Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 91–100 of 165

91

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مِن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلْ اللهَ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

اَلضَّمِيرُ في "قَدَرُوا"؛ و"قالُوا"؛ قِيلَ يُرادُ بِهِ العَرَبُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ؛ وقِيلَ: يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقِيلَ: رَجُلٌ مَخْصُوصٌ مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ الصَيْفِ؛ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وقِيلَ: في فِنْحاصَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

و"قَدَرُوا"؛ هو مِن تَوْفِيَةِ القَدْرِ والمَنزِلَةِ؛ فَهي عامَّةٌ يَدْخُلُ تَحْتَها مَن لَمْ يَعْرِفْ؛ ومَن لَمْ يُعَظِّمْ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ غَيْرَ أنَّ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِمْ: "ما أنْزَلَ اللهُ"؛ يَقْضِي بِأنَّهم جَهِلُوا؛ ولَمْ يَعْرِفُوا اللهَ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؛ إذْ أحالُوا عَلَيْهِ تَعالى بَعْثَهُ الرُسُلَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ و"حَقَّ"؛ نُصِبَ عَلى المُقَدَّرِ؛ ومَن قالَ "إنَّ المُرادَ كُفّارُ العَرَبِ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ ؛ اِحْتِجاجًا بِأمْرٍ مَشْهُورٍ؛ مَنقُولٍ بِكافَّةِ قَوْمٍ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ مُكَذِّبَةً لَهُمْ؛ ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ بَنُو إسْرائِيلَ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ مُسْتَقِيمًا؛ لِأنَّهم يَلْتَزِمُونَ صِحَّةَ نُزُولِ الكِتابِ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ.

ورُوِيَ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَيْفِ كانَ سَمِينًا؛ فَجاءَ يُخاصِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِزَعْمِهِ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أنْشُدُكَ اللهَ؛ ألَسْتَ تَقْرَأُ فِيما أُنْزِلَ عَلى مُوسى أنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَمِينَ؟"؛ فَغَضِبَ؛ وقالَ: "واللهِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".»

والآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: نَزَلَتْ في قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ - تَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَدَنِيَّةً؛ وكَذَلِكَ حَكى النَقّاشُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى الثَقَفِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "وَما قَدَّرُوا"؛ بِتَشْدِيدِ الدالِ؛ "اللهَ حَقَّ قَدَرِهِ"؛ بِفَتْحِ الدالِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ في الأوَّلِ بِالتَخْفِيفِ؛ وفي الثانِي بِإسْكانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَسْتَفْهِمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ عَلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ؛ والمُرادُ بِـ "اَلْكِتابَ"؛ التَوْراةُ؛ و"نُورًا وهُدًى"؛ اِسْمانِ في مَوْضِعِ الحالِ؛ بِمَعْنى: "نَيِّرًا؛ وهادِيًا"؛ فَإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِن "اَلْكِتابَ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "أنْزَلَ"؛ وإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "جاءَ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ؛ فَمَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ اسْتَقامَتْ لَهُ هَذِهِ القِراءَةُ؛ وتَناسَقَتْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ ؛ ومَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ إنَّما هو عَلى كُفّارِ العَرَبِ؛ فَيَضْطَرُّ في هَذِهِ القِراءَةِ - إذْ لا يُمْكِنُ رَفْعُها - إلى أنْ يَقُولَ: إنَّهُ خَرَجَ مِن مُخاطَبَةِ قُرَيْشٍ في اسْتِفْهامِهِمْ؛ وتَقْرِيرِهِمْ؛ إلى مُخاطَبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ بِتَوْبِيخِهِمْ؛ وتَوْبِيخِ أفْعالِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا …

Al-An'aam 6:91Listen in Qur'an →
92

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى "وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ صِفَةٌ لَهُ؛ و"مُصَدِّقُ"؛ كَذَلِكَ؛ وحُذِفَ التَنْوِينُ مِن "مُصَدِّقُ"؛ لِلْإضافَةِ؛ وهي إضافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لَمْ يُتَعَرَّفْ بِها "مُصَدِّقُ"؛ ولِذَلِكَ ساغَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِنَكِرَةٍ؛ و"اَلَّذِي"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ؛ والعامِلُ فِيهِ مَصْدَرٌ؛ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقُ" - مَعَ حَذْفِ التَنْوِينِ مِنهُ - يَتَسَلَّطُ عَلى "اَلَّذِي"؛ ويُقَدَّرَ حَذْفُ التَنْوِينِ لِلِالتِقاءِ؛ وإنَّما جاءَ ذَلِكَ شاذًّا في الشِعْرِ؛ في قَوْلِهِ:

