مِن تَمامِ كَلامِ إبْراهِيمَ في المُحاجَّةِ، والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الأمْنُ المُطْلَقُ هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ مُسْتَجْمِعِينَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ:

أوَّلُهُما: الإيمانُ وهو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ.

وثانِيهِما: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهو كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ، والمُعْتَزِلَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِها مِن وجْهٍ آخَرَ.

أمّا وجْهُ تَمَسُّكِ أصْحابِنا فَهو أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في الإيمانِ المُوجِبِ لِلْأمْنِ عَدَمَ الظُّلْمِ، ولَوْ كانَ تَرْكُ الظُّلْمِ أحَدَ أجْزاءِ مُسَمّى الإيمانِ لَكانَ هَذا التَّقْيِيدُ عَبَثًا، فَثَبَتَ أنَّ الفاسِقَ مُؤْمِنٌ وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا وجْهُ تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِها فَهو أنَّهُ تَعالى شَرَطَ في حُصُولِ الأمْنِ حُصُولَ الأمْرَيْنِ، الإيمانِ وعَدَمِ الظُّلْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الأمْنُ لِلْفاسِقِ وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الوَعِيدِ لَهُ.

وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ الشِّرْكُ، لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ لُقْمانَ إذْ قالَ لِابْنِهِ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فالمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ولَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ شَرِيكًا في المَعْبُودِيَّةِ.

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما ورَدَتْ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ، ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الطّاعاتِ والعِباداتِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الظُّلْمِ هَهُنا عَلى …

Al-An'aam 6:81Listen in Qur'an →
82

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ

They who believe and do not mix their belief with injustice - those will have security, and they are [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ: وكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، وأنْتُمْ لا تَخافُونَ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ الذُّنُوبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ فِيهِ

صفحة ٥٠

وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ امْتِناعِ وُجُودِ الحُجَّةِ والسُّلْطانِ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] والمُرادُ مِنهُ امْتِناعُ حُصُولِ البُرْهانِ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أنْ يُؤْمَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ قِبْلَةً لِلدُّعاءِ والصَّلاةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَعْناهُ: عَدَمُ وُرُودِ الأمْرِ بِهِ. وحاصِلُ هَذا الكَلامِ: ما لَكم تُنْكِرُونَ عَلَيَّ الأمْنَ في مَوْضِعِ الأمْنِ، ولا تُنْكِرُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الأمْنَ في مَوْضِعِ الخَوْفِ ؟ ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ ؟ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ يَعْنِي فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُوَحِّدِينَ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهَذا مِن تَمامِ كَلامِ إبْراهِيمَ في المُحاجَّةِ، والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الأمْنُ المُطْلَقُ هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ مُسْتَجْمِعِينَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ:

أوَّلُهُما: الإيمانُ وهو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ.

وثانِيهِما: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهو كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ، والمُعْتَزِلَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِها مِن وجْهٍ آخَرَ.

أمّا وجْهُ تَمَسُّكِ أصْحابِنا فَهو أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في الإيمانِ المُوجِبِ لِلْأمْنِ عَدَمَ الظُّلْمِ، ولَوْ كانَ تَرْكُ الظُّلْمِ أحَدَ أجْزاءِ مُسَمّى الإيمانِ لَكانَ هَذا التَّقْيِيدُ عَبَثًا، فَثَبَتَ أنَّ الفاسِقَ مُؤْمِنٌ وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا وجْهُ تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِها فَهو أنَّهُ تَعالى شَرَطَ في حُصُولِ الأمْنِ حُصُولَ الأمْرَيْنِ، الإيمانِ وعَدَمِ الظُّلْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الأمْنُ لِلْفاسِقِ وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الوَعِيدِ لَهُ.

وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ الشِّرْكُ، لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ لُقْمانَ إذْ قالَ لِابْنِهِ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فالمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ولَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ شَرِيكًا في المَعْبُودِيَّةِ.

