Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 111–120 of 165

111

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ وإحْياءِ المَوْتى حَتّى كَلَّمُوهم بَلْ لَوْ زادَ في

صفحة ١٢٣

ذَلِكَ ما لا يَبْلُغُهُ اقْتِراحُهم بِأنْ يَحْشُرَ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «المُسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ كانُوا خَمْسَةً: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والحارِثُ بْنُ حَنْظَلَةَ، ثُمَّ إنَّهم أتَوُا الرَّسُولَ ﷺ في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقالُوا لَهُ: أرِنا المَلائِكَةَ يَشْهَدُوا بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أوِ ابْعَثْ لَنا بَعْضَ مَوْتانا حَتّى نَسْألَهم أحَقٌّ ما تَقُولُهُ أمْ باطِلٌ ؟ أوِ ائْتِنا بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا أيْ كَفِيلًا عَلى ما تَدَّعِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّهم لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دَفْعَةً واحِدَةً كانَ القَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ مُشْكِلًا صَعْبًا، فَأمّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ، وهو أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ جَوابُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم، وهو أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَوْ جاءَتْهم آيَةٌ لَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ بَيانًا لِكَذِبِهِمْ، وأنَّهُ لا فائِدَةَ في إنْزالِ الآياتِ بَعْدَ الآياتِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ بَعْدَ المُعْجِزاتِ، بَلِ المُعْجِزَةُ الواحِدَةُ لا بُدَّ مِنها لِيَتَمَيَّزَ الصّادِقُ عَنِ الكاذِبِ، فَأمّا الزِّيادَةُ عَلَيْها فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وإلّا فَلَهم أنْ يَطْلُبُوا بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ الثّانِيَةِ ثالِثَةً، وبَعْدَ الثّالِثَةِ رابِعَةً، ويَلْزَمُ أنْ لا تَسْتَقِرَّ الحُجَّةُ وأنْ لا يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى مَقْطَعٍ ومَفْصِلٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ سَدَّ بابِ النُّبُوّاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”قِبَلًا“ هاهُنا وفي الكَهْفِ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ فِيهِما في السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو هاهُنا وفي الكَهْفِ بِالكَسْرِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا قِبَلا ومُقابَلَةً وقُبُلًا وقِبِلًا وقَبِيلًا كُلُّهُ واحِدٌ. وهو المُواجَهَةُ.

قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى قَوْلِ أبِي زَيْدٍ المَعْنى في القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ، ومِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَفاوُتًا في المَعْنى، فَقالَ أمّا مَن قَرَأ: ”قِبَلًا“ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَعْناهُ عِيانًا، يُقالُ: لَقِيتُهُ قِبَلًا أيْ مُعايَنَةً، ورُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أكانَ آدَمُ نَبِيًّا ؟ قالَ: ”نَعَمْ كانَ نَبِيًّا كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى قِبَلًا» “ وأمّا مَن قَرَأ ”قُبُلًا“ فَلَهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ جَمْعَ قَبِيلٍ الَّذِي يُرادُ …

Al-An'aam 6:111Listen in Qur'an →
112

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) مَنسُوقٌ عَلى شَيْءٍ، وفي تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ .

الثّانِي: مَعْناهُ: جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا كَما جَعَلْنا لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَهُ أعْداءً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي جَعَلَ أُولَئِكَ الأعْداءَ أعْداءً لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ مَعْصِيَةٌ وكُفْرٌ. فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ خالِقَ الخَيْرِ والشَّرِّ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والإيمانِ والكُفْرِ هو اللَّهُ تَعالى.

أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ المُرادَ بِهَذا الجَعْلِ الحُكْمُ والبَيانُ، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا حَكَمَ بِكُفْرِ إنْسانٍ قِيلَ: إنَّهُ كَفَّرَهُ، وإذا أخْبَرَ عَنْ عَدالَتِهِ، قِيلَ: إنَّهُ عَدَّلَهُ، فَكَذا هاهُنا أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنَهم أعْداءً لَهُ لا جَرَمَ قالَ: إنَّهُ جَعَلَهم أعْداءً لَهُ، وأجابَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ عَنْهُ: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العالَمِينَ وخَصَّهُ بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ حَسَدُوهُ، وصارَ ذَلِكَ الحَسَدُ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ، فَلِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم أعْداءً لَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي:

فَأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهم لِي حُسَّدًا

وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ: بِأنَّهُ تَعالى أمَرَ الأنْبِياءَ بِعَدَواتِهِمْ وأعْلَمَهم كَوْنَهم أعْداءً لَهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ؛ لِأنَّ العَداوَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الجانِبَيْنِ، فَلِهَذا الوَجْهِ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لِما بَيَّنّا أنَّ الأفْعالَ مُسْتَنِدَةٌ إلى الدَّواعِي، وهي حادِثَةٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ مَذْهَبُنا.

ثُمَّ هاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ العَداوَةَ والصَّداقَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَحْصُلَ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ، فَإنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبْلُغُ

صفحة ١٢٦

فِي عَداوَةِ غَيْرِهِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ البَتَّةَ عَلى إزالَةِ تِلْكَ الحالَةِ عَنْ قَلْبِهِ، بَلْ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى إخْفاءِ آثارِ تِلْكَ العَداوَةِ، ولَوْ أتى بِكُلِّ تَكَلُّفٍ وحِيلَةٍ لَعَجِزَ عَنْهُ، ولَوْ كانَ حُصُولُ العَداوَةِ والصَّداقَةِ في القَلْبِ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُتَمَكِّنًا مِن قَلْبِ العَداوَةِ بِالصَّداقَةِ وبِالضِّدِّ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ والشُّعَراءُ عَرَفُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الوُسْعِ ؟ قالَ المُتَنَبِّي:

يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكم ∗∗∗ وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ

والعاشِقُ الَّذِي يَشْتَدُّ عِشْقُهُ قَدْ يَحْتالُ بِجَمِيعِ الحِيَلِ في إزالَةِ عِشْقِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الحُبِّ والبُغْضِ بِاخْتِيارِهِ لَما عَجَزَ عَنْ إزالَتِهِ.

المَسْألَةُ …

Al-An'aam 6:112Listen in Qur'an →
113

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الصَّغْوَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ: المَيْلُ. يُقالُ في المُسْتَمِعِ إذا مالَ بِحاسَّتِهِ إلى ناحِيَةِ الصَّوْتِ أنَّهُ يُصْغِي، ويُقالُ: أصْغى الإناءَ إذا أمالَهُ حَتّى انْصَبَّ بَعْضُهُ في البَعْضِ، ويُقالُ لِلْقَمَرِ إذا مالَ إلى الغُرُوبِ صَغا وأصْغى. فَقَوْلُهُ: (ولِتَصْغى) أيْ ولِتَمِيلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ”ولِتَصْغى“ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ. فَقالَ أصْحابُنا: التَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، ومِن صِفَتِهِ أنَّهُ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أيْ وإنَّما أوْجَدْنا العَداوَةَ، في قَلْبِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ ما ذَكَرْناهُ لِيَكُونَ كَلامُهُمُ المُزَخْرَفُ مَقْبُولًا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، قالُوا: وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ يُظْهِرُ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ أمّا المُعْتَزِلَةُ، فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ ومَعْناهُ الزَّجْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ﴾ [الإسراء: ٦٤] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ثُمَّ قالَ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَتُهم ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو الَّذِي اخْتارَهُ الكَعْبِيُّ أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ أيْ سَتَؤُولُ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ إلى هَذِهِ الأحْوالِ.

