Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

جملة { الحمد لله } تفيد استحقاق الله تعالى الحمد وحده دون غيره لأنّها تدلّ على الحصر . واللام لتعريف الجنس ، فدلّت على انحصار استحقاق هذا الجنس لله تعالى . وقد تقدّم بيان ذلك مستوفى في أول سورة الفاتحة .ثم إنّ جملة { الحمد لله } هنا خبر لفظاً ومعنىً إذ ليس هنا ما يصرف إلى قصد إنشاء الحمد بخلاف ما في سورة الفاتحة لأنّه عقّب بقوله : { إيّاك نعبد } [ الفاتحة : 5 ] إلى آخر السورة ، فمن جوّز في هذه أن تكون إنشاء معنى لم يُجد التأمّل .فالمعنى هنا أنّ الحمد كُلّه لا يستحقّه إلاّ الله ، وهذا قصر إضافي للردّ على المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيّلوه من إسدائها إليهم نعماً ونصراً وتفريج كربات ، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحُد : أعلُ هُبل لنا العُزّى ولا عُزّى لكم . ويجوز أن يكون قصراً حقيقياً على معنى الكمال وأنّ حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنّه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة الله على يديه ، والمقصود هو هو ، وهو الردّ على المشركين ، لأنّ الأصنام لا تستحقّ الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم عليه السلام «لمَ نعْبُدُ ما لا يسمع ولا يُبْصر ولا يُغْني عنك شيئاً» . ولذلك عقّبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة { ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون }.والموصول ، في محلّ الصفة لاسم الجلالة ، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة الخلق الذي عمّ السماوات والأرض وما فيهنّ من الجواهر والأعراض . وذلك أوجز لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى . وليس في التعريف بالموصولية هنا إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله ، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت . والجملة الخبرية لا تعلّل ، لأنّ الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله . فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعدُ { ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون }.وجمع : { السماوات } لأنّها عوالم كثيرة ، إذ كلّ كوكب منها عالم مستقلّ عن غيره ، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبّر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى . وأفرد الأرض لأنّها عالم واحد ، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض في القرآن جمعاً .وقوله : { وجعل الظلمات والنور } أشار في «الكشاف» أنّ ( جعلَ ) إذا تعدّى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى ( خلق ). والفرق بينه وبين ( خلق ) ؛ فإنّ في الخلق ملاحظة معنى التقدير ، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب ، يعني كون المجعول مخلوقاً لأجل غيره أو منتسباً إلى غيره ، فيعْرف المنتسب إليه بمعونة المقام . فالظلمات والنور لمّا كانا عرضين كان خلقهما تكويناً لتُكيَّف موجودات السماوات والأرض بهما . ويعرف ذلك بذكر { الظلمات والنور } عقب ذكر { السماوات والأرض } ، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض ، ولفظ الجعل للظلمات والنور ، ومنه قوله تعالى :{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } [ الأعراف : 189 ] فإنّ الزوج وهو الأنثى مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر ، ولذلك عقّبه بقوله : { ليسكن إليها } [ الأعراف : 189 ] والخلق أعمّ في الإطلاق ولذلك قال تعالى في آية أخرى { يأيها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } [ النساء : 1 ] لأنّ كلّ تكوين لا يخلو من تقدير ونظام .وخَصّ بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين ، وهما : الظلمات والنور فقال { وجعل الظلمات والنور } لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما . وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر وأعراض . فالتفرقة بين فعل ( خلق ) وفعل ( جعل ) هنا معدود من فصاحة الكلمات . وإنّ لكلّ كلمة مع صاحبتها مقاماً ، وهو ما يسمّى في عرف الأدباء برشاقة الكلمة ففعل ( خلق ) ألْيق بإيجاد الذوات ، وفعل ( جعل ) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها .والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار العرب …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

