Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 165

91

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

ولَمّا حَصَرَ الدُّعاءَ في الذِّكْرى، وكانَ ذَلِكَ نَفْعًا لَهم ورِفْقًا بِهِمْ، لا تَزِيدُ طاعَتُهم في مُلْكِ اللَّهِ شَيْئًا ولا يُنْقِصُ إعْراضُهم مِن عَظَمَتِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ؛ بَنى حالًا مِنهم، فَقالَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الرِّسالَةِ بِالإنْكارِ عَلى مَن جَحَدَها وإلْزامًا لَهم بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، أمّا أهْلُ الكِتابِ فَعِلْمًا قَطْعِيًّا، وأمّا العَرَبُ فَتَقْلِيدًا لَهم؛ ولِأنَّهم سَلَّمُوا لَهم العِلْمَ وجَعَلُوهم مَحَطَّ سُؤالِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما﴾ أيْ: فَقُلْنا ذَلِكَ لَهم خاصَّةً والحالُ أنَّهم ما ﴿قَدَرُوا﴾ أيْ: عَظَّمُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: تَعْظِيمِهِ في جَحْدِهِمْ لِذِكْراهم وصَدِّهِمْ عَنْ بُشْراهم ومُقابَلَتِهِمْ لِلشُّكْرِ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ لَهُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ قَدَرَ الشَّيْءَ - إذا سَبَرَهُ وحَزَرَهُ وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ - يَقْدُرُهُ - بِالضَّمِّ - قَدْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ:

«( فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ )»، أيْ: فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ - هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن عَرَفَ شَيْئًا: هو يَقْدُرُ قَدْرَهُ، وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ: إنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قالُوا﴾ أيْ: اليَهُودُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ وقُرَيْشٌ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهم هَذا حِينَ أرْسَلَتْ إلَيْهِمْ قُرَيْشٌ تَسْألُهم عَنْهُ ﷺ في أمْرِ رِسالَتِهِ واحْتِجاجِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناسِينَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّ مَن نَسَبَ مَلِكًا تامَّ المُلْكِ إلى أنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ أوامِرَهُ في رَعِيَّتِهِ بِما يُرْضِيهِ لِيَفْعَلُوهُ وما يُسْخِطُهُ لِيَجْتَنِبُوهُ، فَقَدْ نَسَبَهُ إلى نَقْصٍ عَظِيمٍ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ كَذِبًا! وهَذا وإنْ كانَ ما قالَهُ إلّا بَعْضُ العالَمِينَ بَلْ بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم بَعْضُ العالَمِينَ، أُسْنِدَ إلى الكُلِّ، لِأنَّهم لَمْ يَرُدُّوا عَلى قائِلِهِ ولَمْ يُعاجِلُوهُ بِالأخْذِ تَفْظِيعًا لِلشَّأْنِ وتَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وبَيانًا لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ بِآيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ أنْ يَسْعى إلَيْها ويَتَعَرَّفَ أمْرَها، فَإذا تَحَقَّقَهُ فَمَن طَعَنَ فِيها أخَذَ عَلى يَدِهِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَتُهُ، كَما أنَّهُ كَذَلِكَ كانَ يَفْعَلُ لَوْ كانَ ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ أبِيهِ أوْ أحَدٍ مِمَّنْ يَكُونُ فَخْرُهُ بِهِ مِن أبْناءِ الدُّنْيا، وفي ذَلِكَ أتَمُّ إشارَةٍ إلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عِمادُ الأُمُورِ كُلِّها، مَن فَرَّطَ فِيهِ هَلَكَ وأهْلَكَ؛ رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِغَيْرِ سَنَدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - يَعْنِي: هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ اليَهُودَ قائِلُو ذَلِكَ، ومُلْزِمًا بِالِاعْتِرافِ بِالكَذِبِ أوْ المُساواةِ لِلْأُمِّيِّينَ في التَّمَسُّكِ بِالهَوى دُونَ كِتابٍ، مُوَبِّخًا لَهم ناعِيًا عَلَيْهِمْ سُوءَ جَهْلِهِمْ وعَظِيمَ بُهْتِهِمْ وشِدَّةَ وقاحَتِهِمْ وعَدَمَ حَيائِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ السُّفَهاءِ الَّذِينَ تَجَرَّؤُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ غَيْرَ ناظِرِينَ في عاقِبَتِها وما يَلْزَمُ مِنها تَوْبِيخًا لَهم وتَوْقِيفًا …

Al-An'aam 6:91Listen in Qur'an →
92

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

ولَمّا أثْبَتَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ تَكْمِيلًا لِإثْباتِ الرِّسالَةِ بِدَلِيلِ عِلْمِ اليَهُودِ دُونَ مَن لا كِتابَ لَهم - عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَأْكِيدًا لِإثْباتِها وتَقْرِيرًا: ﴿وهَذا﴾ أيْ: القُرْآنِ الَّذِي هو حاضِرٌ الآنَ في جَمِيعِ الأذْهانِ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: جامِعٌ لِخَيْرَيْ الدّارَيْنِ، وكانَ السِّياقُ لِأنْ يُقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ، ولَكِنَّهُ أتى بِنُونِ العَظَمَةِ، لِأنَّها أدَلُّ عَلى تَعْظِيمِهِ، فَقالَ: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: ولَيْسَ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن نَفْسِهِ، وإنَّما هو بِإنْزالِنا إيّاهُ إلَيْهِ وإرْسالِنا لَهُ بِهِ ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الخَيْرِ ثابِتُ الأمْرِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى إنْكارِهِ لِإعْجازِهِ، لِتَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ خُصُوصًا حَقِيقَتَهُ بِتَصْدِيقِهِ لِكِتابِهِمْ لِأنَّهُ ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: كُلَّهُ مِن كُتُبِهِمْ وغَيْرِها، فَيَكُونُ أجْدَرَ لِإيمانِهِمْ بِهِ، وتَعْلَمَ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ عُمُومًا ذَلِكَ بِذَلِكَ وبِإعْجازِهِ ﴿ولِتُنْذِرَ﴾ أيْ: بِهِ ﴿أُمَّ القُرى﴾ أيْ: مَكَّةَ؛ لِأنَّها أعْظَمُ المُدُنِ بِما لَها مِنَ الفَضائِلِ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ فَهو لا يُؤْمِنُ بِهِ مِن أهْلِ الأرْضِ كُلِّها مِن جَمِيعِ البُلْدانِ والقُرى؛ لِأنَّها أُمُّ الكُلِّ، وهم في ضَلالَتِهِمْ مُفَرِّطُونَ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ الإيمانِ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، مِن أهْلِ أُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها بِكُلِّ خَيْرٍ يَنْشُرُونَ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالكِتابِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الإيمانَ بِها داعٍ إلى كُلِّ خَيْرٍ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ، والكُفْرِ بِها حامِلٌ عَلى كُلِّ بِشْرٍ.

