Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 161–165 of 165

161

قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allah."

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ، وما تَخَلَّلَها، إلى فَذْلَكَةِ ما أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في هَذا الشَّأْنِ، غَلْقًا لِبابِ المُجادَلَةِ مَعَ المُعْرِضِينَ، وإعْلانًا بِأنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَ لِنَفْسِهِ ما كانَ يُجادِلُهم فِيهِ لِيَتَقَلَّدُوهُ وأنَّهُ ثابِتٌ عَلى ما جاءَهم بِهِ، وأنَّ إعْراضَهم لا يُزَلْزِلُهُ عَنِ الحَقِّ.

وفِيهِ إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ لِأنَّ الواعِظَ والمُناظِرَ إذا ما أشْبَعَ الكَلامَ في غَرَضِهِ، ثُمَّ أخَذَ يُبَيِّنُ ما رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وما قَرَّ عَلَيْهِ قَرارُهُ، عَلِمَ السّامِعُ أنَّهُ قَدْ أخَذَ يَطْوِي سِجِلَّ المُحاجَّةِ، ولِذَلِكَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ. فَأمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ يَقُولَ أشْياءَ يُعْلِنُ بِها أُصُولَ دِينِهِ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِالقَوْلِ ثَلاثَ مَرّاتٍ تَنْوِيهًا بِالمَقُولِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] فَزادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ هَذا قُلْ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، لِيُبَيِّنَ أنَّ هَذا الدِّينَ إنَّما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بِهَدْيٍ

صفحة ١٩٨

مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ جَعَلَهُ دِينًا قَيِّمًا عَلى قَواعِدِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ زائِدٌ بِما تَضَمَّنَهُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ إذْ هَداهُ إلى ذَلِكَ الصِّراطِ الَّذِي هو سَبِيلُ النَّجاةِ.

وافْتُتِحَ الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ لِلِاعْتِزازِ بِمَرْبُوبِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ لِلَّهِ تَعالى، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أضَلَّهم أرْبابُهم، ولَوْ وحَّدُوا الرَّبَّ الحَقِيقَ بِالعِبادَةِ لَهَداهم.

وقَوْلُهُ: ﴿هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَتْ هَيْئَةَ الإرْشادِ إلى الحَقِّ المُبَلَّغِ بِالنَّجاةِ بِهَيْئَةِ مَن يَدُلُّ السّائِرَ عَلى الطَّرِيقِ المُبَلِّغَةِ لِلْمَقْصُودِ.

والمُناسَبَةُ بَيْنَ الهِدايَةِ وبَيْنَ الصِّراطِ تامَّةٌ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الهِدايَةِ التَّعَرُّفُ بِالطَّرِيقِ، يُقالُ: هو هادٍ خِرِّيتٌ، وحَقِيقَةُ الصِّراطِ الطَّرِيقُ الواسِعَةُ. وقَدْ صَحَّ أنْ تُسْتَعارَ الهِدايَةُ لِلْإرْشادِ والتَّعْلِيمِ، والصِّراطُ لِلدِّينِ القَوِيمِ، فَكانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا قابِلًا لِلتَّفْكِيكِ وهو أكْمَلُ أحْوالِ التَّمْثِيلِيَّةِ.

ووُصِفَ الصِّراطُ بِالمُسْتَقِيمِ، أيِ الَّذِي لا خَطَأ فِيهِ ولا فَسادَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، والمَقْصُودُ إتْمامُ هَيْئَةِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ دِينٌ لا يَتَطَرَّقُ مُتَّبِعَهُ شَكٌّ في نَفْعِهِ كَما لا يَتَرَدَّدُ سالِكُ الطَّرِيقِ الواسِعَةِ الَّتِي لا انْعِطافَ فِيها ولا يَتَحَيَّرُ في أمْرِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: دِينًا تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ مُؤْذِنٌ بِالمُشَبَّهِ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ مِن: ”صِّراطَ“ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.

والدِّينُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وهو السِّيرَةُ الَّتِي يَتَّبِعُها النّاسُ.