استئناف لغرض آخر للتعجيب من حال المشركين إذ أنكروا البعث ، فإنّه ذكّرهم ابتداء بخلق السماوات والأرض ، وعجّب من حالهم في تسويتهم ما لم يخلق السماوات ولا الأرض بالله تعالى في الإلهيّة . ثم ذكّرهم بخلقهم الأول ، وعجّب من حالهم كيف جمعوا بين الاعتراف بأنّ الله هو خالقهم الخلق الأول فكيف يمترون في الخلق الثاني .وأتي بضمير ( هو ) في قوله { هو الذي خلقكم } ليحصل تعريف المسند والمسند إليه معاً ، فتفيد الجملة القصر في ركني الإسناد وفي متعلّقها ، أي هو خالقكم لا غيره ، من طين لا من غيره ، وهو الذي قضى أجلاً وعنده أجل مسمّى فينسحب حكم القصر على المعطوف على المقصور . والحال الذي اقتضى القصر هو حال إنكارهم البعث لأنّهم لمّا أنكروه وهو الخلق الثاني نزّلوا منزلة من أنكر الخلق الأول إذ لا فرق بين الخلقين بل الإعادة في متعارف الصانعين أيسرُ كما قال تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [ الروم : 27 ] وقال { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خَلق جديد } [ ق : 15 ]. والقصر أفاد نفي جميع هذه التكوينات عن غير الله من أصنامهم ، فهو كقوله : { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء } [ الروم : 40 ].والخطاب في قوله { خلقكم } موجّه إلى الذين كفروا ، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد التوبيخ .وذكر مادّة ما منه الخلق بقوله : { من طين } لإظهار فساد استدلالهم على إنكار الخلق الثاني ، لأنّهم استبعدوا أن يعاد خلق الإنسان بعد أن صار تراباً . وتكرّرت حكاية ذلك عنهم في القرآن ، فقد اعترفوا بأنّهم يصيرون تراباً بعد الموت ، وهم يعترفون بأنّهم خلقوا من تراب ، لأنّ ذلك مقرّر بين الناس في سائر العصور ، فاستدلّوا على إنكار البعث بما هو جدير بأن يكون استدلالاً على إمكان البعث ، لأنّ مصيرهم إلى تراب يقرّب إعادة خلقهم ، إذ صاروا إلى مادة الخلق الأوّل ، فلذلك قال الله هنا { هو الذي خلقكم من طين } وقال في آيات الاعتبار بعجيب تكوينه { إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } [ الإنسان : 2 ] ، وأمثال ذلك .وهذا القدح في استدلالهم يسمّى في اصطلاح علم الجدل القولَ بالموجَب ، والمنبّهُ عليه من خطأ استدلالهم يسمّى فساد الوضع .ومعنى { خلقكم من طين } أنّه خلق أصل النّاس وهو البشر الأوّل من طين ، فكان كلّ البشر راجعاً إلى الخلق من الطين ، فلذلك قال { خلقكم من طين }.وقال في موضع آخر { إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } [ الإنسان : 2 ] أي الإنسان المتناسل من أصل البشر .و { ثم } للترتيب والمهلة عاطفة فعل { قضى } على فعل { خلق } فهو عطف فعل على فعل وليس عطف جملة على جملة .والمهلة هنا باعتبار التوزيع ، أي خلق كلّ فرد من البشر ثم قضى له أجله ، أي استوفاه له ، ف { قضى } هنا ليس بمعنى ( قدّر ) لأنّ تقدير الأجل مقارن للخلق أو سابق له وليس متأخّراً عنه ولكن { قضى } هنا بمعنى ( أوفى ) أجل كلّ مخلوق كقوله : { فلمّا قضينا عليه الموت } [ سبأ : 14 ] ، أي أمتناه . ولك أن تجعل ( ثم ) للتراخي الرتبي .وإنّما اختير هنا ما يدلّ على تنهية أجل كلّ مخلوق من طين دون أن يقال : إلى أجل ، لأنّ دلالة تنهية الأجل على إمكان الخلق الثاني ، وهو البعث ، أوضح من دلالة تقدير الأجل ، لأنّ التقدير خفي والذي يعرفه الناس هو انتهاء أجل الحياة ، ولأنّ انتهاء أجل الحياة مقدمة للحياة الثانية .وجملة { وأجل مسمّى عنده } معترضة بين جملة { ثم قضى أجلاً }.وجملة { ثم أنتم تمترون }.وفائدة هذا الاعتراض إعلام الخلق بأنّ الله عالم آجال الناس ردّاً على قول المشركين { ما يهلكنا إلاّ الدهر } [ الجاثية : 24 ].وقد خولفت كثرة الاستعمال في تقديم الخبر الظرف على كلّ مبتدأ نكرة موصوفة ، نحو قوله تعالى : { ولي نعجة واحدة } [ ص : 23 ] ، حتّى قال صاحب «الكشاف» : إنّه الكلام السائر ، فلم يقدّم الظرف في …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

وقوله : { في السموات وفي الأرض } متعلّق بالكون المستفاد من جملة القصر ، أو بما في { الحمد لله } [ الأنعام : 1 ] من معنى الإنفراد بالإلهية ، كما يقول من يذكر جواداً ثم يقول : هو حاتم في العرب ، وهذا لقصد التنصيص على أنّه لا يشاركه أحد في صفاته في الكائنات كلّها .وقوله : { يعلم سرّكم وجهركم } جملة مقرّرة لمعنى جملة { وهو الله } ولذلك فصلت ، لأنّها تتنزّل منا منزلة التوكي لأنّ انفراده بالإلهية في السماوات وفي الأرض ممّا يقتضي علمه بأحوال بعض الموجودات الأرضية .ولا يجوز تعليق { في السماوات وفي الأرض } بالفعل في قوله : { يعلم سرّكم } لأنّ سرّ النّاس وجهرهم وكسبهم حاصل في الأرض خاصّة دون السماوات ، فمن قدّر ذلك فقد أخطأ خطأ خفيّاً .وذكر السرّ لأنّ علم السرّ دليل عموم العلم ، وذكر الجهر لاستيعاب نوعي الأقوال . والمراد ب { تكسبون } جميع الاعتقادات والأعمال من خير وشر فهو تعريض بالوعد والوعيد .والخطاب لجميع السامعين؛ فدخل فيه الكافِرون ، وهم المقصود الأول من هذا الخطاب ، لأنّه تعليم وإيقاظ بالنسبة إليهم وتذكير بالنسبة إلى المؤمنين .