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما ورَدَتْ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ، ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الطّاعاتِ والعِباداتِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الظُّلْمِ هَهُنا عَلى …

Al-An'aam 6:82Listen in Qur'an →
83

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى قَوْلُهُ: (وتِلْكَ) إشارَةٌ إلى كَلامٍ تَقَدَّمَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ﴾

صفحة ٥١

﴿الآفِلِينَ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ القَوْمَ قالُوا لَهُ: أما تَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا لِأجْلِ أنَّكَ شَتَمْتَهم. فَقالَ لَهم: أفَلا تَخافُونَ أنْتُمْ حَيْثُ أقْدَمْتُمْ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وسَوَّيْتُمْ في العِبادَةِ بَيْنَ خالِقِ العالَمِ ومُدَبِّرِهِ وبَيْنَ الخَشَبِ المَنحُوتِ والصَّنَمِ المَعْمُولِ ؟

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ هو الكُلُّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: (وتِلْكَ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿حُجَّتُنا﴾ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ صِفَةٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في عَقْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإيتاءِ اللَّهِ وبِإظْهارِهِ تِلْكَ الحُجَّةَ في عَقْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى. ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى رَفَعَ دَرَجاتِ إبْراهِيمَ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى آتاهُ تِلْكَ الحُجَّةَ، ولَوْ كانَ حُصُولُ العِلْمِ بِتِلْكَ الحُجَّةِ إنَّما كانَ مِن قِبَلِ إبْراهِيمَ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي رَفَعَ دَرَجاتِ نَفْسِهِ وحِينَئِذٍ كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ باطِلًا. فَثَبَتَ أنَّ هَذا صَرِيحُ قَوْلِنا في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ قَوْلِ الحَشْوِيَّةِ في الطَّعْنِ في النَّظَرِ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وذِكْرِ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُصُولَ الرِّفْعَةِ والفَوْزَ بِالدَّرَجاتِ العالِيَةِ، لِأجْلِ أنَّهُ ذَكَرَ الحُجَّةَ في التَّوْحِيدِ وقَرَّرَها وذَبَّ عَنْها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أعْلى وأشْرَفُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”دَرَجاتٍ“ بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ والباقُونَ بِالإضافَةِ، فالقِراءَةُ الأُولى مَعْناها: نَرْفَعُ مَن نَشاءُ دَرَجاتٍ كَثِيرَةً، فَيَكُونُ ”مَن“ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ أدُلُّ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: الإضافَةُ تَدُلُّ عَلى الدَّرَجَةِ الواحِدَةِ وعَلى الدَّرَجاتِ الكَثِيرَةِ والتَّنْوِينُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى الدَّرَجاتِ الكَثِيرَةِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الدَّرَجاتِ. قِيلَ: دَرَجاتُ أعْمالِهِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: تِلْكَ الحُجَجُ دَرَجاتٌ رَفِيعَةٌ؛ لِأنَّها تُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ. وقِيلَ: نَرْفَعُ مَن نَشاءُ في الدُّنْيا بِالنُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ. وقِيلَ: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ بِالعِلْمِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ في الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ وفي البُعْدِ عَنِ الصِّفاتِ الجُسْمانِيَّةِ.

والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى …

Al-An'aam 6:83Listen in Qur'an →
84

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And We gave to Abraham, Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ أظْهَرَ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ ونَصَرَها وذَبَّ عَنْها عَدَّدَ وُجُوهَ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ عَلَيْهِ.

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ والمُرادُ إنّا نَحْنُ آتَيْناهُ تِلْكَ الحُجَّةَ وهَدَيْناهُ إلَيْها، وأوْقَفْنا عَقْلَهُ عَلى حَقِيقَتِها. وذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وهو كِنايَةُ الجَمْعِ عَلى وفْقِ ما يَقُولُهُ عُظَماءُ المُلُوكِ. فَعَلْنا، وقُلْنا، وذَكَرْنا. ولَمّا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَعالى هَهُنا بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَظَمَةُ عَظَمَةً كامِلَةً رَفِيعَةً شَرِيفَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تِلْكَ الحُجَّةَ مِن أشْرَفِ النِّعَمِ، ومِن أجَلِّ مَراتِبِ العَطايا والمَواهِبِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالرِّفْعَةِ والِاتِّصالِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ. وهي قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أشْرَفَ النّاسِ وهُمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مِن نَسْلِهِ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، وأبْقى هَذِهِ الكَرامَةَ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ السُّرُورِ عِلْمَ المَرْءِ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن عَقِبِهِ الأنْبِياءُ والمُلُوكُ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَزاءً عَلى قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ لِصُلْبِهِ (ويَعْقُوبَ) بَعْدَهُ مِن إسْحاقَ.

فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إسْحاقَ، بَلْ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْهُ بِدَرَجاتٍ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ هَهُنا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم بِأسْرِهِمْ أوْلادُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأمّا إسْماعِيلُ فَإنَّهُ ما خَرَجَ مِن صُلْبِهِ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، ولا يَجُوزُ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَحْتَجَّ عَلى العَرَبِ في نَفْيِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا تَرَكَ الشِّرْكَ وأصَرَّ عَلى

صفحة ٥٣

التَّوْحِيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا أنْ آتاهُ اللَّهُ أوْلادًا كانُوا أنْبِياءً ومُلُوكًا، فَإذا كانَ المُحْتَجُّ بِهَذِهِ الحُجَّةِ هو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ في هَذا المَعْرِضِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ مَعَ إسْحاقَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ …

Al-An'aam 6:84Listen in Qur'an →
85

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ أظْهَرَ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ ونَصَرَها وذَبَّ عَنْها عَدَّدَ وُجُوهَ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ عَلَيْهِ.

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ والمُرادُ إنّا نَحْنُ آتَيْناهُ تِلْكَ الحُجَّةَ وهَدَيْناهُ إلَيْها، وأوْقَفْنا عَقْلَهُ عَلى حَقِيقَتِها. وذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وهو كِنايَةُ الجَمْعِ عَلى وفْقِ ما يَقُولُهُ عُظَماءُ المُلُوكِ. فَعَلْنا، وقُلْنا، وذَكَرْنا. ولَمّا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَعالى هَهُنا بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَظَمَةُ عَظَمَةً كامِلَةً رَفِيعَةً شَرِيفَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تِلْكَ الحُجَّةَ مِن أشْرَفِ النِّعَمِ، ومِن أجَلِّ مَراتِبِ العَطايا والمَواهِبِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالرِّفْعَةِ والِاتِّصالِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ. وهي قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أشْرَفَ النّاسِ وهُمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مِن نَسْلِهِ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، وأبْقى هَذِهِ الكَرامَةَ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ السُّرُورِ عِلْمَ المَرْءِ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن عَقِبِهِ الأنْبِياءُ والمُلُوكُ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَزاءً عَلى قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ لِصُلْبِهِ (ويَعْقُوبَ) بَعْدَهُ مِن إسْحاقَ.

فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إسْحاقَ، بَلْ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْهُ بِدَرَجاتٍ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ هَهُنا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم بِأسْرِهِمْ أوْلادُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأمّا إسْماعِيلُ فَإنَّهُ ما خَرَجَ مِن صُلْبِهِ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، ولا يَجُوزُ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَحْتَجَّ عَلى العَرَبِ في نَفْيِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا تَرَكَ الشِّرْكَ وأصَرَّ عَلى

صفحة ٥٣

التَّوْحِيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا أنْ آتاهُ اللَّهُ أوْلادًا كانُوا أنْبِياءً ومُلُوكًا، فَإذا كانَ المُحْتَجُّ بِهَذِهِ الحُجَّةِ هو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ في هَذا المَعْرِضِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ مَعَ إسْحاقَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ …

Al-An'aam 6:85Listen in Qur'an →
86

وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ أظْهَرَ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ ونَصَرَها وذَبَّ عَنْها عَدَّدَ وُجُوهَ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ عَلَيْهِ.

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ والمُرادُ إنّا نَحْنُ آتَيْناهُ تِلْكَ الحُجَّةَ وهَدَيْناهُ إلَيْها، وأوْقَفْنا عَقْلَهُ عَلى حَقِيقَتِها. وذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وهو كِنايَةُ الجَمْعِ عَلى وفْقِ ما يَقُولُهُ عُظَماءُ المُلُوكِ. فَعَلْنا، وقُلْنا، وذَكَرْنا. ولَمّا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَعالى هَهُنا بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَظَمَةُ عَظَمَةً كامِلَةً رَفِيعَةً شَرِيفَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تِلْكَ الحُجَّةَ مِن أشْرَفِ النِّعَمِ، ومِن أجَلِّ مَراتِبِ العَطايا والمَواهِبِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالرِّفْعَةِ والِاتِّصالِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ. وهي قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أشْرَفَ النّاسِ وهُمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مِن نَسْلِهِ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، وأبْقى هَذِهِ الكَرامَةَ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ السُّرُورِ عِلْمَ المَرْءِ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن عَقِبِهِ الأنْبِياءُ والمُلُوكُ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَزاءً عَلى قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ لِصُلْبِهِ (ويَعْقُوبَ) بَعْدَهُ مِن إسْحاقَ.

فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إسْحاقَ، بَلْ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْهُ بِدَرَجاتٍ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ هَهُنا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم بِأسْرِهِمْ أوْلادُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأمّا إسْماعِيلُ فَإنَّهُ ما خَرَجَ مِن صُلْبِهِ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، ولا يَجُوزُ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَحْتَجَّ عَلى العَرَبِ في نَفْيِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا تَرَكَ الشِّرْكَ وأصَرَّ عَلى

صفحة ٥٣

التَّوْحِيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا أنْ آتاهُ اللَّهُ أوْلادًا كانُوا أنْبِياءً ومُلُوكًا، فَإذا كانَ المُحْتَجُّ بِهَذِهِ الحُجَّةِ هو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ في هَذا المَعْرِضِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ مَعَ إسْحاقَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ …

Al-An'aam 6:86Listen in Qur'an →
87

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ أظْهَرَ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ ونَصَرَها وذَبَّ عَنْها عَدَّدَ وُجُوهَ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ عَلَيْهِ.

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ والمُرادُ إنّا نَحْنُ آتَيْناهُ تِلْكَ الحُجَّةَ وهَدَيْناهُ إلَيْها، وأوْقَفْنا عَقْلَهُ عَلى حَقِيقَتِها. وذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وهو كِنايَةُ الجَمْعِ عَلى وفْقِ ما يَقُولُهُ عُظَماءُ المُلُوكِ. فَعَلْنا، وقُلْنا، وذَكَرْنا. ولَمّا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَعالى هَهُنا بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَظَمَةُ عَظَمَةً كامِلَةً رَفِيعَةً شَرِيفَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تِلْكَ الحُجَّةَ مِن أشْرَفِ النِّعَمِ، ومِن أجَلِّ مَراتِبِ العَطايا والمَواهِبِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالرِّفْعَةِ والِاتِّصالِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ. وهي قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أشْرَفَ النّاسِ وهُمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مِن نَسْلِهِ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، وأبْقى هَذِهِ الكَرامَةَ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ السُّرُورِ عِلْمَ المَرْءِ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن عَقِبِهِ الأنْبِياءُ والمُلُوكُ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَزاءً عَلى قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ لِصُلْبِهِ (ويَعْقُوبَ) بَعْدَهُ مِن إسْحاقَ.

فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إسْحاقَ، بَلْ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْهُ بِدَرَجاتٍ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ هَهُنا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم بِأسْرِهِمْ أوْلادُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأمّا إسْماعِيلُ فَإنَّهُ ما خَرَجَ مِن صُلْبِهِ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، ولا يَجُوزُ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَحْتَجَّ عَلى العَرَبِ في نَفْيِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا تَرَكَ الشِّرْكَ وأصَرَّ عَلى

صفحة ٥٣

التَّوْحِيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا أنْ آتاهُ اللَّهُ أوْلادًا كانُوا أنْبِياءً ومُلُوكًا، فَإذا كانَ المُحْتَجُّ بِهَذِهِ الحُجَّةِ هو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ في هَذا المَعْرِضِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ مَعَ إسْحاقَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ …

Al-An'aam 6:87Listen in Qur'an →
88

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is the guidance of Allah by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allah, then worthless for them would be whatever they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ أظْهَرَ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ ونَصَرَها وذَبَّ عَنْها عَدَّدَ وُجُوهَ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ عَلَيْهِ.

