Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 101–110 of 165

101

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion and He created all things? And He is, of all things, Knowing.

صفحة ٤١٠

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهْوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ وهَذا شُرُوعٌ في الإخْبارِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهي تُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَقْوِيَةَ التَّنْزِيهِ في قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] فَتَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ التَّنْزِيهِ بِمَضْمُونِها أيْضًا، وبِهَذا الوَجْهِ رُجِّحَ فَصْلُها عَلى عَطْفِها فَإنَّ ما يَصِفُونَهُ هو قَوْلُهم: إنَّ لَهُ ولَدًا وبَناتٍ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّنْزِيهَ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الشَّيْءِ المُنَزَّهِ عَنْهُ وإبْطالُهُ، فَعُلِّلَ الإبْطالُ بِأنَّهُ خالِقُ أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ، فَإذا كُنْتُمْ تَدَّعُونَ بُنُوَّةَ الجِنِّ والمَلائِكَةِ لِأجْلِ عَظَمَتِها في المَخْلُوقاتِ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَ الجِنَّ ولا المَلائِكَةَ فَلِماذا لَمْ تَدَّعُوا البُنُوَّةَ لِلسَّماواتِ والأرْضِ المُشاهَدَةِ لَكم وأنْتُمْ تَرَوْنَها وتَرَوْنَ عِظَمَها. فَهَذا الإبْطالُ بِمَنزِلَةِ النَّقْضِ في عِلْمِ الجَدَلِ والمُناظَرَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿بَدِيعُ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُلْتَزَمِ الحَذْفِ في مِثْلِهِ، وهو مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الجارِي عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ عِنْدَما يَتَقَدَّمُ الحَدِيثُ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ يُعَقَّبُ بِخَبَرٍ عَنْهُ مُفْرَدٍ، كَما تَقَدَّمَ في مَواضِعَ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِدْلالُ عَلى انْتِفاءِ البُنُوَّةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِإبْداعِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ خَلْقَ المَحَلِّ يَقْتَضِي خَلْقَ الحالِّ فِيهِ، فالمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ بِأنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ وأنَّ الجِنَّ في الأرْضِ والفَيافِي، فَيَلْزَمُهم حُدُوثُ المَلائِكَةِ والجِنِّ وإلّا لَوُجِدَ الحالُّ قَبْلَ وُجُودِ المَحَلِّ، وإذا ثَبَتَ الحُدُودُ ثَبَتَ انْتِفاءُ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ ابْنَ الإلَهِ لا يَكُونُ إلّا إلَهًا فَيَلْزَمُ قِدَمُهُ، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ حُدُوثُهُ،

صفحة ٤١١

ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُمُ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا بِقَوْلِهِ ”﴿سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ التَّنْزِيهِ مِنَ الإبْطالِ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِاخْتِلافِ طَرِيقِ الإبْطالِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى أبْطَلَتْ دَعْواهم مِن جِهَةِ فَسادِ الشُّبْهَةِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ النَّقْضِ في المُناظَرَةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ أبْطَلَتِ الدَّعْوى مِن جِهَةِ إبْطالِ الحَقِيقَةِ فَكَأنَّها مِن جِهَةِ خَطَأِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ قَوْلَهم بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ والجِنَّ أبْناءُ اللَّهِ يَتَضَمَّنُ دَلِيلًا مَحْذُوفًا عَلى البُنُوَّةِ، وهو أنَّهم مَخْلُوقاتٌ شَرِيفَةٌ، فَأبْطَلَ ذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ بِما يُنافِي الدَّعْوى وهو انْتِفاءُ الزَّوْجَةِ الَّتِي هي أصْلُ الوِلادَةِ، فَهَذا الإبْطالُ الثّانِي بِمَنزِلَةِ المُعارَضَةِ في المُناظَرَةِ.

وأنّى بِمَعْنى مِن أيْنَ وبِمَعْنى كَيْفَ.

والواوُ في ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ …

Al-An'aam 6:101Listen in Qur'an →
102

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ

That is Allah, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ .

وُقُوعُ اسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ إجْراءِ الصِّفاتِ والأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حَقِيقٌ بِالأخْبارِ والأوْصافِ الَّتِي تَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنِّي تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] قَبْلَ هَذا، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُشارُ إلَيْهِ هو المَوْصُوفُ بِالصِّفاتِ المُضَمَّنَةِ بِالأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ، ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ عَنِ اتِّباعِ اسْمِ الإشارَةِ بِبَيانٍ أوْ بَدَلٍ، والمَعْنى: ذَلِكُمُ المُبْدِعُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ والخالِقُ كُلَّ شَيْءٍ والعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، أيْ هو الَّذِي تَعْلَمُونَهُ. وقَوْلُهُ رَبُّكم صِفَةٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ حالٌ مِن رَبِّكم أوْ صِفَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ صِفَةٌ لِـ ”رَبُّكم“ أوْ لِاسْمِ الجَلالَةِ، وإنَّما لَمْ نَجْعَلْهُ خَبَرًا لِأنَّ الإخْبارَ قَدْ تَقَدَّمَ بِنَظائِرِهِ في قَوْلِهِ ”﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١]“ .

