Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 91–100 of 165

91

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

وجود واو العطف في صدر هذه الجملة ينادي على أنّها نزلت متناسقة مع الجمل الّتي قبلها ، وأنّها وإيّاها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين ، فهذا عطف على جملة { فإن يكفر بها هؤلاء } [ الأنعام : 89 ] ، وأنّها ليست ابتدائيّة في غرض آخر . فواو الضّمير في قوله { قدروا } عائد على ما عاد إليه اسم الإشارة في قوله : { هؤلاء } [ الأنعام : 89 ] كما علمت آنفاً . ذلك أنّ المشركين لمّا استشعروا نهوض الحجّة عليهم في نزول القرآن بأنّه ليس بِدعاً ممّا نزل على الرّسل ، ودحضَ قولهم : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً } [ الفرقان : 7 ] توغّلوا في المكابرة والجحود فقالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم عليه السّلام وما يعلمونه من رسالة موسى عليه السلام وكتابه . فروى الطبري عن ابن عبّاس ومجاهد : أنّ قائل ذلك هم المشركون من قريش .وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء وما جاءوا به من الهدى والشّرائع والكتب ، فلا جرم أنّ الّذين قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ، قد جاءوا إفكاً وزوراً وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالتّواتر . وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله : { وقال الّذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالّذي بين يديه } [ سبأ : 31 ]. ومن أئمّة التّفسير من جعل هذا حكاية لقول بعض اليهود ، واختلفوا في أنّه معيّن أو غير معيّن ، فعن ابن عبّاس أيضاً ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، والسديّ : أنّ قائل { ما أنزل الله على بشر من شيء } بعض اليهود وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة أنّ قائل ذلك مالك بن الصيف القُرظي وكان من أحبار اليهود بالمدينة ، وكان سميناً وأنّه جاء يخاصم النّبيء صلى الله عليه وسلم فقال له النّبيء « أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى أمَا تجد في التّوراة أنّ الله يبغض الحَبر السمين » فغضب وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء . وعن السُدّي : أنّ قائله فِنْحاص اليهودي . ومحمل ذلك كلّه على أنّ قائل ذلك منهم قاله جهلاً بما في كتبهم فهو من عامّتهم ، أو قاله لجاجاً وعِناداً . وأحسب أنّ هذه الرّوايات هي الّتي ألجأت رواتها إلى ادّعاء أنّ هذه الآيات نزلت بالمدينة ، كما تقدّم في الكلام على أوّل هذه السورة .وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله : { أولئك الّذين آتيناهم الكتاب } [ الأنعام : 89 ] الآية ، وتكون الجملة كالمعترضة في خلال إبطال حجاج المشركين . وحقيقة { قدروا } عيَّنوا القَدْر وضَبطوه أي ، عَلّموه عِلماً عن تحقّق .والقَدْر بفتح فسكون مقياسُ الشيء وضابطه ، ويستعمل مجازاً في عِلم الأمر بكُنهه وفي تدبير الأمر .يقال : قَدَر القومُ أمرهم يقدُرونه بضمّ الدّالّ في المضارع ، أي ضبطوه ودبَّروه . وفي الحديث قول عائشة : « فاقدُروا قدْرَ الجاريةِ الحديثة السنّ » وهو هنا مجاز في العلم الصّحيح ، أي ما عرفوا الله حقّ معرفته وما علموا شأنه وتصرّفاته حقّ العلم بها ، فانتصب { حقّ } على النّيابة عن المفعول المطلق لإضافته إلى المصدر وهو { قَدْرِه } ، والإضافة هنا من إضافة الصّفة إلى الموصوف . والأصل : ما قدروا الله قَدْرَه الحَقّ .و { إذ قالوا } ظرف ، أي ما قدروه حين قالوا { ما أنزل الله } لأنّهم لمّا نفوا شأناً عظيماً من شؤون الله ، وهو شأن هديه النّاس وإبلاغهم مرادَه بواسطة الرّسل ، قد جهلوا ما يفضي إلى الجهل بصفة من صفات الله تعالى الّتي هي صفة الكلام ، وجهلوا رحمته للنّاس ولطفه بهم .ومقالهم هذا يعمّ جميعَ البشر لوقوع النكرة في سياق النّفي لِنفي الجنس ، ويَعمّ جميعَ ما أنزل باقترانه ب { منْ } في حيز النّفي للدّلالة على استغراق الجنس أيضاً ، ويعمّ إنزالَ الله تعالى الوحيَ على البشر بنفي المتعلِّق بهذين العمومين .والمراد ب { شيء } هنا شيء من الوحي ، ولذلك أمر الله نبيّه بأن …

