Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading I'rab al-Qur'an wa Bayanuh by Muhyi al-Din al-Darwish

Ayahs 91–100 of 165

91

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

الإعراب:

(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) كلام مستأنف مسوق للرّد على اليهود الذين قالوا ما يأتي مما ينسجم مع طبعهم الأصيل في التّعنّت والملاحاة. وما نافية، وقدروا الله فعل وفاعل ومفعوله، وحق قدره مفعول مطلق، والأصل: قدره الحقّ، ثم أضيفت الصّفة إلى الموصوف، يقال: قدر الشيء إذا سبره وحزره ليعرف مقداره ومداه، ثم استعمل في صفة الشّيء (إِذْ قالُوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بقدروا، وجملة قالوا: في محل جر بالإضافة، والقائلون هم اليهود، فلم تكن ثمّة مندوحة عن إلزامهم ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التّوراة على موسى، وأدرج تحت إلزامهم تبويخهم والانحناء عليهم باللائمة، ووصمهم بالغباء المفرط والجهالة الرعناء، وجملة ما أنزل الله في محل نصب مقول القول، ومن حرف جر زائد، وشيء مجرور لفظا مفعول به منصوب محلا، (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرّد عليهم وإسقاطهم في حضيض المذلة. ومن اسم استفهام مبتدأ، وجملة أنزل الكتاب خبر، والذي اسم موصول صفة للكتاب، وجملة جاء به موسى صلة، ونورا منصوب على الحال، وهدى عطف على: نورا وللناس جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لهدى (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً) الجملة حالية من الكتاب، أو من الضمير في به، وتجعلونه فعل وفاعل ومفعول به أول، وقراطيس مفعول به ثان، نزلوه منزلة القراطيس، وقد تقدم القول في القرطاس، وجملة تبدونها في محل نصب صفة ل «قراطيس» ، وجملة وتخفون كثيرا عطف على جملة تبدونها، وكثيرا مفعول به ل «تخفون» (وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) الواو عاطفة، وجملة علمتم عطف على جملة تجعلونه في نطاق الحال، وعلمتم فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به ثاني. وجملة لم تعلموا صلة الموصول، وأنتم تأكيد للفاعل وهو الواو في: «لم تعلموا» ولا الواو حرف عطف، وآباؤكم عطف على قوله «أنتم» . (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لمتابعة الرّدّ عليهم، والله مبتدأ حذف خبره، أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الله أنزله، أو وهو الله، ثم حرف عطف، وذرهم فعل أمر أمات العرب ماضيه، وفي خوضهم جار ومجرور متعلقان بذرهم، أو بيلعبون أو بمحذوف حال، وجملة يلعبون في محل نصب على الحال من مفعول ذرهم.

Al-An'aam 6:91Listen in Qur'an →
92

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

اللغة:

(أُمَّ الْقُرى) سميت مكة أم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا.

وأنشد الزمخشري لبعض المجاورين، ولعله يريد نفسه، فهو من نظمه:

فمن يلق في بعض القريّات رحله ... فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي

الإعراب:

(وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) الواو استئنافية، وهذا اسم اشارة مبتدأ، وكتاب خبره، وجملة أنزلناه في محل رفع صفة أولى ل «كتاب» ، ومبارك صفة ثانية، ومصدق صفة ثالثة، والذي اسم موصول في محل جر بالإضافة، والظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، ويديه مضاف إليه (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها) الواو عاطفة واللام للتعليل، وتنذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان بأنزلناه، أي: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدّمه من الكتب وأم القرى مفعول به ومن عطف على أم القرى، وحولها ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) الواو استئنافية، والذين اسم موصول مبتدأ، وجملة يؤمنون بالآخرة صلة الموصول، وجملة يؤمنون به خبر، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، والذين اسم موصول معطوف على أم القرى، أي: لتنذر أهل أم القرى ولتنذر الذين آمنوا، فتكون جملة يؤمنون الثانية حالا من الموصول، والواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة يحافظون خبر، والجملة نصب على الحال.

البلاغة:

جاء بالصفة الأولى فعلية، وهي جملة أنزلناه، لأن الإنزال يتجدد وقتا بعد وقت، على حد قوله:

وقال رائدهم: أرسو نزاولها ... فحتف كل امرئ يجري بمقدار

ووقعت الصفة الثانية اسما، وكذلك الثالثة، للدّلالة على الثبوت والاستمرار وديمومة البركة.

