Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الأنْعامِ

مَقْصُودُها الِاسْتِدْلالُ عَلى ما دَعا إلَيْهِ الكِتابُ في السُّورَةِ الماضِيَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِأنَّهُ الحاوِي لِجَمِيعِ الكَمالاتِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وأنْسَبُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ فِيها لِهَذا المَقْصِدِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ الإذْنَ فِيها - كَما يَأْتِي - مُسَبَّبٌ عَمّا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الفَلْقِ والتَّفَرُّدِ بِالخَلْقِ، وتَضَمَّنَ باقِي ذِكْرِها إبْطالَ ما اتَّخَذُوهُ مِن أمْرِها دِينًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ولا أذِنَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، لا شَرِيكَ لَهُ، وحَصْرُ المُحَرَّماتِ مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي هي جُلُّها في هَذا الدِّينِ وغَيْرِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ ( طَهَ ) البُرْهانُ الظّاهِرُ عَلى أنَّ إحاطَةَ العِلْمِ مَلْزُومَةٌ لِشُمُولِ القُدْرَةِ وسائِرِ الكَمالاتِ، وذَلِكَ عَيْنُ مَقْصُودِ السُّورَةِ، وقَدْ ورَدَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في كِتابِي: (مَصاعِدُ النَّظَرِ) . أنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ، وفي رِوايَةٍ: إنَّ نُزُولَها كانَ لَيْلًا، وإنَّ الأرْضَ كانَتْ تَرْتَجُّ لِنُزُولِها. وهي كُلُّها في حِجاجِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْتَدِعَةِ والقَدَرِيَّةِ وأهْلِ المِلَلِ الزّائِغَةِ، وعَلَيْها مَبْنى أُصُولِ الدِّينِ؛ لِاشْتِمالِها عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وإبْطالِ مَذاهِبِ المُلْحِدِينَ. وإنْزالُها عَلى الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُصُولَ الدِّينِ في غايَةِ الجَلالَةِ، وأنَّ تَعَلُّمَهُ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ لِنُزُولِها جُمْلَةً، بِخِلافِ الأحْكامِ فَإنَّها تُفَرَّقُ بِحَسَبِ المَصالِحِ، ولِنُزُولِها لَيْلًا دَلِيلٌ عَلى غايَةِ البَرَكَةِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الأُنْسِ بِنُزُولِهِ تَعالى إلى سَماءِ الدُّنْيا، وعَلى أنَّ هَذا العِلْمَ لا يَقِفُ عَلى أسْرارِهِ إلّا البُصَراءُ الأيْقاظُ مِن سِنَةِ الغَفَلاتِ، أُولُو الألْبابِ أهْلُ الخَلَواتِ، والأرْواحِ الغالِبَةِ عَلى الأبْدانِ وهم قَلِيلٌ. ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي بَيَّنَ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ بِأنَّهُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي أفاضَ عَلى سائِرِ المَوْجُوداتِ مِن رَحْمَتِهِ بِالإيجادِ والإعْدامِ ما حَيَّرَ لِعُمُومِهِ الأفْهامَ، فَضاقَتْ بِهِ الأوْهامُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي حَبا أهْلَ الإيمانِ بِنُورِ البَصائِرِ حَتّى كانَ الوُجُودُ ناطِقًا لَهم، بِالإعْلامِ بِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ السَّلامُ.

﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لِلَّهِ﴾

لَمّا خَتَمَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ بِتَحْمِيدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِجَلالِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، ثُمَّ تَحْمِيدِ نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ بِشُمُولِ المُلْكِ والقُدْرَةِ؛ إذْ الحَمْدُ هو الوَصْفُ بِالجَمِيلِ - افْتَتَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذِهِ السُّورَةَ بِالإخْبارِ بِأنَّ ذَلِكَ الحَمْدَ وغَيْرَهُ مِنَ المَحامِدِ مُسْتَحَقٌّ لَهُ اسْتِحْقاقًا ثابِتًا دائِمًا، قَبْلَ إيجادِ الخَلْقِ وبَعْدَ إيجادِهِ، سَواءٌ شَكَرَهُ العِبادُ أوْ كَفَرُوهُ؛ لِما لَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن صِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ - عَلى ما تَقَدَّمَتْ الإشارَةُ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ - فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفْتَتَحَةِ بِاسْمِ الحَمْدِ الكُلِّيِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أنْواعِهِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِغْراقِ، إمّا بِأنَّ اللّامَ لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ بِأنَّها لِلْجِنْسِ - …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ اللَّتَيْنِ مِنهُما وفِيهِما الأصْنامُ والكَواكِبُ والأجْرامُ الَّتِي عَنْها النُّورُ والظُّلْمَةُ، فَثَبَتَ وُجُودُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ الَّتِي أثْبَتَها الحَمْدُ، فَبَطَلَتْ جَمِيعُ مَذاهِبِهِمْ، فَعَجَّبَ مِنهم بِكَوْنِهِمْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ - أتْبَعَ ذَلِكَ اخْتِصاصَهُ بِخَلْقِ هَذا النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وهو، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ لَهُ بِالِاخْتِصاصِ بِالحَمْدِ والرَّدِّ عَلى المُطْرِينَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ بِخَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُؤَكِّدٌ لِإبْطالِ مَذْهَبِ الثَّنَوِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ النّارَ خالِقُ الخَيْرِ، والظُّلْمَةَ خالِقَةُ الشَّرِّ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ الخالِقُ لِنَوْعِ الآدَمِيِّينَ الَّذِينَ مِنهم الخَيْرُ والشَّرُّ مِن شَيْءٍ واحِدٍ، وهو الطِّينُ الَّذِي وُلِدَ مِنهُ المَنِيُّ الَّذِي جَعَلَ مِنهُ الأعْضاءَ المُخْتَلِفَةَ في اللَّوْنِ والصُّورَةِ والشَّكْلِ مِنَ القَلْبِ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ كالعِظامِ والغَضارِيفِ، والرِّباطاتِ والأوْتارِ - ثَبَتَ أنَّ خالِقَ أوْصافِهِمْ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ واحِدٌ قَدِيرٌ عَلِيمٌ؛ لِأنَّ تَوْلِيدَ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ المادَّةِ المُتَشابِهَةِ لا يَكُونُ إلّا ومُبْدِعُهُ واحِدٌ مُخْتارٌ، لا اثْنانِ، وهو الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ الَّتِي مِنها أصْلُهم، وهو اللَّهُ الَّذِي اخْتَصَّ بِالحَمْدِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولَمّا كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ البَعْثَ لِصَيْرُورَةِ الأمْواتِ تُرابًا واخْتِلاطِ تُرابِ الكُلِّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وبِتُرابِ الأرْضِ، فَيَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ، وكانَ تَمْيِيزُ الطِّينِ لِشِدَّةِ اخْتِلاطِ أجْزائِهِ بِالماءِ أعْسَرَ مِن تَمَيُّزِ التُّرابِ - قالَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ: فَمَيَّزَ طِينَةَ كُلٍّ مِنكم - مَعَ أنَّ مِنكم الأسْوَدَ والأبْيَضَ وغَيْرَ ذَلِكَ والشَّدِيدَ وغَيْرَهُ - مِن طِينَةِ الآخَرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ماءً ثَخِينًا لَهُ قُوَّةُ الدَّفْقِ ونَمّاها إلى حَيْثُ شاءَ مِنَ الكِبَرِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ما كانا مِن شَيْءٍ واحِدٍ كانَتْ مُدَّةُ بَقائِهِما واحِدَةً - نَبَّهَ بِأداةِ التَّراخِي عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ مِنَ المُفاوَتَةِ بَيْنَ الآجالِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ قَضى﴾ أيْ: حَكَمَ حُكْمًا تامًّا وبَتَّ وأوْجَدَ ﴿أجَلا﴾ أيْ: وقْتًا مَضْرُوبًا لِانْقِضاءِ العُمْرِ وقَطْعِ التَّأخُّرِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنكم خَيِّرًا كانَ أوْ شِرِّيرًا، قَوِيًّا كانَ أوْ ضَعِيفًا، مِن أجَلَ يَأْجَلُ أُجُولًا - إذا تَأخَّرَ، وجَعَلَ تِلْكَ الآجالَ - مَعَ كَوْنِها مُتَفاوِتَةً - مُتَقارِبَةً لا مَزِيَّةَ لِأحَدٍ مِنكم بِصِفَةٍ عَلى آخَرَ بِصِفَةٍ مُغايِرَةٍ لَها، وفاعِلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فاعِلًا بِاخْتِيارٍ. ولَمّا ذَكَرَ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي هو الإبْداعُ مِنَ الطِّينِ إشارَةً إلى ما فَرَّعَ مِنهُ مِنَ الآجالِ المُتَفاوِتَةِ - ذَكَرَ الأجَلَ الآخَرَ الجامِعَ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّ ذِكْرَ البِدايَةِ يَسْتَدْعِي ذِكْرَ النِّهايَةِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى تَعْظِيمِهِ بِالِاسْتِئْنافِ والتَّنْكِيرِ: ﴿وأجَلٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ ﴿مُسَمًّى﴾ أيْ: لَكم أجْمَعِينَ لِانْقِضاءِ البَرْزَخِ لِلْإعادَةِ الَّتِي هي في مَجارِي عاداتِكم أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ لِمُجازاتِكم والحُكْمِ بَيْنَكم الَّذِي هو مَحَطُّ حِكْمَتِهِ ومَظْهَرُ نِعْمَتِهِ ونِقْمَتِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، يَتَساوى فِيهِ الكُلُّ، وسَتَرَ عِلْمَهُ عَنِ الكُلِّ كَما …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