Al-An'aam 6:91Listen in Qur'an →
92

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

{ وهذا كتاب } عطف على جملة { قل الله } [ الأنعام : 91 ] ، أي وقل لهم الله أنزل الكتاب على موسى وهذا كتاب أنزلناه . والإشارة إلى القرآن لأنّ المحاولة في شأنه من ادّعائهم نفي نزوله من عند الله ، ومن تبكيتهم بإنزال التّوراة ، يجعل القرآن كالحاضر المشاهد ، فأتي باسم الإشارة لزيادة تمييزه تقوية لحضوره في الأذهان .وافتتاح الكلام باسم الإشارة المفيد تمييز الكتاب أكمل تمييز ، وبناءُ فعل { أنزلنا } على خبر اسم الإشارة ، وهو { كتاب } الّذي هو عينه في المعنى ، لإفادة التّقوية ، كأنّه قيل : وهَذا أنزلناه .وجَعْل { كتاب } الّذي حقّه أن يكون مفعول { أنزلنا } مسنداً إليه ، ونصب فعل { أنزلنا } لضميره ، لإفادة تحقيق إنزاله بالتّعبير عنه مرّتين ، وذلك كلّه للتّنويه بشأن هذا الكتاب .وجملة : { أنزلناه } يجوز أن تكون حالاً من اسم الإشارة ، أو معترضة بينه وبين خبره . و { مبارك } خبر ثان . والمبارك اسم مفعول من بَاركه ، وبارك عليه ، وبارك فيه ، وبارك له ، إذا جعل له البركة . والبركة كثرة الخير ونماؤه يقال : باركه . قال تعالى : { أن بُورك من في النّار ومن حولها } [ النمل : 8 ] ، ويقال : بارك فيه ، قال تعالى : { وبارك فيها } [ فصلت : 10 ].ولعلّ قولهم ( بارك فيه ) إنّما يتعلّق به ما كانت البركة حاصلة للغير في زمنه أو مكانه ، وأمّا ( باركه ) فيتعلّق به ما كانت البركة صفة له ، و ( بَارك عليه ) جعل البركة متمكّنة منه ، ( وبارك له ) جعل أشياء مباركة لأجله ، أي بارك فيما له .والقرآن مبارَك لأنّه يدلّ على الخير العظيم ، فالبركة كائنة به ، فكأنّ البركة جعلت في ألفاظه ، ولأنّ الله تعالى قد أودع فيه بركة لقارئه المشتغل به بركة في الدّنيا وفي الآخرة ، ولأنّه مشتمل على ما في العمل به كمال النّفس وطهارتها بالمعارف النّظريّة ثمّ العمليّة . فكانت البركة ملازمة لقراءته وفهمه . قال فخر الدّين «قد جرت سنّة الله تعالى بأنّ الباحث عنه ( أي عن هذا الكتاب ) المتمسّك به يحصل له عزّ الدّنيا وسعادة الآخرة . وأنا قد نقلت أنواعاً من العلوم النّقليّة والعقليّة فلم يَحْصُل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السّعادات في الدّنيا مثلُ ما حصل لي بسبب خدمة هذا العلم ( يعني التّفسير ).و { مصدّق } خبر عن { كتاب } بدون عطف . والمُصدّق تقدّم عند قوله تعالى : { مُصدّقاً لما بين يَديه } في سورة [ البقرة : 97 ] ، وقوله { ومصدّقاً لما بين يدي } وفي سورة [ آل عمران : 50 ]. والّذي } من قوله : { الّذي بين يديه } اسم موصول مراد به معنى جَمع . وإذ قد كان جمع الّذي وهو لا يستعمل في كلام العرب إلاّ إذا أريد به العَاقل وشِبهه ، نحو { إنّ الّذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم } [ الأعراف : 194 ] لتنزيل الأصنام منزلة العاقل في استعمال الكلام عرفاً . فلا يستعمل في جمع غير العاقل إلاّ الّذي المفرد ، نحو قوله تعالى :{ والّذي جاء بالصّدق وصدّق به أولئك هم المتّقون } [ الزمر : 33 ].والمراد ب { الّذي بين يديه } ما تقدّمه من كتب الأنبياء ، وأخصّها التّوراة والإنجيل والزّبور ، لأنّها آخر ما تداوله النّاس من الكتب المنزّلة على الأنبياء ، وهو مصدّق الكتب النّازلة قبل هذه الثّلاثة وهي صحف إبراهيم وموسى .ومعنى كون القرآن مصدّقها من وجهين ، أحدهما : أنّ في هذه الكتب الوعد بمجيء الرّسول المقفّى على نبوءة أصحاب تلك الكتب ، فمجيء القرآن قد أظهر صدق ما وعدت به تلك الكتب ودلّ على أنّها من عند الله .وثانيهما : أنّ القرآن مصدّق أنبيائها وصدّقها وذكر نورها وهداها ، وجاء بما جاءت به من أصول الدّين والشّريعة . ثم إنّ ما جاء به من الأحكام الّتي لم تكن ثابتة فيها لا يخالفها . وأمّا ما جاء به من الأحكام المخالفة للأحكام المذكورة فيها من فروع الشّريعة فذلك قد يبيّن فيه أنّه لأجل اختلاف المصالح ، أو لأنّ الله أراد التّيسير بهذه الأمّة .ومعنى : { …

Al-An'aam 6:92Listen in Qur'an →
93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

لمّا تقضّى إبطال ما زعموه من نفي الإرسال والإنزال والوحي ، النّاشيءُ عن مقالهم الباطل ، إذ قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } [ الأنعام : 91 ] ، وعقّب ذلك بإثبات ما لأجله جحدوا إرسال الرّسل وإنزال الوحي على بشر ، وهو إثبات أنّ هذا الكتاب منزّل من الله ، عُقّب بعد ذلك بإبطال ما اختلقه المشركون من الشّرائع الضّالة في أحوالهم الّتي شرعها لهم عَمْرو بن لُحَيّ من عبادة الأصنام ، وزعمهم أنّهم شفعاءُ لهم عند الله ، وما يستتبع ذلك من البحيرة ، والسّائبة ، وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح ، وغير ذلك . فهم ينفون الرّسالة تارة في حين أنّهم يزعمون أنّ الله أمرهم بأشياء فكيف بلَغهم ما أمرهم الله به في زعمهم ، وهم قد قالوا : { ما أنزل الله على بشر من شيء } [ الأنعام : 91 ]. فلزمهم أنّهم قد كذَبوا على الله فيما زعموا أنّ الله أمرهم به لأنّهم عطّلوا طريق وصول مراد الله إلى خلقه وهو طريق الرّسالة فجاءوا بأعجب مقالة .وذكر من استخفّوا بالقرآن فقال بعضهم : أنا أوحيَ إليّ ، وقال بعضهم : أنا أقول مثلَ قول القرآن ، فيكون المراد بقوله : { ومن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً } تسفيه عقائد أهل الشّرك والضّلالة منهم على اختلافها واضطرابها . ويجوز أن يكون المراد مع ذلك تنزيه النّبيء صلى الله عليه وسلم عمّا رموه به من الكذب على الله حين قالوا : { ما أنزل الله على بشر من شيء } [ الأنعام : 91 ] لأنّ الّذي يعلم أنّه لا ظلم أعظم من الافتراء على الله وادّعاءِ الوحي باطلاً لا يُقدم على ذلك ، فيكون من ناحية قول هرقل لأبي سفيان «وسألتُك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكَرْتَ أنّ لا ، فقد أعرِفُ أنّه لم يكن ليَذَر الكذب على النّاس ويكذب على الله» .والاستفهام إنكاري فهو في معنى النّفي ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء أصحاب هذه الصّلات . ومساقه هنا مساق التّعريض بأنّهم الكاذبون إبطالاً لتكذيبهم إنزال الكتاب ، وهو تكذيب دلّ عليه مفهوم قوله : { والّذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } [ الأنعام : 92 ] لاقتضائه أنّ الّذين لا يؤمنون بالآخرة وهم المشركون يكذّبون به؛ ومنهم الذّي قال : أوحي إليّ؛ ومنهم الّذي قال : سأنزل مثل ما أنزل الله؛ ومنهم من افترى على الله كذباً فيما زعموا أنّ الله أمرهم بخصال جاهليتهم . ومثل هذا التّعريض قوله تعالى في سورة [ العقود : 60 ] { قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } الآية عقب قوله : { يأيّها الّذين آمنُوا لاَ تَتَّخذُوا الَّذين اتَّخذوا دِينكم هُزؤاً ولعباً من الَّذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء } [ المائدة : 57 ] الآية .وتقدّم القول في { ومَنْ أظلم } عند قوله تعالى : { ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه }في سورة البقرة : 114 ].وافتراء : الاختلاق ، وتقدّم في قوله تعالى : { ولكن الّذين كفروا يفترون على الله الكذب } في سورة [ العقود : 103 ].ومَن } موصولة مراد به الجنس ، أي كلّ من افترى أو قال ، وليس المراد فرداً معيّناً ، فالّذين افتروا على الله كذباً هم المشركون لأنهم حلّلوا وحرّموا بهواهم وزعموا أنّ الله أمرهم بذلك ، وأثبتوا لله شفعاء عنده كذباً .و { أوْ قال أوحي إليّ } عطف على صلة { مَن } ، أي كلّ من ادّعى النّبوءة كذباً ، ولم يزل الرّسل يحذّرون النّاس من الّذين يدّعون النّبوءة كذباً كما قدّمته . روي أنّ المقصود بهذا مسيلمة متنبّىء أهل اليمامة ، قاله ابن عبّاس وقتادة وعكرمة . وهذا يقتضي أن يكون مسيلمة قد ادّعى النّبوءة قبل هجرة النّبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأنّ السّورة مكّية . والصّواب أنّ مسيلمة لم يدع النّبوءة إلاّ بعد أن وفد على النّبيء صلى الله عليه وسلم في قومه بني حنيفة بالمدينة سنة تسع طامعاً في أن يجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمرَ بعده فلمّا رجع خائباً ادّعى النّبوءة …