ولَمّا تَكَرَّرَ وصْفُ المُنافِقِينَ بِالتَّكاسُلِ عَنِ الصَّلاةِ جَعَلَ المُحافَظَةَ عَلَيْها عَلَمًا عَلى الإيمانِ فَقالَ: ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: يَحْفَظُونَها غايَةَ الحِفْظِ، فالآيَةُ مِن عَجِيبِ فَنِّ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإنْدارِ والأُمِّ أوَّلًا دالًّا عَلى حَذْفِهِما ثانِيًا، وإثْباتُ الإيمانِ والصَّلاةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى نَفْيِهِما أوَّلًا.

Al-An'aam 6:92Listen in Qur'an →
93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

ولَمّا كانَ في قَوْلِهِمْ: ( ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] صَرِيحُ الكَذِبِ وتَضَمَّنَ تَكْذِيبَهُ - وحاشاهُ ﷺ ! أمّا مِنَ اليَهُودِ فَبِالفِعْلِ، وأمّا مِن قُرَيْشٍ فَبِالرِّضا، وكانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ قَدْ ادَّعى الإيحاءَ إلى نَفْسِهِ إرادَةً لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ - قالَ تَعالى مُهَوِّلًا لِأمْرِ الكَذِبِ، لا سِيَّما عَلَيْهِ، لا سِيَّما في أمْرِ الوَحْيِ، عاطِفًا عَلى مَقُولِ ( ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ﴾ [الأنعام: ٩١] مُبْطِلًا لِلتَّنَبُّؤِ بَعْدَ تَصْحِيحِ أمْرِ الرِّسالَةِ وإثْباتِها إثْباتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَكانَتْ بَراهِينُ إثْباتِها أدِلَّةً عَلى إبْطالِ التَّنَبُّؤِ وكَذِبِ مُدَّعِيهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: بِالفِعْلِ كاليَهُودِ والرِّضى كَقُرَيْشٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: أيَّ كَذِبٍ كانَ، فَضْلًا عَنْ إنْكارِ الإنْزالِ عَلى البَشَرِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ ﴿يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ كَعادَةِ القُرْآنِ المَجِيدِ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وغَيْرِهِما، ثُمَّ رَأيْتُ في كِتابِ: ( غايَةِ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ ) لِلسَّمَوْألِ بْنِ يَحْيى المَغْرِبِيِّ الَّذِي كانَ مِن أجَلِّ عُلَمائِهِمْ في حُدُودِ سَنَةِ سِتِّينَ وخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ، وكانَتْ لَهُ يَدٌ طُولى في الحِسابِ والهَنْدَسَةِ والطِّبَّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُلُومِ، فَأظْهَرَ بَعْدَ إسْلامِهِ فَضائِحَهم أنَّ الرَّبّانِيِّينَ مِنهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ كانَ يُوحِي إلى جَمِيعِهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ قَسَّمَهم إلى قَرّائِينَ ورَبّانِيِّينَ: إنَّ الرَّبّانِيِّينَ أكْثَرُهم عَدَدًا، وقالَ: وهم الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ كانَ يُخاطِبُهم في كُلِّ مَسْألَةٍ بِالصَّوابِ، قالَ: وهَذِهِ الطّائِفَةُ أشَدُّ اليَهُودِ عَداوَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ ﴿ومَن قالَ سَأُنْـزِلُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ ونَحْوِهِ.

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا في كُلِّ مُنْصِفٍ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، بَلْ هم أظْلَمُ الظّالِمِينَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ رَأيْتَهم وقَدْ حاقَ بِهِمْ جَزاءُ هَذا الظُّلْمِ كَرَدِّ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً وهم يُسْحَبُونَ في السَّلاسِلِ عَلى وُجُوهِهِمْ، وجَهَنَّمُ تَكادُ تَتَمَيَّزُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا، وهم قَدْ هَدَّهم النَّدَمُ والحَسْرَةُ، وقَطَعَ بِهِمْ الأسَفُ والحَيْرَةُ لَرَأيْتَ أمْرًا يَهُولُ مَنظَرُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَذاقُهُ ومَخْبَرُهُ ! فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أقْرَبُ مِنهُ، فَقالَ كالمُفَصِّلِ لِإجْمالِ ذَلِكَ التَّهْدِيدِ مُبْرِزًا بَدَلَ ضَمِيرِهِمْ الوَصْفَ الَّذِي أدّاهم إلى ذَلِكَ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ: يَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ فِيما هو دُونَ ذَلِكَ ﴿إذِ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِأجْلِ مُطْلَقِ الظُّلْمِ فَكَيْفَ بِما ذُكِرَ مِنهُ! واللّامُ لِلْجِنْسِ الدّاخِلِ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ أيْ: شَدائِدِهِ الَّتِي قَدْ غَمَرَتْهم كَما يَغْمُرُ البَحْرُ الخِضَمُّ مَن يَغْرَقُ فِيهِ، فَهو يَرْفَعُهُ ويَخْفِضُهُ ويَبْتَلِعُهُ ويَلْفِظُهُ، لا بُدَّ لَهُ مِنهُ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ: الَّذِينَ طَلَبُوا - جَهْلًا مِنهم - إنْزالَ بَعْضِهِمْ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ لَهم، وأخْبَرْناهم أنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِفَصْلِ الأُمُورِ وإنْجازِ المَقْدُورِ ﴿باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: إلَيْهِمْ بِالمَكْرُوهِ لِنَزْعِ أرْواحِهِمْ …

