Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 71–80 of 165

71

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللهِ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

اَلْمَعْنى: "قُلْ في احْتِجاجِكَ: أنْطِيعَ رَأْيَكم في أنْ نَدْعُوَ مِن دُونِ اللهِ...؟"؛ والدُعاءُ يَعُمُّ العِبادَةَ وغَيْرَها؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ شَيْئًا مَوْضِعَ دُعائِهِ؛ فَإيّاهُ يَعْبُدُ؛ وعَلَيْهِ يَتَّكِلُ.

﴿ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ ؛ يَعْنِي الأصْنامَ؛ إذْ هي جَماداتٌ؛ حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ ونَحْوُهُ؛ وضَرَرُ الأصْنامِ في الدِينِ لا يَفْهَمُهُ الكُفّارُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ "وَلا يَضُرُّنا"؛﴾ إنَّما الضَرَرُ الَّذِي يَفْهَمُونَهُ مِن نُزُولِ المَكارِهِ الدُنْيَوِيَّةِ.

ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ؛ تَشْبِيهٌ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْدُودَ عَلى العَقِبِ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَمْشِي قُدُمًا - وهي المِشْيَةُ الجَيِّدَةُ -؛ فَيُرَدُّ يَمْشِي القَهْقَرى - وهي المِشْيَةُ الدَنِيَّةُ -؛ فاسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ؛ ووَقَعَتْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ في تَمْثِيلِ الراجِعِ مِنَ الهُدى إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: اَلرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا؛ فَخابَ أمَلُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "رَدًّا كَرَدِّ الَّذِي..."؛ و"اِسْتَهْوَتْهُ": "اِسْتَفْعَلَتْهُ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هَواهُ؛ وأمالَتْهُ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُحْتَمَلُ هُوِيُّهُ؛ وهو جِدُّهُ؛ ورُكُوبُ رَأْسِهِ في النُزُوعِ إلَيْهِمْ؛ و"اَلْهَوى" - مِن "هَوى؛ يَهْوِي" - يُسْتَعْمَلُ في السُقُوطِ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ ∗∗∗ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ

وهَذا المَعْنى لا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنْ تُتَأوَّلَ اللَفْظَةُ بِمَعْنى: "ألْقَتْهُ الشَياطِينُ في هُوَّةٍ"؛ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ ؛ وقالَ: هو بِمَعْنى: "أهْوى"؛ كَما أنَّ "اِسْتَزَلَّ"؛ بِمَعْنى: "أزَلَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَحْرِيرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "هَوى"؛ و"أهْواهُ غَيْرُهُ"؛ و"اِسْتَهْواهُ"؛ بِمَعْنى: "طَلَبِ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ هُوَ"؛ أو: "طَلَبَ مِنهُ أنْ يُهْوِيَ شَيْئًا"؛ ويُسْتَعْمَلُ الهَوى أيْضًا في رُكُوبِ الرَأْسِ؛ في النُزُوعِ إلى الشَيْءِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ؛ ومِنهُ قَوْلُ شاعِرِ الجِنِّ:

؎ تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجاسِها

وَهَذا المَعْنى هو الَّذِي يَلِيقُ بِالآيَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطُونَ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو لَحْنٌ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هو شاذٌّ قَبِيحٌ؛ وإنَّما هو مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِمْ: "سُنُونَ"؛ و"أرْضُونَ"؛ إلّا أنَّ هَذِهِ في جَمْعٍ مُسَلَّمٍ ؛ و"شَياطُونَ"؛ في جَمْعٍ مُكَسَّرٍ؛ فَهَذا مَوْضِعُ الشُذُوذِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "اِسْتَهْواهُ الشَياطِينُ"؛ وأمالَ "اِسْتَهْواهُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ: "اِسْتَهْوِيهِ الشَيْطانُ"؛ بِالياءِ؛ وإفْرادِ …