Al-An'aam 6:93Listen in Qur'an →
94

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

إن كان القول المقدّر في جملة { أخرجوا أنفسكم } [ الأنعام : 93 ] قولاً من قِبَل الله تعالى كان قوله { ولقد جئتمونا فرادى } عطفاً على جملة { أخرجوا أنفسكم } [ الأنعام : 93 ] ، أي يقال لهم حين دفعهم الملائكة إلى العذاب : أخرجوا أنفسكم ، ويقال لهم : لقد جئتمونا فرادى . فالجملة في محلّ النّصب بالقول المحذوف . وعلى احتمال أن يكون { غمرات الموت } [ الأنعام : 93 ] حَقيقة ، أي في حين النّزع يكون فعل { جئتمونا } من التّعبير بالماضي عن المستقبل القريب ، مثل : قد قامت الصّلاة ، فإنّهم حينئذٍ قاربوا أن يرجعوا إلى مَحض تصرّف الله فيهم .وإن كان القول المقدّر قولَ الملائكة فجملة : { ولقد جئتمونا فُرادى } عطف على جملة : { ولو ترى إذ الظّالمون } [ الأنعام : 93 ] فانتقل الكلام من خطاب المعتبِرين بحال الظّالمين إلى خطاب الظّالمين أنفسهم بوعيدهم بما سيقول لهم يومئذٍ .فعلى الوجه الأوّل يكون { جئتمونا } حقيقة في الماضي لأنّهم حينما يقال لهم هذا القول قد حصل منهم المجيء بين يدي الله . و ( قد ) للتّحقيق .وعلى الوجه الثّاني يكون الماضي معبّراً به عن المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه ، وتكون ( قد ) ترشيحاً للاستعارة .وإخبارهم بأنّهم جاءوا ليس المراد به ظاهر الإخبار لأنّ مجيئهم معلوم لهم ولكنّه مستعمل في تخطئتهم وتوقيفهم على صدق ما كانوا يُنذرون به على لسان الرّسول فينكرونه وهو الرّجوع إلى الحياة بعد الموت للحساب بين يدي الله . وقد يقصد مع هذا المعنى معنى الحصول في المِكنة والمصير إلى ما كانوا يحسبون أنّهم لا يصيرون إليه ، على نحو قوله تعالى : { ووجد الله عنده } [ النور : 39 ] ، وقول الرّاجز: ... قد يُصبح الله إمام السّاريوالضّمير المنصوب في { جئتمونا } ضمير الجلالة وليس ضمير الملائكة بدليل قوله : { كما خلقناكم }.و { فُرادى } حال من الضّمير المرفوع في { جئتمونا } أي منعزلين عن كلّ ما كنتم تعتزّون به في الحياة الأولى من مال وولد وأنصار ، والأظهر أنّ ( فُرادى ) جمع فَرْدَان مثل سُكارى لسَكران . وليس فُرادى المقصورُ مرادفاً لفُرادَ المعدوللِ لأنّ فُرادَ المعدول يدلّ على معنى فَرْداً فَرْداً ، مثل ثُلاث ورُباع من أسماء العدد المعدولة . وأمّا فرادى المقصور فهو جمع فردان بمعنى المنفرد . ووجه جمعه هنا أنّ كلّ واحد منهم جاء منفرداً عن ماله .وقوله : { كما خلقناكم أوّل مرّة } تشبيه للمجيء أريد منه معنى الإحياء بعد الموت الّذي كانوا ينكرونه فقد رأوه رأي العين ، فالكاف لتشبيه الخلق الجديد بالخلق الأوّل فهو في موضع المفعول المطلق . و ( ما ) المجرورة بالكاف مصدريّة . فالتّقدير : كخلْقِنا إيّاكم ، أي جئتمونا مُعَادَيْن مخلوقين كما خلقناكم أوّل مرّة ، فهذا كقوله تعالى : { أفعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لبس من خلق جديد } [ ق : 15 ].والتّخويل : التفضّل بالعطاء . قيل : أصله إعطاء الخَوَل بفتحتين وهو الخدم ، أي إعطاء العبيد . ثمّ استعمل مجازاً في إعطاء مطلق ما ينفع ، أي تركتم ما أنعمنا به عليكم من مال وغيره .و ( ما ) موصولة ومعنى تركهم إيّاه وراء ظهورهم بعدُهم عنه تمثيلاً لحال البعيد عن الشّيء بمن بارحه سائراً ، فهو يترك من يبارحه وراءه حين مبارحته لأنّه لو سار وهو بين يديه لبلغ إليه ولذلك يمثّل القاصد للشّيء بأنّه بين يديه ، ويقال للأمر الّذي يهيّئه المرءُ لنفسه : قد قدّمه .{ وتَركتم } عطف على { جئتمونا } وهو يبيّن معنى { فرادى } إلاّ أنّ في الجملة الثّانية زيادة بيان لمعنى الانفراد بذكر كيفية هذا الانفراد لأنّ كلا الخبرين مستعمل في التّخطئة والتّنديم ، إذ جاءوا إلى القيامة وكانوا ينْفون ذلك المجيء وتركوا ما كانوا فيه في الدّنيا وكان حالهم حال من ينوي الخلود . فبهذا الاعتبار عطفت الجملة ولم تفصل . وأبو البقاء جعل الجملة حالاً من الواو في { جئتمونا } فيصير ترك ما خوّلوه هو محلّ التّنكيل …