صفحة ١٩٩

والقَيِّمُ بِفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ كَما قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، …

Al-An'aam 6:161Listen in Qur'an →
162

قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allah, Lord of the worlds.

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايْ ومَماتِيَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ، أيْضًا، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّفْرِيعِ عَنِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ اسْتُؤْنِفَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ مُهِمٌّ في ذاتِهِ، وإنْ كانَ مُتَفَرِّعًا عَنْ غَيْرِهِ، وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هو الإخْلاصُ لِلَّهِ في العِبادَةِ، وهو مُتَفَرِّعٌ عَنِ التَّوْحِيدِ،

صفحة ٢٠١

ولِذَلِكَ قِيلَ: الرِّياءُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ. عُلِّمَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ عَقِبَ ما عُلِّمَهُ بِما ذُكِرَ قَبْلَهُ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهُ هَداهُ ثُمَّ ألْهَمَهُ الشُّكْرَ عَلى الهِدايَةِ بِأنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ تَعالى. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا.

وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ المَقُولِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِتَحْقِيقِهِ، أوْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُرائِي بِصَلاتِهِ، فَقَدْ «قالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ: ألا تَنْظُرُونَ إلى هَذا المُرائِي أيُّكم يَقُومُ إلى جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِها وسَلاها فَإذا سَجَدَ وضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . فَتَكُونُ إنَّ عَلى هَذا لِرَدِّ الشَّكِّ.

واللّامُ في لِلَّهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ، أيْ هي بِتَيْسِيرِ اللَّهِ فَيَكُونُ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ اللَّهِ جَعَلَ صَلاتَهُ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ. ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ لا شَرِيكَ لَهُ.

والنُّسُكُ حَقِيقَتُهُ العِبادَةُ ومِنهُ يُسَمّى العابِدُ النّاسِكُ.

والمَحْيا والمَماتُ يُسْتَعْمَلانِ مَصْدَرَيْنِ مِيمِيَّيْنِ، ويُسْتَعْمَلانِ اسْمَيْ زَمانٍ، مِن حَيِيَ وماتَ، والمَعْنَيانِ مُحْتَمَلانِ فَإذا كانَ المُرادُ مِنَ المَحْيا والمَماتِ المَعْنى المَصْدَرِيَّ، كانَ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أعْمالُ المَحْيا وأعْمالُ المَماتِ، أيِ الأعْمالُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَتَلَبَّسَ بِها المَرْءُ مَعَ حَياتِهِ، ومَعَ وقْتِ مَماتِهِ. وإذْ كانَ المُرادُ مِنهُما المَعْنى الزَّمَنِيَّ كانَ المَعْنى ما يَعْتَرِيهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَماتِ.

صفحة ٢٠٢

ثُمَّ إنَّ أعْمالَ الحَياةِ كَثِيرَةٌ وفِيرَةٌ، وأمّا الأعْمالُ عِنْدَ المَوْتِ فَهي ما كانَ عَلَيْهِ في مُدَّةِ الحَياةِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، لِأنَّ حالَةَ المَوْتِ أوْ مَدَّتَهُ هي الحالَةُ أوِ المَدَّةُ الَّتِي يَنْقَلِبُ فِيها أحْوالُ الجِسْمِ إلى صِفَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الحَياةِ وتِلْكَ حالَةُ الِاحْتِضارِ، وتِلْكَ الحالَةُ قَدْ تُؤَثِّرُ انْقِلابًا في الفِكْرِ أوِ اسْتِعْجالًا بِما لَمْ يَكُنْ يُسْتَعْجَلُ بِهِ الحَيُّ، فَرُبَّما صَدَرَتْ عَنْ صاحِبِها أعْمالٌ لَمْ يَكُنْ يُصْدِرُها في مُدَّةِ الصِّحَّةِ، اتِّقاءً أوْ حَياءً أوْ جَلْبًا لِنَفْعٍ، فَيُرى أنَّهُ قَدْ يَئِسَ مِمّا كانَ يُراعِيهِ، فَيَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ، وأيْضًا لِتِلْكَ الحالَةِ شُئُونٌ خاصَّةٌ تَقَعُ عِنْدَها في العادَةِ مِثْلَ الوَصِيَّةِ، وهَذِهِ كُلُّها مِن أحْوالِ آخِرِ الحَياةِ. ولَكِنَّها تُضافُ إلى المَوْتِ لِوُقُوعِها بِقُرْبِهِ، وبِهَذا يَكُونُ ذِكْرُ المَماتِ مَقْصُودًا …