صفحة ٤١٣

وجُمْلَةُ فاعْبُدُوهُ مُفَرَّعَةٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾“ وقَدْ جَعَلَ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ مُفَرَّعًا عَلى وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ لِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ، والِانْفِرادُ بِالرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالعِبادَةِ، وقَدْ فُهِمَ هَذا التَّخْصِيصُ مِنَ التَّفْرِيعِ.

ووَجْهُ أمْرِهِمْ بِعِبادَتِهِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَتَوَجَّهُونَ بِأعْمالِ البِرِّ في اعْتِقادِهِمْ إلّا إلى الأصْنامِ فَهم يَزُورُونَها ويُقَرِّبُونَ إلَيْها القَرابِينَ ويَنْذِرُونَ لَها النُّذُورَ ويَسْتَعِينُونَ بِها ويَسْتَنْجِدُونَ بِنُصْرَتِها، وما كانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا في مَوْسِمِ الحَجِّ، عَلى أنَّهم قَدْ خَلَطُوهُ بِالتَّقَرُّبِ إلى الأصْنامِ إذْ جَعَلُوا فَوْقَ الكَعْبَةِ (هُبَلَ)، وجَعَلُوا فَوْقَ الصَّفا والمَرْوَةِ (إسافًا ونائِلَةَ) . وكانَ كَثِيرٌ مِنهم يُهِلُّ لِـ (مَناةَ) في مُنْتَهى الحَجِّ، فَكانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِها صَرِيحًا، وأُمِرُوا بِالِاقْتِصارِ عَلَيْها بِطَرِيقِ الإيماءِ بِالتَّفْرِيعِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”فاعْبُدُوهُ“ مُعْتَرِضَةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”فاعْبُدُوهُ“ بِناءً عَلى جَوازِ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ والعَكْسِ (وهو الحَقُّ)، عَلى وجْهِ تَكْمِيلِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، بِأنَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِالأشْياءِ كُلِّها مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإنْعامِ وكُلُّ ما يَطْلُبُ المَرْءُ حِفْظَهُ لَهُ، فالوَجْهُ عِبادَتُهُ ولا وجْهَ لِعِبادَةِ غَيْرِهِ، فَإنَّ اسْمَ الوَكِيلِ جامِعٌ لِمَعْنى الحِفْظِ والرِّقابَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

Al-An'aam 6:102Listen in Qur'an →
103

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ

Vision perceives Him not, but He perceives [all] vision; and He is the Subtle, the Acquainted.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ .

جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِإفادَةِ عَظَمَتِهِ تَعالى وسَعَةِ عِلْمِهِ، فَلِعَظَمَتِهِ جَلَّ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِن أبْصارِ المَخْلُوقِينَ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِانْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الأصْنامِ

صفحة ٤١٤

الَّتِي هي أجْسامٌ مَحْدُودَةٌ مَحْصُورَةٌ مُتَحَيِّزَةٌ، فَكَوْنُها مُدْرَكَةً بِالأبْصارِ مِن سِماتِ المُحْدَثاتِ لا يَلِيقُ بِالإلَهِيَّةِ ولَوْ كانَتْ آلِهَةً لَكانَتْ مُحْتَجِبَةً عَنِ الأبْصارِ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ الَّتِي عَبَدَها بَعْضُ العَرَبِ، وأمّا الجِنُّ والمَلائِكَةُ وقَدْ عَبَدُوهُما فَإنَّهُما وإنْ كانا غَيْرَ مُدْرَكَيْنِ بِالأبْصارِ في المُتَعارَفِ لِكُلِّ النّاسِ ولا في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا أنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَبْدُو لَهم تارّاتٍ في الفَيافِي وغَيْرِها. قالَ شَمِرُ بْنُ الحارِثِ الضَّبِّيُّ:

أتَوْا نارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنْتُمْ فَقالُوا الجِنُّ قُلْتُ عِمُوا ظَلاما

ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ يَظْهَرُونَ لِبَعْضِ النّاسِ، يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ.

والإدْراكُ حَقِيقَتُهُ الوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى شُعُورِ الحاسَّةِ بِالمَحْسُوسِ أوِ العَقْلِ بِالمَعْقُولِ يُقالُ: أدْرَكَ بَصَرِي وأدْرَكَ عَقْلِي تَشْبِيهًا لِآلَةِ العِلْمِ بِشَخْصٍ أوْ فَرَسٍ وصَلَ إلى مَطْلُوبِهِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، ويُقالُ: أدْرَكَ فُلانٌ بِبَصَرِهِ وأدْرَكَ بِعَقْلِهِ، ولا يُقالُ: أدْرَكَ فُلانٌ بِدُونِ تَقْيِيدٍ، واصْطَلَحَ المُتَأخِّرُونَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والحُكَماءِ عَلى تَسْمِيَةِ الشُّعُورِ العَقْلِيِّ إدْراكًا، وجَعَلُوا الإدْراكَ جِنْسًا في تَعْرِيفِ التَّصَوُّرِ والتَّصْدِيقِ، ووَصَفُوا صاحِبَ الفَهْمِ المُسْتَقِيمِ بِالدَّرّاكَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إسْنادُ الإدْراكِ إلى اسْمِ اللَّهِ مُشاكَلَةً لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإدْراكُ فِيهِ مُسْتَعارًا لِلتَّصَرُّفِ لِأنَّ الإدْراكَ مَعْناهُ النَّوالُ.

والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وهو اسْمٌ لِلْقُوَّةِ - الَّتِي بِها النَّظَرُ - المُنْتَشِرَةِ في إنْسانِ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ الحَدَقَةِ وبِهِ إدْراكُ المُبْصَراتِ. والمَعْنى: لا تُحِيطُ بِهِ أبْصارُ المُبْصِرِينَ لِأنَ المُدْرِكَ في الحَقِيقَةِ هو المُبْصِرُ لا الجارِحَةُ، وإنَّما الجارِحَةُ وسِيلَةٌ لِلْإدْراكِ؛ لِأنَّها تُوَصِّلُ الصُّورَةَ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ في الدِّماغِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا بَيانُ مُخالَفَةِ خُصُوصِيَّةِ الإلَهِ الحَقِّ عَنْ خُصُوصِيّاتِ آلِهَتِهِمْ في هَذا العالِمِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُرى، وأصْنامُهم تُرى، وتِلْكَ الخُصُوصِيَّةُ مُناسِبَةٌ

صفحة ٤١٥

لِعَظَمَتِهِ تَعالى، فَإنَّ عَدَمَ إحاطَةِ الأبْصارِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ مِن عَظَمَتِهِ فَلا تُطِيقُهُ الأبْصارُ، فَعُمُومُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ أنْ يُدْرِكَهُ شَيْءٌ مِن أبْصارِ المُبْصِرِينَ في الدُّنْيا كَما هو السِّياقُ.

ولا دَلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَرى في الآخِرَةِ، كَما تَمَسَّكَ بِهِ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ، وهُمُ المُعْتَزِلَةُ لِأنَّ لِلْأُمُورِ الآخِرَةِ أحْوالًا لا تَجْرِي عَلى مُتَعارِفِنا، وأحْرى أنْ لا دَلالَةَ فِيها عَلى جَوازِ رُؤْيَتِهِ تَعالى في الآخِرَةِ. ومَن حاوَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَكَلَّفَ ما لا يَتِمُّ كَما صَنَعَ الفَخْرُ في تَفْسِيرِهِ.

والخِلافُ في رُؤْيَةِ اللَّهِ في الآخِرَةِ شائِعٌ بَيْنَ طَوائِفِ …

Al-An'aam 6:103Listen in Qur'an →
104

قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."

﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .

هَذا انْتِقالٌ مِن مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ، وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] . فاسْتُؤْنِفَ الكَلامُ بِتَوْجِيهِ خِطابٍ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَقُولٍ لِفِعْلِ أمْرٍ بِالقَوْلِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ، حُذِفَ عَلى الشّائِعِ مِن حَذْفِ القَوْلِ لِلْقَرِينَةِ في قَوْلِهِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ . ومُناسِبَةُ وُقُوعِ هَذا الِاسْتِئْنافِ عَقِبَ الكَلامِ المَسُوقِ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ كالتَّوْقِيفِ والشَّرْحِ والفَذْلَكَةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ فَيُقَدَّرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ

وبَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ؛ والبَصِيرَةُ: العَقْلُ الَّذِي تَظْهَرُ بِهِ المَعانِي والحَقائِقُ، كَما أنَّ البَصَرَ إدْراكُ العَيْنِ الَّذِي تَتَجَلّى بِهِ الأجْسامُ، وأُطْلِقَتِ البَصائِرُ عَلى ما هو سَبَبٌ فِيها.

وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَصائِرِ اسْتِعارَةٌ لِلْحُصُولِ في عُقُولِهِمْ، شُبِّهَ بِمَجِيءِ شَيْءٍ كانَ غائِبًا، تَنْوِيهًا بِشَأْنِ ما حَصَلَ عِنْدَهم بِأنَّهُ كالشَّيْءِ الغائِبِ المُتَوَقَّعِ مَجِيئُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] . وخُلُوُّ فِعْلِ ”جاءَ“ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ فاعِلَهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى جَمْعِ تَكْسِيرٍ مُطْلَقًا أوْ جَمْعِ مُؤَنَّثٍ يَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ وخُلُوُّهُ عَنْها.