Al-An'aam 6:94Listen in Qur'an →
95

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

استئناف ابتدائي انتُقل به من تقرير التّوحيد والبعث والرّسالة وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة ، على انفراده تعالى بالإلهيّة المستلزم لانتفاء الإلهيّة عمّا لا تقدر على مثل هذا الصّنع العجيب ، فلا يحقّ لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حقّ لها في الإلهيّة ، فيكون ذلك إبطالاً لشرك المشركين من العرب ، وهو مع ذلك إبطال لمعتقَد المعطّلين من الدُهريين منهم بطريق الأوْلى ، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله : { فأنَّى تُؤفَكُون } ، أي فتكفرون النّعمة . وفيه عِلم ويقين للمؤمنين من المصدّقين واستزادة لمعرفتهم بربّهم وشكرهم .وافتتاحُ الجملة ب { إنْ } مع أنّه لا ينكر أحد أنّ الله هو فاعل الأفعال المذكورة هنا ، ولكنَّ النّظر والاعتبار في دلالة الزّرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي ، لمّا كان نظراً دقيقاً قد انصرف عنه المشركون فاجْترأوا على إنكار البعث ، كان حالهم كحال من أنكر أو شَكّ في أنّ الله فالقُ الحبّ والنَّوى ، فأكّد الخبر بحرف ( إنْ ).وجيء بالجملة الاسميّة للدّلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنّه وصف ذاتي لله تعالى ، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلُّقاتها في مصطلح من لا يثبت صفات الأفعال ، ولمّا كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحبّ والنّوى على قدرة الله على إخراج الحيّ من الميّت ، والانتقالُ من ذلك إلى دلالته على إخراج الحيّ من الميّت في البعث ، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر .والفَلْق : شَقّ وصدعُ بعض أجزاء الشّيء عن بعض ، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج النّبْت والشّجر وأصولها ، فهو محلّ العبرة من علم الله تعالى وقدرته وحكمته .والحَبّ اسم جمع لما يثمره النّبت ، واحده حبّة . والنَّوى اسم جمع نواة ، والنّواة قلب التّمرة . ويطلق على ما في الثّمار من القلوب الّتي منها يَنبت شجرها مثل العنب والزّيتون ، وهو العَجَم بالتّحريك اسم جمع عَجَمة .وجملة : { يخرج الحيّ من الميّت } في محلّ خبر ثان عن اسم ( إنّ ) تتنزّل منزلة بيان المقصود من الجملة قبلها وهو الفَلْق الّذي يخرج منه نبتاً أو شجراً نامياً ذا حياة نباتيةٍ بعد أن كانت الحبّة والنّواة جسماً صلباً لا حياة فيه ولا نماءَ . فلذلك رجّح فصل هذه الجملة عن الّتي قبلها إلاّ أنّها أعمّ منها لدلالتها على إخراج الحيوان من ماء النطفة أو من البيض ، فهي خبر آخر ولكنّه بعمومه يبيّن الخبر الأوّل ، فلذلك يحسن فصل الجملة ، أو عدممِ عطف أحد الأخبار .وعُطف على { يخرج الحيّ من الميّت } قولُه { ومخرج الميّت من الحيّ } لأنّه إخبار بضدّ مضمون { يخرج الحيّ من الميّت } وصنع آخر عجيب دالّ على كمال القدرة وناف تصرّف الطّبيعة بالخَلْق ، لأنّ الفعل الصّادر من العالم المختار يكون على أحوال متضادة بخلاف الفعل المتولد عن سبب طبعي ، وفي هذا الخبر تكملة بيان لما أجمله قوله : { فالقُ الحبّ والنّوى } ، لأنّ فلق الحبّ عن النّبات والنّوى عن الشّجر يشمل أحوالاً مُجملة ، منها حال إثمار النّبات والشّجر : حبّاً ييبس وهو في قصب نباته فلا تكون فيه حياة ، ونوىً في باطن الثّمار يبَساً لا حياة فيه كنوى الزّيتون والتّمر ، ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللّبَن والمِسْك واللّؤلؤ وحجر ( البازهر ) من بواطن الحيوان الحيّ ، فظهر صدور الضدّين عن القدرة الإلهيّة تمام الظّهور .وقد رَجَح عطفُ هذا الخبر لأنّه كالتكملة لقوله : { يخرج الحيّ من الميّت } أي يفعل الأمرين معاً كقوله بعده { فالقُ الإصباح وجاعلُ اللّيل سَكنا }.وجعله في «الكشاف» عطفاً على { فالق الحبّ } بناء على أنّ مضمون قوله : { مُخرج الميّت من الحيّ } ليس فيه بيان لمضمون { فالق الحبّ } لأنّ فلق الحبّ ينشأ …

