Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

صفحة ١١٧

(سُورَةُ الأنْعامِ)

مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ: ٢٠ و٢٣ و٩١ و٩٣ و١١٤ و١٤١ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها ١٦٥ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحِجْرِ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّها مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، فامْتَلَأ مِنها الوادِي، وشَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فَمَلَأُوا ما بَيْنَ الأخْشَبَيْنِ، فَدَعا الرَّسُولُ ﷺ الكُتّابَ وكَتَبُوها مِن لَيْلَتِهِمْ، إلّا سِتَّ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيّاتٌ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٥١] إلى آخِرِ الآياتِ الثَّلاثِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٩١] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنْعامِ: ٢١] وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما نَزَلَ عَلَيَّ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ جُمْلَةً غَيْرَ سُورَةِ الأنْعامِ، وما اجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ لِسُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ جَمْعَها لَها، وقَدْ بُعِثَ بِها إلَيَّ مَعَ جِبْرِيلَ مَعَ خَمْسِينَ مَلَكًا (أوْ: خَمْسِينَ ألْفَ مَلَكٍ) يَزُفُّونَها ويَحُفُّونَها حَتّى أقَرُّوها في صَدْرِي كَما أُقِرَّ الماءُ في الحَوْضِ، ولَقَدْ أعَزَّنِي اللَّهُ وإيّاكم بِها عِزًّا لا يُذِلُّنا بَعْدَهُ أبَدًا، فِيها دَحْضُ حُجَجِ المُشْرِكِينَ ووَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لا يُخْلِفُهُ» “ وعَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ“» .

قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ السُّورَةُ اخْتُصَّتْ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الفَضِيلَةِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً.

والثّانِي: أنَّها شَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وإبْطالِ مَذاهِبِ المُبْطِلِينَ والمُلْحِدِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَ الأُصُولِ في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وأيْضًا فَإنْزالُ ما يَدُلُّ عَلى الأحْكامِ قَدْ تَكُونُ المَصْلَحَةُ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْرَ حاجَتِهِمْ، وبِحَسَبِ الحَوادِثِ والنَّوازِلِ. وأمّا ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِ الأُصُولِ فَقَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الأُصُولِ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَّراخِي.

* *

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَ تِلْكَ الفَوائِدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الفَرْقِ بَيْنَ المَدْحِ والحَمْدِ والشُّكْرِ.

اعْلَمْ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ، والحَمْدَ أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ.

أمّا بَيانُ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ فَلِأنَّ المَدْحَ يَحْصُلُ لِلْعاقِلِ ولِغَيْرِ العاقِلِ، ألا تَرى أنَّهُ كَما يَحْسُنُ مَدْحُ الرَّجُلِ العاقِلِ عَلى أنْواعِ فَضائِلِهِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يُمْدَحُ اللُّؤْلُؤُ لِحُسْنِ شَكْلِهِ ولَطافَةِ خِلْقَتِهِ، ويُمْدَحُ الياقُوتُ عَلى نِهايَةِ صَفائِهِ وصَقالَتِهِ، فَيُقالُ: ما أحْسَنَهُ وما أصْفاهُ!، وأمّا الحَمْدُ: فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْفاعِلِ المُخْتارِ عَلى ما يَصْدُرُ مِنهُ مِنَ الإنْعامِ والإحْسانِ، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.

وأمّا بَيانُ أنَّ الحَمْدَ أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، فَلِأنَّ …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إثْباتِ الصّانِعِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ وصِحَّةِ الحَشْرِ.

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ وتَعاقُبِ الظُّلُماتِ والنُّورِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ أتْبَعَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم مِن آدَمَ وآدَمُ كانَ مَخْلُوقًا مِن طِينٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، وهُما يَتَوالَدانِ مِنَ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، فَإنْ كانَتْ حَيَوانِيَّةً كانَ الحالُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الإنْسانِ، فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ نَباتِيَّةً فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ الأغْذِيَةِ النَّباتِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الطِّينِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الطِّينِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أقْرَبُ إلى الصَّوابِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هُنا الطِّينُ قَدْ تَوَلَّدَتِ النُّطْفَةُ مِنهُ بِهَذا الطَّرِيقِ المَذْكُورِ، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنَ النُّطْفَةِ أنْواعُ الأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ في الصِّفَةِ والصُّورَةِ واللَّوْنِ والشَّكْلِ مِثْلَ القَلْبِ والدِّماغِ والكَبِدِ، وأنْواعُ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ كالعِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ وغَيْرِها، وتَوَلُّدُ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ في المادَّةِ المُتَشابِهَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ، ومُدَبِّرٍ رَحِيمٍ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.