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

هذا انتقال إلى كفران المشركين في تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أقيمت عليهم الحجّة ببطلان كفرهم في أمر الشرك بالله في الإلهية ، وقد عطف لأنّ الأمرين من أحوال كفرهم ولأنّ الذي حملهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم هو دعوته إياهم إلى التوحيد ، فمن أجله نشأ النزاع بينهم وبينه فكذبوه وسألوه الآيات على صدقه .وضمائر جمع الغائبين مراد منها المشركون الذين هم بعض من شملته ضمائر الخطاب في الآية التي قبلها ، ففي العدول عن الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إليهم إلتفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم ، تنصيصاً على ذلك ، وإعراضاً عن خطابهم ، وتمحيضاً للخطاب للمؤمنين ، وهو من أحسن الالتفات ، لأنّ الالتفات يحسنّه أن يكون له مقتض زائد على نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب المرادُ منه تجديد نشاط السامع . وتكون الواو استئنافية وما بعدها كلاماً مستأنفاً ابتدائياً .واستعمل المضارع في قوله : { تأتيهم } للدلالة على التجدّد وإن كان هذا الإتيان ماضياً أيضاً بقرينة المضي في قوله : { إلا كانوا }.والمراد بإتيانها بلوغها إليهم وتحدّيهم بها ، فشبّه البلوغ بمجيء الجائي ، كقول النابغة: ... أتاني أبيت اللعن أنّك لمتنيوحذف ما يدّل على الجانب المأتي منه لظهوره من قوله : { من آيات ربّهم } ، أي ما تأتيهم من عند ربّهم آية من آياته إلاّ كانوا عنها معرضين .و { من } في قوله : { من آية } لتأكيد النفي لقصد عموم الآيات التي أتت وتأتي . و { من } التي في قوله : { من آيات ربّهم } تبعيضية . والمراد بقوله : { من آية } كلّ دلالة تدلّ على انفراد الله تعالى بالإلهية . من ذلك آيات القرآن التي لإعجازها لم كانت دلائل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من الوحدانية . وكذلك معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام مثل انشقاق القمر . وتقدّم معنى الآية عند قوله تعالى : { والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا } في سورة البقرة ( 39 ).وإضافة الربّ إلى ضميرهم هم } لقصد التسجيل عليهم بالعقوق لحقّ العبودية ، لأنّ من حقّ العبد أن يُقبل على ما يأتيه من ربّه وعلى من يأتيه يقول له : إنّي مُرسل إليك من ربّك ، ثمّ يتأمّل وينظر ، وليس من حقّه أن يعرض عن ذلك إذ لعلّه يعرض عمّا إن تأمله علم أنّه من عند ربّه .والاستثناء مفرّغ من أحوال محذوفة .وجملة : { كانوا عنها معرضين } في موضع الحال . واختير الإتيان في خبر كان بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أنّ هذا الإعراض متحقّق من دلالة فعل الكون ، ومتجدّد من دلالة صيغة اسم الفاعل لأنّ المشتقّات في قوة الفعل المضارع . والاستثناء دلّ على أنّهم لم يكن لهم حال إلاّ الإعراض .وإنّما ينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمّل ، فهو دليل على أنّ المعرض مكذّب للمخبِر المعرِض عن سماعه .وأصل الإعراض صرف الوجه عن النظر في الشيء وهو هنا مجاز في إباء المعرفة ، فيشمل المعنى الحقيقي بالنسبة إلى الآيات المبصرات كانشقاق القمر ، ويشمل ترك الاستماع للقرآن ، ويشمل المكابرة عن الاعتراف بإعجازه وكونه حقّاً بالنسبة للذين يستمعون القرآن ويكابرونه ، كما يجيء في قوله : { ومنهم من يستمع إليك }.وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة .

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

الفاء فصيحة على الأظهر أفصحت عن كلام مقدّر نشأ عن قوله : { إلا كانوا عنها معرضين } ، أي إذا تقرّر هذا الإعراض ثبت أنّهم كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم من عند الله ، فإنّ الإعراض علامة على التكذيب ، كما قدّمته آنفاً ، فما بعد فاء الفصيحة هو الجزاء . ومعناه أنّ من المعلوم سوء عواقب الذين كذّبوا بالحق الآتي من عند الله فلمّا تقرّر في الآية السابقة أنّهم أعرضوا آيات الله فقد ثبت أنّهم كذّبوا بالحقّ الوارد من الله ، ولذلك فرّع عليه قوله : { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } تأكيداً لوعد المؤمنين بالنصر وإظهار الإسلام على الدين كلّ وإنذار للمشركين بأن سيحلّ بهم ما حلّ بالأمم الذين كذّبوا رسلهم ممّن عرفوا مثل عاد وثمود وأصحاب الرسّ .وبهذا التقدير لم تكن حاجة إلى جعل الفاء تفريعاً محضاً وجعل ما بعدها علّة لجزاء محذوف مدلول عليه بعلّته كما هو ظاهر «الكشاف» ، وهي مضمون { فقد كذّبوا } بأن يقدّر : فلا تعجب فقد كذّبوا بالقرآن ، لأنّ من قدّر ذلك أوهمه أنّ تكذيبهم المراد هو تكذيبهم بالآيات التي أعرضوا عنها ما عدا آية القرآن . وهذا تخصيص لعموم قوله : { من آية } بلا مخصّص ، فإنّ القرآن من جملة الآيات بل هو المقصود أولاً ، وقد علمت أنّ { فقد كذّبوا } هو الجزاء وأنّ له موقعاً عظيماً من بلاغة الإيجاز ، على أنّ ذلك التقدير يقتضي أن يكون المراد من الآيات في قوله : { من آيات ربّهم } ما عدا القرآن . وهو تخصيص لا يناسب مقام كون القرآن أعظمها .والفاء في قوله : { فسوف } فاء التسبّب على قوله : { كذّبوا بالحقّ } ، أي يترتّب على ذلك إصابتهم بما توعّدهم به الله .وحرف التسويف هنا لتأكيد حصول ذلك في المستقبل . واستعمل الإتيان هنا في الإصابة والحصول على سبيل الاستعارة . والأنباء جمع نبأ ، وهو الخبر الذي ب أهميّة . وأطلق تحقّق نبئِه ، لأنّ النبأ نفسه قد علم من قبل .و { ما كانوا به يستهزئون } هو القرآن ، كقوله تعالى : { ذلكم بأنّكم اتَّخذتم آيات الله هزؤاً } فإنّ القرآن مشتمل على وعيدهم بعذاب الدنيا بالسيف ، وعذاب الآخرة . فتلك أنباءٌ أنبأهم بها فكذبّوه واستهزؤا به فتوعّدهم الله بأنّ تلك الأنباء سيصيبهم مضمونها . فلمّا قال لهم : { ما كانوا به يستهزئون } علموا أنّها أنباء القرآن لأنّهم يعلمون أنّهم يستهزئون بالقرآن وعلم السامعون أنّ هؤلاء كانوا مستهزئين بالقرآن . وتقدّم معنى الاستهزاء عند قوله تعالى في سورة البقرة : { إنّما نحن مستهزئون }.

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

الجملة بيان لجملة : { فسوف يأتيهم أنبار ما كانوا به يستهزئون . جاء بيانها بطريقة الاستفهام الإنكاري عن عدم رؤية القرون الكثيرة الذين أهلكتهم حوادث خارقة للعادة يدلّ حالها على أنّها مسلّطة عليهم من الله عقاباً لهم على التكذيب .والرؤية يجوز أن تكون قلبية ، أي ألم يعلموا كثرة القرون الذين أهلكناهم ، ويجوز أن تكون بصربة بتقدير : ألم يروا آثار القرون التي أهلكناها كديار عاد وحِجْر ثمود ، وقد رآها كثير من المشركين في رحلاتهم ، وحدّثوا عنها الناس حتى تواترت بينهم فكانت بمنزلة المرئي وتحقّقتها نفوسهم .وعلى كلا الوجهين ففعل يَرَوا } معلّق عن العمل في المفعولين أو المفعول ، باسم الاستفهام وهو { كم }.و ( كم ) اسم للسؤال عن عدد مبهم فلا بدّ بعده من تفسير ، وهو تمييزه . كما تقدّم في قوله تعالى : { سَل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية } في سورة البقرة ( 211 ) وتكون خبرية فتدلّ على عدد كبير مبهم ولا بدّ من مفسّر هو تمييز للإبهام . فأمّا الاستهامية فمفسّرها منصوب أو مجرور ، وإن كانت خبرية فمفسّرها مجرور لا غير ، ولمّا كان ( كم ) اسماً في الموضعين كان له موقع الأسماء بحسب العوامل رفعٌ ونصب وجرّ ، فهي هنا في موضع مفعول أو مفعولين ليرَوا }.و ( مَنْ ) فزائدة جارّة لمميّز { كم } الخبرية لوقوع الفصل بينها وبين مميّزها فإنّ ذلك يوجب جرّه ب ( من ) ، كما بيّناه عند قوله تعالى : { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بيّنة } في سورة البقرة .والقرن أصله الزمن الطويل ، وكثر إطلاقه على الأمّة التي دامت طويلاً . قال تعالى : من بعد ماأهلكنا القرون الأولى }.وفسّر القرن بالأمّة البائدة . ويطلق القرن على الجيل من الأمّة ، ومنه حديث { خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم }.ويطلق على مقدار من الزمن قدره مائة سنة على الأشهر ، وقيل : غير ذلك .وجملة : { مكّنّّاهم } صفة ل { قرن } وروعي في الضمير معنى القرن لأنّه دالّ على جمع .ومعنى : { مكّنّاهم في الأرض } ثبّتناهم وملّكناهم ، وأصله مشتقّ من المكان . فمعنى مكّنه ومكّن له ، وضع له مكاناً . قال تعالى : { أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً }.ومثله قولهم : أرَضَ له . ويكنّى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرّف ، لأنّ صاحب المكان يتصرّف في مكانه وبيته ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر . ويقال : هو مكين بمعنى مُمَكّن ، فعيل بمعنى مفعول . قال تعالى : { إنّك اليوم لدينا مكين أمين } فهو كناية أيضاً بمرتبة ثانية ، أو هو مجاز مرسل مرتّب على المعنى الكنائي . والتمكين في الأرض تقوية التصرّف في منافع الأرض والاستظهار بأساباب الدنيا ، بأن يكون في منعة من العدوّ وفي سعة في الرزق وفي حسن حال ، قال تعالى : { إمّا مكنّا له في الأرضأ ، وقال : الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة } الآية .فمعنى مكَّنه : جعله متمكّناً ومعنى مكّن له : جعله متمكّناً لأجله ، أي رعيا له ، مثل حمده وحمد له ، فلم تزده اللام ومجروورها إلاّ إشارة إلى أنّ الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول ، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصيّر مكّنه ومكّن له بمعنى واحد ، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي . ودليل ذلك قوله تعالى : هنا { مكّنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم } فإنّ المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعيّن أن يكون معنى الفعلين مستوياً ، ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين ، إذ التفاوت لا يظهر إلاّ في شيء واحد ، ولأنّ كون القرون الماضية أقوى تمكّنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين ، وقد عكس هنا . وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكّنه ومكّن له ، وقول الزمخشري بأن : مكّن له بمعنى جعل له مكاناً ، ومكّنه بمعنى أثبته . وكلام الراغب أمكن عربية . وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