Al-An'aam 6:71Listen in Qur'an →
72

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾

"وَأنْ أقِيمُوا"؛ يُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلِ "وَإقامَةَ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المُقَدَّرِ في "وَأُمِرْنا"؛ وقِيلَ: بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِنُسْلِمَ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ؛ وأنْ أقِيمُوا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ واللَفْظُ يُمانِعُهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ"؛ مُعْرَبٌ؛ وقَوْلَهُ: "أنْ أقِيمُوا"؛ مَبْنِيٌّ؛ وعَطْفُ المَبْنِيِّ عَلى المُعْرَبِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَشْرِيكَ في العامِلِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ في "أنْ"؛ وحْدَها؛ وذَلِكَ قَلِقٌ؛ وإنَّما يُتَخَرَّجُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: "وَأنْ أقِيمُوا"؛ بِمَعْنى: "لِنُقِيمَ"؛ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَفْظِ الأمْرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن جَزالَةِ اللَفْظِ؛ فَجازَ العَطْفُ عَلى أنْ يُلْغى حُكْمُ اللَفْظِ؛ ويُعَوَّلَ عَلى المَعْنى؛ ويُشْبِهُ هَذا مِن جِهَةِ ما حَكاهُ يُونُسُ عَنِ العَرَبِ: "اُدْخُلُوا الأوَّلُ فالأوَّلُ"؛ بِرَفْعِ لَفْظِ "اَلْأوَّلُ"؛ فَإنَّما هو بِأنْ يُقَدَّرَ "اُدْخُلُوا"؛ بِمَعْنى: "لِيَدْخُلِ الأوَّلُ"؛ وإلّا فَلَيْسَ يَجُوزُ إلّا: "اُدْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقالَ الزَجّاجُ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ مَعْطُوفًا عَلى "اِئْتِنا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِيهِ بُعْدٌ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ" عائِدٌ عَلى "لِرَبِّ العالَمِينَ"؛ و"وَهُوَ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ وهو لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ التَنْبِيهَ؛ والتَخْوِيفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "خَلَقَ": اِبْتَدَعَ؛ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ و"بِالحَقِّ"؛ أيْ: "لَمْ يَخْلُقْها باطِلًا؛ بِغَيْرِ مَعْنًى؛ بَلْ لِمَعانٍ مُفِيدَةٍ؛ ولِحَقائِقَ بَيِّنَةٍ؛ مِنها ما يُحِسُّهُ البَشَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصانِعِ؛ ونُزُولِ الأرْزاقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِأنْ حَقٌّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "بِالحَقِّ"؛ مَعْناهُ: "بِكَلامِهِ في قَوْلِهِ لِلْمَخْلُوقاتِ "كُنْ"؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ القَوْلِ أنَّ المَخْلُوقاتِ إنَّما إيجادُها بِالقُدْرَةِ؛ لا بِالكَلامِ؛ واقْتِرانُ "كُنْ"؛ بِحالَةِ إيجادِ المَخْلُوقِ فائِدَتُهُ إظْهارُ العِزَّةِ؛ والعَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الأوامِرِ؛ وإعْلانُ القَصْدِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ في الشاهِدِ أنْ يَضْرِبَ إنْسانٌ شَيْئًا؛ فَيَكْسِرَهُ؛ ويَقُولَ في حالِ الكَسْرِ؛ بِلِسانِهِ: "اِنْكَسِرْ"؛ فَإنَّ ذَلِكَ إنْفاذُ عَزْمٍ؛ وإظْهارُ قَصْدٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى؛ لا تَشْبِيهَ؛ ولا حَرْفَ؛ ولا صَوْتَ؛ ولا تَغَيُّرَ؛ أمْرُهُ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا القَوْلِ -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ؛ والأرْضَ؛ بِقَوْلِهِ: "كُنْ"؛ اَلْمُقْتَرِنَةِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ إيجادُ المَخْلُوقِ بَعْدَ عَدَمِهِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "اَلْحَقِّ".

﴿ "وَيَوْمَ يَقُولُ"؛﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَعْمُولِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرِ الخَلْقَ؛ والإعادَةَ؛ يَوْمَ...". وتَحْتَمِلُ …

Al-An'aam 6:72Listen in Qur'an →
73

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day He says, "Be," and it is, His word is the truth. And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen and the witnessed; and He is the Wise, the Acquainted.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾

"وَأنْ أقِيمُوا"؛ يُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلِ "وَإقامَةَ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المُقَدَّرِ في "وَأُمِرْنا"؛ وقِيلَ: بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِنُسْلِمَ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ؛ وأنْ أقِيمُوا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ واللَفْظُ يُمانِعُهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ"؛ مُعْرَبٌ؛ وقَوْلَهُ: "أنْ أقِيمُوا"؛ مَبْنِيٌّ؛ وعَطْفُ المَبْنِيِّ عَلى المُعْرَبِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَشْرِيكَ في العامِلِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ في "أنْ"؛ وحْدَها؛ وذَلِكَ قَلِقٌ؛ وإنَّما يُتَخَرَّجُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: "وَأنْ أقِيمُوا"؛ بِمَعْنى: "لِنُقِيمَ"؛ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَفْظِ الأمْرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن جَزالَةِ اللَفْظِ؛ فَجازَ العَطْفُ عَلى أنْ يُلْغى حُكْمُ اللَفْظِ؛ ويُعَوَّلَ عَلى المَعْنى؛ ويُشْبِهُ هَذا مِن جِهَةِ ما حَكاهُ يُونُسُ عَنِ العَرَبِ: "اُدْخُلُوا الأوَّلُ فالأوَّلُ"؛ بِرَفْعِ لَفْظِ "اَلْأوَّلُ"؛ فَإنَّما هو بِأنْ يُقَدَّرَ "اُدْخُلُوا"؛ بِمَعْنى: "لِيَدْخُلِ الأوَّلُ"؛ وإلّا فَلَيْسَ يَجُوزُ إلّا: "اُدْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقالَ الزَجّاجُ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ مَعْطُوفًا عَلى "اِئْتِنا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِيهِ بُعْدٌ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ" عائِدٌ عَلى "لِرَبِّ العالَمِينَ"؛ و"وَهُوَ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ وهو لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ التَنْبِيهَ؛ والتَخْوِيفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "خَلَقَ": اِبْتَدَعَ؛ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ و"بِالحَقِّ"؛ أيْ: "لَمْ يَخْلُقْها باطِلًا؛ بِغَيْرِ مَعْنًى؛ بَلْ لِمَعانٍ مُفِيدَةٍ؛ ولِحَقائِقَ بَيِّنَةٍ؛ مِنها ما يُحِسُّهُ البَشَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصانِعِ؛ ونُزُولِ الأرْزاقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِأنْ حَقٌّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "بِالحَقِّ"؛ مَعْناهُ: "بِكَلامِهِ في قَوْلِهِ لِلْمَخْلُوقاتِ "كُنْ"؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ القَوْلِ أنَّ المَخْلُوقاتِ إنَّما إيجادُها بِالقُدْرَةِ؛ لا بِالكَلامِ؛ واقْتِرانُ "كُنْ"؛ بِحالَةِ إيجادِ المَخْلُوقِ فائِدَتُهُ إظْهارُ العِزَّةِ؛ والعَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الأوامِرِ؛ وإعْلانُ القَصْدِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ في الشاهِدِ أنْ يَضْرِبَ إنْسانٌ شَيْئًا؛ فَيَكْسِرَهُ؛ ويَقُولَ في حالِ الكَسْرِ؛ بِلِسانِهِ: "اِنْكَسِرْ"؛ فَإنَّ ذَلِكَ إنْفاذُ عَزْمٍ؛ وإظْهارُ قَصْدٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى؛ لا تَشْبِيهَ؛ ولا حَرْفَ؛ ولا صَوْتَ؛ ولا تَغَيُّرَ؛ أمْرُهُ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا القَوْلِ -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ؛ والأرْضَ؛ بِقَوْلِهِ: "كُنْ"؛ اَلْمُقْتَرِنَةِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ إيجادُ المَخْلُوقِ بَعْدَ عَدَمِهِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "اَلْحَقِّ".

﴿ "وَيَوْمَ يَقُولُ"؛﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَعْمُولِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرِ الخَلْقَ؛ والإعادَةَ؛ يَوْمَ...". وتَحْتَمِلُ …

Al-An'aam 6:73Listen in Qur'an →
74

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said to his father Azar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾

اَلْعامِلُ في "وَإذْ"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ"؛ أو: "قُصَّ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: نَبَّهَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في مُحاجَّتِهِ قَوْمَهُ؛ إذْ كانُوا أهْلَ أصْنامٍ؛ وكانَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ أصْنامٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ يَلْزَمُ هَذا مِن لَفْظِ الآيَةِ؛ أما إنَّ جَمِيعَ ما يَجِيءُ مِن مِثْلِ هَذا عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: "آزَرَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّتِي قَبْلَ الألِفِ؛ وفَتْحِ الزايِ؛ والراءِ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هو اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اسْمَهُ "تارَحُ"؛ فَلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ اسْمانِ؛ كَـ "يَعْقُوبُ"؛ و"إسْرائِيلُ"؛ وهو في الإعْرابِ - عَلى هَذا - بَدَلٌ مِنَ الأبِ المُضافِ؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ وهو اسْمُ عَلَمٍ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ هو اسْمُ صَنَمٍ؛ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أتَتَّخِذُ آزَرَ؟ أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هو صِفَةٌ؛ ومَعْناهُ هُوَ: اَلْمُعْوَجُّ؛ المُخْطِئُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنَّ "آزَرَ"؛ إذا كانَ صِفَةً؛ فَهو نَكِرَةٌ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَتَ المَعْرِفَةَ بِالنَكِرَةِ؛ ويُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى تَحامُلٍ بِأنْ يُقالَ: زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ؛ وإنْ لَمْ يُلْفَظْ بِها؛ وإلى هَذا أشارَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "لِأبِيهِ المُخْطِئِ"؛ وبِأنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أذُمُّ المُعْوَجَّ"؛ أو: "اَلْمُخْطِئَ"؛ ولا تَبْقى فِيهِ الصِفَةُ بِهَذِهِ الحالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقِيلَ: نَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؛ وهو في حالِ عِوَجٍ؛ وخَطَإٍ".