صفحة ١٢٧

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ أمْرِ المَعادِ، فَنَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ تَخْلِيقَ بَدَنِ الإنْسانِ إنَّما حَصَلَ لِأنَّ الفاعِلَ الحَكِيمَ والمُقَدِّرَ الرَّحِيمَ رَتَّبَ خِلْقَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ بِحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وتِلْكَ القُدْرَةُ والحِكْمَةُ باقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الحَيَوانِ فَيَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَتِها وإعادَةِ الحَياةِ فِيها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: لَفْظُ القَضاءِ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الحُكْمِ والأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وبِمَعْنى الخَبَرِ والإعْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤]، وبِمَعْنى صِفَةِ الفِعْلِ إذا تَمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] ومِنهُ قَوْلُهم: قَضى فُلانٌ حاجَةَ فُلانٍ، وأمّا الأجَلُ فَهو في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَضْرُوبِ لِانْقِضاءِ الأمَدِ، وأجَلُ الإنْسانِ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ عُمُرِهِ، وأجَلُ الدَّيْنِ مَحِلُّهُ لِانْقِضاءِ التَّأْخِيرِ فِيهِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّأْخِيرِ يُقالُ: أجِلَ الشَّيْءُ يَأْجَلُ أجُولًا، وهو آجِلٌ إذا تَأخَّرَ، والآجِلُ نَقِيضُ العاجِلِ.

إذا …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾

واعْلَمْ أنّا إنْ قُلْنا: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ المُخْتارِ.

قُلْنا: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّ الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ يَدُلّانِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ، وحِينَئِذٍ يَكْمُلُ العِلْمُ بِالصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في حُصُولِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ قُلْنا: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْمِيلُ ذَلِكَ البَيانِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ مُنْكِرِي المَعادِ إنَّما أنْكَرُوهُ لِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في حُدُوثِ بَدَنِ الإنْسانِ هو امْتِزاجُ الطَّبائِعِ، ويُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ فِيهِ قادِرًا مُخْتارًا.

والثّانِي: أنَّهم يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ إلّا أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ فَلا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ المُطِيعِ مِنَ العاصِي، ولا تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ زَيْدٍ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ بِالآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا ومُخْتارًا لا عِلَّةً مُوجِبَةً، وأثْبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ جَمِيعُ الشُّبُهاتِ الَّتِي عَلَيْها مَدارُ القَوْلِ بِإنْكارِ المَعادِ وصِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في نَظْمِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ مُسْتَقِرٌّ في السَّماءِ، قالُوا: ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ﴾ [الملك: ١٦] قالُوا: ولا يَلْزَمُنا أنْ يُقالَ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في الأرْضِ لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَهُ تَعالى في المَكانَيْنِ مَعًا وهو مُحالٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الأرْضِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ العَمَلِ بِأحَدِ الظّاهِرَيْنَ تَرْكُ العَمَلِ بِالظّاهِرِ الآخَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ عَلى ذَلِكَ الظّاهِرِ، ولِأنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن وقَفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: ﴿وفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ سَرائِرَكُمُ المَوْجُودَةَ في الأرْضِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (في الأرْضِ) صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿سِرَّكُمْ﴾ هَذا تَمامُ الكَلامِ.

واعْلَمْ أنّا نُقِيمُ الدَّلالَةَ أوَّلًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ

صفحة ١٢٩

ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومَمْلُوكٌ لَهُ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ أحَدَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في السَّماواتِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما …

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا فِيما يُقَرِّرُ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ وبَدَأ فِيهِ بِأنْ بَيَّنَ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُعْرِضِينَ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْها وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، والتَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ واجِبٌ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّ اللَّهُ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّلائِلِ.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ في النَّفْيِ كَقَوْلِكَ: ما أتانِي مِن أحَدٍ.

والثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: وما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاعْتِبارُ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والتَّفَكُّرِ في البَيِّناتِ.

والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِها وهَذِهِ المَرْتَبَةُ أزْيَدُ مِمّا قَبْلَها؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ مُكَذِّبًا بِهِ، بَلْ يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ، فَإذا صارَ مُكَذِّبًا بِهِ فَقَدْ زادَ عَلى الإعْراضِ.

والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم مُسْتَهْزِئِينَ بِها؛ لِأنَّ المُكَذِّبَ بِالشَّيْءِ قَدْ لا يَبْلُغُ تَكْذِيبُهُ بِهِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، فَإذا بَلَغَ إلى هَذا الحَدِّ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الإنْكارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ وصَلُوا إلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالحَقِّ، فَقِيلَ: إنَّهُ المُعْجِزاتُ؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: انْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ وانْفَلَقَ فِلْقَتَيْنِ فَذَهَبَتْ فِلْقَةٌ وبَقِيَتْ فِلْقَةٌ، وقِيلَ إنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: إنَّهُ الشَّرْعُ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والأحْكامُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ وقِيلَ: إنَّهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ الَّذِي يُرَغِّبُهم بِهِ تارَةً ويُحَذِّرُهم بِسَبَبِهِ أُخْرى، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ.

صفحة ١٣١

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْباءِ لا نَفْسَ الأنْباءِ بَلِ العَذابُ الَّذِي أنْبَأ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [القصص: ٨٨]، والحَكِيمُ إذا تَوَعَّدَ فَرُبَّما قالَ: سَتَعْرِفُ نَبَأ هَذا الأمْرِ إذْ نَزَلَ بِكَ ما تَحْذَرُهُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بِالخَبَرِ الَّذِي هو الوَعِيدُ حُصُولُ العِلْمِ بِالعِقابِ الَّذِي يَنْزِلُ، فَنَفْسُ العِقابِ إذا نَزَلَ يُحَقِّقُ ذَلِكَ الخَبَرَ، حَتّى تَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، ثُمَّ المُرادُ مِن هَذا العَذابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا فِيما يُقَرِّرُ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ وبَدَأ فِيهِ بِأنْ بَيَّنَ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُعْرِضِينَ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْها وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، والتَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ واجِبٌ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّ اللَّهُ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّلائِلِ.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ في النَّفْيِ كَقَوْلِكَ: ما أتانِي مِن أحَدٍ.

والثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: وما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاعْتِبارُ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والتَّفَكُّرِ في البَيِّناتِ.

والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِها وهَذِهِ المَرْتَبَةُ أزْيَدُ مِمّا قَبْلَها؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ مُكَذِّبًا بِهِ، بَلْ يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ، فَإذا صارَ مُكَذِّبًا بِهِ فَقَدْ زادَ عَلى الإعْراضِ.

والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم مُسْتَهْزِئِينَ بِها؛ لِأنَّ المُكَذِّبَ بِالشَّيْءِ قَدْ لا يَبْلُغُ تَكْذِيبُهُ بِهِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، فَإذا بَلَغَ إلى هَذا الحَدِّ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الإنْكارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ وصَلُوا إلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالحَقِّ، فَقِيلَ: إنَّهُ المُعْجِزاتُ؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: انْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ وانْفَلَقَ فِلْقَتَيْنِ فَذَهَبَتْ فِلْقَةٌ وبَقِيَتْ فِلْقَةٌ، وقِيلَ إنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: إنَّهُ الشَّرْعُ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والأحْكامُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ وقِيلَ: إنَّهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ الَّذِي يُرَغِّبُهم بِهِ تارَةً ويُحَذِّرُهم بِسَبَبِهِ أُخْرى، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ.