Al-An'aam 6:95Listen in Qur'an →
96

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

و { فالق الإصباح } يجوز أن يكون خبراً رابعاً عن اسم ( إنّ ) ، ويجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة المخبر به عن اسم الإشارة ، فيكون قوله : { فأنّى تؤفكون } اعتراضاً .والإصباح بكسر الهمزة في الأصل مصدر أصبح الأفُق ، إذا صار ذا صباح ، وقد سمّي به الصباح ، وهو ضياء الفجر فيقابل اللّيلَ وهو المراد هنا .وفلْق الإصباح استعارة لظهور الضّياء في ظلمة اللّيل ، فشبّه ذلك بفلق الظلمة عن الضّياء ، كما استعير لذلك أيضاً السّلخ في قوله تعالى : { وآية لهم اللّيل نسلخ منه النّهار } [ يس : 37 ]. فإضافة { فالق } إلى { الإصباح } حقيقيّة وهي لأدنى ملابسة على سبيل المجاز . وسنبيّنه في الآية الآتية لأنّ اسم الفاعل له شائبة الاسميّة فيضاف إضافة حقيقيّة ، وله شائبة فعلية فيضاف إضافة لفظيّة . وهو هنا لمّا كان دالاً على وصف في الماضي ضعف شبهه بالفعل لأنّه إنّما يشبه المضارع في الوزن وزمننِ الحال أو الاستقبال . وقد يعتبر فيه المفعوليّة على التّوسّع فحُذف حرف الجرّ ، أي فالق عن الإصباح فانتصب على نزع الخافض ، ولذلك سمَّوْا الصّبح فَلَقاً بفتحتين بزنة ما بمعنى المفعول كما قالوا مسكَن ، أي مسكون إليه فتكون الإضافة على هذا لفظية بالتأويل وليست إضافته من إضافة الوصف إلى معموله إذ ليس الإصباح مفعول الفلْق والمعنى فالق عن الإصباح فيعلم أنّ المفلوق هو الليل ولذلك فسّروه فالق ظلمة الإصباح ، أي الظلمة التي يعقبها الصبح وهي ظلمة الغَبَش ، فإنّ فلق الليل عن الصبح أبدع في مظهر القدرة وأدخل في المنّة بالنعمة ، لأنّ الظلمة عدم والنور وجود . والإيجاد هو مظهر القدرة ولا يكون العدم ومظهراً للقدرة إلاّ إذا تسلّط على موجود وهو الإعدام ، وفلق الإصباح نعمة أيضاً على النّاس لينتفعوا بحياتهم واكتسابهم .{ وجاعل اللّيل سكناً } عطف على { فالق الإصباح }.وقرأه الجمهور بصيغة اسم الفاعل وجرّ { اللّيلِ } لمناسبة الوصفين في الاسميّة والإضافة . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلَف . { وجَعَل } بصيغة فعل الماضي وبنصب { اللّيل }.وعُبّر في جانب اللّيل بمادة الجعل لأنّ الظلمة عدم فتعلّق القدرة فيها هو تعلّقها بإزالة ما يمنع تلك الظلمة من الأنوار العارضة للأفق . والمعنى أنّ الله فلق الإصباح بقدرته نعمة منه على الموجودات ولم يجعل النّور مستمراً في الأفق فجعله عارضاً مجزءاً أوقاتاً لتعود الظّلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النّصَب والعمل فيستجمّوا راحتهم .والسكَن بالتَّحريك على زنة مُرادف اسم المفعول مثل الفَلَق على اعتباره مفعولاً بالتوسّع بحذف حرف الجرّ وهو ما يسكن إليه ، أي تسكن إليه النّفس ويطمئنّ إليه القلب ، والسّكون فيه مجاز . وتسمّى الزّوجة سكَناً والبيتُ سكناً قال تعالى : { والله جعل لكم من بيوتكم سكناً } [ النحل : 80 ] ، فمعنى جَعْل اللّيل سكناً أنّه جعل لتحصل فيه راحة النّفس من تعب العمل .وعُطف { الشمس والقمر } على { اللّيل } بالنّصب رعياً لمحلّ اللّيل لأنّه في محلّ المفعول ل { جاعل } بناء على الإضافة اللّفظيّة . والعطف على المحلّ شائع في مواضع من كلام العرب مثل رفع المعطوف على اسم ( إنّ ) ، ونصب المعطوف على خبَر ليس المجرور بالباء .والحسبان في الأصل مصدر حَسَب بفتح السّين كالغُفران ، والشُّكران ، والكفران ، أي جعلها حساباً ، أي علامة حساببٍ للنّاس يحسبون بحركاتها أوقات اللّيل والنّهار ، والشّهور ، والفصول ، والأعوام . وهذه منّة على النّاس وتذكير بمظهر العلم والقدرة ، ولذلك جعل للشّمس حسبان كما جُعل للقمر ، لأنّ كثيراً من الأمم يحسبون شهورهم وأعوامهم بحساب سير الشّمس بحلولها في البروج وبتمام دورتها فيها . والعرب يحسبون بسير القمر في منازله . وهو الذي جاء به الإسلام ، وكان العرب في الجاهليّة يجعلون الكبس لتحويل السنة إلى فصول متماثلة ، فموقع المنّة أعمّ من الاعتبار الشّرعي في حساب الأشهر …