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ بِضَمِّ الراءِ؛ عَلى النِداءِ؛ ويَصِحُّ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ اِسْمَ أبِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "اَلْمُعْوَجُّ"؛ و"اَلْمُخْطِئُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "آزَرَ"؛ بِمَعْنى: "شَيْءٌ"؛ ولا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ صِفَةً؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يا آزَرُ"؛ بِثُبُوتِ حَرْفِ النِداءِ؛ "اِتَّخَذْتَ أصْنامًا"؛ بِالفِعْلِ الماضِي؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا -: "أأزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "أزْرًا"؛ وسُكُونِ الزايِ؛ ونَصْبِ الراءِ؛ وتَنْوِينِها؛ وإسْقاطِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ مِن "أتَتَّخِذُ"؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "أعَضُدًا؛ وقُوَّةً؛ ومُظاهَرَةً عَلى اللهِ تَعالى ؛ تَتَّخِذُ...؟"؛ وهو مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] ؛ وقَرَأ أبُو إسْماعِيلَ - رَجُلٌ مِن أهْلِ الشامِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن هَذا التَرْتِيبِ؛ ذَكَرَها أبُو الفُتُوحِ؛ ومَعْناها أنَّها مُبْدَلَةٌ مِن …

Al-An'aam 6:74Listen in Qur'an →
75

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith]

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾

اَلْعامِلُ في "وَإذْ"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ"؛ أو: "قُصَّ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: نَبَّهَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في مُحاجَّتِهِ قَوْمَهُ؛ إذْ كانُوا أهْلَ أصْنامٍ؛ وكانَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ أصْنامٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ يَلْزَمُ هَذا مِن لَفْظِ الآيَةِ؛ أما إنَّ جَمِيعَ ما يَجِيءُ مِن مِثْلِ هَذا عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: "آزَرَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّتِي قَبْلَ الألِفِ؛ وفَتْحِ الزايِ؛ والراءِ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هو اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اسْمَهُ "تارَحُ"؛ فَلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ اسْمانِ؛ كَـ "يَعْقُوبُ"؛ و"إسْرائِيلُ"؛ وهو في الإعْرابِ - عَلى هَذا - بَدَلٌ مِنَ الأبِ المُضافِ؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ وهو اسْمُ عَلَمٍ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ هو اسْمُ صَنَمٍ؛ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أتَتَّخِذُ آزَرَ؟ أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هو صِفَةٌ؛ ومَعْناهُ هُوَ: اَلْمُعْوَجُّ؛ المُخْطِئُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنَّ "آزَرَ"؛ إذا كانَ صِفَةً؛ فَهو نَكِرَةٌ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَتَ المَعْرِفَةَ بِالنَكِرَةِ؛ ويُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى تَحامُلٍ بِأنْ يُقالَ: زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ؛ وإنْ لَمْ يُلْفَظْ بِها؛ وإلى هَذا أشارَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "لِأبِيهِ المُخْطِئِ"؛ وبِأنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أذُمُّ المُعْوَجَّ"؛ أو: "اَلْمُخْطِئَ"؛ ولا تَبْقى فِيهِ الصِفَةُ بِهَذِهِ الحالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقِيلَ: نَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؛ وهو في حالِ عِوَجٍ؛ وخَطَإٍ".

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ بِضَمِّ الراءِ؛ عَلى النِداءِ؛ ويَصِحُّ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ اِسْمَ أبِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "اَلْمُعْوَجُّ"؛ و"اَلْمُخْطِئُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "آزَرَ"؛ بِمَعْنى: "شَيْءٌ"؛ ولا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ صِفَةً؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يا آزَرُ"؛ بِثُبُوتِ حَرْفِ النِداءِ؛ "اِتَّخَذْتَ أصْنامًا"؛ بِالفِعْلِ الماضِي؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا -: "أأزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "أزْرًا"؛ وسُكُونِ الزايِ؛ ونَصْبِ الراءِ؛ وتَنْوِينِها؛ وإسْقاطِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ مِن "أتَتَّخِذُ"؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "أعَضُدًا؛ وقُوَّةً؛ ومُظاهَرَةً عَلى اللهِ تَعالى ؛ تَتَّخِذُ...؟"؛ وهو مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] ؛ وقَرَأ أبُو إسْماعِيلَ - رَجُلٌ مِن أهْلِ الشامِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن هَذا التَرْتِيبِ؛ ذَكَرَها أبُو الفُتُوحِ؛ ومَعْناها أنَّها مُبْدَلَةٌ مِن …

Al-An'aam 6:75Listen in Qur'an →
76

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord." But when it set, he said, "I like not those that disappear."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضالِّينَ﴾

هَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَلَمّا"؛ رابِطَةُ جُمْلَةِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ وهي تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ هو هَذا التَفْصِيلُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"جَنَّ اللَيْلُ": سَتَرَ وغَطّى بِظَلامِهِ؛ ويُقالُ: "أجَنَّ"؛ والأوَّلُ أكْثَرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ "اَلْجِنُّ"؛ و"اَلْمِجَنُّ"؛ و"اَلْجَنَّةُ"؛ و"اَلْجَنَنُ" - وهو القَبْرُ -؛ مُشْتَقَّةً مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ.