Al-An'aam 6:93Listen in Qur'an →
94

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يُحِسَّ المَيِّتُ شَيْئًا بَعْدَ المَوْتِ أوْ يَفْهَمَ كَلامًا، وكانَ التَّقْدِيرُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: فَتَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَنعِهِمْ، فَيَقُولُ لَهم: قَدْ رَأيْتُمْ مَلائِكَتَنا الَّذِينَ أخْبَرْناكم أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهم إذا أُبْصِرُوا كانَ القَضاءَ الفَصْلَ والأمْرَ البَتَّ الحَتْمَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُهْلٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُشِيرًا إلى ما كانَ سَبَبَ اسْتِكْبارِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ والتَّقْوى بِالأمْوالِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالمَوْتِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى شُمُولِ عِلْمِنا وتَمامِ قُدْرَتِنا قَطْعًا، ودَلَّ عَلى تَمامِ العَظَمَةِ وأنَّ المُرادَ مَجِيئُهم بِالمَوْتِ قَوْلُهُ: ﴿فُرادى﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ، لَيْسَ أحَدٌ مِنكم مَعَ أحَدٍ، ومُنْفَرِدِينَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ صَدَّكم عَنْ اتِّباعِ رُسُلِنا ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي أمَتْناكم بِها بِعَيْنِها ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في الِانْفِرادِ والضَّعْفِ والفَقْرِ، فَأيْنَ جَمْعُكم الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَكْبِرُونَ! ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ أيْ: مَلَّكْناكم مِنَ المالِ ومَكَّنّاكم مِن إصْلاحِهِ نِعْمَةً عَلَيْكم لِتَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى رِضانا، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لَكم بِالأصالَةِ، وأعْرَضْتُمْ عَنّا وبَدَّلْتُمْ ما دَلَّ عَلَيْهِ مِن عَظَمَتِنا بِضِدٍّ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِأوامِرِنا ﴿وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ فَما أغْنى عَنْكم ما كُنْتُمْ مِنهُ تَسْتَكْبِرُونَ.

ولَمّا كانُوا يَعُدُّونَ الأصْنامَ آلِهَةً، ويَرْجُونَ شَفاعَتَها، إمّا اسْتِهْزاءً، وإمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ - عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِصِحَّةِ البَعْثِ - قالَ تَهَكُّمًا بِهِمْ واسْتِهْزاءً بِشَأْنِهِمْ: ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ أيْ: الَّتِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِيها ما تَقُولُونَ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: كَذِبًا وجَراءَةً وفُجُورًا ﴿أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ: أنَّ لَهم فِيكم نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ حَتّى كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهم في وقْتِ الرَّخاءِ وتَدْعُونَهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ، أرُوناهم لَعَلَّهم سَتَرَهم عَنّا ساتِرٌ أوْ حَجَبَنا عَنْهم حاجِبٌ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى بُهْتِهِمْ في جَوابِ هَذا الكَلامِ الهائِلِ المُرْعِبِ حَيْرَةً وعَجْزًا ودَهَشًا وذُلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ﴾ أيْ: تَقَطُّعًا كَثِيرًا.

ولَمّا كانَ ذِكْرُ البَيْنِ في شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِ في الجُمْلَةِ وحُضُورِهِ ولَوْ في الذِّهْنِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَ كَذا كَذا، وكانَ فُلانٌ بَيْنَنا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ - قالَ مُنَبِّهًا عَلى زَوالِ ذَلِكَ حَتّى بِالمُرُورِ بِالبالِ والخُطُورِ في الذِّهْنِ لِشِدَّةِ الِاشْتِغالِ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فَأسْنَدَ القَطْعَ المُبالَغَ فِيهِ إلى البَيْنِ، وإذا انْقَطَعَ البَيْنُ تَقَطَّعَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي كانَتْ تُسَبِّبُ الِاتِّصالَ، فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنهم اتِّصالٌ بِالآخَرِ؛ لِأنَّ ما بَيْنَهُما صارَ كالخَنْدَقِ بِانْقِطاعِ نَفْسِ البَيْنِ، فَلا يَتَأتّى مَعَهُ الوُصُولُ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالرَّفْعِ، وهَذا المِثالُ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ ولَمّا رَجَعَ المَعْنى إلى تَقَطُّعِ الوَصْلَ، بَيْنَ سَبَبِ ذَلِكَ، وهو زَوالُ المُسْتَنَدُ الَّذِي كانُوا يَسْتَنِدُونَ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: ذَهَبَ وبَطَلَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الأباطِيلِ كُلِّها.