Al-An'aam 6:96Listen in Qur'an →
97

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

عطف على جملة : { وجاعل اللّيل سكناً } [ الأنعام : 96 ] ، وهذا تذكير بوحدانيّة الله ، وبعظيم خلقة النّجوم ، وبالنّعمة الحاصلة من نظام سيرها إذ كانت هداية للنّاس في ظلمات البرّ والبحر يهتدون بها . وقد كان ضبط حركات النّجوم ومطالعها ومغاربها من أقدم العلوم البشريّة ظهر بين الكلدانيّين والمصريّين القدماء . وذلك النّظام هو الّذي أرشد العلماء إلى تدوين علم الهيئة .والمقصود الأوّل من هذا الخبر الاستدلال على وحدانيّة الله تعالى بالإلهيّة ، فلذلك صيغ بصيغة القصر بطريق تعريف المسند والمسند إليه ، لأنّ كون خلق النّجوم من الله وكونها ممّا يهتدَى بها لا ينكره المخاطبون ولكنّهم لم يَجْرُوا على ما يقتضيه من إفراده بالعبادة .والنّجُوم جمع نجم ، وهو الكوكب ، أي الجسم الكروي المضيء في الأفق ليْلاً الّذي يبدو للعين صغيراً ، فليس القمر بنجْم .و { جَعَل } هنا بمعنى خَلَق ، فيتعّدى إلى مفعول واحد و { لكُم }.متعلّق ب { جعل } ، والضّمير للبشر كلّهم ، فلام { لكم } للعلّة .وقوله : { لتهتدوا بها } علّة ثانية لِ { جعَل } فاللاّم للعلّة أيضاً ، وقد دلّت الأولى على قصد الامتنان ، فلذلك دخلت على ما يدلّ على الضّمير الدالّ على الذّوات ، كقوله : { ألم نشرح لك صدرك } [ الشرح : 1 ] ، واللاّم الثّانية دلّت على حكمة الجعل وسبب الامتنان وهو ذلك النّفع العظيم . ولمّا كان الاهتداء من جملة أحوال المخاطبين كان موقع قوله : { لتهتدوا } قريباً من موقع بدل الاشتمال بإعادة العامل ، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : { تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا } في سورة [ المائدة : 114 ].والمراد بالظلمات : الظلمة الشّديدة ، فصيغة الجمع مستعملة في القوّة . وقد تقدّم أنّ الشّائع أن يقال : ظلمات ، ولا يقال : ظلمة ، عند قوله تعالى : { وتَركهم في ظلمات لا يبصرون } في سورة [ البقرة : 17 ].وإضافة ظلمات } إلى { البرّ والبحر } على معنى ( في ) لأنّ الظّلمات واقعة في هذين المكانين ، أي لتهتدوا بها في السّير في الظّلمات . ومن ينفي الإضافة على معنى ( في ) يجعلها إضافة على معنى اللاّم لأدنى ملابسة كما في «كوكب الخرقاء» . والإضافة لأدنى ملابسة ، إمّا مجاز لغوي مبني على المشابهة ، فهو استعارة على ما هو ظاهر كلام «المفتاح» في مبحث البلاغة والفصاحة إذ جعل في قوله تعالى : { يأرض ابلعي ماءك } [ هود : 44 ] إضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتّصال الماء بالأرض باتّصال المِلك بالمالك اه . فاستُعمل فيه الإضافة الّتي هي على معنى لام الملك فهو استعارة تبعيّة؛ وإمّا مجاز عقليّ على رأي التفتزاني في موضع آخر إذ قال في «كوكب الخرقاء» «حقيقة الإضافة اللاّميّة الاختصاص الكامل ، فالإضافة لأدنى ملابسة تكون مجازاً حُكمياً» . ولعلّ التفتزاني يرى الاختلاف في المجاز باختلاف قرب الإضافة لأدنى ملابسة من معنى الاختصاص وبعدها منه كما يظهر الفرق بين المثالين ، على أنّ قولهم : لأدنى ملابسة ، يؤذن بالمجاز العقلي لأنّه إسناد الحكم أو معناه إلى ملابسسٍ لما هُوَ لَهُ .وجملة : { قد فصّلنا الآيات } مستأنفة للتّسجيل والتّبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا . واللاّم للتّعليل متعلّق ب { فصّلنا } كقوله: ... ويوم عَقرت للعذاري مطيّتيأي فصّلنا لأجل قوم يعلمون .وتفصيل الآيات تقدّم عند قوله تعالى : { وكذلك نفصّل الآيات } في هذه السّورة [ 55 ]. وجعل التّفصيل لقوم يعلمون تعريضاً بمَن لم ينتفعوا من هذا التّفصيل بأنّهم قوم لا يعلمون .والتّعريف في الآيات } للاستغراق فيشمل آية خلق النّجوم وغيرها . والْعِلم في كلام العرب إدْراك الأشياء على ما هي عليه قال السّمَوْأل أو عبد الملك الحارثي: ... فليس سواء عالم وجهولوقال النّابغة: ... ولَيْسَ جاهِلُ شيءٍ مثلَ مَنْ عَلِماوالّذين يعلمون هم الّذين انتفعوا بدلائل الآيات . وهم الّذين آمنوا بالله وحده ، كما قال تعالى : { …

Al-An'aam 6:97Listen in Qur'an →
98

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage. We have detailed the signs for a people who understand.

هذا تذكير بخلق الإنسان وكيف نشأ هذا العدد العظيم من نفْس واحدة كما هو معلوم لهم ، فالّذي أنشأ النّاس وخلقهم هو الحقيق بعبادتهم دون غيره ممّا أشركوا به ، والنّظر في خلقة الإنسان من الاستدلال بأعظم الآيات . قال تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [ الذاريات : 21 ].والقصر الحاصل من تعريف المسند إليه والمسند تعريض بالمشركين ، إذ أشركوا في عبادتهم مع خالقهم غيرَ من خلقهم على نحو ما قررتُه في الآية قبل هذه .والإنشاء : الإحداث والإيجاد . والضّمير المنصوب مراد به البشر كلّهم . والنّفس الواحدة هي آدم عليه السّلام .وقوله : { فمستقرّ } الفاء للتّفريع عن { أنشأكم } ، وهو تفريع المشتَمَل عليه المقارن على المشتمِل .وقرأه الجمهور { مستقَر } بفتح القاف وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وروح عن يعقوب «بكسر القاف» . فعلى قراءة فتح القاف يكون مصدراً ميمياً ، و { مستَودَع } كذلك ، ورفعهما على أنّه مبتدأ حُذف خبره ، تقديره : لكم أو منكم ، أو على أنّه خبر لمبتدأ محذوف تقديره : فأنتم مُستقرّ ومستودَع . والوصف بالمصدر للمبالغة في الحاصل به ، أي فتفرّع عن إنشائكم استقرار واستيداع ، أي لكم .وعلى قراءة كسر القاف يكون المستقرّ اسم فاعل . والمستودَع اسم مفعول من استودعَه بمعنى أودعه ، أي فمستقِرّ منكم أقررناه فهو مستقرّ ، ومستودَع منكم ودّعناه فهو مستودَع . والاستقرار هو القرار ، فالسّين والتّاء فيه للتّأكيد مثل استجاب . يقال : استقرّ في المكان بمعنى قرّ . وتقدّم عند قوله تعالى : { لكلّ نبأ مستقرّ } في هذه السورة [ 67 ].والاستيداع : طلب التّرك ، وأصله مشتقّ من الوَدْع ، وهو التّرك على أن يُسترجع المستوْدَعُ . يقال : استودعه مالاً إذا جعله عنده وديعة ، فالاستيداع مؤذن بوضع موقّت ، والاستقرار مؤذن بوضع دائم أو طويل .وقد اختلف المفسّرون في المراد بالاستقرار والاستيداع في هذه الآية مع اتّفاقهم على أنّهما متقابلان . فعَن ابن مسعود : المستقَرّ الكون فوق الأرض ، والمستودَع الكون في القبْر . وعلى هذا الوجه يكون الكلام تنبيهاً لهم بأنّ حياة النّاس في الدّنيا يعقبها الوضع في القبور وأنّ ذلك الوضع استيداع موقّت إلى البعث الّذي هو الحياة الأولى ردّاً على الّذين أنكروا البعث .وعن ابن عبّاس : المستقرّ في الرّحم والمستودَع في صلب الرجل ، ونقل هذا عن ابن مسعود أيضاً ، وقاله مجاهد والضحْاك وعطاء وإبراهيم النخعي ، وفسّر به الزجّاج . قال الفخر : وممّا يدلّ على قوّة هذا القول أنّ النّطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في رَحم الأمّ زماناً طويلاً . وعن غير هؤلاء تفسيرات أخرى لا يثلج لها الصّدر أعرضنا عن التّطويل بها . وقال الطّبري إنّ الله لم يخصّص معنى دون غيره ، ولا شكّ أنّ من بني آدم مستقرّاً في الرّحم ومستودَعاً في الصلب ، ومنهم من هو مستقرّ على ظهر الأرض أو بطنها ومستودَع في أصلاب الرّجال ، ومنهم مستقرّ في القبر مستودَع على ظهر الأرض ، فكلّ مستقِرّ أو مستودع بمعنى من هذه المعاني داخل في عموم قوله : فمستقَرّ ومستودع } اه .وقال ابن عطيّة : الّذي يقتضيه النّظر أنّ ابن آدم هو مستودَع في ظهر أبيه وليس بمستقرّ فيه لأنّه ينتقل لا محالة ثمّ ينتقل إلى الرّحم ثمّ ينتقل إلى الدّنيا ثمّ ينتقل إلى القبر ثمّ ينتقل إلى الحشر ثمّ ينتقل إلى الجنّة أو النّار . وهو في كلّ رتبة بين هذين الظرفين مستقِرّ بالإضافة إلى الّتي قبلها ومستودَع بالإضافة إلى الّتي بعدها اه .والأظهر أن لا يقيّد الاستيداع بالقبور بل هو استيداع من وقت الإنشاء ، لأنّ المقصود التّذكير بالحياة الثّانية ، ولأنّ الأظهر أنّ الواو ليست للتّقسيم بل الأحسن أن تكون للجمع ، أي أنشأكم فشأنكم استقرار واستيداع فأنتم في حال استقراركم في الأرض ودائع فيها ومرجعكم إلى خالقكم كما ترجع الوديعة إلى مودِعها . وإيثار التّعبير بهذين …