و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِـ ”جاءَ“ أوْ صِفَةٌ لِـ ”بَصائِرُ“، وقَدْ جُعِلَ خِطابُ اللَّهِ بِها

صفحة ٤١٩

بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ السَّيْرِ مِن جانِبِهِ تَعالى، وهو مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والزَّمانِ، فالِابْتِداءُ مَجازٌ لُغَوِيٌّ، أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ بِتَقْدِيرِ: مِن إرادَةِ رَبِّكم. والمَقْصُودُ التَّنْوِيهُ بِهَذِهِ التَّعالِيمِ والذِّكْرَياتِ الَّتِي بِها البَصائِرُ، والحَثُّ عَلى العَمَلِ بِها، لِأنَّها مُسْداةٌ إلَيْهِمْ مِمَّنْ لا يَقَعُ في هَدْيِهِ خَلَلٌ ولا خَطَأٌ، مَعَ ما في ذِكْرِ الرَّبِّ وإضافَتِهِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَقْوِيَةِ داعِي العَمَلِ بِهَذِهِ البَصائِرِ.

ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾، أيْ فَلا عُذْرَ لَكم في الِاسْتِمْرارِ عَلى الضَّلالِ بَعْدَ هَذِهِ البَصائِرِ، ولا فائِدَةَ لِغَيْرِكم فِيها (﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾) أبْصَرَ أيْ مَن عَلِمَ الحَقَّ فَقَدْ عَلِمَ عِلْمًا يَنْفَعُ نَفْسَهُ، ومَن عَمِيَ أيْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا وِزْرُهُ عَلى نَفْسِهِ.

فاسْتُعِيرَ الإبْصارُ في قَوْلِهِ ”أبْصَرَ“ لِلْعِلْمِ بِالحَقِّ والعَمَلِ بِهِ؛ لِأنَّ المُهْتَدِيَ بِهَذا الهَدْيِ الوارِدِ مِنَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ الَّذِي نُوِّرَ لَهُ الطَّرِيقُ بِالبَدْرِ أوْ غَيْرِهِ، فَأبْصَرَهُ وسارَ فِيهِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أبْصَرَ تَمْثِيلًا مُوجَزًا ضُمِّنَ فِيهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ المُرْشِدِ إلى الحَقِّ إذا عَمِلَ بِما أرْشَدَ بِهِ، بِهَيْئَةِ المُبْصِرِ إذا انْتَفَعَ بِبَصَرِهِ.

واسْتُعِيرَ العَمى في قَوْلِهِ عَمِيَ لِلْمُكابَرَةِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الضَّلالِ بَعْدَ حُصُولِ ما شَأْنُهُ أنْ يُقْلِعَهُ لِأنَّ المُكابِرَ بَعْدَ ذَلِكَ كالأعْمى لا يَنْتَفِعُ بِإنارَةِ طَرِيقٍ ولا بِهَدْيِ هادٍ خِرِّيتٍ. ويَجُوزُ اعْتِبارُ التَّمْثِيلِيَّةِ فِيهِ أيْضًا كاعْتِبارِها في …

Al-An'aam 6:104Listen in Qur'an →
105

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And thus do We diversify the verses so the disbelievers will say, "You have studied," and so We may make the Qur'an clear for a people who know.

﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ فَهو مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةِ ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] الَّتِي هي مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِتَقْدِيرِ (قُلْ) كَما تَقَدَّمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ وكَذَلِكَ إلى التَّصْرِيفِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ نُصَرِّفُ الآياتِ. أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وأوَّلُها قَوْلُهُ ”﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والقَوْلُ في تَصْرِيفِ الآياتِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٤٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى وكَذَلِكَ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ . وقَدْ

صفحة ٤٢٢

تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذا العَطْفِ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] مِن هَذِهِ السُّورَةِ. ولَكِنْ ما هُنا يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ مُخالَفَةً ما؛ فَإنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَرَسْتَ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِتَصْرِيفِ الآياتِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُسْتَعارَةً لِمَعْنى العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . المَعْنى فَكانَ لَهم عَدُوًّا. وكَذَلِكَ هُنا، أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ مِثْلَ هَذا التَّصْرِيفِ السّاطِعِ فَيَحْسَبُونَكَ اقْتَبَسْتَهُ بِالدِّراسَةِ والتَّعْلِيمِ فَيَقُولُوا: دَرَسْتَ. والمَعْنى: أنا نُصَرِّفُ الآياتِ ونُبَيِّنُها تَبْيِينًا مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْدُرَ مِنَ العالِمِ الَّذِي دَرَسَ العِلْمَ فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ دَرَسْتَ هَذا وتَلَقَّيْتَهُ مِنَ العُلَماءِ والكُتُبِ، لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُوصِلِ إلى أنَّ صُدُورَ مِثْلِ هَذا التَّبْيِينِ مِن رَجُلٍ يَعْلَمُونَهُ أُمِّيًّا لا يَكُونُ إلّا مِن قِبَلِ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ”ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعْلِمُهُ بَشَرٌ“ وهم قَدْ قالُوا ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ويَقُولُونَهُ ويَزِيدُونَ بِمِقْدارِ زِيادَةِ تَصْرِيفِ الآياتِ، فَشَبَّهَ تَرَتُّبَ قَوْلِهِمْ عَلى التَّصْرِيفِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ، واسْتُعِيرَ لِهَذا المَعْنى الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِلْعِلَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ولِذَلِكَ سَمّى بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ مِثْلَ هَذِهِ اللّامِ لامَ الصَّيْرُورَةِ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ الصَّيْرُورَةَ مَعْنًى مِن مَعانِي اللّامِ ولَكِنَّهُ إفْصاحٌ عَنْ حاصِلِ المَعْنى.

