Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 91–100 of 165

91

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ. وأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ، وإبْطالَ الشِّرْكِ، وقَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ شَرَعَ بَعْدَهُ في تَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، فَقالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حَيْثُ أنْكَرُوا النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ وأنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٦٠

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وُجُوهٌ:

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ مَعْناهُ: ما آمَنُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وحَقَّقَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ، فَقالَ يُقالُ: قَدَّرَ الشَّيْءَ إذا سَبَرَهُ وحَرَّرَهُ، وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ يُقَدِّرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «وإنَّ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ» أيْ فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ يُقالُ لِمَن عَرَفَ شَيْئًا هو يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ أنَّهُ لا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ صَحِيحٌ في كُلِّ المَعانِي المَذْكُورَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ بَيَّنَ السَّبَبَ فِيهِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهم ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ فَهو في الحَقِيقَةِ ما عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مُنْكِرَ البِعْثَةِ والرِّسالَةِ، إمّا أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى ما كَلَّفَ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ تَكْلِيفًا أصْلًا، أوْ يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى كَلَّفَهُمُ التَّكالِيفَ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أباحَ لَهم جَمِيعَ المُنْكَراتِ والقَبائِحِ نَحْوَ شَتْمِ اللَّهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، والِاسْتِخْفافِ بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ وأهْلِ الدِّينِ، والإعْراضِ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ، ومُقابَلَةِ الإنْعامِ بِالإساءَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ باطِلٌ. وإمّا أنْ يُسَلِّمَ أنَّهُ تَعالى كَلَّفَ الخَلْقَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي، فَهَهُنا لا بُدَّ مِن مُبَلِّغٍ وشارِعٍ ومُبَيِّنٍ، وما ذاكَ إلّا الرَّسُولُ.

فَإنْ قِيلَ: لَمْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: العَقْلُ كافٍ في إيجابِ الواجِباتِ واجْتِنابِ المُقَبَّحاتِ ؟

قُلْنا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُمْ، إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ تَأْكِيدُ التَّعْرِيفِ العَقْلِيِّ بِالتَّعْرِيفاتِ المَشْرُوعَةِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ البَعْثَةَ والرِّسالَةَ فَقَدْ طَعَنَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ جَهْلًا بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ، …

Al-An'aam 6:91Listen in Qur'an →
92

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ بِالدَّلِيلِ قَوْلَ مَن قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ، أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وهَذا) إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ كِتابٌ، وتَفْسِيرُ الكِتابِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (أنْزَلْناهُ) والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِها مِن تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الفَصاحَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي تَوَلّى إنْزالَهُ بِالوَحْيِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (مُبارَكٌ) قالَ أهْلُ المَعانِي كِتابٌ مُبارَكٌ أيْ كَثِيرٌ خَيْرُهُ، دائِمٌ بَرَكَتُهُ ومَنفَعَتُهُ، يُبَشِّرُ بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ، ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، وأقُولُ: العُلُومُ إمّا نَظَرِيَّةٌ، وإمّا عَمَلِيَّةٌ، أمّا العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، فَأشْرَفُها وأكْمَلُها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ، ولا تَرى هَذِهِ العُلُومَ أكْمَلَ ولا أشْرَفَ مِمّا تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، وأمّا العُلُومُ العَمَلِيَّةُ، فالمَطْلُوبُ، إمّا أعْمالُ الجَوارِحِ، وإمّا أعْمالُ القُلُوبِ، وهو المُسَمّى بِطَهارَةِ الأخْلاقِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ ولا تَجِدُ هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ مِثْلَ ما تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، ثُمَّ قَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْهُ والمُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ لَهُ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ.

يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: وأنا قَدْ نَقَلْتُ أنْواعًا مِنَ العُلُومِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِي بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ العُلُومِ مِن أنْواعِ السَّعاداتِ في الدِّينِ والدُّنْيا مِثْلَ ما حَصَلَ بِسَبَبِ خِدْمَةِ هَذا العِلْمِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فالمُرادُ كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ في سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إمّا عِلْمُ الأُصُولِ، وإمّا عِلْمُ الفُرُوعِ.