؎ فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلا

ولا يُقاسُ عَلَيْهِ؛ و"بَيْنَ يَدَيْهِ"؛ هي حالُ التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ فَهو بَيْنَ يَدَيْ ما تَأخَّرَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ القِيامَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ القُرْآنَ هو بَيْنَ يَدَيِ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى"؛ أيْ: "أنْتَ يا مُحَمَّدُ"؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "وَلِيُنْذِرَ"؛ أيِ اَلْقُرْآنَ؛ بِمَواعِظِهِ؛ وأوامِرِهِ؛ واللامُ في "وَلِتُنْذِرَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى؛ ومَن حَوْلَها؛ أنْزَلْناهُ".

وأُمُّ القُرى: مَكَّةُ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: مِنها أنَّها مَنشَأُ الدِينِ؛ والشَرْعِ؛ ومِنها ما رُوِيَ أنَّ الأرْضَ مِنها دُحِيَتْ؛ ومِنها أنَّها وسَطُ الأرْضِ؛ ومِنها ما لَحِقَ عَنِ الشَرْعِ مِن أنَّها قِبْلَةُ كُلِّ قَرْيَةٍ؛ فَهي - لِهَذا كُلِّهِ - أمٌّ؛ وسائِرُ القُرى بَناتٌ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى"؛ و"وَمَن حَوْلَها"؛ يُرِيدُ أهْلَ سائِرِ الأرْضِ؛ و"حَوْلَها"؛ ظَرْفٌ؛ اَلْعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "وَمَنِ اسْتَقَرَّ حَوْلَها".

ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - مَدْحَ قَوْمٍ وصَفَهم وأخْبَرَ عنهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ والبَعْثِ والنُشُورِ؛ ويُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ؛ ويُصَدِّقُونَ بِحَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ قَوّى - تَبارَكَ وتَعالى - مَدْحَهم بِأنَّهم يُحافِظُونَ عَلى صَلاتِهِمُ الَّتِي هي قاعِدَةُ العِباداتِ؛ وأُمُّ الطاعاتِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "صَلَواتِهِمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَإنَّهُ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ وإذا انْضافَتِ الصَلاةُ إلى ضَمِيرٍ لَمْ تُكْتَبْ إلّا بِالألِفِ ولا تُكْتَبُ في المُصْحَفِ بِواوٍ إلّا إذا لَمْ تَنْضَفْ إلى ضَمِيرٍ.

Al-An'aam 6:92Listen in Qur'an →
93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهِ ولَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾

هَذِهِ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ فَكُلُّ مَن واقَعَ شَيْئًا مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الألْفاظِ فَهو داخِلٌ في الظُلْمِ الَّذِي قَدْ عَظَّمَهُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَمَن أظْلَمُ"؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ..."؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ مُسَيْلِمَةُ؛ والأسْوَدُ العنسِيُّ ؛ وذَكَرُوا رُؤْيَةَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلسُّوارَيْنِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ بِها «عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ العامِرِيِّ؛ وكانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الوَحْيَ؛ وكانَ أخا عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مِنَ الرَضاعَةِ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ - مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ -: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اُكْتُبْها؛ فَهَكَذا أُنْزِلَتْ"؛ فَتَوَهَّمَ عَبْدُ اللهِ ؛ ولَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا؛ وقالَ: أنا أُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهُ؛» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا «أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُبَّما أمْلى عَلَيْهِ: "واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ فَبَدَّلَها هُوَ: "واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ذَلِكَ سَواءٌ"؛» ونَحْوُ هَذا.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: أوَّلُها في مُسَيْلِمَةَ؛ والآخِرُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ ؛ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ لِأنَّهُ عارَضَ القُرْآنَ بِقَوْلِهِ: "والزارِعاتِ زَرْعًا؛ والخابِزاتِ خَبْزًا"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَخافاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَخَصَّصَ المُتَأوِّلُونَ في هَذِهِ الآياتِ ذِكْرَ قَوْمٍ قَدْ يُمْكِنُ أنْ كانُوا أسْبابَ نُزُولِها؛ ثُمَّ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ تَتَناوَلُ مَن تَعَرَّضَ شَيْئًا مِن مَعانِيها؛ كَطُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ؛ والمُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ ؛ وسِواهُما؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ﴾ ؛ بِتَخْفِيفٍ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَأُنَزِّلُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وتَشْدِيدِ الزايِ.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ جَوابُ "وَلَوْ"؛ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ عَجَبًا؛ أو هَوْلًا؛ ونَحْوَ هَذا؛ وحَذْفُ هَذا الجَوابِ أبْلَغُ مِن نَصِّهِ؛ لِأنَّ السامِعَ إذا لَمْ يُنَصَّ لَهُ الجَوابُ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ؛ و"اَلظّالِمُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِمَن واقَعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الظُلْمِ الَّذِي هو كُفْرٌ؛ والغَمَراتُ: جَمْعُ "غَمْرَةٌ"؛ وهي المُصِيبَةُ المُبْهَمَةُ المُذْهِلَةُ؛ وهي مُشَبَّهَةٌ بِغَمْرَةِ الماءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولا …

Al-An'aam 6:93Listen in Qur'an →
94

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عنكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

هَذِهِ حِكايَةٌ عَمّا يُقالُ لَهم بَعْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ؛ فَإمّا عِنْدَ خُرُوجِها مِنَ الأجْسادِ؛ وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.

و"فُرادى"؛ مَعْناهُ: فَرْدًا فَرْدًا؛ والألِفُ في آخِرِهِ ألِفُ تَأْنِيثٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَرى النُعَراتِ الزُرْقَ تَحْتَ لَبانِهِ ∗∗∗ فُرادى ومَثْنى أضْعَفَتْها صَواهِلُهْ

وَقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرادًا"؛ مُنَوَّنًا؛ عَلى وزْنِ "فُعالًا"؛ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ "وَفُرادى"؛ قِيلَ: هو جَمْعُ "فَرَدٌ"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وقِيلَ: جَمْعُ "فَرْدٌ"؛ بِإسْكانِ الراءِ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ تَوْقِيفُ الكُفّارِ عَلى انْفِرادِهِمْ؛ وقِلَّةِ النَصِيرِ؛ واحْتِياجِهِمْ إلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِفَقْدِ الخَوَلِ؛ والشُفَعاءِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ؛ تَشْبِيهًا بِالِانْفِرادِ الأوَّلِ؛ في وقْتِ الخِلْقَةِ؛ ويُتَوَجَّهُ مَعْنًى آخَرُ؛ وهُوَ: أنْ يَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ ؛ زِيادَةَ مَعانٍ عَلى الِانْفِرادِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى؛ وبِأحْوالِ كَذا"؛ والإشارَةُ - عَلى هَذا - بِقَوْلِهِ تَعالى "كَما"؛ هي إلى ما قالَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في صِفَةِ مَن يُحْشَرُ [مِن] أنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً؛ عُراةً؛ غُرْلًا.

و"خَوَّلْناكُمْ"؛ مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ؛ وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ بَيْتَ زُهَيْرٍ:

؎ هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا

"وَراءَ ظُهُورِكُمْ"؛ إشارَةٌ إلى الدُنْيا؛ لِأنَّهم يَتْرُكُونَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ عَلى الخَطَإ في عِبادَةِ الأصْنامِ؛ وتَعْظِيمِها؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ لِأنَّهُ قالَ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللاتُ والعُزّى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَعْتَقِدُ أنَّها تَشْفَعُ؛ وتُقَرِّبُ إلى اللهِ تَعالى زُلْفى؛ ويَرى شَرِكَتَها بِهَذا الوَجْهِ؛ فَمُخاطَبَتُهم بِالآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ؛ وهَكَذا كانَ الأكْثَرُ؛ ومَن كانَ مِنهم لا يُقِرُّ بِإلَهِ غَيْرِها فَلَيْسَ هو في هَذِهِ الآيَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "بَيْنُكُمْ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ: "بَيْنَكُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ أمّا الرَفْعُ فَعَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها أنَّ الظَرْفَ اسْتُعْمِلَ اسْمًا؛ وأُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلَ؛ كَما قَدِ اسْتَعْمَلُوهُ اسْمًا في قَوْلِهِ تَعالى مِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ؛ وكَقَوْلِهِمْ فِيما حَكى سِيبَوَيْهِ: "أحْمَرُ بَيْنَ العَيْنَيْنِ"؛ ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ الزَهْراوِيُّ ؛ والمَهْدَوِيُّ؛ وأبُو الفَتْحِ؛ وسِواهم - حَكَوْا أنَّ "اَلْبَيْنَ"؛ في اللُغَةِ يُقالُ عَلى الِافْتِراقِ؛ وعَلى الوَصْلِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا عِنْدِي اعْتِراضٌ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرْوَ مَسْمُوعًا عَنِ العَرَبِ؛ وإنَّما انْتُزِعَ مِنَ الآيَةِ؛ والآيَةُ مُحْتَمَلَةٌ؛ قالَ …

Al-An'aam 6:94Listen in Qur'an →
95

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿إنَّ اللهَ فالِقُ الحَبِّ والنَوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ذَلِكُمُ اللهَ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَيْلَ سَكَنًا والشَمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾

هَذا ابْتِداءُ تَنْبِيهٍ عَلى العِبْرَةِ والنَظَرِ؛ ويَتَّصِلُ المَعْنى بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَصْدَ: "إنَّ اللهَ..."؛ لا هَذِهِ الأصْنامُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وأبُو مالِكٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الشَقِّ الَّذِي في حَبَّةِ البُرِّ؛ ونَواةِ التَمْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعِبْرَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - مَخْصُوصَةٌ في بَعْضِ الحَبِّ وبَعْضِ النَوى؛ ولَيْسَ لِذَلِكَ وجْهٌ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في أنْ يَشُقَّ جَمِيعَ الحَبِّ عن جَمِيعِ النَباتِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ؛ ويَشُقُّ النَوى عن جَمِيعِ الأشْجارِ الكائِنَةِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الظاهِرُ الَّذِي يُعْطِي العِبْرَةَ التامَّةَ؛ فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَلِيمِ.

وقالَ الضَحّاكُ: "فالِقُ"؛ بِمَعْنى: "خالِقُ"؛ وقالَ السُدِّيُّ: وأبُو مالِكٍ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ النَباتِ الأخْضَرِ؛ والشَجَرِ الأخْضَرِ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ؛ والنَوى اليابِسِ؛ فَكَأنَّهُ جَعَلَ الخُضْرَةَ والنَضارَةَ حَياةً؛ واليُبْسَ مَوْتًا؛ ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ اليابِسِ مِنَ النَباتِ والشَجَرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الإنْسانِ الحَيِّ مِنَ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ؛ وإخْراجِ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ مِنَ الإنْسانِ الحَيِّ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ الحَيَوانِ؛ والطَيْرِ؛ مِنَ البَيْضِ؛ والحُوتِ؛ وجَمِيعِ الحَيَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ؛ وإنَّما تَعَلَّقَ قائِلُو القَوْلِ الأوَّلِ بِتَناسُبِ تَأْوِيلِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَوى﴾ ؛ وهُما عَلى هَذا التَأْوِيلِ الراجِحِ مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ؛ فِيهِما مُعْتَبَرٌ؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلْمَعْنى: يُخْرِجُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ؛ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكُمُ اللهُ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ مُتَضَمِّنٌ التَنْبِيهَ؛ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أيْ: تُصْرَفُونَ؛ وتُصَدُّونَ.

و﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ ؛ أيْ: شاقُّهُ؛ ومُظْهِرُهُ؛ والفَلَقُ: اَلصُّبْحُ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "فالِقُ الأصْباحِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ جَمْعُ "صُبْحٌ"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِحَذْفِ التَنْوِينِ مِن "فالِقُ"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ ونَصْبِ "اَلْإصْباحَ"؛ بِـ "فالِقُ"؛ كَأنَّهُ أرادَ: "فالِقٌ الإصْباحَ"؛ بِتَنْوِينِ القافِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وإنَّما جَوَّزَ سِيبَوَيْهِ مِثْلَ هَذا في الشِعْرِ؛ وأنْشَدَ عَلَيْها:

؎ فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا

وحَكى النَحّاسُ عَنِ المُبَرِّدِ جَوازَ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَلَقَ الإصْباحَ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَجَعَلَ اللَيْلَ"؛ وهَذا لَمّا كانَ "فالِقُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ فَكَأنَّ اللَفْظَ …

Al-An'aam 6:95Listen in Qur'an →
96

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿إنَّ اللهَ فالِقُ الحَبِّ والنَوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ذَلِكُمُ اللهَ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَيْلَ سَكَنًا والشَمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾

هَذا ابْتِداءُ تَنْبِيهٍ عَلى العِبْرَةِ والنَظَرِ؛ ويَتَّصِلُ المَعْنى بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَصْدَ: "إنَّ اللهَ..."؛ لا هَذِهِ الأصْنامُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وأبُو مالِكٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الشَقِّ الَّذِي في حَبَّةِ البُرِّ؛ ونَواةِ التَمْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعِبْرَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - مَخْصُوصَةٌ في بَعْضِ الحَبِّ وبَعْضِ النَوى؛ ولَيْسَ لِذَلِكَ وجْهٌ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في أنْ يَشُقَّ جَمِيعَ الحَبِّ عن جَمِيعِ النَباتِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ؛ ويَشُقُّ النَوى عن جَمِيعِ الأشْجارِ الكائِنَةِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الظاهِرُ الَّذِي يُعْطِي العِبْرَةَ التامَّةَ؛ فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَلِيمِ.