والدِّراسَةُ: القِراءَةُ بِتَمَهُّلٍ لِلْحِفْظِ أوْ لِلْفَهْمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وفِعْلُهُ مِن بابِ ”نَصَرَ“ . يُقالُ: دَرَسَ الكِتابَ، أيْ تَعَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقالَ ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩] . وسُمِّيَ بَيْتُ تَعَلُّمِ اليَهُودِ المِدْراسَ، وسُمِّيَ البَيْتُ الَّذِي يُسْكِنُهُ التَّلامِذَةُ ويَتَعَلَّمُونَ فِيهِ المَدْرَسَةَ. والمَعْنى يَقُولُونَ: تَعَلَّمْتَ، طَعْنًا في أُمَيَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِئَلّا يَلْزَمَهم أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الِعِلْمِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ …

Al-An'aam 6:105Listen in Qur'an →
106

ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Follow, [O Muhammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allah.

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ في خِطابِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأمْرِهِ بِالإعْراضِ عَنْ بُهْتانِ المُشْرِكِينَ وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِأقْوالِهِمْ، فابْتِداؤُهُ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ المُقَدِّمَةِ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، ولَيْسَ هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ مِنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، لِأنَّ اتِّباعَ الرَّسُولِ ﷺ ما أُوحِيَ إلَيْهِ أمْرٌ واقِعٌ بِجَمِيعِ مَعانِيهِ؛ فالمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ الدَّوامُ عَلى اتِّباعِهِ. والمَعْنى: أعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ اتِّباعًا لِما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ.

والمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ: القُرْآنُ.

والِاتِّباعُ في الأصْلِ اقْتِفاءُ أثَرِ الماشِي، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في العَمَلِ بِمِثْلِ عَمَلِ الغَيْرِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] . ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في امْتِثالِ

صفحة ٤٢٤

الأمْرِ والعَمَلِ بِما يَأْمُرُ بِهِ المَتْبُوعَ فَهو الِائْتِمارُ، ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى ذاتِ المُتَّبِعِ فَيُقالُ: اتَّبَعْتُ فُلانًا بِهَذِهِ المَعانِي الثَّلاثَةِ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاتِّباعَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ.

وإطْلاقُ الِاتِّباعِ بِمَعْنى الِائْتِمارِ شائِعٌ في القُرْآنِ لِأنَّهُ جاءَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وأمَرَ النّاسَ بِاتِّباعِهِ، واسْتُعْمِلَ أيْضًا في مَعْنى المُلازِمَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ مَن يَتِّبِعُ أحَدًا يُلازِمُهُ. ومِنهُ سُمِّي الرَّئِيُّ مِنَ الجِنِّ في خُرافاتِ العَرَبِ تابِعَةً، ومِنهُ سُمِّي مَن لازَمَ الصَّحابِيَّ ورَوى عَنْهُ تابِعِيًّا.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاتِّباعُ في الآيَةِ مُرادًا بِهِ دَوامُ الِامْتِثالِ لِما أمَرَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الإعْراضِ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ وعِنادِهِمْ، فالِاتِّباعُ المَأْمُورُ بِهِ اتِّباعٌ في شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا مَأْمُورٌ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فالأمْرُ بِالفِعْلِ مُسْتَمِرٌّ في الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِمُلازَمَةِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ والإعْلانِ بِها ودُعاءِ المُشْرِكِينَ إلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ، وأنْ لا يَعْتَرِيَهُ في ذَلِكَ لِينٌ ولا هَوادَةٌ حَتّى لا يَكُونَ لِبَذاءَتِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ تَأْثِيرٌ عَلى نَفْسِهِ يُوهِنُ دَعْوَتَهم والحِرْصَ عَلى إيمانِهِمْ، واعْتِقادُ أنَّ مُحاوَلَةَ إيمانِهِمْ لا جَدْوى لَها. فالمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ ما أُوحِيَ مِنَ القُرْآنِ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ أمْرًا بِدَعْوَتِهِمْ لِلْإسْلامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الكَلامُ شَدًّا لِساعِدِ النَّبِيءِ ﷺ في مَقاماتِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] كَما سَنُبَيِّنُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] .

ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالِاتِّباعِ الأمْرَ بِاتِّباعِ أوامِرِ القُرْآنِ ونَواهِيهِ مُطْلَقًا، لِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ بِهَذا السِّياقِ، وفي الإتْيانِ بِلَفْظِ رَبِّكَ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَلَطُّفٌ مَعَهُ.