قالَ القاضِي: ويَبْعُدُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ العاقِبَةُ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الإلْجاءَ حاصِلٌ في الآخِرَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تَمِيلَ قُلُوبُ الكُفّارِ إلى قَبُولِ المَذْهَبِ الباطِلِ، ولا أنْ يَرْضَوْهُ ولا أنْ يَقْتَرِفُوا الذَّنْبَ، بَلْ يَجِبُ أنْ تُحْمَلَ عَلى أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ تَؤُولُ إلى أنْ يَقْبَلُوا الأباطِيلَ، ويَرْضَوْا بِها ويَعْمَلُوا بِها.

صفحة ١٢٩

والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، قالَ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّ بَعْضَهم يُوحِي إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيُغْرَوْا بِذَلِكَ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا﴾ الذُّنُوبَ، ويَكُونُ المُرادُ أنَّ مَقْصُودَ الشَّياطِينِ مِن ذَلِكَ الإيحاءِ هو مَجْمُوعُ هَذِهِ المَعانِي. فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ في هَذا البابِ.

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الجُبّائِيُّ فَضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ ذَكَرَها القاضِي:

فَأحَدُها: أنَّ ”الواوَ“ في قَوْلِهِ: (ولِتَصْغى) تَقْتَضِي تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ، فَحَمْلُهُ عَلى الِابْتِداءِ بِعِيدٌ.

وثانِيها: أنَّ ”اللّامَ“ في قَوْلِهِ: (ولِتَصْغى) لامُ كَيْ فَيَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها لامُ الأمْرِ، ويَقْرُبُ ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْرِيفًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

وأمّا الوَجْهُ …

Al-An'aam 6:113Listen in Qur'an →
114

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِها، أجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ تِلْكَ الآياتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَها لَبَقَوْا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى نُبُوَّتِهِ قَدْ حَصَلَ وكَمُلَ، فَكانَ ما يَطْلُبُونَهُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى نُبُوَّتِهِ قَدْ حَصَلَ لِوَجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بِنُبُوَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أنْزَلَ إلَيْهِ الكِتابَ المُفَصَّلَ المُبينَ المُشْتَمِلَ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَصاحَةِ الكامِلَةِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ. فَظُهُورُ مِثْلِ هَذا المُعْجِزِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ بِنُبُوَّتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ يَعْنِي قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّكم تَتَحَكَّمُونَ في طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يُطْلَبَ غَيْرُ اللَّهِ حَكَمًا ؟ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. ثُمَّ قُلْ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِي حَيْثُ خَصَّنِي بِمِثْلِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ الكامِلِ البالِغِ إلى حَدِّ الإعْجازِ.

والوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ؛ اشْتِمالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولٌ حَقٌّ، وعَلى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ وبِالجُمْلَةِ فالوَجْهانِ مَذْكُورانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٤١] .

والثّانِي: التَّقْدِيرُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ.

والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فَلا تَكُونَنَّ) خِطابًا لِكُلِّ واحِدٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتِ الدَّلائِلُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَمْتَرِيَ فِيها أحَدٌ.

الرّابِعُ: قِيلَ هَذا الخِطابُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلرَّسُولِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ أُمَّتُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ (مُنَزَّلٌ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والفَرْقُ بَيْنَ التَّنْزِيلِ والإنْزالِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا.

صفحة ١٣١

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ الحَكَمُ والحاكِمُ واحِدٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ التَّأْوِيلِ قالَ: الحَكَمُ أكْمَلُ مِنَ الحاكِمِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ كُلُّ مَن يَحْكُمُ. وأمّا الحَكَمُ …