Al-An'aam 6:94Listen in Qur'an →
95

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

ولَمّا ثَبَتَتْ الوَحْدانِيَّةُ والنُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ وتَقارِيعُ مِن تَقارِيعِها، وانْتَهى الكَلامُ هُنا إلى ما تَجَلّى بِهِ مَقامُ العَظَمَةِ، وانْكَشَفَ لَهُ قِناعُ الحِكْمَةِ وتَمَثَّلَ نُفُوذُ الكَلِمَةِ، فَتَهَيَّأ السّامِعُ لِتَأمُّلِهِ، وتَفَرَّغَ فَهْمُهُ لِتَدَبُّرِهِ - قالَ دالًّا عَلَيْهِ مُشِيرًا إلَيْهِ، مُعْلِمًا أنَّ ما مَضى أنْتَجَهُ وأظْهَرَهُ لا بُدَّ وأبْرَزَهُ، مُذَكِّرًا بِآياتِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ٩٢] وبِمُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصَرِّفًا ما مَضى أوَّلَ السُّورَةِ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ عَلى أوْجُهٍ أُخْرى، إعْلامًا بِأنَّ دَلائِلَ الجَلالِ تَفُوقُ عَدَدَ الرِّمالِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَصْدَ بِالذّاتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ أيْ: فاطِرُهُ وشاقُّهُ عَنِ الزُّرُوعِ والنَّباتِ، وعَبَرَ بِذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ قَبْلَ وُجُودِهِ كانَ مَعْدُومًا، والعَقْلُ يَتَوَهَّمُ ويَتَخَيَّلُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً، فَإذا خَرَجَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ والفَناءِ الصِّرْفِ فَكَأنَّهُ بِحَسَبِ التَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ ﴿والنَّوى﴾ أيْ: وهو ما يَكُونُ داخِلَ الثِّمارِ المَأْكُولَةِ كالتَّمْرِ، ولا يَكُونُ مَقْصُودًا لِذاتِهِ بِفَلْقِها عَنِ الأشْجارِ، وفي ذَلِكَ حِكَمٌ وأسْرارٌ تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، وتَدُلُّ عَلى كَمالِ الواحِدِ المُخْتارِ؛ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ ما حاصِلُهُ: إنْ النَّواةَ والحَبَّةَ تَكُونُ في الأرْضِ الرَّطْبَةِ مُدَّةً، فَيُظْهِرُ اللَّهُ فِيها شَقًّا في أعْلاها وآخَرَ في أسْفَلِها، وتَخْرُجُ الشَّجَرَةُ مِنَ الأعْلى فَتَعْلُو وتَهْبِطُ مِنَ الأسْفَلِ شَجَرَةٌ أُخْرى في أعْماقِ الأرْضِ، هي العُرُوقُ، وتِلْكَ الحَبَّةُ أوْ النَّواةُ سَبَبٌ واصِلٌ بَيْنَ الشَّجَرَتَيْنِ: الصّاعِدَةُ والهابِطَةُ، فَيَشْهَدُ الحِسُّ والعَقْلُ بِأنَّ طَبْعَ الصّاعِدَةِ والهابِطَةِ مُتَعاكِسٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ قَطْعًا بِمُقْتَضى الطَّبْعِ والخاصِّيَّةِ، بَلْ بِالإيجادِ والِاخْتِراعِ والتَّكْوِينِ والإبْداعِ، ولا شَكَّ أنَّ العُرُوقَ الهابِطَةَ في غايَةِ اللَّطافَةِ والرِّقَّةِ بِحَيْثُ لَوْ دُلِكَتْ بِاليَدِ بِأدْنى قُوَّةٍ صارَتْ كالماءِ، وهي مَعَ ذَلِكَ تَقْوى عَلى النُّفُوذِ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الَّتِي لا يَنْفُذُ فِيها المِسَلَّةُ والسِّكِّينُ الحادَّةُ إلّا بِإكْراهٍ عَظِيمٍ، فَحُصُولُ هَذا النُّفُوذِ لِهَذِهِ الأجْرامِ اللَّطِيفَةِ لا يَكُونُ قَطْعًا إلّا لِقُوَّةِ الفاعِلِ المُخْتارِ، لا سِيَّما إذا تَأمَّلْتَ ظُهُورَ شَجَرَةٍ مِن نَواةٍ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ تَجْمَعُ الشَّجَرَةُ طَبائِعَ مُخْتَلِفَةً في قِشْرِها ثُمَّ فِيما تَحْتَهُ مِن جِرْمِ الخَشَبَةِ، وفي وسَطِ تَدْوِيرِ الخَشَبَةِ جِرْمٌ ضَعِيفٌ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن ساقِها أغْصانُها، ومِنَ الأغْصانِ أوْراقُها أوَّلًا ثُمَّ أنْوارُها وأزْهارُها ثانِيًا، ثُمَّ الفاكِهَةُ ثالِثًا، ثُمَّ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفاكِهَةِ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ القُشُورِ، مِثْلَ الجَوْزِ واللَّوْزِ قِشْرُهُ الأعْلى ذَلِكَ الجِرْمُ الأخْضَرُ، وتَحْتَهُ القِشْرُ الَّذِي كالخَشَبِ، وتَحْتَهُ القِشْرُ الَّذِي كالغِطاءِ الرَّقِيقِ المُحِيطِ بِاللُّبَّةِ، وتَحْتَهُ اللُّبُّ المُشْتَمِلُ عَلى جِرْمٍ كَثِيفٍ هو أيْضًا كالقِشْرَةِ، وعَلى جِرْمٍ لَطِيفٍ هو الزَّهْرُ، وهو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، فَتَوَلُّدُ هَذِهِ الأجْسامِ المُخْتَلِفَةِ طَبْعًا وصِفَةً ولَوْنًا وشَكْلًا …

