وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.
ولَمّا حَصَرَ الدُّعاءَ في الذِّكْرى، وكانَ ذَلِكَ نَفْعًا لَهم ورِفْقًا بِهِمْ، لا تَزِيدُ طاعَتُهم في مُلْكِ اللَّهِ شَيْئًا ولا يُنْقِصُ إعْراضُهم مِن عَظَمَتِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ؛ بَنى حالًا مِنهم، فَقالَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الرِّسالَةِ بِالإنْكارِ عَلى مَن جَحَدَها وإلْزامًا لَهم بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، أمّا أهْلُ الكِتابِ فَعِلْمًا قَطْعِيًّا، وأمّا العَرَبُ فَتَقْلِيدًا لَهم؛ ولِأنَّهم سَلَّمُوا لَهم العِلْمَ وجَعَلُوهم مَحَطَّ سُؤالِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما﴾ أيْ: فَقُلْنا ذَلِكَ لَهم خاصَّةً والحالُ أنَّهم ما ﴿قَدَرُوا﴾ أيْ: عَظَّمُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: تَعْظِيمِهِ في جَحْدِهِمْ لِذِكْراهم وصَدِّهِمْ عَنْ بُشْراهم ومُقابَلَتِهِمْ لِلشُّكْرِ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ لَهُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ قَدَرَ الشَّيْءَ - إذا سَبَرَهُ وحَزَرَهُ وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ - يَقْدُرُهُ - بِالضَّمِّ - قَدْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ:
«( فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ )»، أيْ: فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ - هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن عَرَفَ شَيْئًا: هو يَقْدُرُ قَدْرَهُ، وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ: إنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قالُوا﴾ أيْ: اليَهُودُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ وقُرَيْشٌ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهم هَذا حِينَ أرْسَلَتْ إلَيْهِمْ قُرَيْشٌ تَسْألُهم عَنْهُ ﷺ في أمْرِ رِسالَتِهِ واحْتِجاجِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناسِينَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّ مَن نَسَبَ مَلِكًا تامَّ المُلْكِ إلى أنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ أوامِرَهُ في رَعِيَّتِهِ بِما يُرْضِيهِ لِيَفْعَلُوهُ وما يُسْخِطُهُ لِيَجْتَنِبُوهُ، فَقَدْ نَسَبَهُ إلى نَقْصٍ عَظِيمٍ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ كَذِبًا! وهَذا وإنْ كانَ ما قالَهُ إلّا بَعْضُ العالَمِينَ بَلْ بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم بَعْضُ العالَمِينَ، أُسْنِدَ إلى الكُلِّ، لِأنَّهم لَمْ يَرُدُّوا عَلى قائِلِهِ ولَمْ يُعاجِلُوهُ بِالأخْذِ تَفْظِيعًا لِلشَّأْنِ وتَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وبَيانًا لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ بِآيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ أنْ يَسْعى إلَيْها ويَتَعَرَّفَ أمْرَها، فَإذا تَحَقَّقَهُ فَمَن طَعَنَ فِيها أخَذَ عَلى يَدِهِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَتُهُ، كَما أنَّهُ كَذَلِكَ كانَ يَفْعَلُ لَوْ كانَ ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ أبِيهِ أوْ أحَدٍ مِمَّنْ يَكُونُ فَخْرُهُ بِهِ مِن أبْناءِ الدُّنْيا، وفي ذَلِكَ أتَمُّ إشارَةٍ إلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عِمادُ الأُمُورِ كُلِّها، مَن فَرَّطَ فِيهِ هَلَكَ وأهْلَكَ؛ رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِغَيْرِ سَنَدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - يَعْنِي: هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ اليَهُودَ قائِلُو ذَلِكَ، ومُلْزِمًا بِالِاعْتِرافِ بِالكَذِبِ أوْ المُساواةِ لِلْأُمِّيِّينَ في التَّمَسُّكِ بِالهَوى دُونَ كِتابٍ، مُوَبِّخًا لَهم ناعِيًا عَلَيْهِمْ سُوءَ جَهْلِهِمْ وعَظِيمَ بُهْتِهِمْ وشِدَّةَ وقاحَتِهِمْ وعَدَمَ حَيائِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ السُّفَهاءِ الَّذِينَ تَجَرَّؤُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ غَيْرَ ناظِرِينَ في عاقِبَتِها وما يَلْزَمُ مِنها تَوْبِيخًا لَهم وتَوْقِيفًا …