أمّا عُلُومُ الأُصُولِ: فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ التَّفاوُتِ فِيهِ بِسَبَبِ اخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ مُوافِقٌ ومُطابِقٌ لِما في التَّوْراةِ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

وأمّا عِلْمُ الفُرُوعِ: فَقَدْ كانَتِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى القُرْآنِ مُشْتَمِلَةً عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ في تِلْكَ الكُتُبِ أنَّ التَّكالِيفَ المَوْجُودَةَ فِيها، إنَّما

صفحة ٦٧

تَبْقى إلى وقْتِ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا بَعْدَ ظُهُورِ شَرْعِهِ فَإنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الكُتُبَ دَلَّتْ …

Al-An'aam 6:92Listen in Qur'an →
93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ كَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَيَّنَ ما فِيهِ مِن صِفاتِ الجَلالَةِ والشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى وعِيدِ مَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ وعِيدَ مَن ذَكَرَ أحَدَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ:

فَأوَّلُها: أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَ هَذا في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ صاحِبِ اليَمامَةِ، وفي الأسْوَدِ العَنْسِيِّ صاحِبِ صَنْعاءَ، فَإنَّهُما كانا يَدَّعِيانِ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وكانَ مُسَيْلِمَةُ يَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ قُرَيْشٍ، وأنا رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ. قالَ القاضِي: الَّذِي يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ

صفحة ٦٩

يَدْخُلُ فِيهِ مَن يَدَّعِي الرِّسالَةَ كَذِبًا، ولَكِنْ لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. فَكُلُّ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ تَعالى ما هو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا في الذّاتِ، وإمّا في الصِّفاتِ، وإمّا في الأفْعالِ كانَ داخِلًا تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.

قالَ: والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ في صِفاتِهِ، كالمُجَسِّمَةِ، وفي عَدْلِهِ كالمُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ ظَلَمُوا أعْظَمَ أنْواعِ الظُّلْمِ بِأنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وأقُولُ: أمّا قَوْلُهُ: المُجَسِّمَةُ قَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، فَهو حَقٌّ.

وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ في صِفاتِهِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ الذّاتِ جِسْمًا ومُتَحَيَّزًا لَيْسَ بِصِفَةٍ، بَلْ هو نَفْسُ الذّاتِ المَخْصُوصَةِ، فَمَن زَعَمَ أنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ يَقُولُ: جَمِيعُ الأجْسامِ والمُتَحَيَّزاتِ مُحْدَثَةٌ، ولَها بِأسْرِها خالِقٌ هو مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمُتَحَيَّزٍ، والمُجَسِّمُ يَنْفِي هَذِهِ الذّاتَ، فَكانَ الخِلافُ بَيْنَ المُوَحِّدِ والمُجَسِّمِ لَيْسَ في الصِّفَةِ بَلْ في نَفْسِ الذّاتِ؛ لِأنَّ المُوَحِّدَ يُثْبِتُ هَذِهِ الذّاتَ والمُجَسِّمَ يَنْفِيها، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الخِلافَ لَمْ يَقَعْ في الصِّفَةِ، بَلْ في الذّاتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: المُجْبِرَةُ قَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى في صِفاتِهِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ يُقالُ لَهُ المُجْبِرَةُ ما زادُوا عَلى قَوْلِهِمْ: المُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، فَإنَّ كَذَبُوا في هَذِهِ القَضِيَّةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَعْرِفُوا وُجُودَ الإلَهِ ؟ وإنْ صَدَقُوا في ذَلِكَ لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِتَوْقِيفِ صُدُورِ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ الدّاعِي بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَيْنُ ما نُسَمِّيهِ بِالجَبْرِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي وصَفَهُ بِكَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ باطِلٌ، بَلِ المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ مَن يَقُولُ: المُمْكِنُ لا يَتَوَقَّفُ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ عَلى حُصُولِ المُرَجَّحِ. فَإنَّ مَن قالَ هَذا الكَلامَ لَزِمَهُ نَفْيُ …

Al-An'aam 6:93Listen in Qur'an →
94

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم كَما يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، كَذَلِكَ يَقُولُونَ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ فَيَكُونُ الكَلامُ أجْمَعُ حِكايَةً عَنْهم، وأنَّهم يُورِدُونَ ذَلِكَ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا القَوْلِ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِعِقابِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ومَنشَأُ هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أوْ لا ؟ فَقَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: (ولا يُكَلِّمُهُمُ) يُوجِبُ أنْ لا يَتَكَلَّمَ مَعَهم، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَعالى يَتَكَلَّمُ مَعَهم، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ هَذا الِاخْتِلافُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والعَطْفُ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فُرادى﴾ لَفْظُ جَمْعٍ وفي واحِدِهِ قَوْلانِ:

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فُرادى جَمْعُ فَرْدانَ، مِثْلُ سُكارى وسَكْرانَ، وكُسالى وكَسْلانَ.