صفحة ١٣١

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْباءِ لا نَفْسَ الأنْباءِ بَلِ العَذابُ الَّذِي أنْبَأ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [القصص: ٨٨]، والحَكِيمُ إذا تَوَعَّدَ فَرُبَّما قالَ: سَتَعْرِفُ نَبَأ هَذا الأمْرِ إذْ نَزَلَ بِكَ ما تَحْذَرُهُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بِالخَبَرِ الَّذِي هو الوَعِيدُ حُصُولُ العِلْمِ بِالعِقابِ الَّذِي يَنْزِلُ، فَنَفْسُ العِقابِ إذا نَزَلَ يُحَقِّقُ ذَلِكَ الخَبَرَ، حَتّى تَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، ثُمَّ المُرادُ مِن هَذا العَذابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ في هَذا البابِ فَوَعَظَهم بِسائِرِ القُرُونِ الماضِيَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ما القَرْنُ ؟ قُلْنا: قالَ الواحِدِيُّ: القَرْنُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ مِنَ الدَّهْرِ فالمُدَّةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها قَوْمٌ ثُمَّ يَفْتَرِقُونَ بِالمَوْتِ فَهي قَرْنٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهم أقْوامٌ آخَرُونَ اقْتَرَنُوا فَهم قَرْنٌ آخَرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» واشْتِقاقُهُ مِنَ الأقْرانِ، ولَمّا كانَ أعْمارُ النّاسِ في الأكْثَرِ السِّتِّينَ والسَّبْعِينَ والثَّمانِينَ لا جَرَمَ قالَ بَعْضُهم: القَرْنُ هو السِّتُّونَ، وقالَ آخَرُونَ: هو السَّبْعُونَ، وقالَ قَوْمٌ: هو الثَّمانُونَ والأقْرَبُ أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ لا يَقَعُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ، بَلِ المُرادُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ فَإذا انْقَضى مِنهُمُ الأكْثَرُ قِيلَ: قَدِ انْقَضى القَرْنُ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرُونَ الماضِيَةَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا ونَحْوَهُ في أرْضٍ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧]، وأمّا مَكَّنْتُهُ في الأرْضِ، فَمَعْناهُ أثْبَتُّهُ فِيها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ولِتَقارُبِ المَعْنَيَيْنِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ والمَعْنى: لَمْ نُعْطِ أهْلَ مَكَّةَ مِثْلَ ما أعْطَيْنا عادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والسَّعَةِ في الأمْوالِ والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ الغَيْثَ والمَطَرَ، فالسَّماءُ مَعْناهُ المَطَرُ هَهُنا، والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرِّ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَّ اللَّبَنُ إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ مِنهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ فالمِدْرارُ يَصْلُحُ أنْ

صفحة ١٣٢

يَكُونَ مِن نَعْتِ السَّحابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَعْتِ المَطَرِ يُقالُ: سَحابٌ مِدْرارٌ إذا تَتابَعَ أمْطارُهُ، ومِفْعالٌ يَجِيءُ في نَعْتٍ يُرادُ المُبالَغَةُ فِيهِ، قالَ مُقاتِلٌ: (مِدْرارًا) مُتَتابِعًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ويَسْتَوِي في المِدْرارِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ كَثْرَةُ البَساتِينِ.

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الأوْصافِ أنَّهم وجَدُوا مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أكْثَرَ مِمّا وجَدَهُ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ مَزِيدِ العِزِّ في الدُّنْيا بِهَذِهِ الوُجُوهِ، ومَعَ كَثْرَةِ العَدَدِ والبَسْطَةِ في المالِ والجِسْمِ جَرى عَلَيْهِمْ عِنْدَ الكُفْرِ ما سَمِعْتُمْ، وهَذا المَعْنى …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ يَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ طَوائِفُ كَثِيرَةٌ

فالطّائِفَةُ الأُولى الَّذِينَ بالَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها وشَهَواتِها إلى أنِ اسْتَغْرَقُوا فِيها واغْتَنَمُوا وِجْدانَها، فَصارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وبَيَّنَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ذاهِبَةٌ وعَذابُ الكُفْرِ باقٍ ولَيْسَ مِنَ العَقْلِ تَحَمُّلُ العِقابِ الدّائِمِ لِأجْلِ اللَّذّاتِ المُنْقَرِضَةِ الخَسِيسَةِ، والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مُعْجِزاتِ

صفحة ١٣٣

الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ لا مِن بابِ المُعْجِزَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَوْ أنَّهم شاهَدُوا نُزُولَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ دُفْعَةً واحِدَةً عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَلْ حَمَلُوهُ عَلى أنَّهُ سِحْرٌ ومَخْرَقَةٌ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ الكِتابُ جُمْلَةً واحِدَةً في صَحِيفَةٍ واحِدَةٍ، فَرَأوْهُ ولَمَسُوهُ وشاهَدُوهُ عِيانًا لَطَعَنُوا فِيهِ وقالُوا إنَّهُ سِحْرٌ.

