Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 165

21

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ بِالخُسْرانِ في الآيَةِ الأُولى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ ذَلِكَ الخُسْرانِ، وهو أمْرانِ:

أحَدُهُما أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وهَذا الِافْتِراءُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ كُفّارَ

صفحة ١٥٠

مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأصْنامُ شُرَكاءُ اللَّهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهم بِعِبادَتِها والتَّقَرُّبِ إلَيْها، وكانُوا أيْضًا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ ثُمَّ نَسَبُوا إلى اللَّهِ تَحْرِيمَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ.

وثانِيها: أنِ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ حَصَلَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ هاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما النَّسْخُ والتَّغْيِيرُ، وأنَّهُما لا يَجِيءُ بَعْدَهُما نَبِيٌّ.

وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .

ورابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .

وخامِسُها: أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنهم كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، وأمْثالُ هَذِهِ الأباطِيلِ الَّتِي كانُوا يَنْسُبُونَها إلى اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّها افْتِراءٌ مِنهم عَلى اللَّهِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: مِن أسْبابِ خُسْرانِهِمْ تَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنهُ قَدْحُهم في مُعْجِزاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وطَعْنُهم فِيها وإنْكارُهم كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزَةً قاهِرَةً بَيِّنَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ فَفي ناصِبِ قَوْلِهِ: (ويَوْمَ) أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ.

والثّانِي: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ أبَدًا ويَوْمَ نَحْشُرُهم.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ لا السُّؤالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أيْنَ نَفْسُ الشُّرَكاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أيْنَ شَفاعَتُهم لَكم وانْتِفاعُكم بِهِمْ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: لا يَكُونُ الكَلامُ إلّا تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَقْرِيرًا في نُفُوسِهِمْ أنَّ الَّذِي كانُوا يَظُنُّونَهُ مَأْيُوسٌ عَنْهُ، وصارَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهم في دارِ الدُّنْيا عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاءُ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ الزَّعْمِ لِدَلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ زَعْمٍ في كِتابِ اللَّهِ كَذِبٌ.

Al-An'aam 6:21Listen in Qur'an →
22

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allah, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ بِالخُسْرانِ في الآيَةِ الأُولى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ ذَلِكَ الخُسْرانِ، وهو أمْرانِ:

أحَدُهُما أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وهَذا الِافْتِراءُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ كُفّارَ

صفحة ١٥٠

مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأصْنامُ شُرَكاءُ اللَّهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهم بِعِبادَتِها والتَّقَرُّبِ إلَيْها، وكانُوا أيْضًا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ ثُمَّ نَسَبُوا إلى اللَّهِ تَحْرِيمَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ.

وثانِيها: أنِ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ حَصَلَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ هاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما النَّسْخُ والتَّغْيِيرُ، وأنَّهُما لا يَجِيءُ بَعْدَهُما نَبِيٌّ.

وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .

ورابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .

وخامِسُها: أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنهم كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، وأمْثالُ هَذِهِ الأباطِيلِ الَّتِي كانُوا يَنْسُبُونَها إلى اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّها افْتِراءٌ مِنهم عَلى اللَّهِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: مِن أسْبابِ خُسْرانِهِمْ تَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنهُ قَدْحُهم في مُعْجِزاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وطَعْنُهم فِيها وإنْكارُهم كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزَةً قاهِرَةً بَيِّنَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ فَفي ناصِبِ قَوْلِهِ: (ويَوْمَ) أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ.

والثّانِي: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ أبَدًا ويَوْمَ نَحْشُرُهم.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ لا السُّؤالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أيْنَ نَفْسُ الشُّرَكاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أيْنَ شَفاعَتُهم لَكم وانْتِفاعُكم بِهِمْ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: لا يَكُونُ الكَلامُ إلّا تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَقْرِيرًا في نُفُوسِهِمْ أنَّ الَّذِي كانُوا يَظُنُّونَهُ مَأْيُوسٌ عَنْهُ، وصارَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهم في دارِ الدُّنْيا عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاءُ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ الزَّعْمِ لِدَلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ زَعْمٍ في كِتابِ اللَّهِ كَذِبٌ.