وقالَ الضَحّاكُ: "فالِقُ"؛ بِمَعْنى: "خالِقُ"؛ وقالَ السُدِّيُّ: وأبُو مالِكٍ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ النَباتِ الأخْضَرِ؛ والشَجَرِ الأخْضَرِ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ؛ والنَوى اليابِسِ؛ فَكَأنَّهُ جَعَلَ الخُضْرَةَ والنَضارَةَ حَياةً؛ واليُبْسَ مَوْتًا؛ ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ اليابِسِ مِنَ النَباتِ والشَجَرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الإنْسانِ الحَيِّ مِنَ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ؛ وإخْراجِ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ مِنَ الإنْسانِ الحَيِّ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ الحَيَوانِ؛ والطَيْرِ؛ مِنَ البَيْضِ؛ والحُوتِ؛ وجَمِيعِ الحَيَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ؛ وإنَّما تَعَلَّقَ قائِلُو القَوْلِ الأوَّلِ بِتَناسُبِ تَأْوِيلِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَوى﴾ ؛ وهُما عَلى هَذا التَأْوِيلِ الراجِحِ مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ؛ فِيهِما مُعْتَبَرٌ؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلْمَعْنى: يُخْرِجُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ؛ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكُمُ اللهُ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ مُتَضَمِّنٌ التَنْبِيهَ؛ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أيْ: تُصْرَفُونَ؛ وتُصَدُّونَ.

و﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ ؛ أيْ: شاقُّهُ؛ ومُظْهِرُهُ؛ والفَلَقُ: اَلصُّبْحُ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "فالِقُ الأصْباحِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ جَمْعُ "صُبْحٌ"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِحَذْفِ التَنْوِينِ مِن "فالِقُ"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ ونَصْبِ "اَلْإصْباحَ"؛ بِـ "فالِقُ"؛ كَأنَّهُ أرادَ: "فالِقٌ الإصْباحَ"؛ بِتَنْوِينِ القافِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وإنَّما جَوَّزَ سِيبَوَيْهِ مِثْلَ هَذا في الشِعْرِ؛ وأنْشَدَ عَلَيْها:

؎ فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا

وحَكى النَحّاسُ عَنِ المُبَرِّدِ جَوازَ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَلَقَ الإصْباحَ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَجَعَلَ اللَيْلَ"؛ وهَذا لَمّا كانَ "فالِقُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ فَكَأنَّ اللَفْظَ …

Al-An'aam 6:96Listen in Qur'an →
97

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾

هَذِهِ المُخاطَبَةُ تَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ؛ فالحُجَّةُ بِها عَلى الكافِرِينَ قائِمَةٌ؛ والعِبْرَةُ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ مُمْكِنَةٌ مُتَعَرِّضَةٌ؛ و"جَعَلَ"؛ هُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لِدُخُولِها عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ ويُقَدَّرُ المَفْعُولُ الثانِي في "لِتَهْتَدُوا"؛ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ هِدايَةً"؛ و"فِي ظُلُماتِ"؛ هي هَهُنا عَلى حَقِيقَتِها؛ في ظُلْمَةِ اللَيْلِ؛ بِقَرِينَةِ "اَلنُّجُومِ"؛ اَلَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِاللَيْلِ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الظُلُماتُ هُنا الشَدائِدَ؛ في المَواضِعِ الَّتِي يَتَّفِقُ أنْ يُهْتَدى فِيها بِالشَمْسِ.

وذَكَرَ اللهُ تَعالى النُجُومَ في ثَلاثِ مَنافِعَ؛ وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ؛ فالواجِبُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ ما عَدا هَذِهِ الوُجُوهِ مِن قَوْلِ أهْلِ التَأْثِيرِ باطِلٌ؛ واخْتِلاقٌ عَلى اللهِ تَعالى وكُفْرٌ بِهِ.