Al-An'aam 6:95Listen in Qur'an →
96

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

ولَمّا وصَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ مِن فَلْقِ الجَواهِرِ بِما اقْتَضى حَتْمًا اتِّصافَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَهُ لِكَوْنِهِ مِن أظْهَرِ أدِلَّةِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هَذا أُسْلُوبُهُ، مَعَ الإلْفِ لَهُ بِقُرْبِهِ ومُعالَجَتِهِ، أتْبَعَهُ ما هو مِثْلُهُ في الدِّلالَةِ عَلى الإحْياءِ لَكِنَّهُ في المَعانِي وهو سَماوِيٌّ، شارِحًا لِما أشارَ إلَيْهِ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُحاجَّةِ قَوْمِهِ مِن إبْطالِ إلَهِيَّةِ كُلٍّ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ والكَواكِبِ الَّتِي هي مَنشَأُ ذَلِكَ، فَقالَ تَرْقِيَةً مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أيْ: مُوجِدُهُ، وحَقِيقَتُهُ: فالِقُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنِ الصَّباحِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ وأمِنَ اللَّبْسَ فِيهِ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الصُّبْحِ، كَما يُقالُ: انْفَجَرَ الصُّبْحُ، وانْفَجَرَ عَنْهُ اللَّيْلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالفَلْقِ الكَشْفُ؛ لِأنَّهُ يَكْشِفُ مِنَ المَفْلُوقِ ما كانَ خَفِيًّا، فَعَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ الَّذِي هو الإظْهارُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو الفَلْقُ، وعَبَّرَ عَنِ الصَّباحِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي يُقالُ المَدْخُولُ في الصُّبْحِ لِتَصْلُحَ لِإرادَةِ فَلْقِ السُّكُونِ بِالنُّورِ أوْ غَيْرِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ المُرَتَّبَةِ عَلى الدُّخُولِ في الصُّبْحِ، فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى وجاعِلُ الإصْباحِ حَرَكَةً وسادِلُ اللَّيْلِ ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ بِما يَكُونُ مِن إظْلامِهِ ﴿سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ ويَسْتَرِيحُونَ فِيهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ الحَرَكَةَ ودَلَّ عَلَيْها بِالسَّكَنِ، وحَذَفَ مِنَ الثّانِي السَّدْلَ ودَلَّ عَلَيْهِ بِالفَلْقِ، وهَذا الفَلْقُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - وفِيهِ دِلالَتانِ؛ لِأنَّ الإصْباحَ يَشْمَلُ الفَجْرَ الكاذِبَ والصّادِقَ، والأوَّلُ أقْوى دِلالَةً لِأنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ فالمَوْضِعُ - الَّذِي تَكُونُ تِلْكَ الدّائِرَةُ أُفُقًا لَهُ - تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَشْرِقِهِ، فَيُضِيءُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ نِصْفَ كُرَةِ الأرْضِ، فَيَحْصُلُ الضَّوْءُ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلْدَتِكَ، ويَكُونُ ذَلِكَ الضَّوْءُ مُنْتَشِرًا مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ الجَوِّ، ويَجِبُ أنْ يَقْوى لَحْظَةً فَلَحْظَةً، فَلَوْ كانَ الأوَّلُ مِن قُرْصِ الشَّمْسِ لامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ خَطًّا مُسْتَطِيلًا، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَطِيرًا في الأُفُقِ مُنْتَشِرًا مُتَزايِدًا لَحْظَةً فَلَحْظَةً، لَكِنْ لَيْسَ هو كَذَلِكَ، فَإنَّهُ يَبْدُو كالخَيْطِ الأبْيَضِ الصّاعِدِ حَتّى شَبَّهَتْهُ العَرَبُ بِذَنَبِ السَّرْحانِ ثُمَّ يَحْصُلُ عَقِبَهُ ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ الثّانِي الصّادِقَ المُسْتَطِيرَ فَكانَ الأوَّلُ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ ابْتِداءً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأنْوارَ لَيْسَ لَها وُجُودٌ إلّا بِإبْداعِهِ، والظُّلُماتُ لَيْسَ لَها ثَباتٌ إلّا بِتَقْدِيرِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ الضِّياءَ والظُّلْمَةَ - ذَكَرَ مَنشَأهُما وضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى مَحَلٍّ ”اللَّيْلِ“ لِأنَّ جاعِلًا لَيْسَ بِمَعْنى المُضِيءِ فَقَطْ لِتَكُونَ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً، بَلْ المُرادُ اسْتِمْرارُهُ في الأزْمِنَةِ كُلِّها: ﴿والشَّمْسَ﴾ أيْ: الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها كُلٌّ مِنهُما، هَذا عَنْ غُرُوبِها وهَذا عَنْ شُرُوقِها ﴿والقَمَرَ﴾ أيْ: الَّذِي هو آيَةُ اللَّيْلِ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ: ذَوِي حُسْبانٍ وعَلَمَيْنِ عَلَيْهِ؛ …

Al-An'aam 6:96Listen in Qur'an →
97

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، أتْبَعَهُ مَنفَعَةً أُخْرى تَعُمُّهُما مَعَ غَيْرِهِما مُبَيِّنًا ما أذِنَ فِيهِ مِن عِلْمِ النُّجُومِ ومَنافِعِها، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ ولَمّا كانَتْ العِنايَةُ بِنا أعْظَمَ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أيْ: كُلَّها سائِرَها وثابِتَها وإنْ كانَ عِلْمُكم يَقْصُرُ عَنْها كُلِّها كَما يَقْصُرُ عَنِ الرُّسُوخِ والبُلُوغِ في عِلْمِ السَّيْرِ لِلسَّيّارَةِ مِنهُ ﴿لِتَهْتَدُوا﴾ أيْ: لِتُكَلِّفُوا أنْفُسَكم عِلْمَ الهِدايَةِ ﴿بِها﴾ لِتَعْلَمُوا القِبْلَةَ وأوْقاتَ الصَّلَواتِ والصِّيامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَنافِعِكم دُنْيا ودِينًا.

