قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ .
يَتَوَهَّمُ مِنهُ الجاهِلُ أنَّ إنْذارَهُ ﷺ مَخْصُوصٌ بِأُمِّ القُرى وما يَقْرُبُ مِنها دُونَ الأقْطارِ النّائِيَةِ عَنْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الشُّورى“ ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تُصَرِّحُ بِعُمُومِ إنْذارِهِ ﷺ لِجَمِيعِ النّاسِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [ ٢٥ ]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأرْضِ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا القَرِيبَ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ حَرَّمَها اللَّهُ كَجَزِيرَةِ العَرَبِ مَثَلًا، فَإنَّ الآياتِ الأُخَرَ نَصَّتْ عَلى العُمُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .
وَذِكْرُ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ لا يُخَصِّصُهُ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا أبُو ثَوْرٍ، وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ واضِحًا بِأدِلَّتِهِ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
فالآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ إنْذارِ غَيْرِهِمْ، كَما هو واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.