صفحة ٤٢٥

وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها إدْماجُ التَّذْكِيرِ بِالوَحْدانِيَّةِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِها وإغاظَةِ …

Al-An'aam 6:106Listen in Qur'an →
107

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ

But if Allah had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ في خِطابِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأمْرِهِ بِالإعْراضِ عَنْ بُهْتانِ المُشْرِكِينَ وأنْ لا يَكْتَرِثَ بِأقْوالِهِمْ، فابْتِداؤُهُ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ المُقَدِّمَةِ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، ولَيْسَ هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ مِنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، لِأنَّ اتِّباعَ الرَّسُولِ ﷺ ما أُوحِيَ إلَيْهِ أمْرٌ واقِعٌ بِجَمِيعِ مَعانِيهِ؛ فالمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ الدَّوامُ عَلى اتِّباعِهِ. والمَعْنى: أعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ اتِّباعًا لِما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ.

والمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ: القُرْآنُ.

والِاتِّباعُ في الأصْلِ اقْتِفاءُ أثَرِ الماشِي، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في العَمَلِ بِمِثْلِ عَمَلِ الغَيْرِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] . ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في امْتِثالِ

صفحة ٤٢٤

الأمْرِ والعَمَلِ بِما يَأْمُرُ بِهِ المَتْبُوعَ فَهو الِائْتِمارُ، ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى ذاتِ المُتَّبِعِ فَيُقالُ: اتَّبَعْتُ فُلانًا بِهَذِهِ المَعانِي الثَّلاثَةِ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاتِّباعَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ.

وإطْلاقُ الِاتِّباعِ بِمَعْنى الِائْتِمارِ شائِعٌ في القُرْآنِ لِأنَّهُ جاءَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وأمَرَ النّاسَ بِاتِّباعِهِ، واسْتُعْمِلَ أيْضًا في مَعْنى المُلازِمَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ مَن يَتِّبِعُ أحَدًا يُلازِمُهُ. ومِنهُ سُمِّي الرَّئِيُّ مِنَ الجِنِّ في خُرافاتِ العَرَبِ تابِعَةً، ومِنهُ سُمِّي مَن لازَمَ الصَّحابِيَّ ورَوى عَنْهُ تابِعِيًّا.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاتِّباعُ في الآيَةِ مُرادًا بِهِ دَوامُ الِامْتِثالِ لِما أمَرَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الإعْراضِ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ وعِنادِهِمْ، فالِاتِّباعُ المَأْمُورُ بِهِ اتِّباعٌ في شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا مَأْمُورٌ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فالأمْرُ بِالفِعْلِ مُسْتَمِرٌّ في الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِمُلازَمَةِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ والإعْلانِ بِها ودُعاءِ المُشْرِكِينَ إلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ، وأنْ لا يَعْتَرِيَهُ في ذَلِكَ لِينٌ ولا هَوادَةٌ حَتّى لا يَكُونَ لِبَذاءَتِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ تَأْثِيرٌ عَلى نَفْسِهِ يُوهِنُ دَعْوَتَهم والحِرْصَ عَلى إيمانِهِمْ، واعْتِقادُ أنَّ مُحاوَلَةَ إيمانِهِمْ لا جَدْوى لَها. فالمُرادُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ ما أُوحِيَ مِنَ القُرْآنِ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ أمْرًا بِدَعْوَتِهِمْ لِلْإسْلامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الكَلامُ شَدًّا لِساعِدِ النَّبِيءِ ﷺ في مَقاماتِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] كَما سَنُبَيِّنُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] .

ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالِاتِّباعِ الأمْرَ بِاتِّباعِ أوامِرِ القُرْآنِ ونَواهِيهِ مُطْلَقًا، لِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ بِهَذا السِّياقِ، وفي الإتْيانِ بِلَفْظِ رَبِّكَ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَلَطُّفٌ مَعَهُ.

صفحة ٤٢٥

وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها إدْماجُ التَّذْكِيرِ بِالوَحْدانِيَّةِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِها وإغاظَةِ …

Al-An'aam 6:107Listen in Qur'an →
108

وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And do not insult those they invoke other than Allah, lest they insult Allah in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] يَزِيدُ مَعْنى الإعْراضِ المَأْمُورِ بِهِ بَيانًا، ويُحَقِّقُ ما قُلْناهُ أنْ لَيْسَ المَقْصُودَ مِنَ الإعْراضِ تَرْكُ الدَّعْوَةِ بَلِ المَقْصُودُ الإغْضاءُ عَنْ سِبابِهِمْ وبَذِيءِ أقْوالِهِمْ مَعَ الدَّوامِ عَلى مُتابَعَةِ الدَّعْوَةِ بِالقُرْآنِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ سَبِّ أصْنامِهِمْ يُؤْذِنُ بِالِاسْتِرْسالِ عَلى دَعْوَتِهِمْ وإبْطالِ مُعْتَقَداتِهِمْ مَعَ تَجَنُّبِ المُسْلِمِينَ سَبَّ ما يَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ.

والسَّبُّ: كَلامٌ يَدُلُّ عَلى تَحْقِيرِ أحَدٍ أوْ نِسْبَتِهِ إلى نَقِيصَةٍ أوْ مَعَرَّةٍ، بِالباطِلِ أوْ بِالحَقِّ، وهو مُرادِفُ الشَّتْمِ. ولَيْسَ مِنَ السَّبِّ النِّسْبَةُ إلى خَطَأٍ في الرَّأْيِ أوِ العَمَلِ، ولا النِّسْبَةُ إلى ضَلالٍ في الدِّينِ إنْ كانَ صَدَرَ مِن مُخالِفٍ في الدِّينِ.