و"فَصَّلْنا"؛ مَعْناهُ: "بَيَّنّا؛ وقَسَّمْنا"؛ و"اَلْآياتِ": اَلدَّلائِلَ؛ و﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ تَخْصِيصٌ لَهم بِالذِكْرِ؛ وتَنْبِيهٌ مِنهم لِتَحْصِيلِهِمُ الآياتِ المُفَصَّلَةِ المَنصُوبَةِ؛ وغَيْرُهم تَمُرُّ عَلَيْهِمُ الآياتُ وهم مُعْرِضُونَ عنها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْإنْشاءُ: فِعْلُ الشَيْءِ؛ و﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ؛ يُرِيدُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فَمُسْتَقَرُّ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فَمُسْتَقِرٌّ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ؛ وأجْمَعُوا عَلى فَتْحِ الدالِ مِن "مُسْتَوْدَعٌ"؛ بِأنْ يُقَدَّرَ: "مَوْضِعُ اسْتِيداعٍ"؛ وأنْ يُقَدَّرَ أيْضًا مَفْعُولًا؛ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في "مُسْتَقَرٌّ"؛ لِأنَّ "اِسْتَقَرَّ"؛ لا يَتَعَدّى؛ فَيُبْنى مِنهُ مَفْعُولٌ؛ أما إنَّهُ رَوى هارُونُ الأعْوَرُ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "وَمُسْتَوْدِعٌ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ فَمَن قَرَأ: "فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى أنَّها مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ ومَوْضِعُ اسْتِيداعٍ - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَلَكم مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ ومَن قَرَأ: "فَمُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى اسْمِ الفاعِلِ في "مُسْتَقِرٌّ"؛ واسْمِ المَفْعُولِ في "مُسْتَوْدَعٌ" - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ واضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذا الِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: "مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في ظُهُورِ الآباءِ؛ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ تَعالى بِخُرُوجِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَوْنٍ: "مَشَيْتُ إلى مَنزِلِ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ ؛ وهو مَرِيضٌ؛ فَقالُوا: قَدْ تُوُفِّيَ؛ فَأخْبَرَنِي بَعْضُهم أنَّ عَبْدَ الرَحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ سَألَهُ عن "مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ فَقالَ: مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في الصُلْبِ"؛ وقالَ …

Al-An'aam 6:97Listen in Qur'an →
98

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage. We have detailed the signs for a people who understand.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾

هَذِهِ المُخاطَبَةُ تَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ؛ فالحُجَّةُ بِها عَلى الكافِرِينَ قائِمَةٌ؛ والعِبْرَةُ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ مُمْكِنَةٌ مُتَعَرِّضَةٌ؛ و"جَعَلَ"؛ هُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لِدُخُولِها عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ ويُقَدَّرُ المَفْعُولُ الثانِي في "لِتَهْتَدُوا"؛ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ هِدايَةً"؛ و"فِي ظُلُماتِ"؛ هي هَهُنا عَلى حَقِيقَتِها؛ في ظُلْمَةِ اللَيْلِ؛ بِقَرِينَةِ "اَلنُّجُومِ"؛ اَلَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِاللَيْلِ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الظُلُماتُ هُنا الشَدائِدَ؛ في المَواضِعِ الَّتِي يَتَّفِقُ أنْ يُهْتَدى فِيها بِالشَمْسِ.

وذَكَرَ اللهُ تَعالى النُجُومَ في ثَلاثِ مَنافِعَ؛ وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ؛ فالواجِبُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ ما عَدا هَذِهِ الوُجُوهِ مِن قَوْلِ أهْلِ التَأْثِيرِ باطِلٌ؛ واخْتِلاقٌ عَلى اللهِ تَعالى وكُفْرٌ بِهِ.

و"فَصَّلْنا"؛ مَعْناهُ: "بَيَّنّا؛ وقَسَّمْنا"؛ و"اَلْآياتِ": اَلدَّلائِلَ؛ و﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ تَخْصِيصٌ لَهم بِالذِكْرِ؛ وتَنْبِيهٌ مِنهم لِتَحْصِيلِهِمُ الآياتِ المُفَصَّلَةِ المَنصُوبَةِ؛ وغَيْرُهم تَمُرُّ عَلَيْهِمُ الآياتُ وهم مُعْرِضُونَ عنها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْإنْشاءُ: فِعْلُ الشَيْءِ؛ و﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ؛ يُرِيدُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فَمُسْتَقَرُّ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فَمُسْتَقِرٌّ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ؛ وأجْمَعُوا عَلى فَتْحِ الدالِ مِن "مُسْتَوْدَعٌ"؛ بِأنْ يُقَدَّرَ: "مَوْضِعُ اسْتِيداعٍ"؛ وأنْ يُقَدَّرَ أيْضًا مَفْعُولًا؛ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في "مُسْتَقَرٌّ"؛ لِأنَّ "اِسْتَقَرَّ"؛ لا يَتَعَدّى؛ فَيُبْنى مِنهُ مَفْعُولٌ؛ أما إنَّهُ رَوى هارُونُ الأعْوَرُ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "وَمُسْتَوْدِعٌ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ فَمَن قَرَأ: "فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى أنَّها مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ ومَوْضِعُ اسْتِيداعٍ - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَلَكم مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ ومَن قَرَأ: "فَمُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ" - عَلى اسْمِ الفاعِلِ في "مُسْتَقِرٌّ"؛ واسْمِ المَفْعُولِ في "مُسْتَوْدَعٌ" - عَلَّقَها بِمَجْرُورٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ واضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذا الِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: "مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في ظُهُورِ الآباءِ؛ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ تَعالى بِخُرُوجِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَوْنٍ: "مَشَيْتُ إلى مَنزِلِ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ ؛ وهو مَرِيضٌ؛ فَقالُوا: قَدْ تُوُفِّيَ؛ فَأخْبَرَنِي بَعْضُهم أنَّ عَبْدَ الرَحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ سَألَهُ عن "مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ"؛ فَقالَ: مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ؛ ومُسْتَوْدَعٌ في الصُلْبِ"؛ وقالَ …