ولَفْظُ هَذِهِ القِصَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - في حالِ صِباهُ؛ وقَبْلَ بُلُوغِهِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: رَأى كَوْكَبًا فَعَبَدَهُ؛ وقالَ ناسٌ كَثِيرٌ: إنَّ النازِلَةَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ والتَكْلِيفِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ وكَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا عن فِرْقَةٍ؛ وقالَتْ: إنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ قالَ: وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ: هُمُ هُمُ؟

يُرِيدُ: "أهم هُمْ؟"؛ وكَما قالَ الآخَرُ:

؎ لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ؟

يُرِيدُ: "أشُعَيْثُ؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَيْتُ الأوَّلُ لا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدِي.

وقَدْ حُكِيَ أنَّ نَمْرُودَ؛ جَبّارَ ذَلِكَ الزَمَنِ؛ رَأى مُنَجِّمُوهُ أنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ في سَنَةِ كَذا؛ في عَمَلِهِ يَكُونُ خَرابُ المُلْكِ عَلى يَدَيْهِ؛ فَجَعَلَ يَتْبَعُ الحَبالى؛ ويُوكِلُ بِهِنَّ حُرّاسًا؛ فَمَن وضَعَتْ أُنْثى تُرِكَتْ؛ ومَن وضَعَتْ ذَكَرًا حُمِلَ إلى المَلِكِ فَذَبَحَهُ؛ وأنَّ أُمَّ إبْراهِيمَ حَمَلَتْ - وكانَتْ شابَّةً قَوِيَّةً - فَسَتَرَتْ حَمْلَها؛ فَلَمّا قَرُبَتْ وِلادَتُها بَعَثَتْ تارَحَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إلى سَفَرٍ؛ وتَحَيَّلَتْ لِمُضِيِّهِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ خَرَجَتْ هي إلى غارٍ؛ فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وتَرَكَتْهُ في الغارِ؛ وقَدْ هَيَّأتْ عَلَيْهِ؛ وكانَتْ تَتَفَقَّدُهُ؛ فَتَجِدُهُ يَغْتَذِي بِأنْ يَمُصَّ أصابِعَهُ؛ فَيَخْرُجُ لَهُ مِنها عَسَلٌ؛ وسَمْنٌ؛ ونَحْوُهُما؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَ يُغَذِّيهِ مَلَكٌ؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَتْ تَأْتِيهِ بِألْبانِ النِساءِ اللاتِي ذُبِحَ أبْناؤُهُنَّ؛ فَشَبَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أضْعافَ ما يَشِبُّ غَيْرُهُ؛ والمَلِكُ في خِلالِ ذَلِكَ يُحِسُّ بِوِلادَتِهِ؛ ويُشَدِّدُ في طَلَبِهِ؛ فَمَكَثَ في الغارِ عَشَرَةَ أعْوامٍ؛ وقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وأنَّهُ نَظَرَ - أوَّلَ ما عَقَلَ - مِنَ الغارِ؛ فَرَأى الكَوْكَبَ؛ وجَرَتْ قِصَّةُ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَلَبْتُ هَذِهِ القِصَصَ بِغايَةِ الِاخْتِصارِ في اللَفْظِ؛ وقَصَدْتُ اسْتِيفاءَ المَعانِي الَّتِي تَخُصُّ الآيَةَ؛ ويَضْعُفُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ في الغارِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - في آخِرِها: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ؛ وهي ألْفاظٌ تَقْتَضِي مُحاجَّةً؛ ورَدًّا عَلى قَوْمٍ؛ وحالُهُ في الغارِ بَعِيدَةٌ عن مِثْلِ هَذا؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَها بَيْنَهُ وبَيْنَ …

Al-An'aam 6:76Listen in Qur'an →
77

فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضالِّينَ﴾

هَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَلَمّا"؛ رابِطَةُ جُمْلَةِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ وهي تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ هو هَذا التَفْصِيلُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"جَنَّ اللَيْلُ": سَتَرَ وغَطّى بِظَلامِهِ؛ ويُقالُ: "أجَنَّ"؛ والأوَّلُ أكْثَرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ "اَلْجِنُّ"؛ و"اَلْمِجَنُّ"؛ و"اَلْجَنَّةُ"؛ و"اَلْجَنَنُ" - وهو القَبْرُ -؛ مُشْتَقَّةً مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ.