فَإنْ قِيلَ: ظُهُورُ الكِتابِ ونُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ هَلْ هو مِن بابِ المُعْجِزاتِ أمْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ المُعْجِزاتِ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم لِدَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ مُنْكَرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن بابِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ المَلِكَ يَقْدِرُ عَلى إنْزالِهِ مِنَ السَّماءِ، وقَبْلَ الإيمانِ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ لَمْ تَكُنْ عِصْمَةُ المَلائِكَةِ مَعْلُومَةً، وقَبْلَ الإيمانِ بِالرُّسُلِ، لا شَكَّ أنّا نُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ ذَلِكَ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ مِن قِبَلِ بَعْضِ الجِنِّ والشَّياطِينِ، أوْ مِن قِبَلِ بَعْضِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهم، وإذا كانَ هَذا التَّجْوِيزُ قائِمًا فَقَدْ خَرَجَ نُزُولُ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ.

قُلْنا: لَيْسَ المَقْصُودُ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهم إذا رَأوْهُ بَقُوا شاكِّينَ فِيهِ، وقالُوا: إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، فَإذا لَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ فَقَدْ يَقْوى الإدْراكُ البَصْرِيُّ بِالإدْراكِ اللَّمْسِيِّ، وبَلَغَ الغايَةَ في الظُّهُورِ والقُوَّةِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ يَبْقُونَ شاكِّينَ في أنَّ ذَلِكَ الَّذِي رَأوْهُ ولَمَسُوهُ هَلْ هو مَوْجُودٌ أمْ لا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الجَهالَةِ إلى حَدِّ السَّفْسَطَةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ لا ما ذَكَرْتُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ العَبْدَ لُطْفًا. عَلِمَ أنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَآمَنَ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لا يُنَزِّلُ هَذا الكِتابَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ لَقالُوا هَذا القَوْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ إلّا والمَعْلُومُ أنَّهم لَوْ قَبِلُوهُ وآمَنُوا بِهِ لِأنْزَلَهُ لا مَحالَةَ فَثَبَتَ بِهَذا وُجُوبُ اللُّطْفِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابَ لَقالُوا هَذا القَوْلَ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ …

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الثّالِثَ مِن شُبَهِ مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّهم إذا كانُوا مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ كانَتْ عُلُومُهم أكْثَرَ، وقُدْرَتُهم أشَدَّ، ومَهابَتُهم أعْظَمَ، وامْتِيازُهم عَنِ الخَلْقِ أكْمَلَ، والشُّبُهاتُ والشُّكُوكُ في نُبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ أقَلَّ.

صفحة ١٣٤

والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ فَكُلُّ شَيْءٍ كانَ أشَدَّ إفْضاءً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ كانَ أوْلى، فَلَمّا كانَ وُقُوعُ الشُّبُهاتِ في نُبُوَّةِ المَلائِكَةِ أقَلَّ، وجَبَ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ:

أمّا الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ومَعْنى القَضاءِ الإتْمامُ والإلْزامُ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعانِيَ القَضاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى البَشَرِ آيَةٌ باهِرَةٌ، فَبِتَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ فَرُبَّما لَمْ يُؤْمِنُوا كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الآيَةِ الباهِرَةِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، فَهَهُنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَسْتَحِقُّوا هَذا العَذابَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم إذا شاهَدُوا المَلَكَ زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يَشْهَدُونَ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الآدَمِيَّ إذا رَأى المَلَكَ فَإمّا أنْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ عَلى صُورَةِ البَشَرِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَبْقَ الآدَمِيُّ حَيًّا، ألا تَرى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ غُشِيَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْئِيُّ شَخْصًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ الحالُ فِيهِ سَواءٌ كانَ هو في نَفْسِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ عايَنُوا المَلائِكَةَ في صُورَةِ البَشَرِ كَأضْيافِ إبْراهِيمَ، وأضْيافِ لُوطٍ، وكالَّذِينِ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، وكَجِبْرِيلَ حَيْثُ تَمَثَّلَ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ آيَةٌ باهِرَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الإلْجاءِ، وإزالَةِ الِاخْتِيارِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ المَذْكُورَةَ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي الشُّبُهاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ أيَّ مُعْجِزَةٍ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ قالُوا: هَذا فِعْلُكَ فَعَلْتَهُ بِاخْتِيارِكَ وقُدْرَتِكَ، ولَوْ حَصَلَ لَنا مِثْلُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ والعِلْمِ لَفَعَلْنا مِثْلَ ما فَعَلْتَهُ أنْتَ، فَعَلِمْنا أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ لَكِنَّهُ …

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الثّالِثَ مِن شُبَهِ مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّهم إذا كانُوا مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ كانَتْ عُلُومُهم أكْثَرَ، وقُدْرَتُهم أشَدَّ، ومَهابَتُهم أعْظَمَ، وامْتِيازُهم عَنِ الخَلْقِ أكْمَلَ، والشُّبُهاتُ والشُّكُوكُ في نُبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ أقَلَّ.