Al-An'aam 6:92Listen in Qur'an →
93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

اللغة:

(غَمَراتِ الْمَوْتِ) : شدائده وسكراته، والغمرات: جمع غمرة، وهي الشدة الفظيعة، من غمره الماء إذا ستره، وفي المختار: «وقد غمره الماء أي علاه وبابه نصر، والغمرة: الشدة، والجمع غمر، كنوبة ونوب، وغمرات الموت شدائده» . ومن غريب أمر اشتقاق هذه الأحرف الثلاثة- وهي الغين والميم والرّاء- أنك تعقد على تراكيبها معنى واحدا يجمع تلك التراكيب وما تصرّف منها، فلهذه الأحرف ستة تراكيب وهي: غمر وغرم ومرغ ومغر ورغم ورمغ، ويجمعها معنى واحد وهو التغطية والستر والإخفاء وإزالة الأثر.

وفي اجتماع الغين والميم فاء وعينا معنى التغطية تقول: سيف مغمود ومغمد، أي موضوع في غمده، وتغمّده الله برحمته أي: ستره، والغمز معروف، تقول: ما فيه مغمز ولا غميزة أي: أمر مغطّى معاب، وله جارية غمّازة أي: حسنة الغمز للأعضاء، وغمسه في الماء فانغمس واغتمس أي: أخفاه فيه، وغمس النجم غموسا غاب، ومه اليمين الغموس لشدتها، وغمض الأمر: خفي، وكلام غامض: غير واضح، وغمط النعمة: احتقرها ولم يشكرها، وغمّ الشيء إذا غطّاه.

(الْهُونِ) : بضم الهاء: مصدرها هوانا وهونا، أي: ذلّ، والعرب إذا أرادت بالهون معنى الهوان ضمّت الهاء، وإذا أرادت به الرفق والدّعة وخفّة المئونة فتحت الهاء، فقالوا: هو قليل هون المئونة.

الإعراب:

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لذكر بعض المتنبّئين ضلالة، ومن اسم استفهام يفيد معنى النفي، أي: لا أحد، في محل رفع مبتدأ، وأظلم خبره، وممّن جار ومجرور متعلقان بأظلم، وجملة افترى صلة الموصول، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترى، وكذبا يجوز فيه أن يكون مفعولا به لفعل افترى، وأن يكون مصدرا على المعنى، أي افتراء، فيكون مفعولا مطلقا، وأن يكون مفعولا لأجله، وأن يكون مصدرا في موضع الحال (أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) أو حرف عطف، وقال عطف على افترى، وأوحي فعل ماض مبني للمجهول، وإليّ الجار والمجرور في موضع رفع على أنهما نائب فاعل أوحي، والواو حالية. وجملة لم يوح في موضع نصب على الحال من ضمير الفاعل في «قال» ، أو الياء في «إليّ» ، وشيء نائب فاعل ل «يوح» (وَمَنْ قالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ) أو حرف عطف، ومن اسم موصول معطوف على المجرور ب «من» ، أي: ممّن افترى، وجملة سأنزل في محل نصب مقول القول، ومثل: يجوز أن تكون منصوبة على أنها مفعول به، وما اسم موصول في محل جر بالإضافة، وجملة أنزل الله صلة الموصول، ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف، والتقدير سأنزل إنزالا مثل ما أنزل الله، و «ما» على هذا الوجه مصدرية، وجملة أنزل الله لا محل لها لأنها وقعت بعد موصول حرفي (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وترى فعل مضارع شرطه لو، وجواب لو محذوف أي:

لرأيت أمرا عظيما. وقد تقدمت نظائر لذلك. والرؤية بصرية، ومفعولها محذوف، أي: ولو ترى الظالمين إذ هم في غمرات الموت، وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بتري، والظالمون مبتدأ، وفي غمرات الموت جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «الظالمون» ،، والجملة الاسمية في محل جر بالإضافة، والملائكة الواو حالية، والملائكة مبتدأ وباسطو خبر، وأيديهم مضاف اليه وهو مفعول به في المعنى، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في الخبر، وهو في غمرات الموت (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ) جملة أخرجوا أنفسكم منصوبة بقول مضمر، أي: يقولون لهم تعنيفا وتقريعا، وهذا القول في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في اسم الفاعل، وهو باسطو، وأنفسكم مفعول به، واليوم ظرف زمان منصوب متعلق بأخرجوا أو بتجزون، وجملة تجزون مستأنفة، وهو فعل مضارع مبني …

Al-An'aam 6:93Listen in Qur'an →
94

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

اللغة:

(فُرادى) : اختلف علماء اللغة في فرادى: هل هو جمع أم لا! والقائلون بأنه جمع اختلفوا في مفرده، فقال الفراء: فرادى جمع فرد وفريد وفردان، وقال ابن قتيبة: هو جمع فردان كسكران وسكارى وعجلان وعجالى، وقال قوم: هو جمع فريد كرديف وردافى، وأسير وأسارى، قاله الراغب. وقيل: هو اسم جمع لأن فردا لا يجمع على فرادى، وقول من قال: إنه جمع له، فإنما يريد في المعنى، ومعنى فرادى: فردا فردا.