ولَمّا كانَ عِلْمُ جَمِيعِ أحْوالِ المَخْلُوقِ دالًّا عَلى أنَّ العِلْمَ بِها هو خالِقُهُ، وأنَّ مَن ادَّعى أنَّ خالِقَهُ عاجِزٌ عَنْ ضَبْطِ مَمْلَكَتِهِ عَنْ كَشْفِ غَيْرِهِ لِعَوْراتِها وعِلْمِ ما لا يَعْلَمُهُ هو مِنها، فَلَمْ يَكُنْ إلَهًا، وكانَ الإلَهُ هو العالَمَ وحْدَهُ، وكانَ المُحِيطُ العِلْمَ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُ التُّرابِ مِنَ التُّرابِ، وكانَ ﷺ يُخْبِرُهم عَنِ اللَّهِ مِن مُغَيَّباتِ أسْرارِهِمْ وخَفايا أخْبارِهِمْ مِمّا يَقُصُّونَ مِنهُ العَجَبَ ويَعْلَمُونَ مِنهُ إحاطَةَ العِلْمِ حَتّى قالَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ الفَتْحِ: لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الحَصْباءُ، قالَ تَعالى عاطِفًا ﴿هُوَ الَّذِي﴾ [الأنعام: ٢] دالًّا عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِشُمُولِ العِلْمِ بَعْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ إنْكارَهم المَعادَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما ظَنُّ أنَّ المُؤَثِّرَ في الأبْدانِ امْتِزاجُ الطَّبائِعِ وإنْكارُ أنَّ المُؤَثِّرَ هو قادِرٌ مُخْتارٌ، والثّانِي أنَّهُ - عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الِاخْتِيارِ - غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ، فَلا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ بَدَنِ زَيْدٍ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو، فَإذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - واخْتِيارِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ: الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ - زالَتْ جَمِيعُ الشُّبَهاتِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ هَذا الِاسْمُ المُسْتَجْمِعُ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى المَدْعُوُّ بِهِ تَألُّهًا لَهُ وخُضُوعًا وتَعَبُّدًا، وعَلَّقَ بِهَذا المَعْنى قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ [لِأنَّ مَن في الشَّيْءِ يَكُونُ مُتَصَرِّفًا فِيهِ] .