Al-An'aam 6:98Listen in Qur'an →
99

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

القول في صيغة القصر من قوله : { وهو الذي أنزل } إلخ كالقول في نظيره السّابق . و ( مِن ) في قوله : { مِن السّماء } ابتدائية لأنّ ماء المطر يتكوّن في طبقات الجوّ العُليا الزمهريرية عند تصاعد البخار الأرضي إليها فيصير البخار كثيفاً وهو السّحاب ثمّ يستحيل ماء . فالسّماء اسم لأعلى طبقات الجوّ حيث تتكوّن الأمطار . وتقدّم في قوله تعالى : { أو كَصيّب من السّماء في سورة البقرة . وعُدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير التكلّم في قوله : فأخرجْنا } على طريقة الإلتفات . والباء للسّببيّة جَعل الله الماء سبباً لخروج النّبات ، والضّمير المجرور بالباء عائد إلى الماء .والنّباتُ اسم لما يَنبت ، وهو اسم مصدر نَبَتَ ، سمّي به النّابت على طريقة المجاز الّذي صار حقيقة شائعة فصار النَّبات اسماً مشتركاً مع المصدر .و { شيء } مراد به صِنف من النّبات بقرينة إضافة { نباتَ } إليه . والمعنى : فأخرجنا بالماء ما ينبت من أصناف النّبت . فإنّ النبت جنس له أنواع كثيرة؛ فمنه زرع وهو ما له ساق ليّنة كالقَصَب؛ ومنه شجر وهو ما له ساق غليظة كالنّخل ، والعنب؛ ومنه نَجْم وأبّ وهو ما ينبت لاصِقاً بالتّراب ، وهذا التّعميم يشير إلى أنّها مختلفة الصّفات والثّمرات والطبائع والخصوصيات والمذاق ، وهي كلّها نابتة من ماء السّماء الّذي هو واحد ، وذلك آية على عظم القدرة ، قال تعالى : { تُسقَى بماء واحد ونُفضّل بعضَها على بعضضٍ في الأكل } [ الرعد : 4 ] وهو تنبيه للنّاس ليعتبروا بدقائق ما أودعه الله فيها من مختلف القوى الّتي سبّبتْ اختلاف أحوالها .والفاء في قوله : { فأخرجنا به نبات كلّ شيء } فاء التّفريع .وقوله : { فأخرجنا منه خضراً } تفصيل لمضمون جملة { فأخرجْنا به نبات كلّ شيء } ، فالفاء للتّفصيل ، و ( من ) ابتدائية أو تبعيضيّة ، والضّمير المجرور بها عائد إلى النّبات ، أي فكان من النبت خضر ونَخْل وجنّات وشجر ، وهذا تقسيم الجنس إلى أنواعه .والخَضِر : الشّيء الّذي لونه أخضر ، يقال : أخْضر وخَضِر كما يقال : أعور وعَور ، ويطلق الخضر اسماً للنّبت الرّطب الّذي ليس بشجر كالقصيل والقضب . وفي الحديث : « وإنّ ممّا يُنبت الرّبيعُ لَمَا يَقْتُل حَبَطا أو يُلِمّ إلاّ آكِلَةَ الخَضِر أكلتْ حتّى إذا امتَدّتْ خاصرتاها » الحديث . وهذا هو المراد هنا لقوله في وصفه { نخرج منه حبّاً متراكباً } ، فإنّ الحبّ يخرج من النّبت الرّطب .وجملة : { نخرج منه } صفة لقوله { خضرا } لأنّه صار اسماً ، و ( من ) اتِّصاليّة أو ابتدائيّة ، والضّمير المجرور بها عائد إلى { خَضِرا }.والحَبّ : هو ثمر النّبات ، كالبُرّ والشّعير والزّراريع كلّها .والمتراكب : الملتصق بعضه على بعض في السنبلة ، مثل القَمح وغيره ، والتّفاعل للمبالغة في ركوب بعضه بعضاً .وجملة : { ومن النّخل من طلعها قنوان دانية } عطف على { فأخرجنا منه خضراً }.ويجوز أن تكون معترضة والواو اعتراضيّة ، وقوله : { من النّخل } خبر مقدّم و { قنوان } مبتدأ مؤخّر .والمقصود بالإخبار هنا التّعجيب من خروج القنوان من الطلع وما فيه من بهجةٍ ، وبهذا يظهر وجه تغيير أسلوب هذه الجملة عن أساليب ما قبلها وما بعدها إذ لم تعطف أجزاؤها عطف المفردات ، على أنّ موقع الجملة بين أخواتها يفيد ما أفادته أخواتها من العبرة والمنّة .والتّعريف في { النّخل } تعريف العهد الجنسي ، وإنّما جيء بالتّعريف فيه للإشارة إلى أنّه الجنس المألوف المعهود للعرب ، فإنّ النّخل شجرهم وثَمره قُوتُهم وحوائطه منبَسَط نفوسهم ، ولك أن تجعله حالاً من { النّخل } اعتداداً بالتّعريف اللّفظي كقوله { والزّيتونَ والرّمَّان مشتبهاً } ، ويجوز أن يكون { من طلعها } بدل بعض من { النّخل } بإعادة حرف الجرّ الدّاخل على المبدل منه .و { قِنوان } بكسر القاف جمع قِنو بكسر القاف أيضاً على المشهور فيه عند العرب غيرَ لغة قيس وأهل الحجاز فإنّهم يضمّون القاف . فقنوان …