الإعراب:

(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الواو استئنافية، واللام جواب قسم محذوف، وجئتمونا فعل وفاعل ومفعول به، والواو لإشباع ضمة الميم التي هي علامة جمع الذكور وفرادى منصوب على الحال من التاء، أي فاعل جاء، وكما خلقناكم يصح في الكاف ومجرورها- وهو المصدر المؤوّل من ما المصدرية والفعل- أن تكون في محل نصب نعت لمصدر محذوف، أي: مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة، وأن تكون في محل نصب على الحال من فاعل جئتمونا، وأول مرة منصوب على الظرفية الزمانية، والعامل فيه خلقناكم، ومرة في الأصل مصدر لمرّ يمرّ مرّة، ثم اتسع فيها فصارت زمانا (وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ) يجوز في الواو أن تكون استئنافية أو حالية، والجملة إما مستأنفة لا محل لها، أو في محل نصب على الحال من فاعل جئتمونا، بتقدير: قد، وتركتم فعل وفاعل، وترك هنا يجوز أن تتعدى لواحد لأنها بمعنى التخلية لا التصيير، أو بمعنى التصيير فتتعدى لمفعولين، أولهما «ما» الموصولية، والثاني الظرف، فيتعلق بمحذوف أي: وصيّرتم بالترك الذي خوّلناكموه كائنا وراء ظهوركم، وعلى الأول يتعلق الظرف بتركتم (وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) الواو عاطفة، وما نافية، ونرى فعل مضارع مرفوع، ومعكم ظرف مكان متعلق بنرى، وشفعاءكم مفعول به، والذين نعت، وجملة زعمتم صلة الموصول، وأن وما في حيزها سد مسد مفعولي زعم، وأن واسمها، وفيكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لشركاء وقدم عليه، وشركاء خبر أن (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) اللام جواب لقسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وتقطع فعل ماض وفاعله مضمر يعود على الاتصال الذي تدل عليه لفظة «شركاء» ، إذ يفهم منها الوصل، أي: الارتباط والتعلق، والمعنى: لقد تقطع الاتصال بينكم، وقرئ بالرفع، وبينكم فاعل لأنه اسم غير ظرف، وهو من الأضداد يستعمل للوصل والفراق، أي: لقد تقطّع وصلكم. وضل الواو عاطفة، وضل فعل ماض، وعنكم جار ومجرور متعلقان بضل، وما اسم موصول فاعل، وجملة كنتم صلة الموصول، وجملة تزعمون خبر كنتم، ومفعولا تزعمون محذوفان، والتقدير: تزعمونهم شفعاء، وحذفا للدلالة عليهما، على حدّ قول الكميت:

بأي كتاب أم بأية سنّة ... ترى حبهم عارا عليّ وتحسب

أي: وتحسبه عارا.

Al-An'aam 6:94Listen in Qur'an →
95

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

اللغة:

(فالِقُ) اسم فاعل من فلق، أي: شقّ الشيء، وفيده الراغب بإبانة بعضه عن بعض، أي: شاق الحبّ عن النبات، فيشق الجبة فيخرج منها ورق أخضر، ويشقّ النواة اليابسة فيخرج منها شجرة صاعدة في الهواء. والفرق بين الحب والنوى معروف، فالأول كالحنطة والشعير، والثاني كالخوخ والمشمش.

(تُؤْفَكُونَ) : تصرفون، أي: كيف تصرفون عن الإيمان.

(الْإِصْباحِ) بكسر الهمزة: مصدر سمي به الصبح، وقرئ بفتح الهمزة على أنه جمع صبح، قال:

أفنى رياحا وبني رياح ... تناسخ الإمساء والإصباح

وسيأتي المزيد من معناهما في باب البلاغة.

(حُسْباناً) : بضم الحاء مصدر حسب الحساب، وتكسر هاؤه أيضا، والحساب العدّ.

