Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 165

11

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما صَبَّرَ رَسُولَهُ بِالآيَةِ الأُولى، فَكَذَلِكَ حَذَّرَ القَوْمَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ لِرَسُولِهِ قُلْ لَهم لا تَغْتَرُّوا بِما وجَدْتُمْ مِنَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ووَصَلْتُمْ إلَيْهِ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، بَلْ سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعْرِفُوا صِحَّةَ ما أخْبَرَكُمُ الرَّسُولُ عَنْهُ مِن نُزُولِ العَذابِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في الأزْمِنَةِ السّالِفَةِ، فَإنَّكم عِنْدَ السَّيْرِ في الأرْضِ والسَّفَرِ في البِلادِ لا بُدَّ وأنْ تُشاهِدُوا تِلْكَ الآثارَ، فَيَكْمُلَ الِاعْتِبارُ، ويَقْوى الِاسْتِبْصارُ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: (فانْظُرُوا) وبَيْنَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ انْظُرُوا) .

قُلْنا: قَوْلُهُ: (فانْظُرُوا) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ النَّظَرَ سَبَبًا عَنِ السَّيْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: سِيرُوا لِأجْلِ النَّظَرِ ولا تَسِيرُوا سَيْرَ الغافِلِينَ.

صفحة ١٣٦

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فَمَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، وإيجابُ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ثُمَّ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا الفَرْقِ بِكَلِمَةِ ”ثُمَّ“ لِتَباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allah." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَقْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ إثْباتِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُ المَعادِ وتَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ. وبَيانُهُ أنَّ أحْوالَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأجْسامِ مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كانَ يَجُوزُ عَلَيْها اتِّصافُها بِأضْدادِها ومُقابَلاتِها، ومَتى كانَ كَذَلِكَ، فاخْتِصاصُ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ القادِرَ المُخْتارَ خَصَّهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَعَ كُلِّ ما فِيهِ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تَعالى.

وإذا ثَبَتَ هَذا، ثَبَتَ كَوْنُهُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّ التَّرْكِيبَ الأوَّلَ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وهَذِهِ القُدْرَةُ والعِلْمُ يَمْتَنِعُ زَوالُهُما، فَوَجَبَ صِحَّةُ الإعادَةِ ثانِيًا. وأيْضًا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مَلِكٌ مُطاعٌ، والمَلِكُ المُطاعُ مَن لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ عَلى عَبِيدِهِ، ولا بُدَّ مِن مُبَلِّغٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وافِيَةٌ بِإثْباتِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ. ولَمّا سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَها هَذِهِ الآيَةَ لِتَكُونَ مُقَرِّرَةً لِمَجْمُوعِ تِلْكَ المَطالِبِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي شَرَحْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ سُؤالٌ. وقَوْلُهُ: (قُلْ لِلَّهِ) جَوابٌ فَقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالسُّؤالِ أوَّلًا ثُمَّ بِالجَوابِ ثانِيًا. وهَذا إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ الجَوابُ قَدْ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ. ولَمّا بَيَّنّا أنَّ آثارَ الحُدُوثِ والإمْكانِ ظاهِرَةٌ في ذَواتِ جَمِيعِ الأجْسامِ وفي جَمِيعِ صِفاتِها، لا جَرَمَ كانَ الِاعْتِرافُ بِأنَّها بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ ومَحِلُّ تَصَرُّفِهِ وقُدْرَتِهِ، لا جَرَمَ أمَرَهُ بِالسُّؤالِ أوَّلًا ثُمَّ بِالجَوابِ ثانِيًا؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِهَذا المَعْنى مِمّا لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ البَتَّةَ. وأيْضًا فالقَوْمُ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ كُلَّ العالَمِ مُلْكٌ لِلَّهِ، ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ بِهَذا المَعْنى كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ

صفحة ١٣٧

تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ في عالَمِ المَخْلُوقاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أرْدَفَهُ بِكَمالِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ فَقالَ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لَمْ يَرْضَ مِن نَفْسِهِ بِأنْ لا يُنْعِمَ ولا بُدَّ أنْ يَعِدَ بِالإنْعامِ، بَلْ أبَدًا يُنْعِمُ وأبَدًا يُعِدُ في المُسْتَقْبَلِ بِالإنْعامِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ ذَلِكَ وأوْجَبَهُ إيجابَ الفَضْلِ والكَرَمِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ …

Al-An'aam 6:12Listen in Qur'an →
13

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ ما قِيلَ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ، إذْ لا مَكانَ سِواهُما، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ؛ وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.