Al-An'aam 6:22Listen in Qur'an →
23

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allah, our Lord, we were not those who associated."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾“ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ، وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”ثُمَّ لَمْ يَكُنْ“ بِالياءِ وفِتْنَتَهم بِالنَّصْبِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ ونَصْبِ الفِتْنَةِ، فَهَهُنا قَوْلُهُ أنْ قالُوا: في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ تَكُنْ، وإنَّما أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ مَن كانَتْ أُمُّكَ

صفحة ١٥١

أوْ لِأنَّ ما قالُوا فِتْنَةٌ في المَعْنى، ويَجُوزُ تَأْوِيلُ إلّا أنْ قالُوا لا مَقالَتُهم. وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ المُنْقَطَةِ مِن تَحْتُ، ونَصْبِ فِتْنَتَهم، فَهَهُنا قَوْلُهُ: (أنْ قالُوا) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ يَكُنْ، وفِتْنَتَهم هو الخَبَرُ. قالَ الواحِدِيُّ: الِاخْتِيارُ قِراءَةُ مَن جَعَلَ أنْ قالُوا الِاسْمَ دُونَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ أنْ إذا وُصِلَتْ بِالفِعْلِ لَمْ تُوصَفْ فَأشْبَهَتْ بِامْتِناعِ وصْفِها المُضْمَرَ، فَكَما أنَّ المُظْهَرَ والمُضْمَرَ إذا اجْتَمَعا كانَ جَعْلُ المُضْمَرِ اسْمًا أوْلى مِن جَعْلِهِ خَبَرًا، فَكَذا هَهُنا تَقُولُ كُنْتُ القائِمَ، فَجَعَلْتَ المُضْمَرَ اسْمًا والمُظْهَرَ خَبَرًا فَكَذا هَهُنا، ونَقُولُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: واللَّهِ رَبَّنا بِنَصْبِ قَوْلِهِ رَبَّنا لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: بِإضْمارٍ أعْنِي وأذْكُرُ.

والثّانِي: عَلى النِّداءِ، أيْ واللَّهِ يا رَبَّنا، والباقُونَ بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّأُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ: ومِثالُهُ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ عارِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ لَهُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ، فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ هَهُنا افْتِتانُهم بِالأوْثانِ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْناهُ شِرْكُهم في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ إلّا البَراءَةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنْ فَرَرْتَ مِنهُ وتَرَكْتَهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي: أنَّهم حَلَفُوا في القِيامَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ، وهَذا يَقْتَضِي إقْدامَهم عَلى الكَذِبِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، والقاضِي: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ واحْتَجّا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِالِاضْطِرارِ، إذْ لَوْ عَرَفُوهُ بِالِاسْتِدْلالِ لَصارَ مَوْقِفُ القِيامَةِ دارَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وإذا كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ …

Al-An'aam 6:23Listen in Qur'an →
24

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾“ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ، وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”ثُمَّ لَمْ يَكُنْ“ بِالياءِ وفِتْنَتَهم بِالنَّصْبِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ ونَصْبِ الفِتْنَةِ، فَهَهُنا قَوْلُهُ أنْ قالُوا: في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ تَكُنْ، وإنَّما أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ مَن كانَتْ أُمُّكَ

صفحة ١٥١

أوْ لِأنَّ ما قالُوا فِتْنَةٌ في المَعْنى، ويَجُوزُ تَأْوِيلُ إلّا أنْ قالُوا لا مَقالَتُهم. وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ المُنْقَطَةِ مِن تَحْتُ، ونَصْبِ فِتْنَتَهم، فَهَهُنا قَوْلُهُ: (أنْ قالُوا) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ يَكُنْ، وفِتْنَتَهم هو الخَبَرُ. قالَ الواحِدِيُّ: الِاخْتِيارُ قِراءَةُ مَن جَعَلَ أنْ قالُوا الِاسْمَ دُونَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ أنْ إذا وُصِلَتْ بِالفِعْلِ لَمْ تُوصَفْ فَأشْبَهَتْ بِامْتِناعِ وصْفِها المُضْمَرَ، فَكَما أنَّ المُظْهَرَ والمُضْمَرَ إذا اجْتَمَعا كانَ جَعْلُ المُضْمَرِ اسْمًا أوْلى مِن جَعْلِهِ خَبَرًا، فَكَذا هَهُنا تَقُولُ كُنْتُ القائِمَ، فَجَعَلْتَ المُضْمَرَ اسْمًا والمُظْهَرَ خَبَرًا فَكَذا هَهُنا، ونَقُولُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: واللَّهِ رَبَّنا بِنَصْبِ قَوْلِهِ رَبَّنا لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: بِإضْمارٍ أعْنِي وأذْكُرُ.