ولَمّا كانَتْ الأرْضُ والماءُ لَيْسَ لَهُما مِن نَفْسِهِما إلّا الظُّلْمَةُ، وانْضَمَّتْ إلى ذَلِكَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قالَ: ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ﴾ أيْ: الَّذِي لا عِلْمَ فِيهِ، وإنْ كانَتْ لَهُ أعْلامٌ فَإنَّها قَدْ تَخْفى ﴿والبَحْرِ﴾ فَإنَّهُ لا عِلْمَ بِهِ، والإضافَةُ إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ تَشْبِيهِ المُلْبِسِ مِنَ الطُّرُقِ وغَيْرِها بِالظُّلْمَةِ؛ رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في جُزْءٍ جَمَعَهُ في النُّجُومِ مِن طَرِيقِ أحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الأُشْنانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ( تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ في البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا، وتَعَلَّمُوا مِنَ الأنْسابِ ما تَصِلُونَ بِهِ أرْحامَكم وتَعْرِفُونَ ما يَحِلُّ لَكم ويَحْرُمُ عَلَيْكم مِنَ النِّساءِ ثُمَّ انْتَهُوا ) . وفِيهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الإمامِ أحْمَدَ في زِياداتِهِ عَلى المُسْنَدِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( يا عَلِيٌّ ! أسْبِغْ الوُضُوءَ وإنْ شَقَّ عَلَيْكَ، ولا تَأْكُلْ الصَّدَقَةَ ولا تُنْزِ الحَمِيرَ عَلى الخَيْلِ، ولا تُجالِسْ أصْحابَ النُّجُومِ )» وفِيهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «( لا تَسْألُوا عَنِ النُّجُومِ، ولا تُفَسِّرُوا القُرْآنَ بِرَأْيِكم، ولا تَسُبُّوا أصْحابِي؛ فَإنَّ ذَلِكَ الإيمانَ المَحْضَ )» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» - رَواهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ؛ وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مِثْلُهُ سَواءٌ، وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «( إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتْ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا )» - رَواهُ مِن طُرُقٍ وأسْنَدَ عَنْ قَتادَةَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْهارًا وسُبُلا﴾ [النحل: ١٥] قالَ: طُرُقًا ﴿وعَلاماتٍ﴾ [النحل: ١٦] قالَ: هي النُّجُومُ، قالَ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثِ خِصالٍ: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، وجَعَلَها يُهْتَدى بِها، وجَعَلَها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، فَمَن تَعاطى فِيها [شَيْئًا] غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ حَظَّهُ وقالَ رَأْيَهُ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ - في كَلامٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ، [وهَذا الأثَرُ الَّذِي عَنْ قَتادَةَ أخْرَجَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ]، وقالَ صاحِبُ ( كَنْزِ اليَواقِيتِ في اسْتِيعابِ المَواقِيتِ ) في مُقَدِّمَةِ الكِتابِ: واعْلَمْ أنَّ العِلْمَ مِنهُ مَحْمُودٌ، ومِنهُ مَذْمُومٌ لا يُذَمُّ لِعَيْنِهِ، إنَّما يُذَمُّ في حَقِّ العِبادِ لِأسْبابٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا إلى ضَرَرٍ كَعِلْمِ السِّحْرِ والطَّلْسَماتِ وهو حَقٌّ إذْ شَهِدَ …

Al-An'aam 6:97Listen in Qur'an →
98

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage. We have detailed the signs for a people who understand.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ هَذا المَلَكُوتِ الأرْضِيِّ والسَّماوِيِّ، أتْبَعَهُ - كَما مَضى في أوَّلِ السُّورَةِ - الخَلْقَ المُفْرَدَ الجامِعَ لِجَمِيعِ المَلَكُوتِ، وهو الإنْسانُ، دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، مُبْطِلًا بِمُفاوَتَةِ أوَّلِ الإبْداعِ وآخِرِ الآجالِ ما اعْتَقَدُوا في النُّورِ والظُّلْمَةِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وغَيْرِهِما؛ لِأنَّ واحِدًا مِنها لا اخْتِيارَ لَهُ في شَيْءٍ يَصْدُرُ عَنْهُ، بَلْ هو مُسَخَّرٌ ومَقْهُورٌ كَما هو مَحْسُوسٌ ومَشْهُورٌ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ في غايَةِ التَّفاوُتِ في الطُّولِ والقَدِّ واللَّوْنِ والشَّكْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْراضِ الَّتِي دَبَّرَها - سُبْحانَهُ - عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ثُمَّ اقْتَطَعَ مِنها زَوْجَها ثُمَّ فَرَّعَكم مِنهُما.

ولَمّا كانَ أغْلَبُ النّاسِ في الحَياةِ [الدُّنْيا] يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَحُولُ ولا يَزُولُ، لا يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ ما دامَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ [مِن] حَياةٍ، [قالَ]: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ: فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مِنكم مُسْتَقِرٌّ عَلى الأرْضِ - هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عُمَرَ وبِكَسْرِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، والمَعْنى في قِراءَةِ الباقِينَ بِفَتْحِهِ اسْمُ مَكانٍ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤]