وقالَ غَيْرُهُ: فُرادى جَمْعُ فَرِيدٍ، مِثْلُ رُدافى ورَدِيفٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: فُرادى جَمْعٌ واحِدُهُ فَرْدٌ وفَرْدَةٌ وفَرِيدٌ وفَرْدانُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ المُرادُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وذَلِكَ لِأنَّهم صَرَفُوا جَدَّهم وجُهْدَهم في الدُّنْيا إلى تَحْصِيلِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: تَحْصِيلُ المالِ والجاهِ.

والثّانِي: أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَكُونُ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا ورَدُوا مَحْفِلَ القِيامَةِ لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأمْوالِ، ولَمْ يَجِدُوا مِن تِلْكَ الأصْنامِ شَفاعَةً لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَبَقُوا فُرادى عَنْ كُلِّ ما حَصَّلُوهُ في الدُّنْيا وعَوَّلُوا عَلَيْهِ، بِخِلافِ أهْلِ الإيمانِ فَإنَّهم صَرَفُوا عُمْرَهم إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الحَقَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وتِلْكَ

صفحة ٧٢

المَعارِفُ والأعْمالُ الصّالِحَةُ بَقِيَتْ مَعَهم في قُبُورِهِمْ، وحَضَرَتْ مَعَهم في مَشْهَدِ القِيامَةِ، فَهم في الحَقِيقَةِ ما حَضَرُوا فُرادى، بَلْ حَضَرُوا مَعَ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ: (بَيْنَكم) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفْعُ أجْوَدُ، ومَعْناهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم، والنَّصْبُ جائِزٌ، والمَعْنى: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا الِاسْمُ يُسْتَعْمَلُ عَلى ضَرْبَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْمًا مُنْصَرِفًا …

Al-An'aam 6:94Listen in Qur'an →
95

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِتَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ في بَعْضِ تَفارِيعِ هَذا الأصْلِ، عادَ هاهُنا إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِن جَمِيعِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ، وكُلِّ المَطالِبِ الحِكْمِيَّةِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ قَوْلانِ:

صفحة ٧٤

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ أيْ خالِقُ الحَبِّ والنَّوى. قالَ الواحِدِيُّ: ذَهَبُوا بِفالِقٍ مَذْهَبَ فاطِرٍ، وأقُولُ: الفِطْرُ هو الشَّقُّ، وكَذَلِكَ الفَلْقُ، فالشَّيْءُ قَبْلَ أنْ دَخَلَ في الوُجُودِ كانَ مَعْدُومًا مَحْضًا ونَفْيًا صِرْفًا، والعَقْلُ يَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لا انْفِراجَ فِيها ولا انْفِلاقَ ولا انْشِقاقَ، فَإذا أخْرَجَهُ المُبْدِعُ المُوجِدُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَكَأنَّهُ بِحَسْبِ التَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ وفَلَقَهُ. وأخْرَجَ ذَلِكَ المُحْدَثَ مِن ذَلِكَ الشَّقِّ. فَبِهَذا التَّأْوِيلِ لا يَبْعُدُ حَمْلُ الفالِقِ عَلى المُوجِدِ والمُحْدِثِ والمُبْدِعِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ الفَلْقَ هو الشَّقُّ، والحَبَّ هو الَّذِي يَكُونُ مَقْصُودًا بِذاتِهِ مِثْلَ حَبَّةِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وسائِرِ الأنْواعِ، والنَّوى هو الشَّيْءُ المَوْجُودُ في داخِلِ الثَّمَرَةِ مِثْلَ نَوى الخَوْخِ والتَّمْرِ وغَيْرِهِما.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا وقَعَتِ الحَبَّةُ أوِ النَّواةُ في الأرْضِ الرَّطْبَةِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ قَدْرٌ مِنَ المُدَّةِ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في تِلْكَ الحَبَّةِ والنَّواةِ مِن أعْلاها شَقًّا ومِن أسْفَلِها شَقًّا آخَرَ. أمّا الشَّقُّ الَّذِي يَظْهَرُ في أعْلى الحَبَّةِ والنَّواةِ فَإنَّهُ يُخْرِجُ مِنهُ الشَّجَرَةَ الصّاعِدَةَ إلى الهَواءِ، وأمّا الشَّقُّ الَّذِي يَظْهَرُ في أسْفَلِ تِلْكَ الحَبَّةِ، فَإنَّهُ يُخْرِجُ مِنهُ الشَّجَرَةَ الهابِطَةَ في الأرْضِ، وهي المُسَمّاةُ بِعُرُوقِ الشَّجَرَةِ، وتَصِيرُ تِلْكَ الحَبَّةُ والنَّواةُ سَبَبًا لِاتِّصالِ الشَّجَرَةِ الصّاعِدَةِ في الهَواءِ بِالشَّجَرَةِ الهابِطَةِ في الأرْضِ.