ولَفْظُ هَذِهِ القِصَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - في حالِ صِباهُ؛ وقَبْلَ بُلُوغِهِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: رَأى كَوْكَبًا فَعَبَدَهُ؛ وقالَ ناسٌ كَثِيرٌ: إنَّ النازِلَةَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ والتَكْلِيفِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ وكَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا عن فِرْقَةٍ؛ وقالَتْ: إنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ قالَ: وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ: هُمُ هُمُ؟

يُرِيدُ: "أهم هُمْ؟"؛ وكَما قالَ الآخَرُ:

؎ لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ؟

يُرِيدُ: "أشُعَيْثُ؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَيْتُ الأوَّلُ لا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدِي.

وقَدْ حُكِيَ أنَّ نَمْرُودَ؛ جَبّارَ ذَلِكَ الزَمَنِ؛ رَأى مُنَجِّمُوهُ أنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ في سَنَةِ كَذا؛ في عَمَلِهِ يَكُونُ خَرابُ المُلْكِ عَلى يَدَيْهِ؛ فَجَعَلَ يَتْبَعُ الحَبالى؛ ويُوكِلُ بِهِنَّ حُرّاسًا؛ فَمَن وضَعَتْ أُنْثى تُرِكَتْ؛ ومَن وضَعَتْ ذَكَرًا حُمِلَ إلى المَلِكِ فَذَبَحَهُ؛ وأنَّ أُمَّ إبْراهِيمَ حَمَلَتْ - وكانَتْ شابَّةً قَوِيَّةً - فَسَتَرَتْ حَمْلَها؛ فَلَمّا قَرُبَتْ وِلادَتُها بَعَثَتْ تارَحَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إلى سَفَرٍ؛ وتَحَيَّلَتْ لِمُضِيِّهِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ خَرَجَتْ هي إلى غارٍ؛ فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وتَرَكَتْهُ في الغارِ؛ وقَدْ هَيَّأتْ عَلَيْهِ؛ وكانَتْ تَتَفَقَّدُهُ؛ فَتَجِدُهُ يَغْتَذِي بِأنْ يَمُصَّ أصابِعَهُ؛ فَيَخْرُجُ لَهُ مِنها عَسَلٌ؛ وسَمْنٌ؛ ونَحْوُهُما؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَ يُغَذِّيهِ مَلَكٌ؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَتْ تَأْتِيهِ بِألْبانِ النِساءِ اللاتِي ذُبِحَ أبْناؤُهُنَّ؛ فَشَبَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أضْعافَ ما يَشِبُّ غَيْرُهُ؛ والمَلِكُ في خِلالِ ذَلِكَ يُحِسُّ بِوِلادَتِهِ؛ ويُشَدِّدُ في طَلَبِهِ؛ فَمَكَثَ في الغارِ عَشَرَةَ أعْوامٍ؛ وقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وأنَّهُ نَظَرَ - أوَّلَ ما عَقَلَ - مِنَ الغارِ؛ فَرَأى الكَوْكَبَ؛ وجَرَتْ قِصَّةُ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَلَبْتُ هَذِهِ القِصَصَ بِغايَةِ الِاخْتِصارِ في اللَفْظِ؛ وقَصَدْتُ اسْتِيفاءَ المَعانِي الَّتِي تَخُصُّ الآيَةَ؛ ويَضْعُفُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ في الغارِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - في آخِرِها: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ؛ وهي ألْفاظٌ تَقْتَضِي مُحاجَّةً؛ ورَدًّا عَلى قَوْمٍ؛ وحالُهُ في الغارِ بَعِيدَةٌ عن مِثْلِ هَذا؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَها بَيْنَهُ وبَيْنَ …

Al-An'aam 6:77Listen in Qur'an →
78

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allah.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ قالَ: "هَذا"؛ فَذَكَّرَ؛ أيْ: هَذا المَرْئِيُّ؛ أوِ المُنِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا؛ "فَلَمّا أفَلَتْ"؛ اَلشَّمْسُ؛ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُمَثِّلُ لَهم بِهِ؛ فَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ؛ وقَوِيَ بِذَلِكَ عَلى مُنابَذَتِهِمْ؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ؛ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الكِبَرِ والتَكْلِيفِ؛ و﴿وَجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ ؛ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي؛ وعِبادَتِي؛ وتَوْحِيدِي؛ وإيمانِي؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عنهُ بِـ "وَجْهِيَ"؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ في أجْرامٍ؛ و"حَنِيفًا"؛ مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا؛ و"اَلْحَنَفُ": "اَلْمَيْلُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأصْلُهُ في الأشْخاصِ؛ وهو في المَعانِي مُسْتَعارٌ؛ فالمُعْوَجُّ في الأجْرامِ أحْنَفُ؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ مائِلٌ؛ والمُسْتَقِيمُ فِيها أحْنَفُ؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ كَأنَّهُ مالَ عن كُلِّ جِهَةٍ إلى القَوامِ.