صفحة ١٣٤

والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ فَكُلُّ شَيْءٍ كانَ أشَدَّ إفْضاءً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ كانَ أوْلى، فَلَمّا كانَ وُقُوعُ الشُّبُهاتِ في نُبُوَّةِ المَلائِكَةِ أقَلَّ، وجَبَ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ:

أمّا الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ومَعْنى القَضاءِ الإتْمامُ والإلْزامُ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعانِيَ القَضاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى البَشَرِ آيَةٌ باهِرَةٌ، فَبِتَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ فَرُبَّما لَمْ يُؤْمِنُوا كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الآيَةِ الباهِرَةِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، فَهَهُنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَسْتَحِقُّوا هَذا العَذابَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم إذا شاهَدُوا المَلَكَ زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يَشْهَدُونَ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الآدَمِيَّ إذا رَأى المَلَكَ فَإمّا أنْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ عَلى صُورَةِ البَشَرِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَبْقَ الآدَمِيُّ حَيًّا، ألا تَرى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ غُشِيَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْئِيُّ شَخْصًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ الحالُ فِيهِ سَواءٌ كانَ هو في نَفْسِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ عايَنُوا المَلائِكَةَ في صُورَةِ البَشَرِ كَأضْيافِ إبْراهِيمَ، وأضْيافِ لُوطٍ، وكالَّذِينِ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، وكَجِبْرِيلَ حَيْثُ تَمَثَّلَ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ آيَةٌ باهِرَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الإلْجاءِ، وإزالَةِ الِاخْتِيارِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ المَذْكُورَةَ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي الشُّبُهاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ أيَّ مُعْجِزَةٍ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ قالُوا: هَذا فِعْلُكَ فَعَلْتَهُ بِاخْتِيارِكَ وقُدْرَتِكَ، ولَوْ حَصَلَ لَنا مِثْلُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ والعِلْمِ لَفَعَلْنا مِثْلَ ما فَعَلْتَهُ أنْتَ، فَعَلِمْنا أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ لَكِنَّهُ …

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ الأقْوامِ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ كانُوا يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وكانَ يَضِيقُ قَلْبُ الرَّسُولِ عِنْدَ سَماعِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّ أحَدَ ما يُخَفِّفُ عَنِ القَلْبِ المُشارَكَةُ في سَبَبِ المِحْنَةِ والغَمِّ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِن سُوءِ الأدَبِ الَّتِي يُعامِلُونَكَ بِها قَدْ كانَتْ مَوْجُودَةً في سائِرِ القُرُونِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، فَلَسْتَ أنْتَ فَرِيدًا في هَذا الطَّرِيقِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ لِأهْلِ اللُّغَةِ وهي بِأسْرِها مُتَقارِبَةٌ:

قالَ النَّضْرُ: وجَبَ عَلَيْهِمْ.

قالَ اللَّيْثُ: ”الحَيْقُ“ ما حاقَ بِالإنْسانِ مِن مَكْرٍ أوْ سُوءٍ يَعْمَلُهُ فَنَزَلَ ذَلِكَ بِهِ، يَقُولُ أحاقَ اللَّهُ بِهِمْ مَكْرَهم وحاقَ بِهِمْ مَكْرُهم.

وقالَ الفَرّاءُ: ”حاقَ بِهِمْ“ عائِدٌ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: ”حاقَ بِهِمْ“ حَلَّ بِهِمْ ذَلِكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ”حاقَ“ أيْ أحاطَ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: فَسَّرَ الزَّجّاجُ ”حاقَ“ بِمَعْنى أحاطَ وكانَ مَأْخَذُهُ مِنَ الحَوْقِ وهو ما اسْتَدارَ بِالكَمَرَةِ.

وفِي الآيَةِ بَحْثٌ آخَرُ وهو أنَّ لَفْظَةَ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ والشَّرْعُ وهو ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ فَحاقَ بِهِمْ عِقابُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُخَوِّفُهُمُ الرَّسُولُ بِنُزُولِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ.

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.