Al-An'aam 6:98Listen in Qur'an →
99

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَخْلِ مِنَ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِنَ أعْنابٍ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

"اَلسَّماءُ" - في هَذا المَوْضِعِ -: اَلسَّحابُ؛ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ؛ و"ماءٌ"؛ أصْلُهُ "مَوَهٌ"؛ تَحَرَّكَتِ الواوُ؛ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها؛ فَجاءَ "ماهٌ"؛ فَبُدِّلَتِ الهاءُ بِالهَمْزَةِ؛ لِجَلَدِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الألِفَ والهاءَ ضَعِيفانِ؛ مَهْمُوسانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أيْ: مِمّا يَنْبُتُ؛ وحَسُنَ إطْلاقُ العُمُومِ في "كُلِّ شَيْءٍ"؛ لِأنَّ ذِكْرَ النَباتِ قَبْلَهُ قَدْ قَيَّدَ المَقْصِدَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: والمُرادُ بِـ "كُلِّ شَيْءٍ": ما يَنْمُو مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ؛ والنَباتِ؛ والمَعادِنِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَغَذّى؛ ويَنْمُو بِنُزُولِ الماءِ مِنَ السَماءِ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ يَعُودُ عَلى النَباتِ؛ وفي الثانِي يَعُودُ عَلى الخَضِرِ؛ و"خَضِرًا"؛ بِمَعْنى "أخْضَرَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ"؛» بِمَعْنى: "خَضْراءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَأنَّ "خَضِرًا"؛ إنَّما يَأْتِي أبَدًا لِمَعْنى النَضارَةِ؛ ولَيْسَ لِلَّوْنِ فِيهِ مَدْخَلٌ؛ و"أخْضَرُ" إنَّما تَمَكُّنُهُ في اللَوْنِ؛ وهو في النَضارَةِ تَجَوُّزٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ ؛ يَعُمُّ جَمِيعَ السَنابِلِ؛ وما شاكَلَها؛ كالصَنَوْبَرِ؛ والرُمّانِ؛ وغَيْرِهِما مِن جَمِيعِ النَباتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمِنَ النَخْلِ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ونُخْرِجُ مِنَ النَخْلِ؛ و﴿مِن طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ؛ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ "نُخْرِجُ"؛ و"اَلطَّلْعُ": أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ في أكْمامِهِ؛ و"قِنْوانٌ"؛ جَمْعُ "قِنْوٌ"؛ وهو العِذْقُ؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وهي الكِباسَةُ؛ و"اَلْعُرْجُونُ": عُودُهُ الَّذِي يَنْتَظِمُ التَمْرَ.

قَرَأ الأعْرَجُ: "قَنْوانٌ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وقالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَمْعِ؛ غَيْرَ مُكَسَّرٍ؛ لِأنَّ "فَعْلانٌ"؛ لَيْسَ مِن أمْثِلَةِ الجَمْعِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْرَجِ ضَمُّ القافِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ جَمْعُ "قُنْوٌ"؛ بِضَمِّ القافِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةُ قَيْسٍ وأهْلِ الحِجازِ؛ والكَسْرُ أشْهَرُ في العَرَبِ؛ و"قِنْوٌ"؛ يُثَنّى "قَنْوانِ"؛ مُنْصَرِفَةَ النُونِ؛ و"دانِيَةٌ"؛ مَعْناهُ: قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقِيلَ: قَرِيبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجَنّاتٍ"؛ بِنَصْبِ "وَجَنّاتٍ"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "نَباتَ"؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي لَيْلى؛ ورُوِيَتْ عن أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "وَجَنّاتٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "وَلَكم جَنّاتٌ"؛ أو نَحْوِ هَذا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: وهو عُطِفَ عَلى "قِنْوانٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ ضَعِيفٌ.

