Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 91–100 of 165

91

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ رَأْسُ اليَهُودِ، أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، أتَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ؟" قالَ: نَعَمْ. قالَ: "فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ" . فَغَضِبَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.

والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتابًا؟ قالَ: "نَعَمْ" قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ كِتابًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ الوالِبِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنَّ مُوسى جاءَ بِألْواحٍ يَحْمِلُها مِن عِنْدِ اللَّهِ، فائْتِنا بِآَيَةٍ كَما جاءَ مُوسى، فَنَزَلَ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: "عَظِيمًا"[النِّساءِ:١٥٣-١٥٦] . فَلَمّا حَدَّثَهم بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ ولا عَلى مُوسى وعِيسى، ولا عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آَتاهُمُ اللهُ عِلْمًا، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في فُنْحاصَ اليَهُودِيِّ، وهو الَّذِي قالَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّابِعُ: أنَّ أوَّلَها، إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ في اليَهُودِ، رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وفي مَعْنى ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ؛ وثَعْلَبُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: ما وصَفَهُ حَقَّ صِفَتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ، واخْتارَهُ الخَلِيلُ.

والثّالِثُ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( يَجْعَلُونَهُ قَراطِيس ) مَعْناهُ يَكْتُبُونَهُ في قَراطِيسَ وقِيلَ إنَّما قالَ قَراطِيسَ لِأنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةٍ حَتّى لا تَكُونَ مجموهة لَيُخْفُوا مِنها ما شاؤوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ( يُبْدُونَها ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: " يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها "، "وَيُخْفُونَ" بِالياءِ فِيهِنَّ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ فِيهِنَّ. فَمَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ القَوْمَ غُيَّبٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ . ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَعَلى الخِطابِ؛ والمَعْنى: تَبْدُونَ مِنها ما تُحِبُّونَ، وتُخْفُونَ كَثِيرًا، مِثْلَ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وآَيَةِ الرَّجْمِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا كَتَمُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لَلْمُسْلِمِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. فَعَلى …

Al-An'aam 6:91Listen in Qur'an →
92

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَفْصًا: "وَلِيُنْذِرَ" بِالياءِ؛ فَيَكُونُ الكِتابُ هو المُنْذِرُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ لَلنَّبِيِّ ﷺ . فَأمّا أُمُّ القُرى، فَهي مَكَّةُ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لِتُنْذَرَ أهْلَ أُمِّ القُرى.

وَفِي تَسْمِيَتِها بِأُمِّ القُرى أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِأنَّها أقْدَمُها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ لِأنَّها قِبْلَةُ جَمِيعِ النّاسِ، يَؤُمُّونَها، والرّابِعُ: لِأنَّها كانَتْ أعْظَمَ القُرى شَأْنًا، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأرْضَ كُلَّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةٍ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ.

والثّانِي: إلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ . والمَعْنى: مَن آَمَنَ بِالآَخِرَةِ آَمَنَ بِهِ؛ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ، فَلَيْسَ إيمانُهُ بِالآَخِرَةِ حَقِيقَةً، ولا يُعْتَدُّ بِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُحافِظُونَ عَلى الصَّلَواتِ.

Al-An'aam 6:92Listen in Qur'an →
93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ أوَّلَها، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ نَزَلَ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ.

وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ نَزَلَ في «عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالإسْلامِ، وكانَ يَكْتُبُ لَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ الأحايِينِ؛ فَإذا أُمْلِيَ عَلَيْهِ: "عَزِيزٌ حَكِيمٌ" كَتَبَ: "غَفُورٌ رَحِيمٌ" فَيَقُولُ لَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَذا وذاكَ سَواءٌ. فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ أمْلاها عَلَيْهِ، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: ( تَبارَكَ الله أحْسَن الخالِقِينَ ) [المُؤْمِنُونَ:١٢-١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ، فاكْتُبْها" فَشَكَّ حِينَئِذٍ، وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا: لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا، لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ عِكْرِمَةُ: ثُمَّ رَجَعَ إلى الإسْلامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ الآَيَةِ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ، والأسْوَدِ العَنْسِيِّ، قالَهُ قَتادَةُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أفْرَدَ قَوْلَهُ: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ مِن قَوْلِهُ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ وذاكَ مُفْتَرٍ أيْضًا؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الوَصْفَيْنِ لَرَجُلٍ واحِدٍ، وصْفٍ بِأمْرٍ بَعْدَ أمْرٍ لَيَدُلَّ عَلى جُرْأتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ خَصَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ بَعْدَ أنَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ يَدَّعِي أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَأقُولُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ الشِّعْرَ، وهُمُ المُسْتَهْزِؤُونَ. وقِيلَ: هو قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا جَوابٌ لَقَوْلِهِمْ: "لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا مُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، فَأخْرَجَهُمُ الكَفّارُ مَعَهم إلى قِتالِ بِدْرٍ، فَلَمّا أبْصَرُوا قِلَّةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجَعُوا عَنِ الإيمانِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ هَذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا: "ما أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ" قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

والثّالِثُ: المَوْصُوفُونَ في هَذِهِ الآَيَةِ، وهُمُ المُفْتَرُونَ والمُدَّعُونَ الوَحْيَ إلَيْهِمْ، ومُماثَلَةُ كَلامِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ والمَعْنى: لَوْ تَراهم في غَمَراتِ المَوْتِ لَرَأيْتَ عَذابًا عَظِيمًا. ويُقالُ لَكُلِّ مَن كانَ في شَيْءٍ كَبِيرٍ: قَدْ غَمَرَ فَلانًا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَمَراتُ المَوْتِ: سَكَراتُهُ. قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: سُمِّيَتْ غَمَراتٍ، لِأنَّ أهْوالَها يَغْمُرْنَ مَن يَقَعْنَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالضَّرْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالعَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: باسِطُوها لَقَبْضِ الأرْواحِ مِنَ …

Al-An'aam 6:93Listen in Qur'an →
94

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ قالَ: سَوْفَ تَشْفَعُ لَيَ اللّاتُ والعُزّى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ومَعْنى فُرادى: وُحْدانًا. وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما يُوَبِّخُ بِهِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُرادى، أيْ فَرْدٌ فَرَدٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فُرادى: جَمْعُ فَرْدٍ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "فُرادى" خَمْسَةُ أقْوالٍ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.

أحَدُها: فُرادى مِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كُلُّ واحِدٍ عَلى حِدَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: لَيْسَ مَعَكم مِنَ الدُّنْيا شَيْءٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: كُلُّ واحِدٍ مُنْفَرِدٌ عَنْ شَرِيكِهِ في الغَيِّ، وشَقِيقِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والخامِسُ: فُرادى مِنَ المَعْبُودِينَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا مالَ ولا أهْلَ ولا ولَدَ. والثّانِي: حُفاةٌ عُراةٌ غُرْلًا. والغُرْلُ: القَلْفُ. والثّالِثُ: أحْياءٌ. وخَوَّلْناكُمْ: بِمَعْنى مَلَّكْناكم. ﴿وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أيْ: فِي الدُّنْيا. والمَعْنى: أنَّ ما دَأبْتُمْ في تَحْصِيلِهِ في الدُّنْيا فَنِيَ، وبَقِيَ النَّدَمُ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ. وفي شُفَعائِهِمْ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شُفَعاؤُكم، أيْ: آَلِهَتُكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَكم. و ﴿زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكُمْ﴾ أيْ: عِنْدَكم شُرَكاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زَعَمْتُمْ أنَّهم لِي في خَلْقِكم شُرَكاءُ.

والثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ؛ كانُوا يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالرَّفْعِ. والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ النُّونِ عَلى الظَّرْفِ. قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفْعُ أجْوَدُ، ومَعْناهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم، والنَّصْبُ جائِزٌ، ومَعْناهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَكم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم، فَحَذَفَ "ما" لَوُضُوحِ مَعْناها. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الَّذِينَ رَفَعُوهُ، جَعَلُوهُ اسْمًا، فَأسْنَدُوا الفِعْلَ الَّذِي هو "تَقَطَّعَ" إلَيْهِ؛ والمَعْنى: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم. والَّذِينَ نَصَبُوا، أضْمَرُوا اسْمَ الفاعِلِ في الفِعْلِ، والمُضْمَرُ هو الوَصْلُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم بَيْنَكم. وفي الَّذِي كانُوا يَزْعُمُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: شَفاعَةُ آَلِهَتِهِمْ. والثّانِي: عَدَمُ البَعْثِ والجَزاءِ.