ثُمَّ إنَّ هاهُنا عَجائِبَ:

فَإحْداها: أنَّ طَبِيعَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ إنْ كانَتْ تَقْتَضِي الهَوى في عُمْقِ الأرْضِ فَكَيْفَ تَوَلَّدَتْ مِنها الشَّجَرَةُ الصّاعِدَةُ في الهَواءِ ؟ وإنْ كانَتْ تَقْتَضِي الصُّعُودَ في الهَواءِ، فَكَيْفَ تَوَلَّدَتْ مِنها الشَّجَرَةُ الهابِطَةُ في الأرْضِ ؟ فَلَمّا تُوُلِّدَ مِنها هاتانِ الشَّجَرَتانِ مَعَ أنَّ الحِسَّ والعَقْلَ يَشْهَدُ بِكَوْنِ طَبِيعَةِ إحْدى الشَّجَرَتَيْنِ مُضادَّةً لِطَبِيعَةِ الشَّجَرَةِ الأُخْرى، عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُقْتَضى الطَّبْعِ والخاصِّيَّةِ، بَلْ بِمُقْتَضى الإيجادِ والإبْداعِ والتَّكْوِينِ والِاخْتِراعِ.

وثانِيها: أنَّ باطِنَ الأرْضِ جِرْمٌ كَثِيفٌ صُلْبٌ لا تَنْفُذُ المِسَلَّةُ القَوِيَّةُ فِيهِ، ولا يَغُوصُ السِّكِّينُ الحادُّ القَوِيُّ فِيهِ، ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أطْرافَ تِلْكَ العُرُوقِ في غايَةِ الدِّقَّةِ واللَّطافَةِ، بِحَيْثُ لَوْ دَلَّكَها …

Al-An'aam 6:95Listen in Qur'an →
96

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، فالنَّوْعُ المُتَقَدِّمُ كانَ مَأْخُوذًا مِن دَلالَةِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ، والنَّوْعُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الأحْوالِ الفَلَكِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ فَلْقَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِنُورِ الصُّبْحِ أعْظَمُ في كَمالِ القُدْرَةِ مِن فَلْقِ الحَبِّ والنَّوى بِالنَّباتِ والشَّجَرِ، ولِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأحْوالَ الفَلَكِيَّةَ أعْظَمُ في القُلُوبِ وأكْثَرُ وقْعًا مِنَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ، وتَقْرِيرُ الحُجَّةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: الصُّبْحُ صُبْحانِ.

صفحة ٧٨

فالصُّبْحُ الأوَّلُ: هو الصُّبْحُ المُسْتَطِيلُ كَذَنَبِ السِّرْحانِ، ثُمَّ تُعْقِبُهُ ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ، ثُمَّ يَطْلُعُ بَعْدَهُ الصُّبْحُ المُسْتَطِيرُ في جَمِيعِ الأُفُقِ، فَنَقُولُ: أمّا الصُّبْحُ الأوَّلُ وهو المُسْتَطِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَهُ ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ فَهو مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ النُّورَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ فَأهْلُ المَوْضِعِ الَّذِي تَكُونُ تِلْكَ الدّائِرَةُ أُفُقًا لَهم قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَشْرِقِهِمْ، وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ أيْضًا نِصْفُ كُرَةِ الأرْضِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ حَصَلَ الضَّوْءُ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلْدَتِنا، وذَلِكَ الضَّوْءُ يَكُونُ مُنْتَشِرًا مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ أجْزاءِ الجَوِّ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّوْءُ في كُلِّ ساعَةٍ إلى القُوَّةِ والزِّيادَةِ والكَمالِ، والصُّبْحُ الأوَّلُ لَوْ كانَ أثَرُ قُرْصِ الشَّمْسِ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ خَطًّا مُسْتَطِيلًا، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ الأُفُقِ مُنْتَشِرًا فِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأنْ يَكُونَ مُتَزايِدًا مُتَكامِلًا بِحَسَبِ كُلِّ حِينٍ ولَحْظَةٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ عَلِمْنا أنَّ الصُّبْحَ الأوَّلَ يَبْدُو كالخَيْطِ الأبْيَضِ الصّاعِدِ حَتّى تُشَبِّهَهُ العَرَبُ بِذَنَبِ السِّرْحانِ، ثُمَّ إنَّهُ يَحْصُلُ عَقِيبَهُ ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ، ثُمَّ يَحْصُلُ الصُّبْحُ المُسْتَطِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصُّبْحَ المُسْتَطِيلَ لَيْسَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ، ولا مِن جِنْسِ نُورِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حاصِلًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأنْوارَ لَيْسَ لَها وُجُودٌ إلّا بِتَخْلِيقِهِ، وأنَّ الظُّلُماتِ لا ثَباتَ لَها إلّا بِتَقْدِيرِهِ كَما قالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] .

والوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ: أنّا لَمّا بَحَثْنا وتَأمَّلْنا عَلِمْنا أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ وسائِرَ الكَواكِبِ لا تَقَعُ أضْواؤُها إلّا عَلى الجِرْمِ المُقابِلِ لَها. فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُقابِلًا لَها، فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ أضْوائِها عَلَيْهِ، وهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْها بَيْنَ الفَلاسِفَةِ وبَيْنَ الرِّياضِيِّينَ الباحِثِينَ عَنْ أحْوالِ الضَّوْءِ المُضِيءِ، ولَهم في تَقْرِيرِها وُجُوهٌ نَفِيسَةٌ.

إذا عَرَفْتَ هَذا نَقُولُ: الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ غَيْرُ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ الأُفُقِ، فَلا يَكُونُ …

Al-An'aam 6:96Listen in Qur'an →
97

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .

هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِمَنافِعِ العِبادِ، وهي مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها لِتَهْتَدِيَ الخَلْقُ بِها إلى الطُّرُقِ والمَسالِكِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، حَيْثُ لا يَرَوْنَ شَمْسًا ولا قَمَرًا؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَهْتَدُونَ بِها إلى المَسالِكِ والطُّرُقِ الَّتِي يُرِيدُونَ المُرُورَ فِيها.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ النّاسَ يَسْتَدِلُّونَ بِأحْوالِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ عَلى مَعْرِفَةِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، وإنَّما يَسْتَدِلُّونَ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ في النَّهارِ عَلى القِبْلَةِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِأحْوالِ الكَواكِبِ في اللَّيالِي عَلى مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ، فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقالَ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] وقالَ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١] .

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَنافِعِها كَوْنَها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ.

الوَجْهُ الخامِسُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ﴿لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، أيْ في ظُلُماتِ التَّعْطِيلِ والتَّشْبِيهِ، فَإنَّ المُعَطِّلَ يَنْفِي كَوْنَهُ فاعِلًا مُخْتارًا، والمُشَبِّهَ يُثْبِتُ كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا مُخْتَصًّا بِالمَكانِ، فَهو تَعالى خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِيُهْتَدى بِها في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الظُّلُماتِ، أمّا الِاهْتِداءُ بِها في ظُلُماتِ بَرِّ التَّعْطِيلِ، فَذَلِكَ لِأنّا نُشاهِدُ هَذِهِ الكَواكِبَ مُخْتَلِفَةً في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، فَبَعْضُها سَيّارَةٌ وبَعْضُها ثابِتَةٌ، والثَّوابِتُ بَعْضُها في المِنطَقَةِ وبَعْضُها في القُطْبَيْنِ، وأيْضًا الثَّوابِتُ لامِعَةٌ والسَّيّارَةُ غَيْرُ لامِعَةٍ، وأيْضًا بَعْضُها كَبِيرَةٌ دُرِّيَّةٌ عَظِيمَةُ الضَّوْءِ، وبَعْضُها صَغِيرَةٌ خَفِيَّةٌ قَلِيلَةُ الضَّوْءِ، وأيْضًا قَدَّرُوا مَقادِيرَها عَلى سَبْعِ مَراتِبَ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، وبَيَّنّا أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ دَلِيلًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَهَذا وجْهُ الِاهْتِداءِ بِها في ظُلُماتِ بَرِّ التَّعْطِيلِ. وأمّا وجْهُ الِاهْتِداءِ بِها في ظُلُماتِ بَحْرِ التَّشْبِيهِ، فَلِأنّا نَقُولُ: إنَّهُ لا عَيْبَ يَقْدَحُ في إلَهِيَّةِ هَذِهِ