Al-An'aam 6:162Listen in Qur'an →
163

لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ

No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايْ ومَماتِيَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ، أيْضًا، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّفْرِيعِ عَنِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ اسْتُؤْنِفَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ مُهِمٌّ في ذاتِهِ، وإنْ كانَ مُتَفَرِّعًا عَنْ غَيْرِهِ، وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هو الإخْلاصُ لِلَّهِ في العِبادَةِ، وهو مُتَفَرِّعٌ عَنِ التَّوْحِيدِ،

صفحة ٢٠١

ولِذَلِكَ قِيلَ: الرِّياءُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ. عُلِّمَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ عَقِبَ ما عُلِّمَهُ بِما ذُكِرَ قَبْلَهُ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهُ هَداهُ ثُمَّ ألْهَمَهُ الشُّكْرَ عَلى الهِدايَةِ بِأنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ تَعالى. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا.

وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ المَقُولِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِتَحْقِيقِهِ، أوْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُرائِي بِصَلاتِهِ، فَقَدْ «قالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ: ألا تَنْظُرُونَ إلى هَذا المُرائِي أيُّكم يَقُومُ إلى جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِها وسَلاها فَإذا سَجَدَ وضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . فَتَكُونُ إنَّ عَلى هَذا لِرَدِّ الشَّكِّ.

واللّامُ في لِلَّهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ، أيْ هي بِتَيْسِيرِ اللَّهِ فَيَكُونُ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ اللَّهِ جَعَلَ صَلاتَهُ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ. ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ لا شَرِيكَ لَهُ.

والنُّسُكُ حَقِيقَتُهُ العِبادَةُ ومِنهُ يُسَمّى العابِدُ النّاسِكُ.

والمَحْيا والمَماتُ يُسْتَعْمَلانِ مَصْدَرَيْنِ مِيمِيَّيْنِ، ويُسْتَعْمَلانِ اسْمَيْ زَمانٍ، مِن حَيِيَ وماتَ، والمَعْنَيانِ مُحْتَمَلانِ فَإذا كانَ المُرادُ مِنَ المَحْيا والمَماتِ المَعْنى المَصْدَرِيَّ، كانَ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أعْمالُ المَحْيا وأعْمالُ المَماتِ، أيِ الأعْمالُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَتَلَبَّسَ بِها المَرْءُ مَعَ حَياتِهِ، ومَعَ وقْتِ مَماتِهِ. وإذْ كانَ المُرادُ مِنهُما المَعْنى الزَّمَنِيَّ كانَ المَعْنى ما يَعْتَرِيهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَماتِ.

صفحة ٢٠٢

ثُمَّ إنَّ أعْمالَ الحَياةِ كَثِيرَةٌ وفِيرَةٌ، وأمّا الأعْمالُ عِنْدَ المَوْتِ فَهي ما كانَ عَلَيْهِ في مُدَّةِ الحَياةِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، لِأنَّ حالَةَ المَوْتِ أوْ مَدَّتَهُ هي الحالَةُ أوِ المَدَّةُ الَّتِي يَنْقَلِبُ فِيها أحْوالُ الجِسْمِ إلى صِفَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الحَياةِ وتِلْكَ حالَةُ الِاحْتِضارِ، وتِلْكَ الحالَةُ قَدْ تُؤَثِّرُ انْقِلابًا في الفِكْرِ أوِ اسْتِعْجالًا بِما لَمْ يَكُنْ يُسْتَعْجَلُ بِهِ الحَيُّ، فَرُبَّما صَدَرَتْ عَنْ صاحِبِها أعْمالٌ لَمْ يَكُنْ يُصْدِرُها في مُدَّةِ الصِّحَّةِ، اتِّقاءً أوْ حَياءً أوْ جَلْبًا لِنَفْعٍ، فَيُرى أنَّهُ قَدْ يَئِسَ مِمّا كانَ يُراعِيهِ، فَيَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ، وأيْضًا لِتِلْكَ الحالَةِ شُئُونٌ خاصَّةٌ تَقَعُ عِنْدَها في العادَةِ مِثْلَ الوَصِيَّةِ، وهَذِهِ كُلُّها مِن أحْوالِ آخِرِ الحَياةِ. ولَكِنَّها تُضافُ إلى المَوْتِ لِوُقُوعِها بِقُرْبِهِ، وبِهَذا يَكُونُ ذِكْرُ المَماتِ مَقْصُودًا …

