Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 161–165 of 165

161

قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allah."

ولَمّا تَضَمَّنَ ما مَضى تَصْحِيحَ التَّوْحِيدِ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ وتَحْقِيقَ أمْرِ القَضاءِ والقُدْرَةِ وإبْطالَ جَمِيعِ أدْيانِ الضَّلالِ ووَصْفِها بِتَفَرُّقِ أهْلِها الدّالِّ عَلى بُطْلانِها واعْوِجاجِها، وخَتَمَ بِهَذا التَّحْذِيرِ الَّذِي لا شَيْءَ أقْوَمَ مِنهُ ولا أعْدَلَ - أمَرَهُ ﷺ بِالإعْلانِ بِأمْرِهِ وأنْ يَصِفَ دِينَهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَهُ وهَداهُ إلَيْهِ بِما فِيهِ مِنَ المَحاسِنِ تَحْبِيبًا فِيهِ وحَثًّا عَلَيْهِ ولِأنَّ ذَلِكَ مِن نَتِيجَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وأكَّدَ بِالإتْيانِ بِالنُّونَيْنِ، فَقالَ: ﴿إنَّنِي هَدانِي﴾ أيْ: بَيانًا وتَوْفِيقًا ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ بِكُلِّ خَيْرٍ لا سِيَّما هَذا الَّذِي أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَيِّنٍ، ثُمَّ مَدَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أيْ: بالِغَ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ ثابِتَها، هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ المَكْسُورَةِ، وهو في قِراءَةِ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ الخَفِيفَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ وصَفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وزادَهُ مَدْحًا بِقَوْلِهِ مُذَكِّرًا لَهم - لِتَقْلِيدِهِمْ الآباءَ - بِأنَّهُ دِينُ أبِيهِمْ الأعْظَمِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ والمِلَّةُ ما أظْهَرُهُ نُورُ العَقْلِ مِنَ الهُدى في ظُلَمِ ما التَزَمَهُ النّاسُ مِن عَوائِدِ أمْرِ الدُّنْيا - أفادَهُ الحرالي. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: لَيِّنًا هَيِّنًا سَهْلًا قابِلًا لِلِاسْتِقامَةِ لِكَوْنِهِ مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ غَيْرَ جافٍّ ولا كَزٍّ واقِفٍ مَعَ التَّقْلِيدِ عَمِيٍّ عَنْ نُورِ الدَّلِيلِ - كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: الجامِدِينِ مَعَ أوْهامِهِمْ في ادِّعاءِ شَرِيكٍ لِلَّهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ لَهُ في كَوْنِهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَصْلُحُ لِشَرِكَةِ آدَمِيٍّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ، لا يَنْقادُونَ لِدَلِيلٍ ولا يُصْغُونَ إلى قِيلٍ، فَكانَ هَذا مَدْحًا لِهَذا الدِّينِ الَّذِي هَدى إلَيْهِ ﷺ وبَيانًا لِأنَّهُ الَّذِي اخْتارَهُ - سُبْحانَهُ - لِخَلِيلِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رُجُوعًا إلى

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] الَّذِي بُنِيَتْ السُّورَةُ في الحَقِيقَةِ عَلَيْهِ، وأُلْقِيَتْ أزْمَةُ أطْرافِها إلَيْهِ، وتَرْغِيبًا في هَذا الدِّينِ لِأنَّ جَمِيعَ المُخالِفِينَ يَتَشَبَّثُونَ بِأذْيالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: العَرَبُ وأهِلَ الكِتابَيْنِ بِنِسْبَةِ الأُبُوَّةِ، والمَجُوسُ بِنِسْبَةِ البَلَدِ والأُخُوَّةِ، وأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ فَهِمَ ما حاجَّ بِهِ أبُوهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ وقَبِلَهُ، فَلَمْ يُنْسَبْ كَغَيْرِهِ إلى جُمُودٍ ولا عِنادٍ.

Al-An'aam 6:161Listen in Qur'an →
162

قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allah, Lord of the worlds.