Al-An'aam 6:94Listen in Qur'an →
95

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ في مَعْنى الفَلَقِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الخَلْقِ، فالمَعْنى: خالِقُ الحَبِّ والنَّوى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الفَلَقَ بِمَعْنى الشَّقِّ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ فَلَقَ الحَبَّةَ عَنِ السُّنْبُلَةِ، والنَّواةِ عَنَ النَّخْلَةِ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنَ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الشِّقّانِ اللَّذانِ في الحَبِّ والنَّوى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: الحَبُّ: ما لَمْ يَكُنْ لَهُ نَوى، كالبَرِّ والشَّعِيرِ؛ والنَّوى، مِثْلُ نَوى التَّمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في [آَلِ عِمْرانَ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ.

Al-An'aam 6:95Listen in Qur'an →
96

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ في مَعْنى الفَلَقِ قَوْلانِ قَدْ سَبَقا. فَأمّا الإصْباحُ فَقالَ الأخْفَشُ هو مَصْدَرٌ مَن أصْبَحَ وقالَ الزَّجّاجُ: الإصْباحُ والصُّبْحُ واحِدٌ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في الإصْباحِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ، وضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إضاءَةُ الفَجْرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلَقُ الإصْباحِ مِنَ اللَّيْلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نُورُ النَّهارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأيُّوبُ، والجَحْدَرِيُّ: "فالِقُ الإصْباحِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَ: ومَعْناهُ جَمْعُ صُبْحٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ( وجاعِل اللَّيْلِ سَكَنًا ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "جاعِلٌ" بِألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَجَعَلَ" بِغَيْرِ ألِفٍ. "اللَّيْلَ" نَصْبًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ: "جاعِلُ" فَلِأجْلِ "فالِقٍ" وهم يُراعُونَ المُشاكَلَةَ. ومَن قَرَأ: "جَعَلَ" فَلِأنَّ "فاعِلًا" هاهُنا، بِمَعْنى: "فِعْلٍ" بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ . فَأمّا السَّكَنُ، فَهو ما سَكَنْتَ إلَيْهِ. والمَعْنى: أنَّ النّاسَ يَسْكُنُونَ فِيهِ سُكُونَ راحَةٍ. وفي الحُسْبانِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحِسابُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خُذْ مِن كُلِّ شَيْءٍ بِحُسْبانِهِ، أيْ: بِحِسابِهِ. وفي المُرادِ بِهَذا الحَسابِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُما يَجْرِيانِ إلى أجَلٍ جُعِلَ لَهُما، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَجْرِيانِ في مَنازِلِهِما بِحِسابٍ، ويَرْجِعانِ إلى زِيادَةٍ ونُقْصانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّ جَرَيانَهُما سَبَبٌ لَمَعْرِفَةِ حِسابِ الشُّهُورِ والأعْوامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الحُسْبانِ: الضِّياءُ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ الماوَرْدِيُّ، كَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: نارًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولَيْسَ هَذا مِن ذاكَ في شَيْءٍ.

Al-An'aam 6:96Listen in Qur'an →
97

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ جَعَلَ، بِمَعْنى خَلَقَ. وإنَّما امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِالنُّجُومِ، لِأنَّ سالِكِي القِفاءِ وراكِبِي البِحارِ، إنَّما يَهْتَدُونَ في اللَّيْلِ لَمَقاصِدِهِمْ بِها.

Al-An'aam 6:97Listen in Qur'an →
98

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage. We have detailed the signs for a people who understand.