Al-An'aam 6:114Listen in Qur'an →
115

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

قُوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ، والباقُونَ (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ، قالَ أهْلُ المَعانِي: الكَلِمَةُ والكَلِماتُ، مَعْناهُما ما جاءَ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وثَوابٍ وعِقابٍ، فَلا تَبْدِيلَ فِيهِ ولا تَغْيِيرَ لَهُ كَما قالَ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] فَمَن قَرَأ ”كَلِماتُ“ بِالجَمْعِ قالَ: لِأنَّ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَوَجَبَ أنْ يُجْمَعَ في اللَّفْظِ، ومَن قَرَأ عَلى الوَحْدَةِ فَلِأنَّهم قالُوا: الكَلِمَةُ قَدْ يُرادُ بِها الكَلِماتُ الكَثِيرَةُ إذا كانَتْ مَضْبُوطَةً بِضابِطٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِمْ: قالَ زُهَيْرٌ في كَلِمَتِهِ: يَعْنِي قَصِيدَتَهُ، وقالَ قُسٌّ في كَلِمَتِهِ، أيْ خُطْبَتِهِ، فَكَذَلِكَ مَجْمُوعُ القُرْآنِ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ في كَوْنِهِ حَقًّا وصِدْقًا ومُعْجِزًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ القُرْآنُ أيْ تَمَّ القُرْآنُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا دالًّا عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ أيْ تَمَّتْ تَمامًا صِدْقًا وعَدْلًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مَصْدَرانِ يُنْصَبانِ عَلى الحالِ مِنَ الكَلِمَةِ تَقْدِيرُهُ: صادِقَةً عادِلَةً، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ تَعالى مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ.

فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها تامَّةً وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا التَّمامِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّها كافِيَةٌ وافِيَةٌ بِكَوْنِها مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والثّانِي: أنَّها كافِيَةٌ في بَيانِ ما يَحْتاجُ المُكَلَّفُونَ إلَيْهِ إلى قِيامِ القِيامَةِ عَمَلًا وعِلْمًا.

والثّالِثُ: أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي حَصَلَ في الأزَلِ، ولا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَصَلَ في الأزَلِ هو التَّمامُ، والزِّيادَةُ عَلَيْهِ مُمْتَنِعَةٌ، وهَذا الوَجْهُ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِن صِفاتِ كَلِمَةِ اللَّهِ كَوْنُها صِدْقًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الكَذِبَ نَقْصٌ والنَّقْصُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، ولا يَجُوزُ إثْباتُ أنَّ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَلَوْ أثْبَتْنا امْتِناعَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ. واعْلَمْ

صفحة ١٣٢

أنَّ هَذا الكَلامَ كَما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْفَ في وعْدِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْفَ في وعِيدِهِ مُحالٌ بِخِلافِ ما قالَهُ الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ أنَّ الخُلْفَ في وعِيدِ اللَّهِ جائِزٌ، وذَلِكَ لِأنَّ وعْدَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ يَجِبُ كَوْنُها مَوْصُوفَةً …

Al-An'aam 6:115Listen in Qur'an →
116

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allah. They follow not except assumption, and they are not but falsifying.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ الكُفّارِ ثُمَّ بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ وظُهُورِ الحُجَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلى كَلِماتِ الجُهّالِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتَشَوَّشَ بِسَبَبِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ كانُوا ضُلّالًا؛ لِأنَّ الإضْلالَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالضَّلالِ. واعْلَمْ أنَّ حُصُولَ هَذا الضَّلالِ والإضْلالِ لا يَخْرُجُ عَنْ أحَدِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

أوَّلُها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَإنَّ الحَقَّ فِيها واحِدٌ، وأمّا الباطِلُ فَفِيهِ كَثْرَةٌ، ومِنها القَوْلُ بِالشِّرْكِ أمّا كَما تَقُولُهُ الزَّنادِقَةُ وهو الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وإمّا كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الكَواكِبِ. وإمّا كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.

وثانِيها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ. إمّا كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا أوْ كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ النَّشْرَ. أوْ كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ويَدْخُلُ في هَذا البابِ المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالمَعادِ.