يجوز أن تكون الواو عاطفة والمعطوف عليه جملة { وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم } الخ ، وما بينهما جملاً تعلّقت بالجملة الأولى على طريقة الاعتراض ، فلمّا ذكر الآيات في الجملة الأولى على وجه العموم ذكر هنا فرض آية تكون أوضحَ الآيات دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهي أن ينزّل الله عليه كتاباً من السماء على صورة الكتب المتعارفة ، فرأوه بأبصارهم ولمسوه بأيديهم لمَّا آمنوا ولادّعوا أنّ ذلك الكتاب سحر .ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير { كذّبوا } في قوله : { فقد كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم } أي أنكروا كون القرآن من عند الله ، وكونه آية على صدق الرول ، وزعموا أنّه لو كان من عند الله لنزل في صورة كتاب من السماء ، فإنّهم قالوا : { لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة } وقالوا { حتى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه } فكان قوله : { فقد كذّبوا بالحقّ لما جاءهم } مشتملاً بالإجمال على أقوالهم فصحّ مجيء الحال منه . وما بينهما اعتراض أيضاً .وعلى الوجه الأول فالكتاب الشيء المكتوب سواء كان سفراً أم رسالة ، وعلى الثاني فالمراد بكتاببٍ سفرٌ أي مثل التوراة .والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لا محالة لأنّ كلّ ينزل من القرآن موجّه إليه لأنّه المبلّغ ، فانتقال الخطاب إليه بعد الحديث عن ذوي ضمائر أخرى لا يحتاج إلى مناسبة في الأنتقال . وليس يلزم أن يكون المراد كتاباً فيه تصديقه بل أعمّ من ذلك .وقوله : { في قرطاس } صفة لكتاب ، والظرفية مجازية من ظرفية اسم الشيء في اسم جزئه . والقرطاس بكسر القاف على الفصيح ، ونقل ضمّ القاف وهو ضعيف . وهو اسم للصحيفة التي يكتب فيها ويكون من رَقّ ومن بَرْدى ومن كاغد ، ولا يختصّ بما كان من كاغد بل يسمّى قرطاساً ما كان من رقّ . ومن النّاس من زعم أنّه لا يقال قرطاس إلاّ لما كان مكتوباً وإلاّ سمّي طَرساً ، ولم يصحّ . وسمّى العرب الأديم الذي يجعل غرضاً لمتعلّم الرمي قرطاساً فقالوا : سَدّد القرطاس ، أي سدّد رميه . قال الجواليقي : القرطاس تكلّموا به قديماً ويقال : إنّ أصله غير عربي . ولم يذكر ذلك الراغب ولا لسان العرب ولا القاموس ، وأثبته الخفاجي في شفاء الغليل . وقال : كان معرّباً فلعلّه معرّب عن الرومية ، ولذلك كان اسم الورقة في لغة بعضهم اليوم ( كارتا ).وقوله : { فَلَمسوه } عطف على { نزّلنا }.واللمس وضع اليد على الشيء لمعرفة وجوده ، أو لمعرفة وصف ظاهره من لين أو خشونة ، ومن برودة أو حرارة ، أو نحو ذلك . فقوله : { بأيديهم } تأكيد لمعنى اللمس لرفع احتمال أن يكون مجازاً في التأمّل ، كما في قوله تعالى : { وإنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئَت حرساً شديداً وشهباً } ، وللإفصاح عن منتهى ما اعتيد من مكابرتهم ووقاحتهم في الإنكار والتكذيب ، وللتمهيد لقوله : { لقال الذين كفروا إن هذا إلاّ سحر مبين } لأنّ المظاهر السحرية تخيّلات لا تلمس .وجاء قوله : { الذين كفروا } دون أن يقول : لقالوا ، كما قال : { فلمسوه } إظهاراً في مقام الإضمار لقصد تسجيل أنّ دافعهم إلى هذا التعنّت هو الكفر ، لأنّ الموصول يؤذن بالتعليل .ومعنى : { إن هذا إلاّ سحر مبين } أنّهم يغالطون أنفسهم ويغالطون قومهم لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم . وهذا شأن المغلوب المحجوج أن يتعلّق بالمعاذير الكاذبة .والمبين : البيّن الواضح ، مشتقّ من ( أبان ) مرادف ( بان ). وتقدّم معنى السحر عند قوله تعالى : { يعلّمون الناس السحر } في سورة البقرة ( 102 ).