أحَدُها: فَمُسْتَقَرٌّ في الأرْحامِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الأصْلابِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: المُسْتَقَرُّ في الأرْحامِ، والمُسْتَوْدَعُ في القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: المُسْتَقَرُّ في الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأصْلابِ، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: المُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في الرَّحِمِ، رَواهُ قابُوسُ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: المُسْتَقَرُّ حَيْثُ يَأْوِي، والمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ يَمُوتُ، رَواهُ مُقْسِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: المُسْتَقَرُّ في الدُّنْيا، والمُسْتَوْدَعُ في القَبْرِ.

والسّابِعُ: المُسْتَقَرُّ في القَبْرِ، والمُسْتَوْدَعِ في الدُّنْيا، وهو عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ، رُوِيا عَنِ الحَسَنِ.

والثّامِنُ: المُسْتَقَرُّ في الدُّنْيا، والمُسْتَوْدَعُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والتّاسِعُ: المُسْتَقَرُّ في الأصْلابِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرْحامِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وهو عَكْسُ الأوَّلِ.

Al-An'aam 6:98Listen in Qur'an →
99

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي المَطَرَ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَباتُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الثِّمارِ، لِأنَّ كُلَّ ما يَنْبُتُ، فَنَباتُهُ بِالماءِ.

والثّانِي: رِزْقُ كُلِّ شَيْءٍ غِذاؤُهُ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مِنَ الماءِ، أيْ: بِهِ.

والثّانِي: مِنَ النَّباتِ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَضِرُ؛ بِمَعْنى الأخْضَرِ يُقالُ: اخْضَرَّ؛ فَهو أخْضَرُ، وخَضِرٌ، مِثْلُ أعْوَرَ، فَهو أعْوَرُ، وعَوِرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ الخَضِرِ ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ كالسُّنْبُلِ والشَّعِيرِ.

والمُتَراكِبِ: الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ ورَوى الخِفافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "قِنْوانٌ" بِضَمِّ القافِ؛ ورَوى هارُونُ عَنْهُ بِفَتْحِها. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: ومِنَ النَّخْلِ ما قِنْوانُهُ دانِيَةٌ؛ وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: "قِنْوانِ" بِكَسْرِ القافِ؛ وقَيْسٌ يَضُمُّونَها؛ وضَبَّةُ، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ "قِنْيانِ" . وأنْشَدَنِي المُفَضَّلُ عَنْهُمْ:

؎ فَأثَّتْ أعالِيهِ وآَدَتْ أُصُولُهُ ومالَ بِقِنْيانٍ مِنَ البُسْرِ أحْمَرًا

وَيَجْتَمِعُونَ جَمِيعًا، فَيَقُولُونَ: "قِنْوٌ" و"قُنْوٌ" ولا يَقُولُونَ: "قِنْيٌ" ولا "قُنْيٌ" وكَلْبٌ يَقُولُونَ: "وَمالَ بِقِنْيانٍ" قالَ المُصَنَّفُ: والبَيْتُ لِامْرِئِ القَيْسِ؛ ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ السُّكَّرِيُّ: "وَمالَ بِقِنْوانٍ" مَكْسُورَةَ القافِ مَعَ الواوِ، فَفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: قِنْوانٍ، وقُنْوانٍ، وقِنْيانٍ، وقُنْيانٍ؛ و"أثَّتْ": كَثُرَتْ؛ ومِنهُ: شَعْرٌ أثِيتٌ. و"آَدَتْ": اشْتَدَّتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القِنْوانُ: عُذُوقُ النَّخْلِ، واحِدُها: قِنْوٌ، جُمِعَ عَلى لَفْظِ تَثْنِيَةٍ؛ ومِثْلُهُ: صِنْوٌ وصِنْوانٌ في التَّثْنِيَةِ، وصِنْوانٌ في الجَمْعِ. وقالَ الزَّجّاجُ: قِنْوانٌ: جَمْعُ قِنْوٍ، وإذا ثَنَّيْتَهُ فَهُما قِنْوانِ، بِكَسْرِ النُّونِ. ودانِيَةٌ، أيْ: قَرِيبَةُ المُتَناوَلِ، ولَمْ يَقُلْ: "وَمِنها قِنْوانٌ بَعِيدَةٌ" لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا أنَ البَعِيدَةَ السَّحِيقَةَ؛ قَدْ كانَتْ غَيْرَ سَحِيقَةٍ، فاجْتُزِئَ بِذِكْرِ القَرِيبَةِ عَنْ ذِكْرِ البَعِيدَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١] . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِنْوانُ الدّانِيَةُ: قِصارُ النَّخْلِ اللّاصِقَةِ عُذُوقُها بِالأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو نَسَقٌ عَلى قَوْلُهُ: "خُضْرًا" ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ المَعْنى. وأخْرَجْنا مِنهُ شَجَرَ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ: وقَدْ رَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ: و"جَنّاتٌ" بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُشْتَبِهًا في المَنظَرِ، وغَيْرَ مُتَشابِهٍ في الطَّعْمِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي مُشْتَبِهًا ورَقُهُ، مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو في مَعْنى الأوَّلِ.