وثالِثُها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالأحْكامِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ والوَصائِلَ ويُحَلِّلُونَ المَيْتَةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الحُكْمِ عَلى الباطِلِ بِأنَّهُ حَقٌّ، وعَلى الحَقِّ بِأنَّهُ باطِلٌ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ عَنِ الطَّرِيقِ والمَنهَجِ الصِّدْقِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُنازِعُونَكَ في دِينِكَ ومَذْهَبِكَ غَيْرُ قاطِعِينَ بِصِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ، بَلْ لا يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وهم خَرّاصُونَ كَذّابُونَ في ادِّعاءِ القَطْعِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ الظَّنِّ رُجُوعُهم في إثْباتِ مَذاهِبِهِمْ إلى تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ لا إلى تَعْلِيلٍ أصْلًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَقالُوا: رَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ الكُفّارِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلظَّنِّ، والشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مُوجِبًا لِذَمِّ الكُفّارِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في أقْصى مَراتِبِ الذَّمِّ، والعَمَلُ بِالقِياسِ يُوجِبُ اتِّباعَ الظَّنِّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَذْمُومًا مُحَرَّمًا، لا يُقالُ: لَمّا ورَدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً كانَ العَمَلُ بِهِ عَمَلًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ لا بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القاطِعَ إمّا أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَمْعِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ العَقْلَ لا مَجالَ لَهُ

صفحة ١٣٤

فِي أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ جائِزٌ أوْ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما عِنْدَ مَن يُنْكِرُ تَحْسِينَ …

Al-An'aam 6:116Listen in Qur'an →
117

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ الكُفّارِ ثُمَّ بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ وظُهُورِ الحُجَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلى كَلِماتِ الجُهّالِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتَشَوَّشَ بِسَبَبِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ كانُوا ضُلّالًا؛ لِأنَّ الإضْلالَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالضَّلالِ. واعْلَمْ أنَّ حُصُولَ هَذا الضَّلالِ والإضْلالِ لا يَخْرُجُ عَنْ أحَدِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

أوَّلُها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَإنَّ الحَقَّ فِيها واحِدٌ، وأمّا الباطِلُ فَفِيهِ كَثْرَةٌ، ومِنها القَوْلُ بِالشِّرْكِ أمّا كَما تَقُولُهُ الزَّنادِقَةُ وهو الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وإمّا كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الكَواكِبِ. وإمّا كَما يَقُولُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.

وثانِيها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ. إمّا كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا أوْ كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ النَّشْرَ. أوْ كَما يَقُولُهُ مَن يُنْكِرُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ويَدْخُلُ في هَذا البابِ المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالمَعادِ.

وثالِثُها: المَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالأحْكامِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ والوَصائِلَ ويُحَلِّلُونَ المَيْتَةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الحُكْمِ عَلى الباطِلِ بِأنَّهُ حَقٌّ، وعَلى الحَقِّ بِأنَّهُ باطِلٌ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ عَنِ الطَّرِيقِ والمَنهَجِ الصِّدْقِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُنازِعُونَكَ في دِينِكَ ومَذْهَبِكَ غَيْرُ قاطِعِينَ بِصِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ، بَلْ لا يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وهم خَرّاصُونَ كَذّابُونَ في ادِّعاءِ القَطْعِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ الظَّنِّ رُجُوعُهم في إثْباتِ مَذاهِبِهِمْ إلى تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ لا إلى تَعْلِيلٍ أصْلًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَقالُوا: رَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ الكُفّارِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلظَّنِّ، والشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مُوجِبًا لِذَمِّ الكُفّارِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في أقْصى مَراتِبِ الذَّمِّ، والعَمَلُ بِالقِياسِ يُوجِبُ اتِّباعَ الظَّنِّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَذْمُومًا مُحَرَّمًا، لا يُقالُ: لَمّا ورَدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً كانَ العَمَلُ بِهِ عَمَلًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ لا بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القاطِعَ إمّا أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَمْعِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ العَقْلَ لا مَجالَ لَهُ

صفحة ١٣٤

فِي أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ جائِزٌ أوْ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما عِنْدَ مَن يُنْكِرُ تَحْسِينَ …

Al-An'aam 6:117Listen in Qur'an →
118

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ

So eat of that [meat] upon which the name of Allah has been mentioned, if you are believers in His verses.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَباحِثُ نَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.