ولَمّا كانَ مَن في البَرْزَخِ قَدْ كُشِفَ عَنْهم الغِطاءُ فَهم مُوقِنُونَ بِالسّاعَةِ غَيْرُ عامِلِينَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وكَذا مَن في الصُّلْبِ والرَّحِمِ - عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ، فَقالَ: ﴿ومُسْتَوْدَعٌ﴾ أيْ: في الأصْلابِ أوْ الأرْحامِ أوْ في بَطْنِ الأرْضِ، [فَدَلَّتْ المُفاوَتَةُ مِن كُلٍّ مِنهُما - مَعَ أنَّ الكُلَّ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ - عَلى القادِرِ المُخْتارِ]، لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يَعْكِسَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ مَضْمُونُ الآيَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وقَدَّمَ الإصْباحَ واللَّيْلَ ومُتَعَلِّقَهُما لِتَقَدُّمِهِما في الخَلْقِ، ثُمَّ تَلاهُ بِخَلْقِ الإنْسانِ عَلى حَسَبِ ما مَرَّ أوَّلَ السُّورَةِ، وذَكَرَ [هُنا أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الطِّينَ نَفْسًا واحِدَةً فَرَّعَ الإنْسَ كُلَّهم مِنها مَعَ تَفاوُتِهِمْ فِيما] هُناكَ وُفِيَ غَيْرِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُفْرَدَ الجامِعَ، وفَصَّلَهُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المُعْجِبَةِ، كانَ مَحَلًّا لِتَوَقُّعِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ [الأنعام: ٩٧] أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿الآياتِ﴾ [الأنعام: ٩٧] أيْ: أكْثَرْنا بَيانَها في هَذا المُفْرَدِ الجامِعِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الصَّنْعَةِ، تارَةً بِأنْ يَكُونَ مِنَ التُّرابِ بَشَرٌ، وأُخْرى بِأنْ يُخْرِجَ الأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، وتارَةً بِأنْ يُفَرِّعَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى ما لا يُحِيطُ بِهِ العَدُّ ولا يَجْمَعُهُ الخَبَرُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الوِلادَةِ إلى الكِبَرِ.

ولَمّا كانَ إنْشاءُ النّاسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفَهم عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ جِدًّا ألْطَفَ وأدَقَّ صَنْعَةٍ، فَكانَ ذَلِكَ مُحْتاجًا إلى تَدَبُّرٍ واسْتِعْمالِ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لَهم أهْلِيَّةُ الفِقْهِ والفِطْنَةِ.

Al-An'aam 6:98Listen in Qur'an →
99

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

ولَمّا ذَكَرَ وُجُوهَ الإبْداعِ التَّفْرِيعِيِّ مِن هَذَيْنَ الكَوْنَيْنِ وأسْبابَ البَقاءِ لَهُ بِما يَنْشَأُ [عَنْهُ] الفُصُولُ وغَيْرُها، أتْبَعَهُ سَبَبَهُ القَرِيبَ، وهو الماءُ الَّذِي جَعَلَ مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، فَقالَ مُفَصِّلًا ما أجْمَلَهُ في الحَبِّ والنَّوى، سائِقًا لَهُ مَساقَ الإحْسانِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدَّلائِلِ، فَإنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ عَلى وجْهِ الإحْسانِ ومُذَكِّرًا بِالإنْعامِ كانَ تَأْثِيرُهُ في القَلْبِ عَظِيمًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ أنْ يَسْلُكَ هَذا المَسْلَكَ [لِيَكُونَ لِلْقُلُوبِ أمْلَكَ]: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ﴾ أيْ: بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَعْرِفُونَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ العِبارَةِ وما أشْبَهَها مِن ذُكُورِ الحَيَوانِ المُنَبَّهِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ ﴿ماءً﴾ أيْ: مُنْهَمِرًا ودافِقًا.

ولَمّا كانَ تَفْرِيعُ الخَلْقِ مِنَ الماءِ بِمَكانٍ مِنَ العَظَمَةِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ - نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالِانْتِقالِ إلى التَّكَلُّمِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُدانِيها أحَدٌ ﴿بِهِ﴾ أيْ: الماءِ ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُخْتَلِفَةٍ طَعُومُهُ وألْوانُهُ ورَوائِحُهُ وطَبائِعُهُ ومَنافِعُهُ وهو بِماءٍ واحِدٍ، فالسَّبَبُ واحِدٌ والمُسَبَّباتُ كَثِيرَةٌ مُنْفَتَّةٌ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ النَّباتُ حَقِيقِيًّا مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ، أوْ مَجازِيًّا مِنَ الأُنْثى والذَّكَرِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الحَقِيقِيِّ لِظُهُورِهِ قَوْلَهُ دالًّا عَلى العَظَمَةِ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ أيْ: النَّباتِ ﴿خَضِرًا﴾ أيْ: شَيْئًا أخْضَرَ غَضًّا طَرِيًّا، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ؛ ثُمَّ زادَ في بَيانِ عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِنا مُقَدِّرِينَ أنْ نُخْرِجَ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الخَضِرِ ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ أيْ: في السُّنْبُلِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا [ويَحْرُسُهُ مِن أنْ يَلْتَقِطَهُ الطَّيْرُ بَعْدَ سَتْرِهِ بِالقِشْرِ بِحَسَكٍ طَوِيلٍ لَطِيفٍ جِدًّا كالإبَرِ خَشِنٍ]، بَعْدَ أنْ كانَ أصْلُهُ حَبَّةً واحِدَةً عَلى صُورَتِها، أوْ مُنْفَتَّةً في التُّرابِ بَعْدَ أنْ طَوَّرَهُ - سُبْحانَهُ - في عِدَّةِ أطْوارٍ، إنَّ فاعِلَ ذَلِكَ لَقادِرٌ مُخْتارٌ.

