وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾
اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ. وأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ، وإبْطالَ الشِّرْكِ، وقَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ شَرَعَ بَعْدَهُ في تَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، فَقالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حَيْثُ أنْكَرُوا النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ وأنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٦٠
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وُجُوهٌ:
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ مَعْناهُ: ما آمَنُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وحَقَّقَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ، فَقالَ يُقالُ: قَدَّرَ الشَّيْءَ إذا سَبَرَهُ وحَرَّرَهُ، وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ يُقَدِّرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «وإنَّ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ» أيْ فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ يُقالُ لِمَن عَرَفَ شَيْئًا هو يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ أنَّهُ لا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ صَحِيحٌ في كُلِّ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ بَيَّنَ السَّبَبَ فِيهِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهم ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ فَهو في الحَقِيقَةِ ما عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مُنْكِرَ البِعْثَةِ والرِّسالَةِ، إمّا أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى ما كَلَّفَ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ تَكْلِيفًا أصْلًا، أوْ يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى كَلَّفَهُمُ التَّكالِيفَ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أباحَ لَهم جَمِيعَ المُنْكَراتِ والقَبائِحِ نَحْوَ شَتْمِ اللَّهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، والِاسْتِخْفافِ بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ وأهْلِ الدِّينِ، والإعْراضِ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ، ومُقابَلَةِ الإنْعامِ بِالإساءَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ باطِلٌ. وإمّا أنْ يُسَلِّمَ أنَّهُ تَعالى كَلَّفَ الخَلْقَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي، فَهَهُنا لا بُدَّ مِن مُبَلِّغٍ وشارِعٍ ومُبَيِّنٍ، وما ذاكَ إلّا الرَّسُولُ.
فَإنْ قِيلَ: لَمْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: العَقْلُ كافٍ في إيجابِ الواجِباتِ واجْتِنابِ المُقَبَّحاتِ ؟
قُلْنا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُمْ، إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ تَأْكِيدُ التَّعْرِيفِ العَقْلِيِّ بِالتَّعْرِيفاتِ المَشْرُوعَةِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ البَعْثَةَ والرِّسالَةَ فَقَدْ طَعَنَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ جَهْلًا بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ، …