"وَحاجَّهُ": "فاعَلَهُ"؛ مِن "اَلْحُجَّةُ"؛ قالَ: "أتُراجِعُونَنِي في الحُجَّةِ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "أتُحاجُّونَنِي"؛ بِإظْهارِ النُونَيْنِ؛ وهو الأصْلُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أتُحاجُّونِّي"؛ بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أتُحاجُّونِي"؛ بِحَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ؛ فَقِيلَ: هي الثانِيَةُ؛ وقِيلَ: هي الأُولى؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها بَقِيَتْ مَكْسُورَةً؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الأُولى؛ لِأنَّها لِلْإعْرابِ؛ وإنَّما حُذِفَتِ الثانِيَةُ الَّتِي هي تَوْطِئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما حُذِفَتْ في "لَيْتِي"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ ............... ∗∗∗ يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي

وكُسِرَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - الأُولى الباقِيَةُ؛ لِمُجاوَرَتِها لِلْياءِ.

"وَقَدْ هَدانِ"؛ أيْ: أرْشَدَنِي إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ؛ وأمالَ الكِسائِيُّ: "هَدانِ"؛ والإمالَةُ في ذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ وإذا جازَتِ الإمالَةُ في "غَزا"؛ و"دَعا" - وهُما مِن ذَواتِ الواوِ - فَهي في "هَدانِ" - الَّتِي هي مِن ذَواتِ الياءِ - أجْوَزُ؛ وأحْسَنُ؛ وحُكِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: خَفْ أنْ تُصِيبَكَ آلِهَتُنا بِبَرَصٍ؛ أو داءٍ؛ لِإذايَتِكَ لَها؛ وتَنَقُّصِكَ؛ فَقالَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ -: "لَسْتُ أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا غَناءَ عِنْدَهُ"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - في قَوْلِهِ: "تُشْرِكُونَ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَلا أخافُ الأصْنامَ الَّتِي تُشْرِكُونَها بِاللهِ تَعالى في الرُبُوبِيَّةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "ما"؛ فَلا يُحْتاجُ إلى غَيْرِهِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "ما تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ و"شَيْئًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "يَشاءَ"؛ …

Al-An'aam 6:78Listen in Qur'an →
79

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, I have turned my face toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allah."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ قالَ: "هَذا"؛ فَذَكَّرَ؛ أيْ: هَذا المَرْئِيُّ؛ أوِ المُنِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا؛ "فَلَمّا أفَلَتْ"؛ اَلشَّمْسُ؛ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُمَثِّلُ لَهم بِهِ؛ فَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ؛ وقَوِيَ بِذَلِكَ عَلى مُنابَذَتِهِمْ؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ؛ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الكِبَرِ والتَكْلِيفِ؛ و﴿وَجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ ؛ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي؛ وعِبادَتِي؛ وتَوْحِيدِي؛ وإيمانِي؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عنهُ بِـ "وَجْهِيَ"؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ في أجْرامٍ؛ و"حَنِيفًا"؛ مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا؛ و"اَلْحَنَفُ": "اَلْمَيْلُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأصْلُهُ في الأشْخاصِ؛ وهو في المَعانِي مُسْتَعارٌ؛ فالمُعْوَجُّ في الأجْرامِ أحْنَفُ؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ مائِلٌ؛ والمُسْتَقِيمُ فِيها أحْنَفُ؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ كَأنَّهُ مالَ عن كُلِّ جِهَةٍ إلى القَوامِ.

"وَحاجَّهُ": "فاعَلَهُ"؛ مِن "اَلْحُجَّةُ"؛ قالَ: "أتُراجِعُونَنِي في الحُجَّةِ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "أتُحاجُّونَنِي"؛ بِإظْهارِ النُونَيْنِ؛ وهو الأصْلُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أتُحاجُّونِّي"؛ بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أتُحاجُّونِي"؛ بِحَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ؛ فَقِيلَ: هي الثانِيَةُ؛ وقِيلَ: هي الأُولى؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها بَقِيَتْ مَكْسُورَةً؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الأُولى؛ لِأنَّها لِلْإعْرابِ؛ وإنَّما حُذِفَتِ الثانِيَةُ الَّتِي هي تَوْطِئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما حُذِفَتْ في "لَيْتِي"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ ............... ∗∗∗ يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي

وكُسِرَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - الأُولى الباقِيَةُ؛ لِمُجاوَرَتِها لِلْياءِ.