والثّانِي: عَلى النِّداءِ، أيْ واللَّهِ يا رَبَّنا، والباقُونَ بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّأُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ: ومِثالُهُ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ عارِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ لَهُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ، فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ هَهُنا افْتِتانُهم بِالأوْثانِ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْناهُ شِرْكُهم في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ إلّا البَراءَةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنْ فَرَرْتَ مِنهُ وتَرَكْتَهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي: أنَّهم حَلَفُوا في القِيامَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ، وهَذا يَقْتَضِي إقْدامَهم عَلى الكَذِبِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، والقاضِي: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ واحْتَجّا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِالِاضْطِرارِ، إذْ لَوْ عَرَفُوهُ بِالِاسْتِدْلالِ لَصارَ مَوْقِفُ القِيامَةِ دارَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وإذا كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ …

Al-An'aam 6:24Listen in Qur'an →
25

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And among them are those who listen to you, but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ اليَأْسَ عَنْ إيمانِ بَعْضِهِمْ فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأُمَيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ والحارِثُ بْنُ عامِرٍ وأبُو جَهِلٍ واسْتَمَعُوا إلى حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما يَقُولُ لَكِنِّي أراهُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ويَتَكَلَّمُ بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ كالَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكم بِهِ عَنْ أخْبارِ القُرُونِ الأُولى. وقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُ حَقًّا. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما وقى شَيْئًا وسَتَرَهُ، مِثْلُ عِنانٍ وأعِنَّةٍ، والفِعْلُ مِنهُ كَنَنْتُ وأكْنَنْتُ. وأمّا قَوْلُهُ: (أنْ يَفْقَهُوهُ) فَقالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَعْنى: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً لِكَراهَةِ أنْ يَفْقَهُوهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ ”اللّامُ“ نُصِبَتِ الكَراهَةُ، ولَمّا حُذِفَتِ الكَراهَةُ انْتَقَلَ نَصْبُها إلى ”أنْ“ وقَوْلُهُ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ

صفحة ١٥٤

ابْنُ السِّكِّيتِ: الوَقْرُ الثِّقَلُ في الأُذُنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصْرِفُ عَنِ الإيمانِ، ويَمْنَعُ مِنهُ ويَحُولُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَعَلَ القَلْبَ في الكِنانِ الَّذِي يَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلرَّسُولِ عَلى الكُفّارِ لا لِيَكُونَ حُجَّةً لِلْكُفّارِ عَلى الرَّسُولِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا لِلرَّسُولِ لَمّا حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مَنَعَنا مِنَ الإيمانِ فَلِمَ يَذُمُّنا عَلى تَرْكِ الإيمانِ، ولِمَ يَدْعُونا إلى فِعْلِ الإيمانِ ؟

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ ثُمَّ دَعاهم إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا لِلْعاجِزِ وهو مَنفِيٌّ بِصَرِيحِ العَقْلِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى صَرِيحَ هَذا الكَلامِ عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] وإذا كانَ قَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى هَذا المَذْهَبَ عَنْهم في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمُ امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَهُ هَهُنا في مَعْرِضِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا لَزِمَ التَّناقُضُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَفْهَمُونَ ويَسْمَعُونَ …

Al-An'aam 6:25Listen in Qur'an →
26

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِأنْ قالُوا: إنَّهُ مِن جِنْسِ أساطِيرِ الأوَّلِينَ وأقاصِيصِ الأقْدَمِينَ؛ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القُرْآنِ وذِكْرُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَنْهُ) مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى القُرْآنِ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ والِاسْتِماعِ لَهُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ يَنْهَوْنَ عَنِ الرَّسُولِ.