ولَمّا كانَ نِسْبَةُ الإخْراجِ والإبْداعِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - وحْدَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ خُصُوصًا وعُمُومًا، فَعُلِمَ أنَّ الكُلَّ مِنهُ، وصارَ الحالُ في حَدٍّ مِنَ الوُضُوحِ جَدِيرٍ بِأنْ يُؤْمَنَ مِن نِسْبَةِ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ لا سِيَّما الَّذِي هم لَهُ مُعالِجُونَ، وبِالعَجْزِ عَنْ إبْداعِهِ عالِمُونَ، وبَدَأ بِما بَدَأ بِهِ أوَّلًا في آيَةِ الفَلَقِ مِنَ الحَبِّ؛ ثَنّى بِما مِنَ النَّوى، فَقالَ مُعَبِّرًا لِذَلِكَ الأُسْلُوبِ: ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ وتَقْدِيمُ الحَبِّ عَلَيْهِ هُنا وفِيما قَبْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّرْعَ أفْضَلُ مِنهُ، فَإنَّهُ قُوتٌ في أكْثَرِ البِلادِ ولِأغْلَبِ الحَيَواناتِ [والغِذاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الفاكِهَةِ]؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن طِينَةِ آدَمَ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِمّا أجْمَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا: ﴿مِن طَلْعِها﴾ أيْ: النَّخْلِ، وهو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِنها في أكْمامِهِ ﴿قِنْوانٌ﴾ جَمْعُ قِنْوٍ، وهو العِذْقُ بِالكَسْرِ لِلشِّمْراخِ وهو الكِباسَةُ، والعُرْجُونُ عُودُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ البُسْرُ ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ وإنْ طالَ أصْلُها بِما عَلَّمَكم وسَهَّلَ لَكم مِن صَنْعَةِ الوُصُولِ إلَيْها.

ولَمّا لَمْ …

Al-An'aam 6:99Listen in Qur'an →
100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

But they have attributed to Allah partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters. Exalted is He and high above what they describe

ولَمّا كانَ المُشْرِكُونَ عَلى أصْنافٍ: مِنهم عِدَّةُ أصْنامٍ، شُرِكُوا في العُبُودِيَّةِ لا في الخَلْقِ، ومِنهم آزَرُ الَّذِي حاجَّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنهم عَبَدَةُ الكَواكِبِ وهم فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: هي واجِبَةُ الوُجُودِ، ومِنهم مَن قالَ: مُمْكِنَةٌ، خَلَقَها اللَّهُ وفَوَّضَ إلَيْها تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، وهم الَّذِينَ حاجَّهم الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأُفُولِ، ومِنهم مَن قالَ: لِهَذا العالَمِ كُلِّهِ إلَهانِ: فاعِلُ خَيْرٍ، وفاعِلُ شَرٍّ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، فاللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ، وإبْلِيسُ خالِقُ السِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ والشُّرُورِ، ويُلَقِّبُونَ الزَّنادِقَةَ وهم المَجُوسُ؛ لِأنَّ الكِتابَ الَّذِي زَعَمَ زردشت أنَّهُ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُمِّيَ بِالزِّنْدِ، فالمَنسُوبُ إلَيْهِ زِنْدِيٌّ، ثُمَّ عُرِّبَ فَقِيلَ: زِنْدِيقٌ، وكانَ هَذا كُلُّهُ في قَوْلِهِ ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] شَرْحًا لِآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] دِلالَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى البَعْثِ - حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ العَوْدُ إلى تَقْبِيحِ حالِ المُشْرِكِينَ بِالتَّعْجِيبِ مِنهم في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فالِقُ﴾ [الأنعام: ٩٥] أوْ غَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَقالَ تَعالى شارِحًا أمْرَ هَذا الصِّنْفِ؛ لِأنَّ أمْرَ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ فَعَلَ هَذا الَّذِي لا يَدَعُ لَبْسًا في تَمامِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ والحالُ أنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ قَدْ ( جَعَلُوا ) وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ وقَدَّمَهُ اسْتِعْظامًا لِأنْ يَعْدِلَ بِهِ شَيْئًا ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ.

ولَمّا كانَ الشِّرْكُ في غايَةِ الفَظاعَةِ والشَّناعَةِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿شُرَكاءَ﴾ يَعْنِي: وما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ الصِّفَةَ إذا ذُكِرَتْ مُجَرَّدَةً غَيْرَ مُجْراةٍ عَلى شَيْءٍ كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ النَّفْيِ عامًّا في كُلِّ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ الصِّفَةُ، وحُكْمُ الإنْكارِ حُكْمُ النَّفْيِ. ولَمّا اهْتَزَّ السّامِعُ مِن هَذا التَّقْدِيمِ لِزِيادَةِ المَعْنى مِن غَيْرِ زِيادَةِ اللَّفْظِ، تَشَوَّفَ إلى مَعْرِفَةِ النَّوْعِ الَّذِي كانَ مِنهُ الشُّرَكاءُ فَبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الجِنَّ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم أجْرَأُ المَوْجُوداتِ عَلَيْهِمْ وأعْداهم لَهم، فَأطاعُوهم كَما يُطاعُ الإلَهُ فَكانَ عِبادَةً لَهم وتَشْرِيكًا، وقَدْ رَأيْتَ ما لِلْبَيانِ بَعْدَ الِانْتِهاءِ مِمّا يَحْسُنُ لِلنّاظِرِينَ ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم أيْ: قَدَّرَهم بِعِلْمٍ وتَدْبِيرٍ، فَلِذَلِكَ كانَ خَلْقُهُ لَهم مُحْكَمًا ﴿وخَرَقُوا﴾ أيْ: العابِدُونَ ﴿لَهُ بَنِينَ﴾ أيْ: كَعُزَيْرٍ والمَسِيحِ ﴿وبَناتٍ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ، فَجَمَعُوا لِذَلِكَ جَهالاتٍ هي غايَةٌ في الضَّلالاتِ: وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ والِاجْتِراءُ عَلى مَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالحاجَةِ، وتَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ بِوَجْهٍ؛ ومادَّةُ ( خَرَقَ ) تَدُورُ عَلى النُّفُوذِ والِاتِّساعِ والإطْلاقِ والتَّقْدِيرِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا مَعْرِفَةٍ لِيَحْدُثَ عَنْهُ الفَسادُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لِمَن لا يُحْسِنُ العَمَلَ: خَرِقٌ؛ ولِلْمَرْأةِ: خَرْقاءُ، …

Al-An'aam 6:100Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.