صفحة ١٣٥

السُّؤالُ الأوَّلُ: ”الفاءُ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَقْتَضِي تَعَلُّقًا بِما تَقَدَّمَ، فَما ذَلِكَ الشَّيْءُ ؟

والجَوابُ: قَوْلُهُ: (فَكُلُوا) مُسَبَّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحَلِّلُونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تَعْبُدُونَ اللَّهَ فَما قَتَلَهُ اللَّهُ أحَقُّ أنْ تَأْكُلُوهُ مِمّا قَتَلْتُمُوهُ أنْتُمْ. فَقالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: إنْ كُنْتُمْ مُتَحَقِّقِينَ بِالإيمانِ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو المُذَكّى بِبَسْمِ اللَّهِ.

السُّؤالُ الثّانِي: القَوْمُ كانُوا يُبِيحُونَ أكْلَ ما ذُبِحَ عَلى اسْمِ اللَّهِ ولا يُنازِعُونَ فِيهِ، وإنَّما النِّزاعُ في أنَّهم أيْضًا كانُوا يُبِيحُونَ أكْلَ المَيْتَةِ، والمُسْلِمُونَ كانُوا يُحَرِّمُونَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ وُرُودُ الأمْرِ بِإباحَةِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَبَثًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي إثْباتَ الحُكْمِ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ وتَرْكَ الحُكْمِ في المُخْتَلَفِ فِيهِ.

والجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا يُحَرِّمُونَ أكْلَ المُذَكّاةِ ويُبِيحُونَ أكْلَ المَيْتَةِ، فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ، فَحَكَمَ بِحِلِّ المُذَكّاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وبِتَحْرِيمِ المَيْتَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .

الثّانِي: أنْ نَحْمِلَ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ اجْعَلُوا أكْلَكم مَقْصُورًا عَلى ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ تَحْرِيمَ أكْلِ المَيْتَةِ فَقَطْ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ صِيغَةُ الأمْرِ، وهي لِلْإباحَةِ. وهَذِهِ الإباحَةُ حاصِلَةٌ في حَقِّ المُؤْمِنِ وغَيْرِ المُؤْمِنِ، وكَلِمَةُ ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ تُفِيدُ الِاشْتِراطَ.

والجَوابُ: التَّقْدِيرُ لِيَكُنْ أكْلُكم مَقْصُورًا عَلى ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ والمُرادُ أنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِإباحَةِ أكْلِ المَيْتَةِ لَقَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُؤْمِنًا.

Al-An'aam 6:118Listen in Qur'an →
119

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ

And why should you not eat of that upon which the name of Allah has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled. And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِالفَتْحِ في الحَرْفَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالضَّمِّ في الحَرْفَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَصَّلَ“ بِالفَتْحِ و”وحُرِّمَ“ بِالضَّمِّ، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ في الحَرْفَيْنِ فَقَدِ احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَمَسَّكَ في فَتْحِ قَوْلِهِ: ”فَصَّلَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ وفي فَتْحِ قَوْلِهِ: ”حَرَّمَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] .