Al-An'aam 6:163Listen in Qur'an →
164

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

Say, "Is it other than Allah I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهْوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾

اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ، مُفْتَتَحٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمّا عُلِمَ أنَّ اللَّهَ هَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنْقَذَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وأمَرَهُ بِأنْ يُمَحِّضَ عِبادَتَهُ وطاعَتَهُ لِرَبِّهِ تَعالى، شُكْرًا عَلى الهِدايَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ يُنْكِرَ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ واهِبَ النِّعَمِ هو مُسْتَحِقُّ الشُّكْرِ، والعِبادَةُ جِماعُ مَراتِبِ الشُّكْرِ، وفي هَذا رُجُوعٌ إلى بَيانِ ضَلالِهِمْ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ. وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِهِ.

صفحة ٢٠٦

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم يَرْغَبُونَ أنْ يَعْتَرِفَ بِرُبُوبِيَّةِ أصْنامِهِمْ، وقَدْ حاوَلُوا مِن ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ سَواءٌ كانُوا حاوَلُوا ذَلِكَ مِنهُ بِقُرْبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أمْ لَمْ يُحاوِلُوهُ، فَهم دائِمُونَ عَلى الرَّغْبَةِ في مُوافَقَتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ النَّقاشِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: ارْجِعْ إلى دِينِنا واعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ وآخِرَتِكَ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ.

وقُدِّمَ المَفْعُولُ عَلى فِعْلِهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، لِأنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ يُبْتَغى لَهُ رَبًّا، ولِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الجَوابِ إذا صَحَّ أنَّ المُشْرِكِينَ دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ لِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ فَيَكُونَ تَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ لِمُوجِبٍ أوْ لِمُوجِبَيْنِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو الحالُ مُعَلَّلٌ لِلْإنْكارِ، أيْ أنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وذَلِكَ بِاعْتِرافِهِمْ، لِأنَّهم لا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ خالِقَةٌ لِشَيْءٍ،، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فَلَمّا كانَ اللَّهُ خالِقَ كُلِّ شَيْءٍ ورَبَّهُ فَلا حَقَّ لِغَيْرِهِ في أنْ يَعْبُدَهُ الخَلائِقُ وعِبادَةُ غَيْرِهِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وكُفْرٌ بِنِعَمِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ إيجادٌ والوُجُودُ أفْضَلُ مِنَ العَدَمِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَلْقِ مُوجِبٌ لِلْعِبادَةِ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ.

وإنَّما قِيلَ ”﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾“، ولَمْ يَقُلْ: وهو رَبِّي، لِإثْباتِ أنَّهُ رَبُّهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِهِ إَثْباتَ حُكْمٍ عامٍّ يَشْمَلُ حُكْمَ المَقْصُودِ الخاصِّ، ولِإفادَةِ أنَّ أرْبابَهم غَيْرُ حَقِيقَةٍ بِالرُّبُوبِيَّةِ أيْضًا لِلَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ”﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾“ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، مُفِيدٌ مُتارَكَةً لِلْمُشْرِكِينَ ومَقْتًا لَهم بِأنَّ عِنادَهم لا يَضُرُّهُ، فَإنَّ ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ

صفحة ٢٠٧

الشِّرْكِ لا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ فَإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ عَلَيْها، وهم مِن جُمْلَةِ الأنْفُسِ فَكَسْبُهم عَلَيْهِمْ لا يَتَجاوَزُهم إلى غَيْرِهِمْ. فالتَّعْلِيمُ في الحُكْمِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ”كُلُّ نَفْسٍ“ فائِدَتُهُ مِثْلُ فائِدَةِ التَّعْمِيمِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .

ودَلَّتْ كَلِمَةُ ”عَلى“ عَلى أنَّ مَفْعُولَ الكَسْبِ المَحْذُوفَ تَقْدِيرُهُ: شَرًّا، أوْ إثْمًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَأْنَ …

Al-An'aam 6:164Listen in Qur'an →
165

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ

And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

يَظْهَرُ أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، وعَلى وُقُوعِهِ، لِأنَّ الَّذِي جَعَلَ بَعْضَ الأجْيالِ خَلائِفَ لِما سَبَقَها، فَعَمَرُوا الأرْضَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، لا يُعْجِزُهُ أنْ يَحْشُرَها جَمِيعًا بَعْدَ انْقِضاءِ عالَمِ حَياتِهِمُ الأُولى، ثُمَّ إنَّ الَّذِي دَبَّرَ ذَلِكَ وأتْقَنَهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ لا يُقِيمَ بَيْنَهم مِيزانَ الجَزاءِ عَلى ما صَنَعُوا في الحَياةِ الأُولى لِئَلّا يَذْهَبَ المُعْتَدُونَ والظّالِمُونَ فائِزِينَ بِما جَنَوْا، وإذا كانَ يُقِيمُ مِيزانَ الجَزاءِ عَلى الظّالِمِينَ فَكَيْفَ يَتْرُكُ إثابَةَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ أشارَ إلى الشِّقِّ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾، وأشارَ إلى الشَّقِّ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِتَذْيِيلِهِ: إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.

فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ وذَلِكَ يُذَكِّرُ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ إلى ما صارَ إلَيْهِ أُولَئِكَ.

صفحة ٢١٠

فَمَوْقِعُ هَذِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم“ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بَعْدَ الإنْذارِ بِسَلْبِها، وتَحْرِيضٌ عَلى تَدارُكِ ما فاتَ، وهو يَفْتَحُ أعْيُنَهم لِلنَّظَرِ في عَواقِبِ الأُمَمِ وانْقِراضِها وبَقائِها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وتَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيْ جَعَلَكم خَلائِفَ الأُمَمِ الَّتِي مَلَكَتِ الأرْضَ فَأنْتُمْ خَلائِفُ لِلْأرْضِ، فَتَكُونُ بِشارَةُ الأُمَّةِ بِأنَّها آخِرُ الأُمَمِ المَجْعُولَةِ مِنَ اللَّهِ لِتَعْمِيرِ الأرْضِ. والمُرادُ: الأُمَمُ ذَواتُ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ وأيًّا ما كانَ فَهو تَذْكِيرٌ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ ومِنَّتِهِ لِاسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ.

والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، والخَلِيفَةُ: اسْمٌ لِما يُخْلَفُ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ يُجْعَلُ خَلَفًا عَنْهُ، أيْ عِوَضَهُ، يُقالُ: خَلِيفَةٌ وخِلْفَةٌ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وظَهَرَتْ فِيهِ التّاءُ لِأنَّهم لَمّا صَيَّرُوهُ اسْمًا قَطَعُوهُ عَنْ مَوْصُوفِهِ.

وإضافَتُهُ إلى الأرْضِ عَلى مَعْنى ”في“ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ خَلائِفَ فِيها، أيْ خَلَفَ بِكم أُمَمًا مَضَتْ قَبْلَكم كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُّسُلِ في مُخاطَبَةِ أقْوامِهِمْ: ”﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]“، ”﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]“، ”﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]“ . والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ.

وفِي هَذا أيْضًا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ تَتَضَمَّنُ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جَعَلَهم خَلائِفَ غَيْرِهِمْ فَقَدْ أنْشَأهم وأوْجَدَهم عَلى حِينِ أعْدَمَ غَيْرَهم، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ قَدَّرَ بَقاءَ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَهم لَما وُجِدَ هَؤُلاءِ.

صفحة ٢١١

وعَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ يَجْرِي عَلى …

Al-An'aam 6:165Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.