صفحة ١٣٩

وأقُولُ: هَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ، والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الأشْياءُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. وهَذا هو الحَقُّ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ مُمْكِنٌ. والمُمْكِنُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى ذَلِكَ المَوْجُودِ الواجِبِ لِذاتِهِ فَهو مُلْكُهُ ومالِكُهُ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ هَذا السُّكُونِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَ، فَعَلى هَذا، المُرادُ كُلُّ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الدَّوابِّ وجُمْلَةِ الحَيَواناتِ في البَرِّ والبَحْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قالُوا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أرادَ الحَرَّ والبَرْدَ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنا حَذَفَ ذِكْرَ الحَرَكَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا السُّكُونِ ما هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ السُّكُونُ بِمَعْنى الحُلُولِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذا إذا كانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كانَ المُرادُ: ولَهُ كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ما في الوَقْتِ والزَّمانِ سَواءٌ كانَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى وأكْمَلُ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ حَصَلَ في الزَّمانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ انْقَضى الماضِي وسَيَجِيءُ المُسْتَقْبَلُ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وهو الحُدُوثُ، …

Al-An'aam 6:13Listen in Qur'an →
14

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Is it other than Allah I should take as a protector, Creator of the heavens and the earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muhammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allah] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.' "

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ ما قِيلَ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ، إذْ لا مَكانَ سِواهُما، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ؛ وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.

صفحة ١٣٩

وأقُولُ: هَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ، والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الأشْياءُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. وهَذا هو الحَقُّ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ مُمْكِنٌ. والمُمْكِنُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى ذَلِكَ المَوْجُودِ الواجِبِ لِذاتِهِ فَهو مُلْكُهُ ومالِكُهُ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ هَذا السُّكُونِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَ، فَعَلى هَذا، المُرادُ كُلُّ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الدَّوابِّ وجُمْلَةِ الحَيَواناتِ في البَرِّ والبَحْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قالُوا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أرادَ الحَرَّ والبَرْدَ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنا حَذَفَ ذِكْرَ الحَرَكَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا السُّكُونِ ما هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ السُّكُونُ بِمَعْنى الحُلُولِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذا إذا كانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كانَ المُرادُ: ولَهُ كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ما في الوَقْتِ والزَّمانِ سَواءٌ كانَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى وأكْمَلُ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ حَصَلَ في الزَّمانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ انْقَضى الماضِي وسَيَجِيءُ المُسْتَقْبَلُ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وهو الحُدُوثُ، …

Al-An'aam 6:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ ما قِيلَ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ، إذْ لا مَكانَ سِواهُما، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ؛ وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.

صفحة ١٣٩

وأقُولُ: هَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ، والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الأشْياءُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. وهَذا هو الحَقُّ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ مُمْكِنٌ. والمُمْكِنُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى ذَلِكَ المَوْجُودِ الواجِبِ لِذاتِهِ فَهو مُلْكُهُ ومالِكُهُ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ هَذا السُّكُونِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَ، فَعَلى هَذا، المُرادُ كُلُّ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الدَّوابِّ وجُمْلَةِ الحَيَواناتِ في البَرِّ والبَحْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قالُوا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أرادَ الحَرَّ والبَرْدَ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنا حَذَفَ ذِكْرَ الحَرَكَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا السُّكُونِ ما هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ السُّكُونُ بِمَعْنى الحُلُولِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذا إذا كانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كانَ المُرادُ: ولَهُ كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ما في الوَقْتِ والزَّمانِ سَواءٌ كانَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى وأكْمَلُ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ حَصَلَ في الزَّمانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ انْقَضى الماضِي وسَيَجِيءُ المُسْتَقْبَلُ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وهو الحُدُوثُ، …