والوَجْهُ الثّانِي: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ

صفحة ١٣٦

الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الفاعِلِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالضَّمِّ في الحَرْفَيْنِ، فَحُجَّتُهم قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ وقَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ) تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا وجَبَ في التَّفْصِيلِ أنْ يُقالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ بِفِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وجَبَ في الإجْمالِ كَذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا ثَبَتَ وُجُوبُ ”حُرِّمَ“ بِضَمِّ الحاءِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ ”فُصِّلَ“ بِضَمِّ الفاءِ؛ لِأنَّ هَذا المُفَصَّلَ هو ذَلِكَ المُحَرَّمُ المُجْمَلُ بِعَيْنِهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ وقَوْلُهُ: ”مُفَصَّلًا“ يَدُلُّ عَلى ”فَصَّلَ“ . وأمّا مَن قَرَأ ”فَصَّلَ“ بِالفَتْحِ وحُرِّمَ بِالضَّمِّ فَحُجَّتُهُ في قَوْلِهِ: ”فَصَّلَ“ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ”حُرِّمَ“ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ: وهو أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ وسُورَةَ المائِدَةِ مَدَنِيَّةٌ، وهي آخِرُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِالمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: (وقَدْ فَصَّلَ) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُفَصَّلُ مُقَدَّمًا عَلى هَذا المُجْمَلِ، والمَدَنِيُّ مُتَأخِّرٌ عَنِ المَكِّيِّ، والمُتَأخِّرُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُتَقَدِّمًا. بَلِ الأوْلى أنْ يُقالَ: المُرادُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مَذْكُورَةً بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَلِيلٍ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ التَّأْخِيرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”لَيَضِلُّونِ“ بِفَتْحِ الياءِ وكَذَلِكَ في يُونُسَ ”رَبَّنا لِيَضِلُّوا“ وفي إبْراهِيمَ ”لِيَضِلُّوا“ وفي الحَجِّ ”ثانِيَ عِطْفِهِ لِيَضِلَّ“ وفي لُقْمانَ ”لَهْوَ …

Al-An'aam 6:119Listen in Qur'an →
120

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ

And leave what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ فَصَّلَ المُحَرَّماتِ أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ تَرْكَها بِالكُلِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ والمُرادُ مِنَ الإثْمِ ما يُوجِبُ الإثْمَ، وذَكَرُوا في ظاهِرِ الإثْمِ وباطِنِهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ﴾ الإعْلانُ بِالزِّنا (وباطِنَهُ) الِاسْتِسْرارُ بِهِ. قالَ الضَّحّاكُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الزِّنا حَلالًا ما كانَ سِرًّا، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ السِّرَّ مِنهُ والعَلانِيَةَ.

الثّانِي: أنَّ هَذا النَّهْيَ عامٌّ في جَمِيعِ المُحَرَّماتِ وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ العامِّ بِصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ غَيْرُ جائِزٍ، ثُمَّ قِيلَ: المُرادُ ما أعْلَنْتُمْ وما أسْرَرْتُمْ، وقِيلَ: ما عَمِلْتُمْ وما نَوَيْتُمْ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ وذَرُوا الإثْمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ كَما تَقُولُ: ما أخَذْتُ مِن هَذا المالِ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، تُرِيدُ ما أخَذْتُ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الإثْمِ مَعَ بَيانِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ مِن كَوْنِهِ إثْمًا بِسَبَبِ إخْفائِهِ وكِتْمانِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ النَّهْيُ عَنِ الإقْدامِ عَلى الإثْمِ، ثُمَّ قالَ: (وباطِنَهُ) لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ أنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى تَرْكِ ذَلِكَ الإثْمِ خَوْفُ اللَّهِ لا خَوْفُ النّاسِ. وقالَ آخَرُونَ: ﴿ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أفْعالُ الجَوارِحِ (وباطِنَهُ) أفْعالُ القُلُوبِ مِنَ الكِبْرِ والحَسَدِ والعُجْبِ وإرادَةِ السَّوْءِ لِلْمُسْلِمِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ الِاعْتِقادُ والعَزْمُ والنَّظَرُ والظَّنُّ والتَّمَنِّي واللَّوْمُ عَلى الخَيْراتِ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَسادُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما يُوجَدُ في القَلْبِ لا يُؤاخَذُ بِهِ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَمَلٌ فَإنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ ومَعْنى الِاقْتِرافِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُعاقَبَ المُذْنِبُ، إلّا أنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ إذا تابَ لَمْ يُعاقَبْ، وأصْحابُنا زادُوا شَرْطًا ثانِيًا، وهو أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِ فَيَتْرُكُ عِقابَهُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .

Al-An'aam 6:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.