ولَمّا كانَ الخِطابُ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أكَّدَ فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ﴾ أيْ: هَذِهِ صِفَتُهُ دائِمًا [عَلى هَذا المُرادِ مِن أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ثابِتٌ لَهُ هَذا الِاسْمُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ عَلى وجْهِ التَّألُّهِ والتَّعَبُّدِ في كُلٍّ مِن جِهَتَيْ العُلُوِّ والسُّفْلِ، ولا يَفْهَمُ ذُو عَقْلٍ صَحِيحٍ ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن أنَّهُ مَحْوِيٌّ، فَإنَّ كُلَّ مَحْوِيٍّ مُنْحَصِرٌ مُحْتاجٌ إلى حاوِيهِ وحاصِرِهِ، ضَعِيفُ التَّصَرُّفِ فِيما وراءَهُ، ومَن كانَ مُحْتاجًا نَوْعَ احْتِياجٍ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ والمَشِيئَةِ لِحَدِيثِ الجارِيَةِ: أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّماءِ، ومَحْجُوجٌ بِحَدِيثِ: «( أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ )» فَإنَّ ظاهِرَهُ مُنافٍ لِظاهِرِ الأوَّلِ، وظاهِرُ هَذا مُؤَيَّدٌ بِقاطِعِ النَّقْلِ مِن أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ، ومُؤَيَّدٌ بِصَحِيحِ النَّقْلِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أيْ: لا في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ ولا شَيْءٍ مِن شُؤُونِهِ، و«( قَدْ كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ )»، وحَدِيثُ «( لَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ )» - رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ في الدَّعَواتِ، وأبُو داوُدَ في الأدَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ] .

ولَمّا كانَ المُرادُ إثْباتَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ، نِسْبَةَ كُلٍّ مِنَ الخَفِيِّ والجَلِيِّ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ، وكانَ السِّياقُ هُنا لِلْخَفِيِّ فَإنَّهُ في بَيانِ خَلْقِ الإنْسانِ وعَجِيبِ صُنْعِهِ فِيهِ بِما خَلَقَ فِيهِ مِن إدْراكِ المَعانِي وهَيَّأهُ لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَقْدِرَ عَلى التَّعْبِيرِ عَنْهُ، ثُمَّ أقْدَرَهُ عَلى ذَلِكَ - قَدَّمَ الخَفِيَّ فَقالَ شارِحًا …

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

فَلَمّا تَظاهَرَتْ الأدِلَّةُ وتَظافَرَتْ الحُجَجُ وهم عَنْها ناكِبُونَ - وصَلَ بِذَلِكَ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ قَوْلَهُ، مُعْرِضًا عَنْهم إيذانًا بِاسْتِحْقاقِهِمْ شَدِيدَ الغَضَبِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: عَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم ﷺ وبَعَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وإفاضَةِ العُقُولِ وبَعْثِ الرَّسُولِ ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: هَذِهِ صِفَتُهم دائِمًا قَصْدًا لِلْعِنادِ لِئَلّا يَلْزَمَهم الحُجَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ( يَعْدِلُونَ) .

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

ولَمّا كانَ إعْراضُهم عَنِ النَّظَرِ سَبَبًا لِتَكْذِيبِهِمْ، وهو سَبَبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا تَكْذِيبَ الصّادِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الثَّباتِ كُلِّهِ. لِأنَّ الآياتِ كُلَّها مُتَساوِيَةٌ في الدِّلالَةِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الواحِدَةُ مِنها ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَأخَّرُوا عِنْدَ المَجِيءِ أصْلًا لِنَظَرٍ ولا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى العِنادِ.

ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ هَكَذا فِعْلَ المُكَذِّبِ المُسْتَهْزِئِ الَّذِي بَلَغَ بِتَكْذِيبِهِ الغايَةَ القُصْوى، وهي الِاسْتِهْزاءُ، قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ وإنْ تَأخَّرَ إتْيانُهُ ﴿أنْباءُ ما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الهَزْءَ بِهِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ في طَلَبِهِ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الهَزْءِ، والنَّبَأُ: الخَبَرُ العَظِيمُ، وهو الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ الجَزاءُ، وأفادَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَهْزَؤُونَ بِغَيْرِ الحَقِّ الكامِلِ - كَما تَرى كَثِيرًا مِنَ المُتْرَفِينَ لا يَعْجَبُ مِنَ العَجَبِ ويَعْجَبُ مِن غَيْرِ العَجَبِ، أوْ أنَّهُ عَدَّ اسْتِهْزاءَهم بِغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ عَدَمًا.

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

ولَمّا أخْبَرَ بِتَكْذِيبِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ وتَوَعَّدَهم بِتَحَتُّمِ تَعْذِيبِهِمْ، أتْبَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، فَعَجِبَ مِن تَمادِيهِمْ مَعَ ما عَلِمُوا مِن إهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا وجَنى مِن سَوابِغِ النِّعَمِ بِما لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِيهِ مَعَ ما ضَمُّوهُ إلى تَحَقُّقِ أخْبارِهِمْ مِن مُشاهَدَةِ آثارِهِمْ وعَجِيبِ اصْطِناعِهِمْ في أبْنِيَتِهِمْ ودِيارِهِمْ مُسْتَدِلًّا بِذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، فَقالَ مُقَرِّرًا مُنْكِرًا مُوَبِّخًا مُعَجِّبًا: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ ودَلَّ عَلى كَثْرَةِ المُخْبَرِ عَنْهم تَهْوِيلًا لِلْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾

ولَمّا كانَ المُرادُ ناسًا مُعَيَّنِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمَنَ القَبْلِ، وهم أهْلُ المُكْنَةِ الزّائِدَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ - أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وبَيَّنَ ”كَمّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ مُقْتَرِنِينَ في زَمانٍ واحِدٍ، وهم أهْلُ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ - كَما صَحَّحَهُ القامُوسُ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ – لِغُلامٍ: ( عِشْ قَرْنًا )، فَعاشَ مِائَةً» . هَذا نِهايَةُ القَرْنِ، والأقْرَبُ أنَّهُ لا يَتَقَدَّرُ، بَلْ إذا انْقَضى أكْثَرُ أهْلِ عَصْرٍ قِيلَ: انْقَضى القَرْنُ، ودَلَّ عَلى ما شاهَدُوا مِن آثارِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ أيْ: ثَبَّتْناهم بِتَقْوِيَةِ الأسْبابِ مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والقُوَّةِ في الأبْدانِ والسِّعَةِ في الأمْوالِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والصِّحَّةِ والفَراغِ ما لَمْ نُمَكِّنْكم، ومَكَّنّا لَهم بِالخِصْبِ والبَسْطَةِ والسِّعَةِ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ أيْ: تَمْكِينًا لَمْ نَجْعَلْهُ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: نَخُصُّكم بِهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ أوْ شِبْهِهِ، والِالتِفاتُ مِن الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ الحالُ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ يَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنَ المَفْضُولِ والفاضِلِ، ولا يُبْقِي اللَّبْسَ التَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ أيْ: المَطَرَ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ، أوْ: السَّحابَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ المَطَرَ، كانَ التَّقْدِيرُ: حالَ كَوْنِهِ ﴿مِدْرارًا﴾ أيْ: ذا سَيَلانٍ غَزِيرٍ مُتَتابِعٍ لِأنَّهُ صِفَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الدَّرِّ، قالُوا: ويَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَهم بِماءِ السَّماءِ، وكانَ غَيْرَ دائِمٍ، أتْبَعَهُ ماءَ الأرْضِ لِدَوامِهِ ومُلازَمَتِهِ لِلْبَساتِينِ والرِّياضِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ بِالأرْضِ وبُعْدُهُ مانِعًا مِن تَمامِ الِانْتِفاعِ بِها، أشارَ إلى قُرْبِهِ وعَدَمِ عُمُومِ الأرْضِ بِهِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِهِمْ﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الأرْضِ وأسْكَنّاهُ في أعْماقِها فَصارَتْ بِحَيْثُ إذا حُفِرَتْ نَبَعَ مِنها [مِن] الماءِ ما يَجْرِي مِنهُ نَهْرٌ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ مِنَ الماءِ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ - فَكانَ مِن أظْهَرِ الأشْياءِ أنَّهُ غَرَزَ نَباتَهم واخْضَرَّتْ سُهُولُهم وجِبالُهم، فَكَثُرَتْ زُرُوعُهم وثِمارُهم، فاتَّسَعَتْ أحْوالُهم وكَثُرَتْ أمْوالُهم فَتَيَسَّرَتْ آمالُهم - أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لِهَوانِهِمْ اسْتِدْراجًا لَهم بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي كانَتْ عَنْ بَطَرِهِمْ النِّعْمَةَ ولَمْ نُبالِ بِهِمْ ولا أغْنَتْ عَنْهم نِعَمُهم.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما أبْقى عَلى عَبْدِهِ أوْ صاحِبِهِ خَوْفًا مِنَ الِاحْتِياجِ …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ ما مَضى: ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ ويُكَذِّبُونَكَ فِيما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحَقِّ مَعَ ما أوْضَحْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ ونَصَبْتَ مِنَ الدَّلائِلِ، وكانَ ﷺ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، كانَ المَقامُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ لِسانُ الحالِ: أنْزِلْ عَلَيْهِمْ يا رَبِّ ما يَنْتَقِلُونَ بِهِ مِنَ النَّظَرِ بِالفِكْرِ إلى العِيانِ كَما اقْتَرَحُوا عَلَيَّ، فَأخْبَرَهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ [الأنعام: ٤] تَحْقِيقًا لَهُ وتَصْوِيرًا في جَرْيَتِهِ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ كِتابًا﴾ أيْ: مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ أيْ: ورَقٍ، إجابَةً لِما أشارَ عَلَيْهِمْ اليَهُودُ بِاقْتِراحِهِ، ثُمَّ حَقَّقَ أنَّهُ واضِحُ الأمْرِ، لَيْسَ بِخَيالٍ ولا فِيهِ نَوْعُ لَبْسٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى الرُّؤْيَةِ. وزادَ في التَّحْقِيقِ والتَّصْوِيرِ ودَفْعِ التَّجَوُّزِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأيْدِيهِمْ لَقالَ﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِنَ المَوْجُودِينَ مَن يَسْكُتُ ويُؤْمِنُ ولَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حُكْمًا بِتَأبُّدِ كُفْرِهِمْ سَتْرًا لِلْآياتِ عِنادًا ومُكابَرَةً، ولَعَلَّهُ أسْقَطَ مِنهم إشارَةً إلى عُمُومِ دَعْوَتِهِ، أيْ: مِنَ العَرَبِ ومِن غَيْرِهِمْ مِن أُمَّةِ دَعْوَتِكَ، ولا سِيَّما اليَهُودُ المُشارُ إلى تَعَنُّتِهِمْ وكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا إلا سِحْرٌ﴾ أيْ: تَمْوِيهٌ وخَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وزادُوا في الوَقاحَةِ فَقالُوا: ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: واضِحٌ ظاهِرٌ، قالَ صاحِبُ كِتابِ (الزِّينَةِ): مَعْنى السِّحْرِ في كَلامِ العَرَبِ التَّعْلِيلُ بِالشَّيْءِ والمُدافَعَةُ بِهِ والتَّعْزِيرُ بِشَيْءٍ لا مَحْصُولَ لَهُ، يُقالُ: سَحَرَهُ - إذا عَلَّلَهُ وعَزَّرَهُ وشَبَّهَ عَلَيْهِ حَتّى لا يَدْرِيَ مِن أيْنَ يَتَوَجَّهُ ويَقْلِبُ عَنْ وجْهِهِ، فَكَأنَّ السَّحَرَةَ يُعَلِّلُونَ النّاسَ بِالباطِلِ ويُشَبِّهُونَ الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ ويَقْلِبُونَهُ عَنْ جِهَتِهِ.