(سَكَناً) السكن: ما يسكن إليه من أهل ومال وغير ذلك، وهو مصدر سكنت إلى الشيء من باب طلب. قال أبو الطيب:

بم التّعلّل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن

الإعراب:

(إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) كلام مستأنف مسوق لذكر الدلائل على كمال قدرته تعالى، وأنه المبدع للأشياء. ومن كان هذا شأنه فهو المستحق للعبادة. وإن واسمها وخبرها، والحب مضاف لفالق، والإضافة غير محضة، على أنه بمعنى الحال أو الاستقبال، فيكون الحب مجرور اللفظ منصوب المحل، ويجوز أن تكون الإضافة محضة على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي، لأن ذلك قد كان. والنوى عطف على الحب، وجملة يخرج الحي يجوز أن تكون مستأنفة، فلا محل لها، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر ثان لإن، ومن الميت جار ومجرور متعلقان بيخرج، ومخرج عطف على فالق، أي: الله فالق ومخرج، ويجوز أن يعطف على يخرج، لممالأة الكلام بعضه لبعض، ولا بد حينئذ من تأويل الفعل بالاسم ليصح عطف الاسم عليه أو بالعكس. ومن الحي جار ومجرور متعلقان بمخرج (ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) الكلام مستأنف مسوق لبيان أن الله هو فاعل ذلك كله، والفاء استئنافية، واسم الاشارة مبتدأ، والله خبره، والفاء استئنافية، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال، وتؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل (فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) فالق الإصباح نعت لله، والإصباح مضاف إليه، وجعل الواو عاطفة، جعل فعل ماض، والليل مفعوله الأول، وسكنا مفعوله الثاني، وفي قراءة ينسبونها إلى الجمهرة:

«جاعل» بجر «الليل» بالإضافة مناسبة لقوله: «فالق الإصباح» ، ولك أن تنصب سكنا على الحال (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً) الواو عاطفة، والشمس عطف على الليل، وحسبانا عطف على سكنا، ولك أن تنصب حسبانا على نزع الخافض، والجار والمجرور في محل نصب على الحال، أي: يجريان بحسبان، وتدل عليه آية الرحمن كما سيأتي (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) الكلام مستأنف، واسم الاشارة مبتدأ، وتقدير خبره، والعزيز مضاف إليه، والعليم صفة.

البلاغة:

انطوت هذه الآية على فنون رائعة من فنون البيان:

1- فن مخالفة الظاهر:

فقد جاءت «يخرج الحي من الميت» بالفعل، وكان الظاهر ورودها بصيغة اسم الفاعل، أسوة بأمثالها من الصفات المذكورة من قوله: «فالق الإصباح» و «مخرج الميت من الحي» ، إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله.

«يخرج الحي من الميت» إرادة لتصوير إخراج الحيّ من الميت كالانسان والطائر من النطفة والبيضة، واستحضاره في ذهن السامع كأنه يشهده بعيان، وقد سبق التمثيل لهذا الفن بقوله: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة» فعدل عن الماضي المطابق لقوله «أنزل» لهذا المعنى. ولا شك في أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة وأدل عليها من عكسه، والنظر أول ما يبدأ فيه كإخراج النطفة والبيضة من الحيوان.

2- فن الاشكال:

وقد تقدمت الاشارة إليه في «آل عمران» ، والإشكال هنا مجيء «مخرج» على خلاف ما جاء عليه أمثاله، ولم يأت …

Al-An'aam 6:95Listen in Qur'an →
96

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

اللغة:

(فالِقُ) اسم فاعل من فلق، أي: شقّ الشيء، وفيده الراغب بإبانة بعضه عن بعض، أي: شاق الحبّ عن النبات، فيشق الجبة فيخرج منها ورق أخضر، ويشقّ النواة اليابسة فيخرج منها شجرة صاعدة في الهواء. والفرق بين الحب والنوى معروف، فالأول كالحنطة والشعير، والثاني كالخوخ والمشمش.

(تُؤْفَكُونَ) : تصرفون، أي: كيف تصرفون عن الإيمان.

(الْإِصْباحِ) بكسر الهمزة: مصدر سمي به الصبح، وقرئ بفتح الهمزة على أنه جمع صبح، قال:

أفنى رياحا وبني رياح ... تناسخ الإمساء والإصباح

وسيأتي المزيد من معناهما في باب البلاغة.

(حُسْباناً) : بضم الحاء مصدر حسب الحساب، وتكسر هاؤه أيضا، والحساب العدّ.

(سَكَناً) السكن: ما يسكن إليه من أهل ومال وغير ذلك، وهو مصدر سكنت إلى الشيء من باب طلب. قال أبو الطيب:

بم التّعلّل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن

الإعراب:

(إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) كلام مستأنف مسوق لذكر الدلائل على كمال قدرته تعالى، وأنه المبدع للأشياء. ومن كان هذا شأنه فهو المستحق للعبادة. وإن واسمها وخبرها، والحب مضاف لفالق، والإضافة غير محضة، على أنه بمعنى الحال أو الاستقبال، فيكون الحب مجرور اللفظ منصوب المحل، ويجوز أن تكون الإضافة محضة على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي، لأن ذلك قد كان. والنوى عطف على الحب، وجملة يخرج الحي يجوز أن تكون مستأنفة، فلا محل لها، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر ثان لإن، ومن الميت جار ومجرور متعلقان بيخرج، ومخرج عطف على فالق، أي: الله فالق ومخرج، ويجوز أن يعطف على يخرج، لممالأة الكلام بعضه لبعض، ولا بد حينئذ من تأويل الفعل بالاسم ليصح عطف الاسم عليه أو بالعكس. ومن الحي جار ومجرور متعلقان بمخرج (ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) الكلام مستأنف مسوق لبيان أن الله هو فاعل ذلك كله، والفاء استئنافية، واسم الاشارة مبتدأ، والله خبره، والفاء استئنافية، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال، وتؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل (فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) فالق الإصباح نعت لله، والإصباح مضاف إليه، وجعل الواو عاطفة، جعل فعل ماض، والليل مفعوله الأول، وسكنا مفعوله الثاني، وفي قراءة ينسبونها إلى الجمهرة:

«جاعل» بجر «الليل» بالإضافة مناسبة لقوله: «فالق الإصباح» ، ولك أن تنصب سكنا على الحال (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً) الواو عاطفة، والشمس عطف على الليل، وحسبانا عطف على سكنا، ولك أن تنصب حسبانا على نزع الخافض، والجار والمجرور في محل نصب على الحال، أي: يجريان بحسبان، وتدل عليه آية الرحمن كما سيأتي (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) الكلام مستأنف، واسم الاشارة مبتدأ، وتقدير خبره، والعزيز مضاف إليه، والعليم صفة.

البلاغة:

انطوت هذه الآية على فنون رائعة من فنون البيان:

1- فن مخالفة الظاهر:

فقد جاءت «يخرج الحي من الميت» بالفعل، وكان الظاهر ورودها بصيغة اسم الفاعل، أسوة بأمثالها من الصفات المذكورة من قوله: «فالق الإصباح» و «مخرج الميت من الحي» ، إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله.

«يخرج الحي من الميت» إرادة لتصوير إخراج الحيّ من الميت كالانسان والطائر من النطفة والبيضة، واستحضاره في ذهن السامع كأنه يشهده بعيان، وقد سبق التمثيل لهذا الفن بقوله: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة» فعدل عن الماضي المطابق لقوله «أنزل» لهذا المعنى. ولا شك في أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة وأدل عليها من عكسه، والنظر أول ما يبدأ فيه كإخراج النطفة والبيضة من الحيوان.

2- فن الاشكال:

وقد تقدمت الاشارة إليه في «آل عمران» ، والإشكال هنا مجيء «مخرج» على خلاف ما جاء عليه أمثاله، ولم يأت …

Al-An'aam 6:96Listen in Qur'an →
97

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

اللغة:

(يَفْقَهُونَ) : مضارع فقه الشيء، بكسر القاف: إذا فهمه ولو أدنى فهم، قاله الهروي في معرض الاستدلال على أن «فقه» أنزل من «علم» . وفي حديث سلمان أنه قال وقد سألته امرأة جاءته: فقهت؟

أي فهمت؟ كالمتعجب من فهم المرأة عنه. وإذا قيل: لا يفقه فلان شيئا، كان أوغل في الذمّ في العرف من قولك: لا يعلم شيئا، وكأن معنى قولك: لا يفقه شيئا، ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك: لا يعلم شيئا، فغايته نفي حصول العلم له، وقد تكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم، وسيأتي سرّ استعمال يفقهون هنا في باب البلاغة.

(مستقر) بفتح القاف، لأنه اسم مكان أو مصدر ميمي بمعنى الاستقرار.

(مُسْتَوْدَعٌ) بفتح الدّال، لأنه اسم مكان من استودع، وسيأتي مزيد من معناهما في باب الإعراب.

الإعراب:

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الواو حرف عطف، وهو مبتدأ، والذي خبره، وجعل هنا بمعنى خلق فتتعدّى لواحد، ولكم جار ومجرور متعلّقان بجعل، والنجوم مفعول به، ولتهتدوا اللام للتعليل والجر، وتهتدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التّعليل، والجار والمجرور متعلقان بجعل أيضا، عن طريق البدلية الاشتمالية، بإعادة العامل، والتقدير: جعل لكم النجوم لاهتدائكم، وفي ظلمات البر والبحر جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: حال كونكم مدلجين في ظلمات الليل بالبر والبحر (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الجملة مستأنفة، مسوقة للتأكيد على وجوب إفراغ الجهد في سبيل التعليم والهداية، والآيات مفعول به، ولقوم جار ومجرور متعلقان بفصلنا، وجملة يعلمون صفة لقوم (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) الواو عاطفة على ما تقدم، وهو مبتدأ، واسم الموصول خبره، وجملة أنشأكم صلة الموصول، ومن نفس جار ومجرور متعلقان بأنشأكم، وواحدة صفة، فمستقر الفاء واقعة في جواب الموصول لما فيه من رائحة الشرط، ومستقر قرئ بفتح القاف، فهو مبتدأ حذف خبره، والتقدير: فلكم مستقر، لأنه اسم مكان أو مصدر ميمي، ومن قرأ بكسر القاف والدال فهما اسم فاعل، والتقدير:

فمنكم مستقر ومستودع (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) تقدم إعرابها، وسيأتي المزيد منها في باب البلاغة.

البلاغة:

التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بما خلق. ومعلوم أن للجهل حالين متغايرين: أولهما جهل لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، وثانيها جهل خارج عن أنفس النظار اي النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية، فاذا تمهد ذلك سهل عليك أن تعرف أن جهل الإنسان بنفسه وبأحواله وعدم النظر فيها والتفكر في تطوراتها أبشع من جهله الأمور الخارجة عنه، كالنجوم والأفلاك ومقادير سيرها، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم خصّ به أسوأ الفريقين، وصار بالتالي تخصيص نفي أعلاها بالعلم بأسوأ الفريقين حالا.

وهذا من دقائق لغتنا العربية، فاحرص عليه.

الفوائد:

وللشوكاني عبارة في «المستقر والمستودع» تروى الغليل قال:

«قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي: بكسر القاف، والباقون بفتحها، وهما مرفوعان على أنها مبتدآن، وخبرهما محذوف، والتقدير: فمنكم مستقر، أو فلكم مستقر، التقدير الأول على القراءة الأولى، والثّانية على الثّانية، أي:

فمنكم مستقر على ظهر الأرض، أو فلكم مستقر على ظهرها، ومنكم مستودع في الرحم أو في باطن الأرض أو في الصلب. وقيل: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب. وقيل: المستقر من خلق. والمستودع من لم يخلق والاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى البعث» .

Al-An'aam 6:97Listen in Qur'an →
98

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage. We have detailed the signs for a people who understand.

اللغة:

(يَفْقَهُونَ) : مضارع فقه الشيء، بكسر القاف: إذا فهمه ولو أدنى فهم، قاله الهروي في معرض الاستدلال على أن «فقه» أنزل من «علم» . وفي حديث سلمان أنه قال وقد سألته امرأة جاءته: فقهت؟

أي فهمت؟ كالمتعجب من فهم المرأة عنه. وإذا قيل: لا يفقه فلان شيئا، كان أوغل في الذمّ في العرف من قولك: لا يعلم شيئا، وكأن معنى قولك: لا يفقه شيئا، ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك: لا يعلم شيئا، فغايته نفي حصول العلم له، وقد تكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم، وسيأتي سرّ استعمال يفقهون هنا في باب البلاغة.

(مستقر) بفتح القاف، لأنه اسم مكان أو مصدر ميمي بمعنى الاستقرار.

(مُسْتَوْدَعٌ) بفتح الدّال، لأنه اسم مكان من استودع، وسيأتي مزيد من معناهما في باب الإعراب.

الإعراب:

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الواو حرف عطف، وهو مبتدأ، والذي خبره، وجعل هنا بمعنى خلق فتتعدّى لواحد، ولكم جار ومجرور متعلّقان بجعل، والنجوم مفعول به، ولتهتدوا اللام للتعليل والجر، وتهتدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التّعليل، والجار والمجرور متعلقان بجعل أيضا، عن طريق البدلية الاشتمالية، بإعادة العامل، والتقدير: جعل لكم النجوم لاهتدائكم، وفي ظلمات البر والبحر جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: حال كونكم مدلجين في ظلمات الليل بالبر والبحر (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الجملة مستأنفة، مسوقة للتأكيد على وجوب إفراغ الجهد في سبيل التعليم والهداية، والآيات مفعول به، ولقوم جار ومجرور متعلقان بفصلنا، وجملة يعلمون صفة لقوم (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) الواو عاطفة على ما تقدم، وهو مبتدأ، واسم الموصول خبره، وجملة أنشأكم صلة الموصول، ومن نفس جار ومجرور متعلقان بأنشأكم، وواحدة صفة، فمستقر الفاء واقعة في جواب الموصول لما فيه من رائحة الشرط، ومستقر قرئ بفتح القاف، فهو مبتدأ حذف خبره، والتقدير: فلكم مستقر، لأنه اسم مكان أو مصدر ميمي، ومن قرأ بكسر القاف والدال فهما اسم فاعل، والتقدير:

فمنكم مستقر ومستودع (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) تقدم إعرابها، وسيأتي المزيد منها في باب البلاغة.