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

عطف على قوله : { ولو نزّلنا عليك كتاباً } ، لأنّ هذا خبر عن تورّكهم وعنادهم ، وما قبله بيان لعدم جدوى محاولة ما يقلع عنادهم ، فذلك فُرض بإنزال كتاب عليهم ، من السماء فيه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حكاية لاقتراح منهم آية يصدّقونه بها . وفي سيرة ابن إسحاق أنّ هذا القول واقع ، وأنّ من جملة من قال هذا زمعة بن الأسود ، والنضر بن الحارث بن كَلدة ، وعبدة بن عبد يغوث؛ وأبَي ابن خلف ، والعاصي بن وائل ، والوليد بن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومن معهم ، أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سل ربّك أن يبعث معك ملكاً يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك .فقوله : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } أي لولا أنزل عليه ملك نشاهده ويخبرنا بصدقه ، لأنّ ذلك هو الذي يتطلّبه المعاند . أمّا نزول الملك الذي لا يرونه فهو أمر واقع ، وفسّره قوله تعالى في الآية الأخرى : { لولا أنزل إليه ملك فيكونَ معه نذيراً } في سورة الفرقان ( 7 ).والضمير عائد إلى الذين كفروا } وإن كان قاله بعضهم ، لأنّ الجميع قائلون بقوله : وموافقون عليه .و { لولا } للتحضيض بمعنى ( هلاً ). والتحضيض مستعمل في التعجيز على حسب اعتقادهم . وضمير { عليه } للنبيء صلى الله عليه وسلم ومعاد الضمير معلوم من المقام ، لأنّه إذا جاء في الكلام ضمير غائب لم يتقدّم له معاد وكان بين ظهرانيهم من هو صاحب خبر أو قصة يتحدّث الناس بها تعيّن أنَّه المراد من الضمير . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين استأذنه في قتل ابن صيّاد : «إن يكْنه فلن تسلّط عليه وإلاّ يكْنه فلا خير لك في قتلة» . يريد من مائر الغيبة الثلاثة الأولى الدجّال لأنّ الناس كانوا يتحدّثون أنّ ابن صيّاد هو الدجّال . ومثل الضمير اسم الإشارة إذا لم يذكر في الكلام اسم يشار إليه . كما ورد في حديث أبي ذرّ أنّه قال لأخيه عند بعثة محمد صلى الله عليه وسلم " اذهب فاستعلم لنا علم هذا الرجل " وفي حديث سؤال القبر " فيقال له ( أي للمقبور ) : ما علمك بهذا الرجل " يعني أنّ هذا قولهم فيما بينهم ، أو قولهم للذي أرسلوه إلى النبي أن يسأل الله أن يبعث معه ملكاً . وقد افهوه به مرة أخرى فيما حكاه الله عنهم : { وقالوا يا أيّها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } فإنّ ( لَوْما ) أخت ( لولا ) في إفادة التحضيض .وقوله : { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون } معناه : لو أنزلنا ملكاً على الصفة التي اقترحوها يكلّمهم لقضي الأمر ، أي أمرهم؛ فاللام عوض عن المضاف إليه بقرينة السياق ، أي لقضي أمر عذابهم الذي يتهدَّدهم به .ومعنى : { قُضي } تُمّم ، كما دلّ عليه قوله : { ثم لا ينظرون } ؛ ذلك أنّه لا تنزل ملائكة غير الذين سخّرهم الله للأمور المعتادة مثللِ الحفظة ، وملك الموت ، والملك الذي يأتي بالوحي؛ إلاّ ملائكة تنزل لتأييد الرسل بالنصر على من يكذّبهم ، مثل الملائكة التي نزلت لنصر المؤمنين في بدر . ولا تنزل الملائكة بين القوم المغضوب عليهم إلاّ لإنزال العذاب بهم ، كما نزلت الملائكة في قوم لوط . فمشركو مكة لمّا سألوا النبي أن يريهم ملكاً معه ظنّوا مقترحهم تعجيزاً ، فأنبأهم الله تعالى بأنّهم اقترحوا أمراً لو أجيبوا إليه لكان سبباً في مناجزة هلاكهم الذي أمهلهم إليه فيه رحمة منه .ولعلّ حكمة ذلك أنّ الله فطر الملائكة على الصلابة والغضب للحقّ بدون هوادة ، وجعل الفطرة الملكية سريعة لتنفيذ الجزاء على وفق العمل ، كما أشار إليه قوله تعالى : { ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى } ، فلذلك حجزهم الله عن الاتّصال بغير العباد المكرّمين الذين شابهن نفوسهم الإنسانية النفوس الملكية ، ولذلك حجبهم الله عن النزول إلى الأرض إلاّ في أحوال خاصّة ، كما قال تعالى عنهم : { وما تتنزّل إلاّ بأمر ربّك } ، وكما قال : { ما تنزّل الملائكة إلاّ بالحقّ } فلو أنّ الله …