والمُخاطَبُ بِهَذا النَّهْيِ المُسْلِمُونَ لا الرَّسُولُ ﷺ لِأنَّ

صفحة ٤٢٨

الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ فَحّاشًا ولا سَبّابًا؛ لِأنَّ خُلُقَهُ العَظِيمَ حائِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، ولِأنَّهُ يَدْعُوهم بِما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، فَإذا شاءَ اللَّهُ تَرْكَهُ مِن وحْيِهِ الَّذِي يُنْزِلُهُ، وإنَّما كانَ المُسْلِمُونَ لِغَيْرَتِهِمْ عَلى الإسْلامِ رُبَّما تَجاوَزُوا الحَدَّ فَفَرَطَتْ مِنهم فُرُطاتٌ سَبُّوا فِيها أصْنامَ المُشْرِكِينَ.

رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أوْثانَ الكُفّارِ فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ. وهَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وأوْفَقُهُ بِنَظْمِ الآيَةِ. وأمّا ما رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قالَ المُشْرِكُونَ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا وشَتْمِها لَنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، فَهو ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَلْحَةَ ضَعِيفٌ ولَهُ مُنْكَراتٌ، ولَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبّاسٍ. ومِنَ البَعِيدِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُرادَ مِنَ النَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ في القُرْآنِ فَلا يُناسِبُ أنْ يَنْهى عَنْهُ بِلَفْظِ ”ولا تَسُبُّوا“ وكانَ أنْ يُقالَ: ولا تَجْهَرُوا بِسَبِّ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ مَثَلًا. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] . وكَذا ما رَواهُ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ لَمّا قَرُبَتْ وفاةُ أبِي طالِبٍ قالَتْ قُرَيْشٌ: نَدْخُلُ عَلَيْهِ ونَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَنْهى ابْنَ أخِيهِ عَنّا فَإنّا نَسْتَحْيِي أنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِن سادَتِهِمْ إلى أبِي طالِبٍ وقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا، وخاطَبُوهُ بِما رامَوْا، فَدَعا أبُو طالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: هَؤُلاءِ قَوْمُكَ وبَنُو عَمِّكَ يُرِيدُونَ أنْ تَدَعَهم وآلِهَتَهم ويَدَعُوكَ وإلَهَكَ، وقالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَشْتُمَنَّكَ ولَنَشْتُمَنَّ مَن يَأْمُرُكَ. ولَمْ يَقِلِ السُّدِّيُّ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَكِنَّهُ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ عَلى ما …

Al-An'aam 6:108Listen in Qur'an →
109

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ

And they swear by Allah their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with Allah." And what will make you perceive that even if a sign came, they would not believe.

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وأقْسَمُوا﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] الآيَةَ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَوْمِ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] مِثْلُ الضَّمائِرِ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَ تِلْكَ الآيَةِ ومَعْنى ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ آيَةٌ غَيْرُ القُرْآنِ. وهَذا إشارَةٌ إلى شَيْءٍ مِن تَعَلُّلاتِهِمْ لِلتَّمادِي عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ظُهُورِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ لَهم، كانُوا قَدْ تَعَلَّلُوا بِهِ في بَعْضِ تَوَرُّكِهِمْ عَلى الإسْلامِ. فَرَوى الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، والكَلْبِيِّ، يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ: «أنَّ قُرَيْشًا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آيَةً مِثْلَ آيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ضَرَبَ بِعَصاهُ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ العُيُونُ، أوْ مِثْلَ آيَةِ صالِحٍ، أوْ مِثْلَ آيَةِ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنَّهم قالُوا لَمّا

صفحة ٤٣٥

سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أقْسَمُوا أنَّهم إنْ جاءَتْهم آيَةٌ كَما سَألُوا أوْ كَما تَوَعَّدُوا لَيُوقِنُنَّ أجْمَعُونَ»، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ اللَّهَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ كَما سَألُوا، حِرْصًا عَلى أنْ يُؤْمِنُوا. فَهَذِهِ الآيَةُ نازِلَةٌ في ذَلِكَ المَعْنى لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ جَمَعَتْ كَثِيرًا مِن أحْوالِهِمْ ومُحاجّاتِهِمْ.

والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ هو نَحْوُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ في سُورَةِ العُقُودِ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] .

والأيْمانُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ إلَخْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ .

واللّامُ في ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّرْطَ قَدْ جُعِلَ شَرْطًا في القَسَمِ فَتَدُلُّ عَلى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ غالِبًا، وقَدْ جاءَتْ هُنا مَعَ فِعْلِ القَسَمِ لِأنَّها صارَتْ مُلازِمَةً لِلشَّرْطِ الواقِعِ جَوابًا لِلْقَسَمِ فَلَمْ تَنْفَكَّ عَنْهُ مَعَ وُجُودِ فِعْلِ القَسَمِ. واللّامُ في ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ لامُ القَسَمِ، أيْ لامُ جَوابِهِ.