ولَمّا كانَ كَأنَّ سائِلًا قالَ: وما هَذِهِ المِلَّةُ الَّتِي تَكَرَّرَ مَدْحُها والدُّعاءُ إلَيْها؟ أجابَ بِقَوْلِهِ لِيَتَأسّى بِهِ أهْلُ الإيمانِ، فَيَلْتَزِمُوا جَمِيعَ ما يَدْعُو إلَيْهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أيْ: الَّتِي هي لُبابُ الدِّينِ وصَفاوَتُهُ ﴿ونُسُكِي﴾ أيْ: جَمِيعُ عِبادَتِي مِنَ الذَّبائِحِ وغَيْرِها ﴿ومَحْيايَ﴾ أيْ: حَياتِي وكُلُّ ما تَجْمَعُهُ مِن زَمانٍ ومَكانٍ وفِعْلٍ ﴿ومَماتِي لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ؛ ولَمّا عَلَّمَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِذاتِهِ - أعْلَمَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مِن كُلِّ أحَدٍ لِإحْسانِهِ إلَيْهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ المُوجِدِ والمُدَبِّرِ والمُوعِي لَهم.

Al-An'aam 6:162Listen in Qur'an →
163

لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ

No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."

ولَمّا أعْلَمَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ ووَصْفِهِ، أعْلَمَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ وحْدَهُ، فَقالَ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أيْ: لِيَكُونَ لِشَرِيكِهِ - عَلى زَعْمِكم - شَيْءٌ مِنَ العِبادَةِ لَمّا كانَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، فَأبانَ بِهَذا أنَّ وجْهَهُ ﷺ ووَجْهَ مَن تَبِعَهُ واحِدٌ لا افْتِراقَ فِيهِ، وهو قَصْدُ اللَّهِ وحْدَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ كَما أنَّهُ يُوَحَّدُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُوَحَّدَ بِالعِبادَةِ.

ولَمّا دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِبُرْهانِ العَقْلِ - أتْبَعَهُ بِجازِمِ النَّقْلِ فَقالَ [عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: إلى ذَلِكَ أرْشَدَنِي دَلِيلُ العَقْلِ]: ﴿وبِذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرِ العالِي مِن تَوْجِيهِ أُمُورِي إلَيْهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ.

ولَمّا كانَ لَهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ - فَكانَ كُلُّ شَيْءٍ آمِرًا بِالتَّوْحِيدِ بِلِسانِ حالِهِ أوْ ناطِقِ قالِهِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُمِرْتُ﴾ أيْ: يَعْنِي أنَّ هَذا الدِّينَ لَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ أمْرٌ كانَ يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَدِينَ بِهِ ولا يَعْدِلَ عَنْهُ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وانْتِشارِ نُورِهِ بِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ ودَرَجَ عَلى اتِّباعِهِ مِنَ الأفاضِلِ والأماثِلِ، فَكَيْفَ إذا بَرَزَتْ بِهِ الأوامِرُ الإلَهِيَّةُ ودَعَتْ إلَيْهِ الدَّواعِي الرَّبّانِيَّةُ ؟ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: المُنْقادِينَ لِما يَدْعُو إلَيْهِ داعِي اللَّهِ في هَذا الدِّينِ، لا اخْتِيارَ لِي أصْلًا، بَلْ أنا مَسْلُوبُ الِاخْتِيارِ فِيهِ مُنْقادٌ أتَمَّ انْقِيادٍ، وهَذِهِ الأوَّلِيَّةُ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ في الزَّمانِ والرُّتْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمَّتِهِ ﷺ وفي الرُّتْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، وهَذا أيْضًا مِن بابِ الإحْسانِ في الدُّعاءِ بِالتَّقَدُّمِ إلى ما يَدْعُو إلَيْهِ وأنْ يُحِبَّ لِلْمَدْعُوِّ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ لِيَكُونَ أُنْفى لِلتُّهْمَةِ وأدَلَّ عَلى النَّصِيحَةِ فَيَكُونُ أدْعى لِلْقَبُولِ.

Al-An'aam 6:163Listen in Qur'an →
164

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

Say, "Is it other than Allah I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."