صفحة ٨٣

الكَواكِبَ، إلّا أنَّها أجْسامٌ فَتَكُونُ مُؤَلَّفَةً مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وأيْضًا إنَّها مُتَناهِيَةٌ ومَحْدُودَةٌ، وأيْضًا إنَّها مُتَغَيِّرَةٌ ومُتَحَرِّكَةٌ ومُنْتَقِلَةٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، فَهَذِهِ الأشْياءُ إنْ لَمْ تَكُنْ عُيُوبًا في الإلَهِيَّةِ امْتَنَعَ الطَّعْنُ في إلَهِيَّتِها، وإنْ كانَتْ عُيُوبًا في الإلَهِيَّةِ وجَبَ تَنْزِيهُ الإلَهِ عَنْها بِأسْرِها، فَوَجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ والسَّماءِ والأرْضِ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسْمِيَّةِ والأعْضاءِ والأبْعاضِ والحَدِّ والنِّهايَةِ والمَكانِ والجِهَةِ، فَهَذا بَيانُ الِاهْتِداءِ بِهَذِهِ الكَواكِبِ في بَرِّ التَّعْطِيلِ وبَحْرِ التَّشْبِيهِ، وهَذا وإنْ كانَ عُدُولًا عَنْ …

Al-An'aam 6:97Listen in Qur'an →
98

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage. We have detailed the signs for a people who understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ .

هَذا نَوْعٌ رابِعٌ مِن دَلائِلِ وُجُودِ الإلَهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الإنْسانِ، فَنَقُولُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ النَّفْسَ الواحِدَةَ هي آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي نَفْسٌ واحِدَةٌ. وحَوّاءُ مَخْلُوقَةٌ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ. فَصارَ كُلُّ النّاسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ.

فَإنْ قِيلَ: فَما القَوْلُ في عِيسى ؟ .

قُلْنا: هو أيْضًا مَخْلُوقٌ مِن مَرْيَمَ الَّتِي هي مَخْلُوقَةٌ مِن أبَوَيْها.

فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الكَلِمَةِ، أوْ مِنَ الرُّوحِ المَنفُوخِ فِيها فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟ ! .

قُلْنا: كَلِمَةُ ”مِن“ تُفِيدُ ابْتِداءَ الغايَةِ، ولا نِزاعَ أنَّ ابْتِداءَ تَكَوُّنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن مَرْيَمَ، وهَذا

صفحة ٨٤

القَدْرُ كافٍ في صِحَّةِ هَذا اللَّفْظِ. قالَ القاضِي: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ”أنْشَأكم“ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ”خَلَقَكم“ لِأنَّ أنْشَأكم يُفِيدُ أنَّهُ خَلَقَكم لا ابْتِداءً، ولَكِنْ عَلى وجْهِ النُّمُوِّ والنُّشُوءِ لا مِن مَظْهَرٍ مِنَ الأبَوَيْنِ، كَما يُقالُ في النَّباتِ: إنَّهُ تَعالى أنْشَأهُ بِمَعْنى النُّمُوِّ والزِّيادَةِ إلى وقْتِ الِانْتِهاءِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”فَمُسْتَقِرٌّ“ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ: قَرَّ في مَكانِهِ واسْتَقَرَّ فَمَن كَسَرَ القافَ كانَ المُسْتَقِرُّ بِمَعْنى القارِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ المُضْمَرَ ”مِنكم“ أيْ مِنكم مُسْتَقِرٌّ. ومَن فَتَحَ القافَ فَلَيْسَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّ اسْتَقَرَّ لا يَتَعَدّى فَلا يَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فَيَكُونُ اسْمَ مَكانٍ، فالمُسْتَقِرُّ بِمَنزِلَةِ المَقَرِّ. وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ المُضْمَرَ ”مِنكم“ بَلْ يَكُونُ خَبَرُهُ ”لَكم“ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَكم مَقَرٌّ، وأمّا المُسْتَوْدَعُ؛ فَإنَّ اسْتَوْدَعَ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ تَقُولُ: اسْتَوْدَعْتُ زَيْدًا ألْفًا وأوْدَعْتُ مِثْلَهُ، فالمُسْتَوْدَعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْإنْسانِ الَّذِي اسْتَوْدَعَ ذَلِكَ المَكانَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَكانَ نَفْسَهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَن قَرَأ ”مُسْتَقَرًّا“ بِفَتْحِ القافِ جَعَلَ المُسْتَوْدَعَ مَكانًا لِيَكُونَ مِثْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ فَلَكم مَكانُ اسْتِقْرارٍ ومَكانُ اسْتِيداعٍ، ومَن قَرَأ ”فَمُسْتَقِرٌّ“ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: مِنكم مُسْتَقِرٌّ، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، والتَّقْدِيرُ: مِنكم مَنِ اسْتَقَرَّ، ومِنكم مَنِ اسْتَوْدَعَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَبْحَثُ الثّانِي: الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ، أنَّ المُسْتَقَرَّ أقْرَبُ إلى النَّباتِ مِنَ المُسْتَوْدَعِ، فالشَّيْءُ الَّذِي حَصَلَ في مَوْضِعٍ ولا يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ يُسَمّى مُسْتَقَرًّا فِيهِ، وأمّا إذا حَصَلَ فِيهِ وكانَ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ يُسَمّى مُسْتَوْدَعًا؛ لِأنَّ المُسْتَوْدَعَ في مَعْرِضٍ أنْ يُسْتَرَدَّ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَثُرَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى أقْوالٍ:

فالأوَّلُ: وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أكْثَرِ الرِّواياتِ أنَّ المُسْتَقَرَّ هو الأرْحامُ، …

Al-An'aam 6:98Listen in Qur'an →
99

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الخامِسَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، ووُجُوهِ إحْسانِهِ إلى خَلْقِهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ كَما أنَّها دَلائِلُ فَهي أيْضًا نِعَمٌ بالِغَةٌ، وإحْساناتٌ كامِلَةٌ، والكَلامُ إذا كانَ دَلِيلًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وكانَ إنْعامًا وإحْسانًا مِن سائِرِ الوُجُوهِ، كانَ تَأْثِيرُهُ في القَلْبِ عَظِيمًا، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ المُشْتَغِلَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَقْتَضِي نُزُولَ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ، وعِنْدَ هَذا اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُ الماءَ مِنَ السَّماءِ إلى السَّحابِ، ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ؛ قالَ: لِأنَّ ظاهِرَ النَّصِّ يَقْتَضِي نُزُولَ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى التَّأْوِيلِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ إجْراءَ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وفي هَذا المَوْضِعِ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ نُزُولِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ، فَوَجَبَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ.

وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ البُخاراتِ الكَثِيرَةَ تَجْتَمِعُ في باطِنِ الأرْضِ، ثُمَّ تَصْعَدُ وتَرْتَفِعُ إلى الهَواءِ، فَيَنْعَقِدُ الغَيْمُ مِنها ويَتَقاطَرُ، وذَلِكَ هو المَطَرُ، فَقَدِ احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى فَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ البَرْدَ قَدْ يُوجَدُ في وقْتِ الحَرِّ، بَلْ في صَمِيمِ الصَّيْفِ، ونَجِدُ المَطَرَ في أبْرَدِ وقْتٍ يَنْزِلُ غَيْرَ جامِدٍ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهم.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ القَوْمَ يُجِيبُونَ عَنْهُ فَيَقُولُونَ: لا شَكَّ أنَّ البُخارَ أجْزاءٌ مائِيَّةٌ وطَبِيعَتُها البَرْدُ، فَفي وقْتِ الصَّيْفِ يَسْتَوْلِي الحَرُّ عَلى ظاهِرِ السَّحابِ، فَيَهْرُبُ البَرْدُ إلى باطِنِهِ، فَيَقْوى البَرْدُ هُناكَ بِسَبَبِ الِاجْتِماعِ، فَيَحْدُثُ البَرْدُ، وأمّا في وقْتِ بَرْدِ الهَواءِ يَسْتَوْلِي البَرْدُ عَلى ظاهِرِ السَّحابِ، فَلا يَقْوى البَرْدُ في باطِنِهِ، فَلا جَرَمَ لا يَنْعَقِدُ جَمَدًا بَلْ يَنْزِلُ ماءً، هَذا ما قالُوهُ.

ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الطَّبَقَةَ العالِيَةَ مِنَ الهَواءِ بارِدَةٌ جِدًّا عِنْدَكم، فَإذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًا بارِدًا شَدِيدَ البَرْدِ في صَمِيمِ الشِّتاءِ، فَتِلْكَ الطَّبَقَةُ بارِدَةٌ جِدًّا، والهَواءُ المُحِيطُ بِالأرْضِ أيْضًا بارِدٌ جِدًّا، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَدَّ البَرْدُ، وأنْ لا يَحْدُثَ المَطَرُ في الشِّتاءِ البَتَّةَ، وحَيْثُ شاهَدْنا أنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ فَسَدَ قَوْلُكم، واللَّهُ أعْلَمُ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ أنَّهُ قالَ: إنَّ البُخاراتِ إذا ارْتَفَعَتْ وتَصاعَدَتْ تَفَرَّقَتْ، وإذا تَفَرَّقَتْ لَمْ

صفحة ٨٧

يَتَوَلَّدْ مِنها قَطَراتُ الماءِ، بَلِ البُخارُ إنَّما يَجْتَمِعُ إذا اتَّصَلَ بِسَقْفٍ مُتَّصِلٍ أمْلَسَ كَسُقُوفِ الحَمّاماتِ …

Al-An'aam 6:99Listen in Qur'an →
100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

But they have attributed to Allah partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters. Exalted is He and high above what they describe

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ البَراهِينَ الخَمْسَةَ مِن دَلائِلِ العالَمِ الأسْفَلِ والعالَمِ الأعْلى عَلى ثُبُوتِ الإلَهِيَّةِ، وكَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شُرَكاءً، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها إلّا أنَّ المَذْكُورَ هاهُنا غَيْرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ أثْبَتُوا الشَّرِيكَ لِلَّهِ فِرَقٌ وطَوائِفُ.

فالطّائِفَةُ الأُولى: عَبَدَةُ الأصْنامِ فَهم يَقُولُونَ الأصْنامُ شُرَكاءُ لِلَّهِ في العُبُودِيَّةِ، ولَكِنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ.

والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ هو الكَواكِبُ، وهَؤُلاءِ فَرِيقانِ مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذاتِها، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها مُحْدَثَةٌ، وخالِقُها هو اللَّهُ تَعالى، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ فَوَّضَ تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ إلَيْها، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّ الخَلِيلَ ﷺ ناظَرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وشَرْحُ هَذا الدَّلِيلِ قَدْ مَضى.

والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا: لِجُمْلَةِ هَذا العالَمِ بِما فِيهِ مِنَ السَّماواتِ والأرَضِينَ إلَهانِ: أحَدُهُما فاعِلُ الخَيْرِ، والثّانِي فاعِلُ الشَّرِّ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ مَذْهَبِ هَؤُلاءِ، فَهَذا تَقْرِيرُ نَظْمِ الآيَةِ والتَّنْبِيهُ عَلى ما فِيها مِنَ الفَوائِدِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ؛ فاللَّهُ تَعالى خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ والخَيْراتِ، وإبْلِيسُ خالِقُ السِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ والشُّرُورِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِهَذا الوَجْهِ يَحْصُلُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَزِيدُ فائِدَةٍ مُغايِرَةٍ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والَّذِي يُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وإنَّما وُصِفَ بِكَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ؛ لِأنَّ لَفْظَ الجِنِّ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِتارِ، والمَلائِكَةُ والرُّوحانِيُّونَ لا يُرَوْنَ بِالعُيُونِ، فَصارَتْ كَأنَّها مُسْتَتِرَةٌ مِنَ العُيُونِ، فَبِهَذا التَّأْوِيلِ أُطْلِقَ لَفْظُ الجِنِّ عَلَيْها، وأقُولُ: هَذا مَذْهَبُ المَجُوسِ، وإنَّما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا قَوْلُ الزَّنادِقَةِ؛ لِأنَّ المَجُوسَ يُلَقَّبُونَ بِالزَّنادِقَةِ؛ لِأنَّ الكِتابَ الَّذِي زَعَمَ زَرادِشْتُ أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُسَمًّى بِالزَّنْدِ، والمَنسُوبُ إلَيْهِ يُسَمّى زَنْدِيٌّ. ثُمَّ عُرِّبَ فَقِيلَ زِنْدِيقٌ. ثُمَّ جُمِعَ فَقِيلَ زَنادِقَةٌ.

صفحة ٩٣

واعْلَمْ أنَّ المَجُوسَ قالُوا: كُلُّ ما في هَذا العالَمِ مِنَ الخَيْراتِ فَهو مِن يَزْدانَ، وجَمِيعُ ما فِيهِ مِنَ الشُّرُورِ فَهو مِن أهْرِمَن، وهو المُسَمّى بِإبْلِيسَ في شَرْعِنا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فالأكْثَرُونَ مِنهم …

Al-An'aam 6:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.