Al-An'aam 6:15Listen in Qur'an →
16

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ

He from whom it is averted that Day - [Allah] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَصْرِفْ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وفاعِلُ الصَّرْفِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الضَّمِيرُ العائِدُ إلى رَبِّي مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ والتَّقْدِيرُ: مَن يَصْرِفُ هو عَنْهُ يَوْمَئِذٍ العَذابَ.

وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: (فَقَدْ رَحِمَهُ) فَلَمّا كانَ هَذا فِعْلًا مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في تِلْكَ اللَّفْظَةِ الأُخْرى عَلى هَذا الوَجْهِ لِيَتَّفِقَ الفِعْلانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ صَرْفُ العَذابِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْنَدَةً إلى اللَّهِ تَعالى، وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم قَرَأُوا: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والتَّقْدِيرُ: مَن يُصْرَفُ عَنْهُ عَذابُ يَوْمِئِذٍ، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ العَذابَ إلى اليَوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَلِذَلِكَ أضافَ الصَّرْفَ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن يُصْرَفُ عَنْهُ عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ مَصْرُوفًا وذَلِكَ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ، والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيْ كُلُّ مَن صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ رَحِمَهُ. وهَذا إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَ ذَلِكَ الصَّرْفُ واقِعًا عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، أمّا لَوْ كانَ واجِبًا مُسْتَحَقًّا لَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ رَحِمَهُ، ألا تَرى أنَّ الَّذِي يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَضْرِبَ العَبْدَ، فَإذا لَمْ يَضْرِبْهُ لا يُقالُ إنَّهُ رَحِمَهُ. أمّا إذا حَسُنَ مِنهُ أنْ

صفحة ١٤٢

يَضْرِبَهُ ولَمْ يَضْرِبْهُ فَإنَّهُ يُقالُ إنَّهُ رَحِمَهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ عِقابٍ انْصَرَفَ وكُلَّ ثَوابٍ حَصَلَ، فَهو ابْتِداءً فَضْلٌ وإحْسانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُوافِقٌ لِما يُرْوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِنَ النّاسِ أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ. ووَضَعَ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ، وطَوَّلَ بِها صَوْتَهُ»

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعاقَبْ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُصْرَفُ عَنْهُ العِقابُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُثابَ وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ فِيمَن يُصْرَفُ عَنْهُ العِقابُ مِنَ المُكَلَّفِينَ مَن لا يُثابُ، لَكِنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ مَن لَمْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى ويَتَفَضَّلْ عَلَيْهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ المُبِينُ وذَلِكَ يُبْطِلُ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى قَوْلِكم ؟

قُلْنا: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّفَضُّلَ يَكُونُ كالِابْتِداءِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ يَكُونُ ذَلِكَ مَطْلُوبًا مِنَ الفِعْلِ، والفَوْزُ هو الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُفِيدَ أمْرًا مَطْلُوبًا.

والثّانِي: أنَّ الفَوْزَ المُبِينَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى …

Al-An'aam 6:16Listen in Qur'an →
17

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا دَلِيلٌ آخَرُ في بَيانِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الضُّرَّ: اسْمٌ لِلْألَمِ والحُزْنِ والخَوْفِ وما يُفْضِي إلَيْها أوْ إلى أحَدِها. والنَّفْعُ: اسْمٌ لِلَّذَّةِ والسُّرُورِ وما يُفْضِي إلَيْهِما أوْ إلى أحَدِهِما. والخَيْرُ: اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ دَفْعِ الضُّرِّ وبَيْنَ حُصُولِ النَّفْعِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ الحَصْرُ في أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ في الضُّرِّ أوْ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ زَوالَ الضُّرِّ خَيْرٌ، سَواءٌ حَصَلَ فِيهِ اللَّذَّةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ. وإذا ثَبَتَ هَذا الحَصْرُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَضارَّ قَلِيلَها وكَثِيرَها لا يَنْدَفِعُ إلّا بِاللَّهِ، والخَيْراتُ لا يَحْصُلُ قَلِيلُها وكَثِيرُها إلّا بِاللَّهِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَواحِدٌ فَيَكُونُ كُلُّ ما سِواهُ مُمْكِنًا لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ

صفحة ١٤٣

لِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ فَهو إنَّما حَصَلَ بِإيجادِ الحَقِّ وتَكْوِينِهِ فَثَبَتَ أنَّ انْدِفاعَ جَمِيعِ المَضارِّ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ، وحُصُولَ جَمِيعِ الخَيِّراتِ والمَنافِعِ لا يَكُونُ إلّا بِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ البَيِّنِ صِحَّةُ ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ نَرى أنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ المَضارَّ عَنْ نَفْسِهِ بِمالِهِ وبِأعْوانِهِ وأنْصارِهِ، وقَدْ يَحْصُلُ الخَيْرُ لَهُ بِكَسْبِ نَفْسِهِ وبِإعانَةِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في عُمُومِ الآيَةِ. وأيْضًا فَرَأْسُ المَضارِّ هو الكُفْرُ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمْ يَنْدَفِعْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى. ورَأْسُ الخَيْراتِ هو الإيمانُ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الإنْسانُ بِفِعْلِ الكُفْرِ عِقابًا ولا بِفِعْلِ الإيمانِ ثَوابًا. وأيْضًا فَإنّا نَرى أنَّ الإنْسانَ يَنْتَفِعُ بِأكْلِ الدَّواءِ ويَتَضَرَّرُ بِتَناوُلِ السُّمُومِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في ظاهِرِ الآيَةِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ فَإنَّما يَصْدُرُ عَنْهُ إذا دَعاهُ الدّاعِي إلَيْهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهَكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ السُّؤالاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ إمْساسَ الضُّرِّ وإمْساسَ الخَيْرِ، إلّا أنَّهُ مَيَّزَ الأوَّلَ عَنِ الثّانِي بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ إمْساسِ الضُّرِّ عَلى ذِكْرِ إمْساسِ الخَيْرِ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَضارِّ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ عَقِيبَها الخَيْرُ والسَّلامَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ في إمْساسِ الضُّرِّ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ وذَكَرَ في إمْساسِ الخَيْرِ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَذَكَرَ في الخَيْرِ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِإيصالِ الخَيْراتِ غالِبَةٌ عَلى إرادَتِهِ لِإيصالِ المَضارِّ. وهَذِهِ الشُّبُهاتُ بِأسْرِها دالَّةٌ …

Al-An'aam 6:17Listen in Qur'an →
18

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise, the Acquainted [with all].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ صِفاتِ الكَمالِ مَحْصُورَةٌ في القُدْرَةِ والعِلْمِ فَإنْ قالُوا: كَيْفَ أهْمَلْتُمْ وُجُوبَ الوُجُودِ.

قُلْنا: ذَلِكَ عَيْنُ الذّاتِ لا صِفَةً قائِمَةً بِالذّاتِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ القائِمَةَ بِالذّاتِ مُفْتَقِرَةٌ إلى الذّاتِ، والمُفْتَقِرُ إلى الذّاتِ مُفْتَقِرٌ إلى الغَيْرِ؛ فَيَكُونُ مُمْكِنًا لِذاتِهِ واجِبًا بِغَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ وُجُوبٍ قَبْلَ الوُجُوبِ وذَلِكَ مُحالٌ فَثَبَتَ أنَّهُ عَيْنُ الذّاتِ، وثَبَتَ أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي هي الكِمالاتُ حَقِيقَتُها هي القُدْرَةُ والعِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهُ لا مَوْصُوفَ بِكَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا كامِلَ إلّا هو، وكُلُّ مَن سِواهُ فَهو ناقِصٌ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا دَلالَةُ كَوْنِهِ قاهِرًا عَلى القُدْرَةِ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ ما عَدا الحَقِّ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ بِالوُجُودِ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ ولا عَدَمُهُ عَلى وُجُودِهِ إلّا بِتَرْجِيحِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ وإبْداعِهِ؛ فَيَكُونُ في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي قَهَرَ المُمْكِناتِ تارَةً في طَرَفِ تَرْجِيحِ الوُجُودِ عَلى العَدَمِ، وتارَةً في طَرَفِ تَرْجِيحِ العَدَمِ عَلى الوُجُودِ، ويَدْخُلُ في هَذا البابِ كَوْنُهُ قاهِرًا لَهم بِالمَوْتِ والفَقْرِ والإذْلالِ ويَدْخُلُ فِيهِ