ولَمّا حاجُّوهُ في الشِّرْكِ في هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ كَما حاجَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمُهُ، وكانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ دَعاهم ﷺ إلى تِلاوَةِ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في تَحْرِيمِ الشِّرْكِ وشَرْحِ دِينِهِ القَيِّمِ، ثُمَّ كَرَّرَ هُنا ذَمَّهم بِالتَّفَرُّقِ الدّالِّ عَلى الضَّلالِ ولا بُدَّ، ومَدْحِ دِينِ الرُّسُلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ أصْلًا، وأيْأسَ الكُفّارَ مِن مُوافَقَتِهِ ﷺ لَهم نَوْعًا مِنَ المُوافَقَةِ ومَيْلِهِ مَعَهم شَيْئًا مِنَ المَيْلِ - أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ ثَبَتَ بِأوَّلِ السُّورَةِ وأثْنائِها وآخِرَها أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ - بِالإنْكارِ عَلى مَن يُرِيدُ مِنهُ مَيْلًا إلى غَيْرِ مَن تَفَرَّدَ بِمَحْياهُ ومَماتِهِ - فَكانَ لَهُ التَّفَرُّدُ بِما بَيْنَهُما وما بَعْدَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ، والتَّوْبِيخُ الشَّدِيدُ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ أنْ تَطْرُدَ أصْحابَكَ مِن أجْلِهِمْ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿أبْغِي﴾ أيْ: أطْلُبُ وأُرِيدُ بِالإشْراكِ فَإنَّ الغِنى المُطْلَقَ لا يُقْبَلُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا ﴿رَبًّا﴾ أيْ: مُنْعِمًا يَتَوَلّى مَصالِحِي كَما بَغَيْتُمْ أنْتُمْ، فَهو تَعْرِيضٌ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ لَهم، والإسْنادُ إلَيْهِ ﷺ والمُرادُ جَمِيعُ الخَلْقِ - مِن بابِ الإنْصافِ في المُناظَرَةِ لِلِاسْتِعْطافِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَما ثَبَتَ بِالقَواطِعِ ورَكَزَ في العُقُولِ الثَّوابِتِ وطَبَعَ في أنْوارِ الأفْكارِ اللَّوامِعِ ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مُوجِدُهُ ومُرَبِّيهِ، أفَيَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَدِينَ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ وذَلِكَ الغَيْرُ مَرْبُوبٌ مِثْلُهُ لِسَيِّدِهِ، هَذا ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ لِنَفْسِهِ.

ولَمّا أنْكَرَ عَلى مَن يَجْنَحُ إلى غَيْرِهِ مَعَ عُمُومِ بِرِّهِ وخَيْرِهِ - أتْبَعَهُ التَّرْوِيعَ مِن قَوِيمِ عَدْلِهِ في عَظِيمِ ضُرِّهِ، فَقالَ: ﴿ولا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا ﴿تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: ذَنْبًا وإنْ قَلَّ مَعَ التَّصْمِيمِ والعَزْمِ القَوِيِّ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ العَمَلُ - كَما مَضى في آيَةِ البَقَرَةِ: ﴿إلا عَلَيْها﴾ أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ باطِلًا لا عَلَيْها ولا عَلى غَيْرِها، وإذا كانَ عَلَيْها لا يُمْكِنُ أنْ يُحاسِبَ بِهِ - سُبْحانَهُ - سِواها لِأنَّهُ عَدْلٌ حَكِيمٌ فَكَيْفَ أدْعُو غَيْرَهُ دُعاءً جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا وذَلِكَ أعْظَمُ الذُّنُوبِ! ولِلتَّنْفِيرِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ بِالرِّياءِ وكُلِّ مَعْصِيَةٍ وإنْ صَغُرَتْ - جَرَّدَ الفِعْلَ عَنِ الِافْتِعالِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ لا يَكُونُ عَلَيْها إلّا ما بالَغَتْ فِيهِ، والسِّياقُ هُنا واضِحٌ في أنَّ الكَسْبَ مُقَيَّدٌ بِالذَّنْبِ فَإنَّهُ في دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ وآيَةُ البَقَرَةِ لِلْإيماءِ إلى الذَّنْبِ الَّذِي لا يَقَعُ إلّا بِشَهْوَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ النَّفْسِ لَهُ لِطَبْعِها عَلى النَّقائِصِ، فَهي لا تُنافِي هَذِهِ لِأنَّ ما كَسَبَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ قَدْ عُلِمَ مِن ثَمَّ أنَّهُ اكْتِسابٌ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: ولَمّا كانَ المَعْنى أنِّي إنْ بَغَيْتُ رَبًّا غَيْرَهُ وكَلَنِي إلى ما تَوَلَّيْتُهُ، وأنا إنْسانٌ والإنْسانُ مَطْبُوعٌ عَلى النَّقائِصِ فَهَلَكْتُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مُجَرِّدًا لِلْفِعْلِ لِقَصْدِ العُمُومِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ بِما هي نَفْسٌ ناظِرَةٌ في نَفاسَتِها مُعْرِضَةٌ عَنْ رَبِّها مَوْكُولَةٌ إلى حَوْلِها وقُوَّتِها ﴿إلا عَلَيْها﴾ ولا يَحْمِلُ عَنْها غَيْرُها شَيْئًا مِن وِزْرِها؛ ولَمّا كانَ رُبَّما حَمَلَ أحَدٌ …