Al-An'aam 6:99Listen in Qur'an →
100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

But they have attributed to Allah partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters. Exalted is He and high above what they describe

عطف على الجمل قبله عطف القصّة على القصّة ، فالضّمير المرفوع في { جعلوا } عائد إلى { قومُك } من قوله تعالى : { وكذّب به قومك } [ الأنعام : 66 ].وهذا انتقال إلى ذكر شِرك آخر من شرك العرب وهو جعلهم الجِنّ شركاءَ لله في عبادتهم كما جعلوا الأصنام شركاء له في ذلك . وقد كان دين العرب في الجاهليّة خليطاً من عبادة الأصنام ومن الصّابئيّة عبادة الكواكب وعبادة الشّياطين ، ومجوسيّة الفرس ، وأشياء من اليهوديّة ، والنّصرانيّة ، فإنّ العرب لجهلهم حينئذٍ كانوا يتلقّون من الأمم المجاورة لهم والّتي يرحلون إليها عقائد شتّى متقارباً بعضها ومتباعداً بعض ، فيأخذونه بدون تأمّل ولا تمحيص لفقد العلم فيهم ، فإنّ العلم الصّحيح هو الذّائد عن العقول من أنّ تعشّش فيها الأوهام والمعتقدات الباطلة ، فالعرب كان أصل دينهم في الجاهليّة عبادة الأصنام وسرت إليهم معها عقائد من اعتقاد سلطة الجنّ والشّياطين ونحو ذلك .فكان العرب يثبتون الجنّ وينسبون إليهم تصرّفات ، فلأجل ذلك كانوا يتّقون الجنّ وينتسبون إليها ويتّخذون لها المَعاذات والرّقَى ويستجلبون رضاها بالقرابين وترك تسميّة الله على بعض الذبائح . وكانوا يعتقدون أنّ الكاهن تأتيه الجنّ بالخبر من السّماء ، وأنّ الشّاعر له شيطان يوحى إليه الشّعر ، ثمّ إذ أخذوا في تعليل هذه التصرّفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهيّة الله تعالى تعلّلوا لذلك بأنّ للجنّ صلة بالله تعالى فلذلك قالوا : الملائكة بنات الله مِن أمّهاتتٍ سَرَوات الجنّ ، كما أشار إليه قوله تعالى : { وجعلوا بينه وبينَ الجِنّة نسباً } [ الصافات : 158 ] وقال { فاستفتهم ألرَبِّك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ألاَ إنّهم من إفكهم ليقولون ولد اللّهُ وإنّهم لكاذبون } [ الصافات : 149 152 ]. ومن أجل ذلك جَعَل كثير من قبائل العرب شيئاً من عبادتهم للملائكة وللجنّ . قال تعالى : { ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون } [ سبأ : 40 ، 41 ].والّذين زعموا أنّ الملائكة بنات الله هم قريش وجُهينة وبنو سلمة وخزاعة وبنو مُليح . وكان بعض العرب مجوساً عبدوا الشّيطان وزعموا أنّه إلهُ الشرّ وأنّ الله إله الخير ، وجعلوا الملائكة جند اللّهِ والجنّ جندَ الشّيطان . وزعموا أنّ الله خلق الشّيطان من نفسه ثمّ فوّض إليه تدبير الشرّ فصار إله الشرّ . وهم قد انتزعوا ذلك من الدّيانة المزدكيّة القائلة بإلهين إله للخير وهو ( يَزْدَانْ ). وإلهٍ للشرّ وهو ( أهْرُمُنْ ) وهو الشّيطان .فقوله : { الجنّ } مفعول أوّل { جعلوا } و { شركاء } مفعوله الثّاني ، لأنّ الجنّ المقصود من السّياق لا مطلق الشّركاء ، لأنّ جعل الشركاء لله قد تقرّر من قبل . و { لله } متعلّق ب { شركاء }.وقدم المفعول الثّاني على الأوّل لأنّه محلّ تعجيب وإنكار فصار لذلك أهمّ وذكره أسبق .وتقديم المجرور على المفعول في قوله : { لله شركاء } للاهتمام والتعجيب من خطل عقولهم إذ يجعلون لله شركاء من مخلوقاته لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو خالق الجنّ ، فهذا التّقديم جرى على خلاف مقتضى الظّاهر لأجل ما اقتضى خُلافه . وكلام «الكشاف» يَجعل تقديم المجرور في الآية للاهتمام باعتقادهم الشّريك لله اهتماماً في مقامه وهو الاستفظاع والإنكار التّوبيخي . وتبعه في «المفتاح» إذ قال في تقديم بعض المعمولات على بعض «للعناية بتقديمه لكونه نُصْب عينك كما تَجِدُك إذا قال لك أحد : عرفتَ شركاء لله ، يَقِف شَعَرُك وتقول : للّهِ شركاء . وعليه قوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء } اه . فيكون تقديم المجرور جارياً على مقتضى الظّاهر .والجِنّ بكسر الجيم اسم لموجودات من المجرّدات الّتي لا أجسام لها ذاتتِ طبع ناري ، ولها آثار خاصّة في بعض تصرّفات تؤثّر في بعض الموجودات ما لا …

Al-An'aam 6:100Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.