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

وقوله : { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً } عطف على قوله : { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر } فهو جواب ثان عن مقترحهم ، فيه ارتقاء في الجواب ، وذلك أنّ مقترحهم يستلزم الاستغناء عن بعثة رسول من البشر لأنّه إذا كانت دعوة الرسول البشري غير مقبولة عندهم إلاّ إذا قارنه ملك يكون معه نذيراً كما قالوه وحكي عنهم في غير هذه الآية ، فقد صار مجيء رسول بشري إليهم غير مجد للاستغناء عنه بالملك الذي يصاحبه ، على أنّهم صرّحوا بهذا اللازم فيما حكي عنهم في غير هذه الآية ، وهو قوله تعالى : { قالوا لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة } ، فجاء هذا الجواب الثاني صالحاً لردّ الاقتراحين ، ولكنّه رُوعي في تركيب ألفاظه ما يناسب المعنى الثاني لكلامهم فجيء بفعل { جعلنا } المقتي تصيير شيء آخر أو تعويضه به . فضمير { جعلناه } عائد إلى الرسول الذي عاد إليه ضمير { لولا أنزل عليه ملك } ، أي ولو اكتفينا عن إرسال رسول من نوع البشر وجعلنا الرسول إليهم ملكاً لتعيّن أن نصّور ذلك الملك بصورة رجل ، لأنّه لا محيد عن تشكّله بشكل لتمكّن إحاطة أبصارهم به وتحيّزه فإذا تشكّل فإنّما يتشكّل في صورة رجل ليطيقوا رؤيته وخطابه ، وحينئذٍ يلتبس عليهم أمره كما التبس عليهم أمر محمد صلى الله عليه وسلمفجملة { ولبسنا عليهم ما يلبسون } من تمام الدليل والحجّة عليهم بعدم جدوى إرسال الملك .واللّبس : خلط يعرض في الصفات والمعاني بحيث يعسر تمييز بعضها عن بعض . وقد تقدّم عند قوله تعالى : { ولا تلبسوا الحقّ بالباطل } في سورة البقرة ( 42 ). وقد عدّي هنا بحرف ( على ) لأنّ المراد لبس فيه غَلبة لعقولهم .والمعنى : وللبسنا على عقولهم ، فشكّوا في كونه ملكاً فكذّبوه ، إذ كان دأب عقولهم تطلّبَ خوارق العادات استدلالاً بها على الصدق ، وتركَ إعمال النظر الذي يعرف به صدق الصادق .وما } في قوله : { ما يلبسون } مصدرية مجرّدة عن الظرفية ، والمعنى على التشبيه ، أي وللبسنا عليهم لبَسهم الذي وقع لهم حين قالوا : { لولا أنزل عليه ملك } ، أي مثل لبَسهم السابق الذي عرض لهم في صدق محمد عليه الصلاة والسلام .وفي الكلام احتباك لأنّ كلا اللبسين هو بتقدير الله تعالى ، لأنّه حرمهم التوفيق . فالتقدير : وللبسنا عليهم في شأن الملك فيلبسون على أنفسهم في شأنه كما لبسنا عليهم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم إذ يلبسون على أنفسهم في شأنه . وهذا الكلام كلّه منظور فيه إلى حمل اقتراحهم على ظاهر حاله من إرادتهم الاستدلال ، فلذلك أجيبوا عن كلامهم إرخاء للعنان ، وإلاّ فإنّهم ما أرادوا بكلامهم إلاّ التعجيز والاستهزاء ، ولذلك عقّبه بقوله : { ولقد استهزىء برسل من قبلك } الآية .