Al-An'aam 6:164Listen in Qur'an →
165

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ

And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

ولَمّا قَدَّمَ أنَّهُ المُحْسِنُ إلى كُلِّ شَيْءٍ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وخَتَمَ بِالتَّهْدِيدِ بِالحَشْرِ، أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِتَخْصِيصِهِمْ بِالإحْسانِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] مُسْتَعْطِفًا لَهم إلَيْهِ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَتِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ أيْ: أيُّها الإنْسُ ﴿خَلائِفَ الأرْضِ﴾ أيْ: تَفْعَلُونَ فِيها فِعْلَ الخَلِيفَةِ مُتَمَكِّنِينَ مِن كُلِّ ما تُرِيدُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ العَرَبُ، ويَكُونَ ظاهِرُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ ما هم فِيهِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، وباطِنُهُ البِشارَةُ بِإعْلاءِ دِينِهِمْ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وغَلَبَتِهِمْ عَلى أكْثَرِ أهْلِ الأرْضِ في هَذِهِ الأزْمانِ وعَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ في آخِرِ الزَّمانِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ في مَراقِي العَقْلِ والعِلْمِ والدِّينِ والمالِ والجاهِ والقُوَّةِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، ورُبَّما كانَ الوَضِيعُ أعْقَلَ مِنَ الرَّفِيعِ ولَمْ يَنْفَعْهُ عَقْلُهُ فَيَدُلُّ ذَلِكَ دِلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما هو فِعْلُ الواحِدِ القَهّارِ، لا بِعَجْزٍ ولا جَهْلٍ ولا بُخْلٍ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ: يَفْعَلُ مَعَكم فِعْلَ المُخْتَبِرِ؛ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْكم وهو أعْلَمُ بِكم مِنكم ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ فَيَنْظُرُ هَلْ يَرْحَمُ الجَلِيلُ الحَقِيرَ، ويَرْضى الفَقِيرُ بِعَطائِهِ اليَسِيرِ، ويَشْكُرُ القَوِيُّ، ويَصْبِرُ الضَّعِيفُ! .

. ولَمّا ذَكَرَ عُلُوَّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وكانَ مِن طَبْعِ الآدَمِيِّ التَّجَبُّرُ - أتْبَعَهُ التَّهْدِيدَ لِلظّالِمِ والِاسْتِعْطافَ لِلتّائِبِ بِما يُشِيرُ - بِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ - إلى ضَعْفِ العالِي مِنهم وعَجْزِهِ عَنْ عِقابِ السّافِلِ بِمَن يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِن شَفِيعٍ وناصِرٍ وبِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن تَمْهِيدِ الأسْبابِ، مُحَذِّرًا مِنَ البَغْيِ والعِصْيانِ، فَقالَ مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى أكْمَلِ الخَلْقِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ إعْلامًا بِأنَّهُ رَبّاهُ - سُبْحانَهُ - أجْمَلَ تَرْبِيَةٍ وأدَّبَهُ أحْسَنَ تَأْدِيبٍ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ ﴿سَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ: لِمَن يُرِيدُ عِقابَهُ مِمَّنْ يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ لِكَوْنِهِ لا حائِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُرِيدُ عِقابَهُ ولا يَحْتاجُ إلى اسْتِحْضارِ آلاتِ العِقابِ، بَلْ كُلُّ ما يُرِيدُ حاضِرٌ لَدَيْهِ عَتِيدٌ

﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن لا يَتَّعِظُ.

ولَمّا هَدَّدَ وخَوَّفَ - رَجى مَن أرادَ التَّوْبَةَ واسْتَعْطَفَ، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُعْلِمًا بِأنَّهُ - عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ وانْهِماكِهِمْ فِيما يُوجِبُ الإهْلاكَ - بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لَهم عَظِيمُ الرَّحْمَةِ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] حَثًّا عَلى عَفْوِ الرَّفِيعِ مِنَ الوَضِيعِ، وتَأْكِيدُهُ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] (إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي) لِأنَّهُ في سِياقِ التَّأْدِيبِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ والتَّذْكِيرِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِخْلافِ، وسَيَأْتِي في الأعْرافِ بِتَأْكِيدِ الِاثْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن إسْراعِهِمْ في الكُفْرِ ومُبادَرَتِهِمْ إلَيْهِ …

Al-An'aam 6:165Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.