صفحة ١٤٤

كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] إلى آخِرِ الآيَةِ. وأمّا كَوْنُهُ حَكِيمًا، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى العِلْمِ؛ لِأنَّ الخَبِيرَ إشارَةٌ إلى العِلْمِ فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى كَوْنِهِ مُحْكَمًا في أفْعالِهِ بِمَعْنى أنَّ أفْعالَهُ تَكُونُ مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً آمِنَةً مِن وُجُوهِ الخَلَلِ والفَسادِ، والخَبِيرُ هو العالِمُ بِالشَّيْءِ المَرْوِيِّ. قالَ الواحِدِيُّ: وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ العالِمُ بِما يَصِحُّ أنْ يُخْبَرَ بِهِ قالَ: والخَبَرُ عِلْمُكَ بِالشَّيْءِ تَقُولُ: لِي بِهِ خَبَرٌ أيْ عِلْمٌ، وأصْلُهُ مِنَ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ العِلْمِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مَوْجُودٌ في الجِهَةِ الَّتِي هي فَوْقَ العالَمِ وهو مَرْدُودٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فَوْقَ العالَمِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ جانِبٌ مِنهُ مِن جانِبٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ ذاهِبًا في الأقْطارِ مُتَمَدِّدًا في الجِهاتِ.

والأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ والحَقارَةِ كالجَوْهَرِ الفَرْدِ فَلَوْ جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلَهُ العالَمِ بَعْضَ الذَّرّاتِ المَخْلُوطَةِ بِالهَباآتِ الواقِعَةِ في كُوَّةِ البَيْتِ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ مُتَبَعِّضًا مُتَجَزِّئًا، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن كُلِّ الجِهاتِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ عَلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ. وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُهُ بِمِقْدارِهِ المُعَيَّنِ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، فَيَكُونُ مُحْدَثًا أوْ يَكُونُ …

Al-An'aam 6:18Listen in Qur'an →
19

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allah is witness between me and you. And this Qur'an was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches. Do you [truly] testify that with Allah there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أكْبَرَ الشَّهاداتِ وأعْظَمَها شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ حاصِلَةٌ إلّا أنَّ الآيَةَ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ حَصَلَتْ في إثْباتِ أيِّ المَطالِبِ، فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ شَهادَةِ اللَّهِ في ثُبُوتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ هَذِهِ الشَّهادَةِ في ثُبُوتِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما وجَدَ اللَّهُ غَيْرَكَ رَسُولًا ! وما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ، وقَدْ سَألْنا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْكَ فَزَعَمُوا أنَّهُ لا ذِكْرَ لَكَ عِنْدَهم بِالنُّبُوَّةِ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ حَتّى يَعْتَرِفُوا بِالنُّبُوَّةِ، فَإنَّ أكْبَرَ الأشْياءِ شَهادَةً هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ فَقُلْ إنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ لِي بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ أوْحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ وهَذا القُرْآنُ مُعْجِزٌ، لِأنَّكم أنْتُمُ الفُصَحاءُ والبُلَغاءُ وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَإذا كانَ مُعْجِزًا، كانَ إظْهارُ اللَّهِ إيّاهُ عَلى وفْقِ دَعْوايَ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ عَلى كَوْنِي صادِقًا في دَعْوايَ. والحاصِلُ: أنَّهم طَلَبُوا شاهِدًا

صفحة ١٤٦

مَقْبُولَ القَوْلِ يَشْهَدُ عَلى نُبُوَّتِهِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أكْبَرَ الأشْياءِ شَهادَةً هو اللَّهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ فَهَذا تَقْرِيرٌ واضِحٌ.

وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ هَذِهِ الشَّهادَةِ في وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.

فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَةٍ، وهي أنّا نَقُولُ: المَطالِبُ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ: مِنها ما يَمْتَنِعُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ السَّمْعِ عَلى صِحَّتِهِ امْتَنَعَ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ، وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ. ومِنها ما يَمْتَنِعُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ وهو كُلُّ شَيْءٍ يَصِحُّ وُجُودُهُ ويَصِحُّ عَدَمُهُ عَقْلًا، فَلا امْتِناعَ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أصْلًا، فالقَطْعُ عَلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِعَيْنِهِ لا يُمْكِنُ إلّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنها ما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ والسَّمْعِ مَعًا، وهو كُلُّ أمْرٍ عَقْلِيٍّ لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِهِ، فَلا جَرَمَ أمْكَنَ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ والبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ والأمْثالِ والأشْباهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ أيْ إنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الواجِبُ، وإنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ باطِلٌ مَرْدُودٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ …

Al-An'aam 6:19Listen in Qur'an →
20

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Those to whom We have given the Scripture recognize it as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا رُوِّينا في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ سَألُوا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْكَرُوا دَلالَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كافِيَةٌ في ثُبُوتِها وتَحَقُّقِها، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ أنّا لا نَعْرِفُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم لِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ قالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ: يا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ فِيكم حِينَ رَأيْتُهُ كَما أعْرِفُ ابْنِي ولَأنا أشَدُّ مَعْرِفَةً بِمُحَمَّدٍ مِنِّي بِابْنِي لِأنِّي لا أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٤٩

واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ عِلْمِهِمْ بِأبْنائِهِمْ، وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: المَكْتُوبُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُجَرَّدُ أنَّهُ سَيَخْرُجُ نَبِيٌّ في آخِرِ الزَّمانِ يَدْعُو الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أوِ المَكْتُوبُ فِيهِ هَذا المَعْنى مَعَ تَعَيُّنِ الزَّمانِ والمَكانِ والنَّسَبِ والصِّفَةِ والحِلْيَةِ والشَّكْلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَذَلِكَ القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: عِلْمُهم بِنُبُوَّتِهِ مِثْلُ عِلْمِهِمْ بِبُنُوَّةِ أبْنائِهِمْ، وإنْ كانَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ اليَهُودِ والنَّصارى عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والكَذِبُ عَلى الجَمْعِ العَظِيمِ لا يَجُوزُ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ما كانا مُشْتَمِلَيْنِ عَلى هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ الكامِلَةِ، لِأنَّ هَذا التَّفْصِيلَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ باقِيًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ حالَ ظُهُورِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ ما بَقِيَتْ هَذِهِ التَّفاصِيلُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في وقْتِ ظُهُورِهِ لِأجْلِ أنَّ التَّحْرِيفَ قَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِما قَبْلَ ذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ إخْفاءَ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ في كِتابٍ وصَلَ إلى أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ مُمْتَنِعٌ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ يَهُودُ ذَلِكَ الزَّمانِ ونَصارى ذَلِكَ الزَّمانِ عالِمِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمَهم بِبُنُوَّةِ أبْنائِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا الكَلامُ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنْ يُقالَ المُرادُ بِـ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، وهم كانُوا أهْلًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وكانُوا قَدْ شاهَدُوا ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَرَفُوا بِواسِطَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن تَشْبِيهِ إحْدى المَعْرِفَتَيْنِ بِالمَعْرِفَةِ الثّانِيَةِ هَذا القَدْرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ …

Al-An'aam 6:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.