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ والمُرادُ إنّا نَحْنُ آتَيْناهُ تِلْكَ الحُجَّةَ وهَدَيْناهُ إلَيْها، وأوْقَفْنا عَقْلَهُ عَلى حَقِيقَتِها. وذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وهو كِنايَةُ الجَمْعِ عَلى وفْقِ ما يَقُولُهُ عُظَماءُ المُلُوكِ. فَعَلْنا، وقُلْنا، وذَكَرْنا. ولَمّا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَعالى هَهُنا بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى العَظَمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَظَمَةُ عَظَمَةً كامِلَةً رَفِيعَةً شَرِيفَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تِلْكَ الحُجَّةَ مِن أشْرَفِ النِّعَمِ، ومِن أجَلِّ مَراتِبِ العَطايا والمَواهِبِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالرِّفْعَةِ والِاتِّصالِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ. وهي قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أشْرَفَ النّاسِ وهُمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مِن نَسْلِهِ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، وأبْقى هَذِهِ الكَرامَةَ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ السُّرُورِ عِلْمَ المَرْءِ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن عَقِبِهِ الأنْبِياءُ والمُلُوكُ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَزاءً عَلى قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ لِصُلْبِهِ (ويَعْقُوبَ) بَعْدَهُ مِن إسْحاقَ.

فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إسْحاقَ، بَلْ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْهُ بِدَرَجاتٍ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ هَهُنا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم بِأسْرِهِمْ أوْلادُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأمّا إسْماعِيلُ فَإنَّهُ ما خَرَجَ مِن صُلْبِهِ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، ولا يَجُوزُ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَحْتَجَّ عَلى العَرَبِ في نَفْيِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا تَرَكَ الشِّرْكَ وأصَرَّ عَلى

صفحة ٥٣

التَّوْحِيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا أنْ آتاهُ اللَّهُ أوْلادًا كانُوا أنْبِياءً ومُلُوكًا، فَإذا كانَ المُحْتَجُّ بِهَذِهِ الحُجَّةِ هو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ في هَذا المَعْرِضِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ مَعَ إسْحاقَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ …

Al-An'aam 6:88Listen in Qur'an →
89

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَٰفِرِينَ

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if the disbelievers deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾

صفحة ٥٦

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى الَّذِينَ مَضى ذِكْرُهم قَبْلَ ذَلِكَ وهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ آتاهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ.

واعْلَمْ أنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايِرَةَ، فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ لا بُدَّ وأنْ تَدُلَّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُتَغايِرَةٍ.

واعْلَمْ أنَّ الحُكّامَ عَلى الخَلْقِ ثَلاثُ طَوائِفَ:

أحَدُها: الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلى بَواطِنِ النّاسِ وعَلى أرْواحِهِمْ، وهُمُ العُلَماءُ.

وثانِيها: الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلى ظَواهِرِ الخَلْقِ، وهُمُ السَّلاطِينُ يَحْكُمُونَ عَلى النّاسِ بِالقَهْرِ والسَّلْطَنَةِ.

وثالِثُها: الأنْبِياءُ، وهُمُ الَّذِينَ أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ ما لِأجْلِهِ بِها يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في بَواطِنِ الخَلْقِ وأرْواحِهِمْ، وأيْضًا أعْطاهم مِنَ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ ما لِأجْلِهِ يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في ظَواهِرِ الخَلْقِ، ولَمّا اسْتَجْمَعُوا هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لا جَرَمَ كانُوا هُمُ الحُكّامَ عَلى الإطْلاقِ.

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى أعْطاهُمُ العَلَمَ الكَثِيرَ وقَوْلُهُ: (والحِكْمَ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم حُكّامًا عَلى النّاسِ نافِذِي الحُكْمِ فِيهِمْ بِحَسَبِ الظّاهِرِ. وقَوْلُهُ: (والنُّبُوَّةَ) إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ، وهي الدَّرَجَةُ العالِيَةُ الرَّفِيعَةُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي يَتَفَرَّعُ عَلى حُصُولِها حُصُولُ المُرَتَّبَتَيْنِ المُقَدَّمَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ولِلنّاسِ في هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ تَفْسِيراتٌ كَثِيرَةٌ، والمُخْتارُ عِنْدَنا ما ذَكَرْناهُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الإيتاءِ الِابْتِداءَ بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ عَلَيْهِ كَما في صُحُفِ إبْراهِيمَ وتَوْراةِ مُوسى، وإنْجِيلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقُرْآنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعالى فَهْمًا تامًّا لِما في الكِتابِ وعِلْمًا مُحِيطًا بِحَقائِقِهِ وأسْرارِهِ، وهَذا هو الأوْلى؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورِينَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابًا إلَهِيًّا عَلى التَّعْيِينِ والتَّخْصِيصِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ والمُرادُ فَإنْ يَكْفُرْ بِهَذا التَّوْحِيدِ والطَّعْنِ في الشِّرْكِ كَفّارُ قُرَيْشٍ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ القَوْمَ مَن هم ؟ عَلى وُجُوهٍ:

فَقِيلَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ وهُمُ الأنْصارُ.

وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ .

وقالَ أبُو رَجاءٍ: يَعْنِي المَلائِكَةَ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ اسْمَ القَوْمِ قَلَّما يَقَعُ عَلى غَيْرِ بَنِي آدَمَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الفُرْسُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ مَن لَمْ يَكْفُرْ فَهو مِنهم سَواءٌ كانَ مَلِكًا أوْ …

Al-An'aam 6:89Listen in Qur'an →
90

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَٰلَمِينَ

Those are the ones whom Allah has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for this message no payment. It is not but a reminder for the worlds."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ هُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ، ولا شَكَّ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وإنَّما الكَلامُ في تَعْيِينِ الشَّيْءِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا أنْ يَقْتَدِيَ فِيهِ بِهِمْ، فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ أنَّهُ يَقْتَدِي بِهِمْ في الأمْرِ الَّذِي أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وهو القَوْلُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ وسائِرِ العَقْلِيّاتِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في جَمِيعِ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ الكامِلَةِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى أذى السُّفَهاءِ والعَفْوِ عَنْهم، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في شَرائِعِهِمْ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا يَلْزَمُنا، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ الأنْبِياءَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّهم كانُوا مُحْتَرِزِينَ عَنِ الشِّرْكِ مُجاهِدِينَ بِإبْطالِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ أكَّدَ إصْرارَهم عَلى التَّوْحِيدِ وإنْكارَهم لِلشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ .

ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ هَداهم إلى إبْطالِ الشِّرْكِ وإثْباتِ التَّوْحِيدِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أيِ اقْتَدِ بِهِمْ في نَفْيِ الشِّرْكِ وإثْباتِ التَّوْحِيدِ وتَحَمُّلِ سَفاهاتِ الجُهّالِ في هَذا البابِ. وقالَ آخَرُونَ: اللَّفْظُ مُطْلَقٌ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ المُنْفَصِلُ. قالَ القاضِي: يَبْعُدُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُتَقَدِّمِينَ في شَرائِعِهِمْ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ شَرائِعَهم مُخْتَلِفَةٌ مُتَناقِضَةٌ فَلا يَصِحُّ مَعَ تَناقُضِها أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في تِلْكَ الأحْكامِ المُتَناقِضَةِ.

وثانِيها: أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلِيلِ دُونَ نَفْسِ العَمَلِ.

صفحة ٥٨

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَلِيلُ ثَباتِ شَرْعِهِمْ كانَ مَخْصُوصًا بِتِلْكَ الأوْقاتِ لا في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ، فَكانَ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في ذَلِكَ الهُدى هو أنْ يَعْلَمَ وُجُوبَ تِلْكَ الأفْعالِ في تِلْكَ الأوْقاتِ فَقَطْ، وكَيْفَ يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلى اتِّباعِهِمْ في شَرائِعِهِمْ في كُلِّ الأوْقاتِ ؟

وثالِثُها: أنَّ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُتَّبِعًا لَهم في شَرائِعِهِمْ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مَنصِبُهُ أقَلَّ مِن مَنصِبِهِمْ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في شَرائِعِهِمْ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلُّ. فَأمّا ما ذَكَرْتُمْ مِن كَوْنِ بَعْضِ الأحْكامِ مُتَناقِضَةً بِحَسَبِ شَرائِعِهِمْ. فَنَقُولُ: ذَلِكَ العامُّ يَجِبُ تَخْصِيصُهُ في هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَبْقى فِيما عَداها حُجَّةً.

وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ …

Al-An'aam 6:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.