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

عطف على جملة : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } لبيان تفنّنهم في المكابرة والعناد تصلّباً في شركهم وإصراراً عليه ، فلا يتركون وسيلة من وسائل التنفير من قبول دعوة الإسلام إلاّ توسّلوا بها . ومناسبة عطف هذا الكلام على قوله : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } أنّهم كانوا في قولهم ذلك قاصدين التعجيز والاستهزاء معاً ، لأنّهم ما قالوه ألاّ عن يقين منهم أنّ ذلك لا يكون ، فابتدىء الردّ عليهم بإبطال ظاهر كلامهم بقوله : { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر }.ثم ثنّى بتهديدهم على ما أرادوه من الاستهزاء ، والمقصود مع ذلك تهديدهم بأنّهم سيحيق بهم العذاب وأنّ ذلك سنة الله في كلّ أمّة استهزأت برسول له .فقوله : { ولقد استهزىء برسل من قبلك } يدلّ على جملة مطوية إيجازاً ، تقديرها : واستهزأوا بك ولقد استهزأ أمم برسل من قبلك ، لأنّ قوله من { قبلك } ، لأنّ قوله من { قبلك } يؤذن بأنّه قد استهزىء به هو أيضاً وإلاّ لم تكن فائدة في وصف الرسل بأنّهم من قبله لأنّ ذلك معلوم . وحُذف فاعل الاستهزاء فبنى الفعل إلى المجهول لأنّ المقصود هنا هو ترتّب أثر الاستهزاء لا تعيين المستهزئين .واللام للقسم ، و { قد } للتحقيق ، وكلاهما يدلّ على تأكيد الخبر . والمقصود تأكيده باعتبار ما تفرّع عنه ، وهو قوله : { فحاق بالذين سخروا } الخ ، لأنّ حال المشركين حال من يتردّد في أنّ سبب هلاك الأمم السالفة هو الاستهزاء بالرسل ، إذ لولا تردّدهم في ذلك لأخذوا الحيطة لأنفسهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، الذي جاءهم فنظروا في دلائل صدقه وما أعرضوا ، ليستبرئوا لأنفسهم من عذاب متوقّع ، أو نزّلوا منزلة المتردّد إن كانوا يعلمون ذلك لعدم جريهم على موجب علمهم . واستهزاؤهم له أفانين ، منها قولهم : { لولا أنزل عليه ملك }.ومعنى الاستهزاء تقدّم عند قوله تعالى : { إنّما نحن مستهزئون في سورة البقرة . وهو مرادف للسخرية في كلام أئمّة اللغة ، فذكر استهزىء } أولاً لأنّه أشهر ، ولمّا أعيد عبّر ب { سخروا } ، ولمّا أعيد ثالث مرّة رّجع إلى فعل { يستهزئون } ، لأنّه أخفّ من ( يسخرون ). وهذا من بديع فصاحة القرآن المعجزة .و { سخروا } بمعنى هزأوا ، ويتعدّى إلى المفعول ب { من } ، قيل : لا يتعدّى بغيرها . وقيل : يتعدّى بالباء . وكذا الخلاف في تعدية هزأ واستهزأ . والأصحّ أنّ كلا الفعلين يتعدّى بحرف ( من ) والباء ، وأنّ الغالب في ( هزأ ) أن يتعدّى بالباء ، وفي { سخر } أن يتعدّى ب { من }.وأصل مادّة { سخر } مؤذن بأنّ الفاعل اتّخذ المفعول مسخّراً يتصرف فيه كيف شاء بدون حرمة لشدّة قرب مادّة { سخر } المخفّف من مادّة التسخير ، أي التطويع فكأنّه حوّله عن حقّ الحرمة الذاتية فاتّخذ منه لنفسه سخرية .وفعل { حاق } اختلف أئمَّة اللغة في معناه . فقال الزجّاج : هو بمعنى أحاط ، وتبعه الزمخشري ، وفسّره الفرّاء بمعنى عاد عليه .وقال الراغب : أصله حقّ ، أي بمعنى وجب ، فأبدل أحد حرفي التضعيف حرف علّة تخفيفاً ، كما قالوا تظنّي في تظنّن ، أي وكما قالوا : تقضّى البازي ، بمعنى تقضّض . والأظهر ما قاله أبو إسحاق الزجّاج .واختير فعل الإحاطة للدلالة على تمكّن ذلك منهم وعدم إفلاته أحداً منهم .وإنّما جيء بالموصول في قوله : { بالذين سخروا } ولم يقل بالساخرين للإيماء إلى تعليل الحكم ، وهو قوله { فحاق }.و { منهم } يتعلّق ب { سخروا } ، والضمير المجرور عائد إلى الرسل ، لزيادة تقرير كون العقاب لأجلهم ترفيعاً لشأنهم . و { ما } في قوله : { ما كانوا به يستهزئون } موصولة . والباء في { به } لتعدية فعل الاستهزاء . ووجود الباء مانع من جعل { ما } غير موصولة . وهو ما أطال التردّد فيه الكاتبون .والمراد ب { ما كانوا به يستهزئون } ما أنذرهم الرسل به من سوء العاقبة وحلول العذاب بهم ، فحصل بذلك فائدة أخرى ، وهي أنّ المستهزئين كانوا يستهزئون بالرسل وخاصّة بما ينذرونهم به من حلول العذاب إن …

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.