واعْلَمْ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحالٌ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ والإقْرارِ بِرِسالَتِهِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ إيذاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ يَتَباعَدُ عَنْهُ ولا يَتْبَعُهُ عَلى دِينِهِ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي ذَمَّ طَرِيقَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى أمْرٍ مَذْمُومٍ، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ أبا طالِبٍ كانَ يَنْهى عَنْ إيذائِهِ، لَما حَصَلَ هَذا النَّظْمُ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النَّهْيَ عَنْ أذِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لا يُوجِبُ الهَلاكَ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ لا إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهم يَبْعُدُونَ عَنْهُ بِمُفارَقَةِ دِينِهِ، وتَرْكِ المُوافَقَةِ لَهُ وذَلِكَ ذَمٌّ فَلا يَصِحُّ ما رَجَّحْتُمْ بِهِ هَذا القَوْلَ.

صفحة ١٥٧

قُلْنا: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: إنَّ فَلانًا يَبْعُدُ عَنِ الشَّيْءِ الفُلانِيِّ ويَنْفُرُ عَنْهُ ولا يَضُرُّ بِذَلِكَ إلّا نَفْسَهُ، فَلا يَكُونُ هَذا الضَّرَرُ مُتَعَلِّقًا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَوْعَيْنِ مِنَ القَبِيحِ:

الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنْ قَبُولِ دِينِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ.

والثّانِي: كانُوا يَنْأوْنَ عَنْهُ، والنَّأْيُ البُعْدُ يُقالُ: نَأى يَنْأى إذا بَعُدَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ وما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ وغُلُوِّهِمْ فِيهِ وما يَشْعُرُونَ أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم ويُذْهِبُونَها إلى النّارِ بِما يَرْتَكِبُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:26Listen in Qur'an →
27

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ مَن يَنْهى عَنْ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْأى عَنْ طاعَتِهِ بِأنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الهَلاكِ بِهَذِهِ الآيَةِ وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (ولَوْ تَرى) يَقْتَضِي لَهُ جَوابًا، وقَدْ حُذِفَ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لِلشَّأْنِ، وجازَ حَذْفُهُ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِهِ وأشْباهُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ. ولَوْ قَدَّرْتَ الجَوابَ، كانَ التَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ أوْ لَرَأيْتَ سُوءَ حالِهِمْ وحَذْفُ الجَوابِ في هَذِهِ الأشْياءِ أبْلَغُ في المَعْنى مِن إظْهارِهِ، ألا تَرى: أنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِغُلامِكَ، واللَّهِ لَئِنْ قُمْتُ إلَيْكَ ! وسَكَتَّ عَنِ الجَوابِ، ذَهَبَ بِفِكْرِهِ إلى أنْواعِ المَكْرُوهِ، مِنَ الضَّرْبِ، والقَتْلِ، والكَسْرِ، وعَظُمَ الخَوْفُ ولَمْ يَدْرِ أيَّ الأقْسامِ تَبْغِي. ولَوْ قُلْتَ: واللَّهِ لَئِنْ قُمْتُ إلَيْكَ لِأضْرِبَنَّكَ، فَأتَيْتَ بِالجَوابِ، لَعَلِمَ أنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ شَيْئًا غَيْرَ الضَّرْبِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ نَوْعٌ مِنَ المَكْرُوهِ سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّ حَذْفَ الجَوابِ أقْوى تَأْثِيرًا في حُصُولِ الخَوْفِ. ومِنهم مَن قالَ: جَوابُ ”لَوْ“ مَذْكُورٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ يَنُوحُونَ ويَقُولُونَ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (وُقِفُوا) يُقالُ وقَفْتُهُ وقْفًا، ووَقَفْتُهُ وُقُوفًا كَما يُقالُ: رَجَعْتُهُ رُجُوعًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وُقِفُوا عِنْدَها وهم يُعايِنُونَها فَهم مَوْقُوفُونَ عَلى أنْ يَدْخُلُوا النّارَ.

والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا وُقِفُوا عَلَيْها وهي تَحْتُهم، بِمَعْنى أنَّهم وُقِفُوا فَوْقَ النّارِ عَلى الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ فَوْقَ جَهَنَّمَ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ عَرَفُوا حَقِيقَتَها تَعْرِيفًا مِن قَوْلِكَ وقَفْتُ فَلانًا عَلى كَلامِ فُلانٍ؛ أيْ عَلَّمْتُهُ مَعْناهُ وعَرَّفْتُهُ.

وفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهم أنَّهم يَكُونُونَ في جَوْفِ النّارِ، وتَكُونُ

صفحة ١٥٨

النّارُ مُحِيطَةً بِهِمْ، ويَكُونُونَ غائِصِينَ فِيها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أُقِيمَ ”عَلى“ مَقامَ ”في“ وإنَّما صَحَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أنْ يُقالَ: وُقِفُوا عَلى النّارِ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ وطَبَقاتٌ، وبَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَيَصِحُّ هُناكَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ: ولَوْ تَرى ؟ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِالِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: إذْ وُقِفُوا، وكَلِمَةُ ”إذْ“ لِلْماضِي ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: فَقالُوا: وهو يَدُلُّ عَلى الماضِي.

قُلْنا: إنَّ كَلِمَةَ ”إذْ“ تُقامُ مَقامَ ”إذا“ إذا أرادَ المُتَكَلِّمُ المُبالَغَةَ في التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ، وإزالَةَ الشُّبْهَةِ لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ واسْتَقَرَّ، فالتَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِاللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِلْماضِي، يُفِيدُ المُبالَغَةَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإمالَةُ في النّارِ حَسَنَةٌ جَيِّدَةٌ، لِأنَّ ما بَعْدَ الألِفِ مَكْسُورٌ وهو حَرْفُ الرّاءِ، كَأنَّهُ تَكَرَّرَ في اللِّسانِ فَصارَتِ الكَسْرَةُ فِيهِ كالكَسْرَتَيْنِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (يا لَيْتَنا) يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ تَمَنَّوْا أنْ …

Al-An'aam 6:27Listen in Qur'an →
28

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ”بَلْ“ هَهُنا رَدُّ كَلامِهم، والتَّقْدِيرُ: أنَّهم ما تَمَنَّوُا العَوْدَ إلى الدُّنْيا، وتَرْكَ التَّكْذِيبِ، وتَحْصِيلَ الإيمانِ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ راغِبِينَ في الإيمانِ، بَلْ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِنَ العِقابِ الَّذِي شاهَدُوهُ

صفحة ١٦٠

وعايَنُوهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ في الإيمانِ والطّاعَةِ لا تَنْفَعُ إلّا إذا كانَتْ تِلْكَ الرَّغْبَةُ رَغْبَةً فِيهِ، لِكَوْنِهِ إيمانًا وطاعَةً، فَأمّا الرَّغْبَةُ فِيهِ لِطَلَبِ الثَّوابِ، والخَوْفِ مِنَ العِقابِ فَغَيْرُ مُفِيدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّهُ ظَهَرَ لَهم في الآخِرَةِ ما أخْفَوْهُ في الدُّنْيا. وقَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الَّذِي أخْفَوْهُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو رَوْقٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ الشِّرْكَ فَيَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَيُنْطِقُ اللَّهُ جَوارِحَهم فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَذَلِكَ حِينَ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ. قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا القَوْلِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.

الثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم وبالُ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ وسُوءُ عاقِبَتِها، وذَلِكَ لِأنَّ كُفْرَهم ما كانَ بادِيًا ظاهِرًا لَهم، لِأنَّ مَضارَّ كُفْرِهِمْ كانَتْ خَفِيَّةً، فَلَمّا ظَهَرَتْ يَوْمَ القِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ .

الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: بَدا لِلْأتْباعِ ما أخَفاهُ الرُّؤَساءُ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ: ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ، وقَدْ كانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ، وبَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وظَهَرَ بِأنْ عَرَفَ غَيْرُهم أنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ مُنافِقِينَ.