﴿والزَيْتُونَ والرُمّانَ﴾ ؛ بِالنَصْبِ؛ إجْماعًا؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "حَبًّا"؛ و﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ ؛ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَتَشابَهُ في اللَوْنِ؛ وتَتَبايَنُ في الثَمَرِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: جائِزٌ أنْ تَتَشابَهَ في …

Al-An'aam 6:99Listen in Qur'an →
100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

But they have attributed to Allah partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters. Exalted is He and high above what they describe

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾

"جَعَلُوا"؛ بِمَعْنى: "صَيَّرُوا"؛ و"اَلْجِنَّ"؛ مَفْعُولٌ؛ و"شُرَكاءَ"؛ مَفْعُولٌ ثانٍ مُقَدَّمٌ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "شُرَكاءَ"؛ مَفْعُولًا أوَّلَ؛ و"لِلَّهِ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي؛ و"اَلْجِنَّ"؛ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "شُرَكاءَ"؛﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى العادِلِينَ بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والقائِلِينَ: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ؛ العابِدِينَ لِلْجِنِّ؛ وكانَتْ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ وتَسْتَجِيرُ بِجِنِّ الأودِيَةِ في أسْفارِها؛ ونَحْوِ هَذا.

أمّا الَّذِينَ خَرَقُوا البَنِينَ فاليَهُودُ؛ في ذِكْرِ عُزَيْرٍ؛ والنَصارى؛ في ذِكْرِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأمّا ذاكِرُو البَناتِ فالعَرَبُ الَّذِينَ قالُوا لِلْمَلائِكَةِ: بَناتُ اللهِ تَعالى ؛ فَكَأنَّ الضَمِيرَ في "جَعَلُوا"؛ و"خَرَقُوا"؛ لِجَمِيعِ الكُفّارِ؛ إذْ فَعَلَ بَعْضُهم هَذا؛ وبَعْضُهم هَذا؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "شُرَكاءَ الجِنِّ"؛ بِخَفْضِ النُونِ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ؛ وأبُو حَيْوَةَ "اَلْجِنِّ"؛ و"اَلْجِنُّ"؛ بِالخَفْضِ؛ والرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الجِنُّ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَخَلَقَهُمْ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ عَلى مَعْنى: "وَهُوَ خَلَقَهُمْ"؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهُوَ خَلَقَهُمْ"؛ والضَمِيرُ في "وَخَلَقَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى الجاعِلِينَ؛ ويَحْتَمِلُها عَلى المَجْعُولِينَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَخَلْقَهُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ؛ عَطْفًا عَلى "اَلْجِنَّ"؛ أيْ: "جَعَلُوا خَلْقَهُمُ الَّذِي يَنْحِتُونَهُ أصْنامًا شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى.

وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿ "وَخَرَقُوا"؛﴾ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وهو بِمَعْنى: "اِخْتَلَقُوا وافْتَرَوْا"؛ وقَرَأ نافِعٌ: "وَخَرَّقُوا"؛ بِتَشْدِيدِ الراءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "وَحَرَّفُوا"؛ مِن "اَلتَّحْرِيفُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "حَرَفُوا"؛ خَفِيفَةَ الراءِ؛ وابْنُ عُمَرَ "حَرَّفُوا"؛ مُشَدَّدَةَ الراءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى "بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ نَصٌّ عَلى قُبْحِ تَقَحُّمِهِمُ المَجْهَلَةَ؛ وافْتِرائِهِمُ الباطِلَ عَلى عَمًى؛ "سُبْحانَهُ"؛ أيْ: "تَنَزَّهَ عن وصْفِهِمُ الفاسِدِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ و"بَدِيعُ"؛ بِمَعْنى: "مُبْدِعٌ؛ ومُخْتَرِعٌ؛ وخالِقٌ"؛ فَهو بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ؛ كَما جاءَ "سَمِيعٌ"؛ بِمَعْنى "مُسْمِعٌ"؛ و"أنّى"؛ بِمَعْنى: "كَيْفَ؟"؛ و"مِن أيْنَ؟"؛ فَهي اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَوْقِيفِ والتَقْرِيرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلَمْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ عَلامَةِ الفِعْلِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ بِالياءِ؛ عَلى تَذْكِيرِها؛ وتَذْكِيرُ "كانَ"؛ وأخَواتِها؛ مَعَ تَأْنِيثِ اسْمِها؛ أسْهَلُ مِن ذَلِكَ في سائِرِ الأفْعالِ؛ فَقَوْلُكَ: "كانَ في الدارِ هِنْدٌ"؛ أسْوَغُ مِن: "قامَ في الدارِ هِنْدٌ"؛ وحَسَّنَ القِراءَةَ الفَصْلُ بِالظَرْفِ؛ الَّذِي هو الخَبَرُ؛ ويُتَّجَهُ في …

Al-An'aam 6:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.