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

ولَمّا بَيَّنَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإجابَةِ إلى ما أشارَ إلى أنَّ اليَهُودَ اقْتَرَحُوهُ مِن إنْزالِ الكِتابِ - أخْبَرَ أنَّهم اقْتَرَحُوا ظُهُورَ المَلِكِ [لَهُمْ]، وبَيَّنَ لَوازِمَهُ، فَإنَّهم قالُوا: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا لَوَجَبَ كَوْنُهُ مَلَكًا لِيَكُونَ أكْثَرَ عِلْمًا وأقْوى قُدْرَةً وأظْهَرَ امْتِيازًا عَنِ البَشَرِ، فَتَكُونُ الشُّبْهَةُ في رِسالَتِهِ أقَلَّ، والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ كانَ الأوْلى تَحْصِيلُهُ بِما هو أسْرَعُ إيصالًا إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وقالُوا لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ ظاهِرًا لَنا يُكَلِّمُنا ونُكَلِّمُهُ ولا يَحْتَجِبُ عَنّا.

ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهم مُشِيرًا إلى شُبْهَتِهِمْ، نَقَضَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ﴾ أيْ: والحالُ أنّا لَوْ ﴿أنْـزَلْنا﴾ وأسْقَطَ أداةَ الِاسْتِعْلاءِ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ في رَدِّ كَلامِهِمْ إلى ذِكْرِها. ولِئَلّا يَكُونَ فِيهِ تَسَلِّيهِمْ لِما لَوَّحُوا إلَيْهِ مِن إنْكارِهِمْ نُزُولَ المَلَكِ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ ﴿مَلَكًا﴾ أيْ: كَما اقْتَرَحُوهُ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ عَلى صُورَتِهِ أوْ لا، فَإنْ كانَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها لَمْ يَثْبُتُوا لِرُؤْيَتِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: بِهَلاكِهِمْ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً عَلى طَرِيقِ كَلامِ القادِرِينَ إلى غايَةِ السُّرْعَةِ لِسُهُولَةِ الأمْرِ وخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْظُرُهُ أحَدٌ مِنهم إلّا صُعِقَ، ولَئِنْ أعْطَيْناهم قُوَّةً يَثْبُتُونَ بِها لِنَظَرِهِ لَيَكُونَنَّ قَضاءٌ لِلْأمْرِ وانْفِصالٌ لِلنِّزاعِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ذَلِكَ كَشْفٌ لِلْغِطاءِ وفَواتٌ لِلْإيمانِ بِالغَيْبِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُنا بِالإهْلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإذا هم هالِكُونَ عَلى كُلٍّ مِن هَذَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ مُهَوِّلًا لِرُتْبَتِهِ بِحَرْفِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: عَلى حالَةٍ مِن هاتَيْنِ، وأمّا إنْ جَعَلْناهُ عَلى صُورَةٍ يَسْتَطِيعُونَ نَظَرَها فَإنّا نَجْعَلُهُ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، فَإنَّها أكْمَلُ الصُّوَرِ، وحِينَئِذٍ يَقَعُ لَهم اللَّبْسُ الَّذِي وقَعَ لَهم بِدُعائِكَ، وهو مَعْنى