البلاغة:

التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بما خلق. ومعلوم أن للجهل حالين متغايرين: أولهما جهل لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، وثانيها جهل خارج عن أنفس النظار اي النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية، فاذا تمهد ذلك سهل عليك أن تعرف أن جهل الإنسان بنفسه وبأحواله وعدم النظر فيها والتفكر في تطوراتها أبشع من جهله الأمور الخارجة عنه، كالنجوم والأفلاك ومقادير سيرها، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم خصّ به أسوأ الفريقين، وصار بالتالي تخصيص نفي أعلاها بالعلم بأسوأ الفريقين حالا.

وهذا من دقائق لغتنا العربية، فاحرص عليه.

الفوائد:

وللشوكاني عبارة في «المستقر والمستودع» تروى الغليل قال:

«قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي: بكسر القاف، والباقون بفتحها، وهما مرفوعان على أنها مبتدآن، وخبرهما محذوف، والتقدير: فمنكم مستقر، أو فلكم مستقر، التقدير الأول على القراءة الأولى، والثّانية على الثّانية، أي:

فمنكم مستقر على ظهر الأرض، أو فلكم مستقر على ظهرها، ومنكم مستودع في الرحم أو في باطن الأرض أو في الصلب. وقيل: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب. وقيل: المستقر من خلق. والمستودع من لم يخلق والاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى البعث» .

Al-An'aam 6:98Listen in Qur'an →
99

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

اللغة:

(خَضِراً) بكسر الضّاد، صفة مشبهة، يقال: أخضر وخضر كأعور وعور.

(مُتَراكِباً) يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها.

(قِنْوانٌ) جمع تكسير، مفرده قنو كصنو وصنوان. وهذا الجمع يلتبس بالمثنّى في حال الوقف، ويتميز بحركة النّون، فنون المثنى مكسورة دائما، ونون هذا الجمع تتوارد عليها الحركات الثلاث بحسب الإعراب. ويتميّزان أيضا في النسب، فإذا نسبت إلى المثنّى رددته إلى المفرد فقلت: قنويّ، وإذا نسبت إلى الجمع أبقيته على حاله لأنه جمع تكسير، فنقول: قنوانيّ. ويتميزان أيضا بالإضافة، فنون المثنّى تسقط لها بخلاف نون جمع التكسير، فتقول في المثنى: هذان قنواك، وفي الجمع: هذه قنوانك، ويقال مثل هذا في: صنوان، مثنى وجمعا، والقنو بكسر القاف، ويقال: بضمها: العذق، وهو من النخل كالعنقود من العنب.

(دانِيَةٌ) سهلة المتجنى، قريبة للقاطف.

(يَنْعِهِ) مصدر ينع بكسر النون، فهي مكسورة في الماضي مفتوحة في المضارع، أي: نضج واستوى. وقال أبو عبيدة في كتابه مجاز القرآن: إذا فتحت ياؤه هو جمع يانع، كما التجر جمع تاجر، والصّحب جمع صاحب، وقد يجوز في مصدره ينوعا، ومسموع من العرب: وأينعت الثمرة تونع إيناعا. ومن لغة الذين قالوا: ينع قول الشاعر يزيد بن معاوية في نصرانية ترهّبت في دير خرب عند الماطرون، وهو موضع بالشام، قال:

آب هذا الهمّ فاكتنفا ... وأترّ النوم فامتنعا

راعيا للنجم أرقبه ... فإذا ما كوكب طلعا

في قباب عند سكرة ... حولها الزيتون قد ينعا

إلى آخر هذه القصيدة الممتعة.

الإعراب:

(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) الواو عاطفة، والكلام معطوف على ما قبلها لمناسبة أول الكلام آخره وذكر ما يحتاج اليه الناس في معاشهم، وهو مبتدأ، والذي خبره، وجملة أنزل من السماء صلة، وماء مفعول به، والفاء عاطفة، وأخرجنا فعل وفاعل، وبه جار ومجرور متعلّقان بأخرجنا، ونبات كل شيء مفعول به (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً) الفاء: حرف عطف، وأخرجنا فعل وفاعل، ومنه جار ومجرور متعلقان بأخرجنا، وخضرا مفعول به وجملة نخرج صفة ل «خضرا» وعبر بالمضارع مع أن المقام للماضي لاستحضار الصورة القريبة، وقد مرت نظائره في أبواب البلاغة. ومنه جار ومجرور متعلقان بنخرج، وحبا مفعول به، ومتراكبا صفة. (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ) الواو اعتراضية، ومن النّخل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن طلعها بدل من الجار والمجرور قبله بإعادة الجار، والبدل هنا بدل بعض من كل، لأن الطلع أول ما يبدو للعيون منها، وقنوان مبتدأ مؤخر، ودانية صفة لقنوان، والجملة معترضة سيقت للمنّة، لأنه من أعظم أقوات العرب، ولأنه جامع بين اللذة والقوت (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) الواو عاطفة، وجنات عطف على نبات، فهو منصوب، أي: فأخرجنا بالماء النّبات، وجنات، فهو من عطف الخاص على العام، ومن أعناب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وكذلك الزيتون والرمان، واختار الزمخشري أن ينصب الزيتون والرمان على الاختصاص تنويها بهذين الجنسين وتمييزا لهما، ومشتبها حال، والمراد تشابه أوراقهما، وغير متشابه عطف عليه، وقرأ بعضهم «وجنات» بالرفع، وضعفها أبو جعفر الطّبري، والرفع على عطفها على قنوان، أو على أنها مبتدأ خبره محذوف، أي:

وثمّ جنات من أعناب، وقدره أبو البقاء ومن الكرم جنات (انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم مقدم، وانظروا فعل أمر والواو فاعل، وإلى ثمره جار ومجرور متعلقان بانظروا، وإذا ظرف مستقل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو انظروا وجملة أثمر في محل جر بالإضافة، وينعه عطف على ثمره (إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الكلام مستأنف مسوق …

Al-An'aam 6:99Listen in Qur'an →
100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

But they have attributed to Allah partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters. Exalted is He and high above what they describe

اللغة:

(وَخَرَقُوا) : اختلقوا، يقال: خلق الإفك وخرقه، واختلقه وافتراه وافتعله، بمعنى كذب، وهو من باب ضرب.

(بَدِيعُ) وردت كلمة بديع في القرآن مرتين، الأولى في البقرة، في قوله: «بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون» ، والثانية في هذه الآية، ومعنى بديع في الآيتين منشئهما ومبدعهما على غير مثال سابق، ولهذه المادة معان كثيرة تنتهي إلى أمرين اثنين:

1- الجدّة الّتي يدلّ عليها إنشاء الشيء ابتداء وعلى غير مثال سابق.

2- البراعة والغرابة التي يدلّ عليها العجيب، قال عمر بن أبي ربيعة:

فأتتها فأخبرتها بعذري ... ثم قالت: أتيت أمرا بديعا

الإعراب:

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ) كلام مستأنف مسوق في بيان موقفهم من خالقهم، بعد أن بين المنن المسبغة عليهم، وكيف خالفوا ما يقتضيه العقل السّليم. وجعلوا فعل وفاعل، ولله: جار ومجرور متعلقان بشركاء أو حال منه، وشركاء مفعول جعلوا الثاني، وقدمه لاستعظام أن يتخذ لله شريك، والجن هو المفعول الأول. (وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الواو حالية، ولا بد من تقدير قد بعدها وخرقوا الواو حرف عطف، وخرقوا فعل وفاعل، وله جار ومجرور متعلقان بخرقوا، وبنين مفعول به، وبنات عطف على بنين، وبغير علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل خرقوا، أي: افتعلوا الكذب مصاحبين للجهل وهو عدم العلم، والجملة عطف على جملة وخلقهم (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) سبحانه: مفعول مطلق لفعل محذوف، أي تنزه تنزيها، وتعالى عطف على الفعل المقدر العامل في سبحانه، وعما جار ومجرور متعلقان بتعالى، وجملة يصفون صلة الموصول، والجملة التنزيهية مستأنفة (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان استحالة ما ينسونه إليه، وتقرير تنزيهه عنه، وبديع السموات والأرض خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو بديع، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف أو من أين، في محل نصب حال، ويكون فعل مضارع ناقص، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم، وولد اسمها المؤخر وجملة أنى يكون له ولد استئنافية (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الواو عاطفة، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ولكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكن المقدم، وصاحبة اسمها المؤخر، وخلق كل شيء: هذه الجملة إما مستأنفة أو حالية، وعلى الإعراب الأخير يكون المعنى: كيف ومن أين يكون له ولد والحال أنه خلق جميع الأشياء ومن جملتها ما سموه ولدا له، فكيف يدور بخلد أحد أن يكون المولود ولدا لخالقه؟

وهو: الواو عاطفة أو حالية، وهو مبتدأ، وبكل شيء جار ومجرور متعلقان بعليم، وعليم خبر «هو» .

Al-An'aam 6:100Listen in Qur'an →

Commentary: I'rab al-Qur'an wa Bayanuh by Muhyi al-Din al-Darwish. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.