والثّالِثُ: مِنهُ ما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومِنهُ ما يُخالِفُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قَرَنَ الزَّيْتُونَ بِالرُّمّانِ، لِأنَّهُما شَجَرَتانِ تَعْرِفُ العَرَبُ أنَّ ورَقَهُما يَشْتَمِلُ عَلى الغُصْنِ مِن أوَّلِهِ إلى آَخِرِهِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ نَضْحُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ

وَمَعْناهُ: أنَّ البَرَكَةَ في ورَقِهِ اشْتِمالُهُ عَلى عُودِهِ كُلِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( انْظُرُوا إلى ثَمَرَة ) …

Al-An'aam 6:99Listen in Qur'an →
100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

But they have attributed to Allah partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters. Exalted is He and high above what they describe

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ جَعَلُوا، بِمَعْنى وصَفُوا. قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "الجِنَّ" مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، فَيَكُونُ المَعْنى: وجَعَلُوا لَلَّهِ الجِنَّ شُرَكاءَ؛ ويَكُونُ الجِنُّ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ:١٩] .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ الجِنُّ بَدَلًا مِن شُرَكاءَ، ومُفَسِّرًا لَلشُّرَكاءِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ: "شُرَكاءَ الجِنُّ" بِرَفْعِ النُّونِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ "الجِنِّ" بِخَفْضِ النُّونِ.

وَفِي مَعْنى جَعَلَهُمُ الجِنُّ شُرَكاءَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أطاعُوا الشَّياطِينَ في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَجَعَلُوهم شُرَكاءَ لَلَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: قالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَهم شُرَكاؤُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصّافّاتِ:١٥٨] فَسَمّى المَلائِكَةَ جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الزَّنادِقَةَ قالُوا: اللَّهُ خالِقُ النُّورِ والماءِ والدَّوابِّ والأنْعامِ، وإبْلِيسُ خالِقُ الظُّلْمَةِ والسِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: وخُلُقهمْ في الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجاعِلِينَ لَهُ الشُّرَكاءَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وجَعَلُوا لَلَّذِي خَلْقَهم شُرَكاءَ لا يَخْلُقُونَ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجِنِّ، فَيَكُونُ المَعْنى واللَّهُ خَلَقَ الجِنَّ، فَكَيْفَ يَكُونُ الشَّرِيكُ لَلَّهِ مُحْدِثًا؟ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: وخَرَقُوا بِالتَّشْدِيدِ، لَلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ ادَّعَوُا المَلائِكَةَ بَناتَ اللَّهِ، والنَّصارى المَسِيحَ، واليَهُودُ عُزَيْرًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: وحَرَّفُوا بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وبِتَشْدِيدِ الرّاءِ وبِالفاءِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: "خارَقُوا" بِألِفٍ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ. قالَ السُّدِّيُّ: أمّا "البَنُونَ" فَقَوْلُ اليَهُودَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ وأمّا "البَناتُ" فَقَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: خَرَقُوا، واخْتَرَقُوا، وخَلَقُوا، واخْتَلَقُوا، بِمَعْنى افْتَرَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَرَقُوا: جَعَلُوا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى: "بِغَيْرِ عِلْمٍ": أنَّهم لَمْ يَذْكُرُوهُ مِن عِلْمٍ، إنَّما ذَكَرُوهُ تَكَذُّبًا.

Al-An'aam 6:100Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.