Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 81–90 of 165

81

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allah that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ بِالطَّرِيقِ الإلْزامِيِّ كَما سَيَأْتِي، بَعْدَ نَفْيِهِ عَنْهُ بِسَبَبِ الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ...﴾ الآيَةَ؛ لا لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ مَعَ وُقُوعِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ...﴾ إلَخْ، وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَوْفِ مِنَ المُبالَغَةِ، ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أأخافُ لِما أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وكَيْفِيَّةٍ مِنَ الكَيْفِيّاتِ قَطْعًا ؟ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِهِ وكَيْفِيّاتُهُ، فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ " أخافُ " بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، والواوُ كافِيَةٌ في الرَّبْطِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ إلى ذِي الحالِ، وهو مُقَرِّرٌ لِإنْكارِ الخَوْفِ ونَفْيِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُفِيدٌ لِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ، فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَخافُوا في مَحِلِّ الخَوْفِ؛ فَلِأنْ لا يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحِلِّ الأمْنِ أوْلى وأحْرى؛ أيْ: وكَيْفَ أخافُ أنا ما لَيْسَ في حَيِّزِ الخَوْفِ أصْلًا، وأنْتُمْ لا تَخافُونَ غائِلَةَ ما هو أعْظَمُ المَخُوفاتِ وأهْوَلُها، وهو إشْراكُكم بِاللَّهِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ما هو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ ؟

وَإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِإشْراكِهِ.

﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لا يُعَوَّلُ فِيها إلّا عَلى الحُجَّةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وفي تَعْلِيقِ الخَوْفِ الثّانِي بِإشْراكِهِمْ مِنَ المُبالَغَةِ ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ ما لا يَخْفى.

هَذا، وأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿وَلا تَخافُونَ﴾ ... " إلَخْ، مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿أخافُ﴾ " داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا لِإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى قَطْعًا، كَيْفَ لا وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى النَّفْيِ بِالكُلِّيَّةِ، فَيَؤُولُ المَعْنى إلى نَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَفْيِ نَفْيِهِ عَنْهم، وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وحَمْلُ الإنْكارِ في الأوَّلِ عَلى مَعْنى نَفْيِ الوُقُوعِ، وفي الثّانِي عَلى اسْتِبْعادِ الواقِعِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ ناطِقٌ بِبُطْلانِهِ حَتْمًا، فَإنَّهُ كَلامٌ مُرَتَّبٌ عَلى إنْكارِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَحِلِّ الأمْنِ، مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ خَوْفِهِمْ في مَحِلِّ الخَوْفِ، مَسُوقٌ لِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ، وبِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هم عَلَيْهِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُشْعِرَةِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ في الجُمْلَةِ، لِاسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ والِاعْتِسافِ بِسَوْقِ الكَلامِ عَلى سَنَنِ الإنْصافِ.

والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ: الفَرِيقِ الآمِنِ في مَحِلِّ الأمْنِ، والفَرِيقِ الآمِنِ في مَحِلِّ الخَوْفِ؛ …

Al-An'aam 6:81Listen in Qur'an →
82

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ

They who believe and do not mix their belief with injustice - those will have security, and they are [rightly] guided.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلْجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ؛ أيِ: الفَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا.

﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ﴾ ذَلِكَ؛ أيْ: لَمْ يَخْلِطُوهُ.

﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أيْ: بِشِرْكٍ، كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ، حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مِن تَتِمّاتِ إيمانِهِمْ وأحْكامِهِ، لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ، كَما قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وهَذا مَعْنى الخَلْطِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وفي الإشارَةِ إلَيْهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِما ذُكِرَ إيذانٌ بِأنَّهم تَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ، وقَعَتْ خَبَرًا لِأُولَئِكَ، وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ.

وَ" ﴿الأمْنُ﴾ " فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ﴿لَهُمُ﴾ " خَبَرًا مُقَدَّمًا و" الأمْنُ " مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ﴿أُولَئِكَ﴾ " مُبْتَدَأً ثانِيًا، و" ﴿لَهُمُ﴾ " خَبَرُهُ، و" ﴿الأمْنُ﴾ " فاعِلًا لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ الشِّرْكِ لَهُمُ الأمْنُ فَقَطْ.