"وَقَدْ هَدانِ"؛ أيْ: أرْشَدَنِي إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ؛ وأمالَ الكِسائِيُّ: "هَدانِ"؛ والإمالَةُ في ذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ وإذا جازَتِ الإمالَةُ في "غَزا"؛ و"دَعا" - وهُما مِن ذَواتِ الواوِ - فَهي في "هَدانِ" - الَّتِي هي مِن ذَواتِ الياءِ - أجْوَزُ؛ وأحْسَنُ؛ وحُكِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: خَفْ أنْ تُصِيبَكَ آلِهَتُنا بِبَرَصٍ؛ أو داءٍ؛ لِإذايَتِكَ لَها؛ وتَنَقُّصِكَ؛ فَقالَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ -: "لَسْتُ أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا غَناءَ عِنْدَهُ"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - في قَوْلِهِ: "تُشْرِكُونَ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَلا أخافُ الأصْنامَ الَّتِي تُشْرِكُونَها بِاللهِ تَعالى في الرُبُوبِيَّةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "ما"؛ فَلا يُحْتاجُ إلى غَيْرِهِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "ما تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ و"شَيْئًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "يَشاءَ"؛ …

Al-An'aam 6:79Listen in Qur'an →
80

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allah while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ قالَ: "هَذا"؛ فَذَكَّرَ؛ أيْ: هَذا المَرْئِيُّ؛ أوِ المُنِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا؛ "فَلَمّا أفَلَتْ"؛ اَلشَّمْسُ؛ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُمَثِّلُ لَهم بِهِ؛ فَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ؛ وقَوِيَ بِذَلِكَ عَلى مُنابَذَتِهِمْ؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ؛ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الكِبَرِ والتَكْلِيفِ؛ و﴿وَجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ ؛ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي؛ وعِبادَتِي؛ وتَوْحِيدِي؛ وإيمانِي؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عنهُ بِـ "وَجْهِيَ"؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ في أجْرامٍ؛ و"حَنِيفًا"؛ مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا؛ و"اَلْحَنَفُ": "اَلْمَيْلُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأصْلُهُ في الأشْخاصِ؛ وهو في المَعانِي مُسْتَعارٌ؛ فالمُعْوَجُّ في الأجْرامِ أحْنَفُ؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ مائِلٌ؛ والمُسْتَقِيمُ فِيها أحْنَفُ؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ كَأنَّهُ مالَ عن كُلِّ جِهَةٍ إلى القَوامِ.

"وَحاجَّهُ": "فاعَلَهُ"؛ مِن "اَلْحُجَّةُ"؛ قالَ: "أتُراجِعُونَنِي في الحُجَّةِ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "أتُحاجُّونَنِي"؛ بِإظْهارِ النُونَيْنِ؛ وهو الأصْلُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أتُحاجُّونِّي"؛ بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أتُحاجُّونِي"؛ بِحَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ؛ فَقِيلَ: هي الثانِيَةُ؛ وقِيلَ: هي الأُولى؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها بَقِيَتْ مَكْسُورَةً؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الأُولى؛ لِأنَّها لِلْإعْرابِ؛ وإنَّما حُذِفَتِ الثانِيَةُ الَّتِي هي تَوْطِئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما حُذِفَتْ في "لَيْتِي"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ ............... ∗∗∗ يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي

وكُسِرَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - الأُولى الباقِيَةُ؛ لِمُجاوَرَتِها لِلْياءِ.

"وَقَدْ هَدانِ"؛ أيْ: أرْشَدَنِي إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ؛ وأمالَ الكِسائِيُّ: "هَدانِ"؛ والإمالَةُ في ذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ وإذا جازَتِ الإمالَةُ في "غَزا"؛ و"دَعا" - وهُما مِن ذَواتِ الواوِ - فَهي في "هَدانِ" - الَّتِي هي مِن ذَواتِ الياءِ - أجْوَزُ؛ وأحْسَنُ؛ وحُكِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: خَفْ أنْ تُصِيبَكَ آلِهَتُنا بِبَرَصٍ؛ أو داءٍ؛ لِإذايَتِكَ لَها؛ وتَنَقُّصِكَ؛ فَقالَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ -: "لَسْتُ أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا غَناءَ عِنْدَهُ"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - في قَوْلِهِ: "تُشْرِكُونَ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَلا أخافُ الأصْنامَ الَّتِي تُشْرِكُونَها بِاللهِ تَعالى في الرُبُوبِيَّةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "ما"؛ فَلا يُحْتاجُ إلى غَيْرِهِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "ما تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ و"شَيْئًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "يَشاءَ"؛ …

Al-An'aam 6:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.