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

﴿ولَوْ جَعَلْناهُ﴾ أيْ: مَطْلُوبَهم ﴿مَلَكًا﴾ أيْ: يُمْكِنُ في مَجارِي العاداتِ في هَذِهِ الدّارِ رُؤْيَتُهم لَهُ وبَقاؤُهم بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ أيْ: في صُورَةِ رَجُلٍ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى تَمامِ اللَّبْسِ حَتّى [إنَّهُ] لا يَشُكُّ أحَدٌ يَراهُ في كَوْنِهِ رَجُلًا، كَما كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْزِلُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، فَإذا رَآهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمْ يَشُكَّ أنَّهُ دِحْيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”و“ لَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا ”لَلَبَسْـنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبَسُونَ“ أيْ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِجَعْلِنا إيّاهُ رَجُلًا ما يَخْلِطُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الرِّسالَةَ لا تَصِحُّ مِنَ البَشَرِ، فَلَوْ كانَ هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولٌ رَسُولًا لَكانَ مَلَكًا، فَوَقَعَ اللَّبْسُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولٌ، مَلَكًا كانَ رَجُلًا، ويَجُوزُ أنْ يُقَرَّرَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا﴾ [الأنعام: ٧] في حَيِّزِ ﴿كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] أيْ: أعْرَضُوا عَنّا لَوْ نَزَّلْناها عَلَيْكَ في غَيْرِ قِرْطاسٍ، ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ مِنَ السَّماءِ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَجَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ بَيْنَ حِسِّ البَصَرِ واللَّمْسِ لَأعْرَضُوا، وقالَ الَّذِينَ أبَّدْنا كُفْرَهم عِنادًا ومُكابَرَةً: ما هَذا إلّا سِحْرٌ ظاهِرٌ، ويَكُونُ ”وقالُوا“ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٧] ويَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ اقْتِراحِهِمْ لِذَلِكَ بِما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الإسْراءِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِها، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمَغِيبٍ.

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

ولَمّا قَطَعَ الرَّجاءَ لِهِدايَةِ مَن حَكَمَ بِشَقاوَتِهِ، وكانَ طَلَبُهم لِإنْزالِ المَلَكِ ونَحْوِهِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والِاسْتِهْزاءِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غايَةَ المَشَقَّةِ - التَفَتَتْ النَّفْسُ إلى الإراحَةِ مِنهم وتَوَقَّعَتْهُ لِما تَقَدَّمَ مِن مَظاهِرِ العَظَمَةِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ في سِياقٍ مُتَكَفِّلٍ بِتَسْلِيَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ سُنَّتَهُ فِيمَن فَعَلَ فِعْلَهم، فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ﴾ [الأنعام: ٥] -: ﴿ولَقَدِ﴾ أيْ: هَذا مِنهم إنَّما هو اسْتِهْزاءٌ بِكَ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ أيْ: أُوقِعَ الهَزْءُ وأُوجِدَ مِنَ الأُمَمِ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَنكِيَّ الِاسْتِهْزاءُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، وإشارَةً إلى أنَّهُ كانَ يَقَعُ لَهم ذَلِكَ مِنَ الأعْلى والأدْنى ﴿بِرُسُلٍ﴾

ولَمّا كانَ القُرْبُ في الزَّمَنِ في مِثْلِ هَذا مِمّا يُسَلِّي، وكانَ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والإرْسالِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الزَّمَنَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ فَأهْلَكْنا مَن هَزَأ بِهِمْ، وهو مَعْنى ﴿فَحاقَ﴾ أيْ: فَأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَتَوَعَّدُونَ بِهِ، وكانَ سَبَبًا لِهَزْئِهِمْ.

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.