الخامِسُ: قِيلَ بَدا لَهم ما كانَ عُلَماؤُهم يُخْفُونَ مِن جَحْدِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ونَعْتِهِ وصِفَتِهِ في الكُتُبِ والبِشارَةِ بِهِ، وما كانُوا يُحَرِّفُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. والمَقْصُودُ مِنها بِأسْرِها أنَّهُ ظَهَرَتْ فَضِيحَتُهم في الآخِرَةِ وانْتُهِكَتْ أسْتارُهم. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَوْ رَدَّهم لَمْ يَحْصُلْ مِنهم تَرْكُ التَّكْذِيبِ وفِعْلُ الإيمانِ، بَلْ كانُوا يَسْتَمِرُّونَ عَلى طَرِيقَتِهِمُ الأُولى في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ القِيامَةِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ، وشاهَدُوا أنْواعَ العِقابِ والعَذابِ فَلَوْ رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الدُّنْيا فَمَعَ هَذِهِ الأحْوالِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

قُلْنا: قالَ القاضِي: تَقْرِيرُ الآيَةِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا﴾ إلى حالَةِ التَّكْلِيفِ، وإنَّما يَحْصُلُ الرَّدُّ إلى هَذِهِ الحالَةِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ في القِيامَةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ ولَمْ يَحْصُلْ هُناكَ مُشاهَدَةُ الأهْوالِ وعَذابِ جَهَنَّمَ، فَهَذا الشَّرْطُ يَكُونُ مُضْمَرًا لا مَحالَةَ في الآيَةِ إلّا أنّا نَقُولُ هَذا الجَوابُ …

Al-An'aam 6:28Listen in Qur'an →
29

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى، أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي يُخْفُونَهُ هو أمْرُ المَعادِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُخْفُونَ صِحَّتَهُ ويَقُولُونَ ما لَنا إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ لا ثَوابَ ولا عِقابَ.

والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ولَأنْكَرُوا الحَشْرَ والنَّشْرَ، وقالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

Al-An'aam 6:29Listen in Qur'an →
30

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment because you used to disbelieve."

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى إنْكارَهم لِلْحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ حالِهِمْ في القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِنَ المُشَبِّهَةِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَقِفُونَ عِنْدَ اللَّهِ وبِالقُرْبِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى بِحَيْثُ يَحْضُرُ في مَكانٍ تارَةً ويَغِيبُ عَنْهُ تارَةً أُخْرى.

واعْلَمْ أنَّ هَذا خَطَأٌ وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ، يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى، كَما يَقِفُ أحَدُنا عَلى الأرْضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ باطِلٌ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:

التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: هو أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى﴾ ما وعَدَهم رَبُّهم مِن عَذابِ الكافِرِينَ وثَوابِ المُؤْمِنِينَ وعَلى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ.

التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الوُقُوفِ المَعْرِفَةُ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ وقَفْتُ عَلى كَلامِكَ أيْ عَرَفْتُهُ.

التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم وُقِفُوا لِأجْلِ السُّؤالِ فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ،

صفحة ١٦٢

مِن وُقُوفِ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْبِيرُ عَنِ المَقْصُودِ بِالألْفاظِ الفَصِيحَةِ البَلِيغَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى، أنَّهم يُنْكِرُونَ القِيامَةَ والبَعْثَ في الدُّنْيا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم في الآخِرَةِ يُقِرُّونَ بِهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حالَهم في هَذا الإنْكارِ سَيَئُولُ إلى الإقْرارِ وذَلِكَ لِأنَّهم شاهَدُوا القِيامَةَ والثَّوابَ والعِقابَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ؟ وهو كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤] والجَوابُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ أيْ لا يُكَلِّمُهم بِالكَلامِ الطَّيِّبِ النّافِعِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ التَّناقُضُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إذا قالَ لَهم ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ؟ قالُوا: بَلى ورَبِّنا. المَقْصُودُ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ القَسَمِ واليَمِينِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وخَصَّ لَفْظَ الذَّوْقِ؛ لِأنَّهم في كُلِّ حالٍ يَجِدُونَهُ وِجْدانَ الذّائِقِ في قُوَّةِ الإحْساسِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ احْتِجاجًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ [الأنعام: ٢] عَلى ما قَرَّرْناهُ وفَسَّرْناهُ، بَلِ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدْعُ والزَّجْرُ عَنْ هَذا المَذْهَبِ والقَوْلِ.

Al-An'aam 6:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.