والمُرادُ بِالآيَةِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ يَعْنُونَ بِها خارِقَ عادَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أجابَ مُقْتَرَحَهم لِيُصَدِّقَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِذَلِكَ نُكِّرَتْ ”آيَةٌ“، يَعْنِي: أيَّةَ آيَةٍ كانَتْ مِن جِنْسِ ما تَنْحَصِرُ فِيهِ الآياتُ في زَعْمِهِمْ.

ومَجِيءُ الآيَةِ مُسْتَعارٌ لِظُهُورِها لِأنَّ الشَّيْءَ الظّاهِرَ يُشْبِهُ حُضُورَ الغائِبِ فَلِذَلِكَ يُسْتَعارُ لَهُ المَجِيءُ.

وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ واشْتِقاقِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٤٣٦

ومَعْنى كَوْنِ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ الآياتِ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، فَأسْبابُ إيجادِ الآياتِ مِن صِفاتِهِ، فَهو قادِرٌ عَلَيْها، فَلِأجْلِ ذَلِكَ …

Al-An'aam 6:109Listen in Qur'an →
110

وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَتَكُونُ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، أيْ بِأنْ نُعَطِّلَ أبْصارَهم عَنْ تِلْكَ الآيَةِ وعُقُولَهم عَنِ الِاهْتِداءِ بِها فَلا يُبْصِرُونَ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الدَّلائِلِ ولا تَفْقَهُ قُلُوبُهم وجْهَ الدَّلالَةِ فَيَتَعَطَّلُ تَصْدِيقُهم بِها، وذَلِكَ بِأنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ مِن إصْلاحِ إدْراكِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ خُلِقَتْ عُقُولُهم نابِيَةً عَنِ العِلْمِ الصَّحِيحِ بِما هَيَّأ لَها ذَلِكَ مِنِ انْسِلالِها مِن أُصُولِ المُشْرِكِينَ، ومِن نَشْأتِها بَيْنَ أهْلِ الضَّلالِ وتَلَقِّي ضَلالَتِهِمْ، كَما بَيَّنْتُهُ آنِفًا. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الحالِ المُخالِفِ لِلْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ بِأنَّهُ تَقْلِيبٌ لِعُقُولِهِمْ وأبْصارِهِمْ، ولِأنَّها كانَتْ مَقْلُوبَةً عَنِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، ولَيْسَ داعِيَ الشِّرْكِ فِيها تَقْلِيبًا عَنْ حالَةٍ كانَتْ صالِحَةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حِينًا، ولَكِنَّهُ تَقْلِيبٌ لِأنَّها جاءَتْ عَلى خِلافِ ما الشَّأْنِ أنْ تَجِيءَ عَلَيْهِ.

وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَإنَّهم عَنَوْا آيَةً غَيْرَ القُرْآنِ.

والكافُ في قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِتَشْبِيهِ حالَةِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ بَعْدَ أنْ تَجِيئَهم آيَةٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. والمَعْنى ونُقَلِّبُ أيْدِيَهم وأبْصارَهم فَلا يُؤْمِنُونَ بِالآيَةِ الَّتِي تَجِيئُهم مِثْلَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ مِن قَبْلُ، فَتَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ وأبْصارِهِمْ عَلى هَذا المَعْنى يَحْصُلُ في الدُّنْيا، وهو الخِذْلانُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ مُسْتَأْنِفَةً والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ،

صفحة ٤٤٢

أوْ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] . والمَعْنى: ونَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم، أيْ في نارِ جَهَنَّمَ، كِنايَةً عَنْ تَقْلِيبِ أجْسادِهِمْ كُلِّها. وخَصَّ مِن أجْسادِهِمْ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم لِأنَّها سَبَبُ إعْراضِهِمْ عَنِ العِبْرَةِ بِالآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، أيْ سَحَرُوا النّاسَ بِما تُخَيِّلُهُ لَهم أعْيُنُهم.

والكافُ في قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .

وأقُولُ: هَذا الوَجْهُ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ مَرَّتانِ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بِأنَّها الحَياةُ الأُولى في الدُّنْيا.

والتَّقْلِيبُ مَصْدَرُ قَلَّبَ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ قَلْبِ الشَّيْءِ عَنْ حالِهِ الأصْلِيَّةِ. والقَلْبُ يَكُونُ بِمَعْنى جَعْلِ المُقابِلِ لِلنَّظَرِ مِنَ الشَّيْءِ غَيْرَ مُقابِلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢]، وقَوْلِهِمْ: قَلَبَ ظَهْرَ المِجَنِّ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ويَكُونُ بِمَعْنى تَغْيِيرِ حالَةِ الشَّيْءِ إلى ضِدِّها لِأنَّهُ يُشْبِهُ قَلْبَ ذاتِ الشَّيْءِ.

والكافُ في قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّها لِلتَّشْبِيهِ في مَحَلِّ حالٍ مِن ضَمِيرِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، و(ما) …

Al-An'aam 6:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.