﴿وَهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ومَن عَداهم في ضَلالٍ مُبِينٍ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " لَيْسَ ما تَظُنُّونَ، إنَّما هو ما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " .

وَلَيْسَ الإيمانُ بِهِ أنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ويَخْلِطَ بِهَذا التَّصْدِيقِ الإشْراكَ بِهِ، ولَيْسَ مِن قَضِيَّةِ الخَلْطِ بَقاءُ الأصْلِ بَعْدَ الخَلْطِ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ: المَعْصِيَةُ الَّتِي تُفَسِّقُ صاحِبَها، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ الجَوابِ عَنْ حالَةِ الفَرِيقَيْنِ.

Al-An'aam 6:82Listen in Qur'an →
83

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

﴿وَتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ " .

وَقِيلَ: مِن قَوْلِهِ: " ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿مُهْتَدُونَ﴾ "، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ والإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ وسُمُوِّ مَنزِلَتِهِ فِي الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُجَّتُنا﴾ خَبَرُهُ، وفي إضافَتِها إلى نُونِ العَظَمَةِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن " حُجَّتُنا "، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو الخَبَرُ، و" حُجَّتُنا " بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِلْمُبْتَدَأِ، و" ﴿إبْراهِيمَ﴾ " مَفْعُولٌ أوَّلُ لِآتَيْنا، قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي لِكَوْنِهِ ضَمِيرًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحُجَّتُنا إنْ جُعِلَ خَبَرًا لِتِلْكَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلًا؛ أيْ: آتَيْنا إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: " آتَيْنا " .

﴿نَرْفَعُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وكَذا الفِعْلُ الآتِي.

﴿دَرَجاتٍ﴾؛ أيْ: رُتَبًا عَظِيمَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوِ الظَّرْفِيَّةِ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: إلى دَرَجاتٍ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَفْعُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن نَشاءُ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن نَشاءُ، رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، جارِيَةٌ فِيما بَيْنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَقُرِئَ بِالإضافَةِ إلى مَن، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ آتَيْنا؛ أيْ: حالَ كَوْنِنا رافِعِينَ ... إلَخْ.

﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ ما فَعَلَ مِن رَفْعٍ وخَفْضٍ.

﴿عَلِيمٌ﴾ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ، واسْتِعْدادِهِ لَهُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةً، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وفي وضْعِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْضِعَ نُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ في تَضاعِيفِ بَيانِ أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إظْهارٌ لِمَزِيدِ لُطْفٍ وعِنايَةٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

Al-An'aam 6:83Listen in Qur'an →
84

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And We gave to Abraham, Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ ... " إلَخْ؛ فَإنَّ عَطْفَ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ عَلى الأُخْرى، مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، ولا مَساغَ لِعَطْفِهِ عَلى آتَيْناها؛ لِأنَّ لَهُ مَحَلًّا مِنَ الإعْرابِ نَصْبًا ورَفْعًا حَسْبَما بُيِّنَ مِن قَبْلُ، فَلَوْ عُطِفَ هَذا عَلَيْهِ لَكانَ في حُكْمِهِ مِنَ الحالِيَّةِ والخَبَرِيَّةِ المُسْتَدْعِيَتَيْنِ لِلرّابِطِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ هَهُنا.

﴿كُلا﴾ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلْقَصْرِ، لَكِنْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِما مُطْلَقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما؛ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.

﴿هَدَيْنا﴾ لا أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المُهْدى إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي أُوتِيَ إبْراهِيمُ وأنَّهُما مُقْتَدِيانِ بِهِ.

﴿وَنُوحًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ.

﴿هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ شَرَفَ الوالِدِ سارٍ إلى الوَلَدِ.

﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ؛ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ شُئُونِهِ العَظِيمَةِ مِن إيتاءِ الحُجَّةِ، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، وهِبَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ، وإبْقاءِ هَذِهِ الكَرامَةِ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كُلُّ ذَلِكَ لِإلْزامِ مَن يَنْتَمِي إلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ.

وَقِيلَ: لِنُوحٍ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ الضَّمِيرُ لَهُ لاخْتُصَّ بِالمَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وأمّا المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ فَعَطْفٌ عَلى نُوحًا.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ كُلَّهم مُضافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ مِنهم مَن لَمْ يَلْحَقْهُ بِوِلادَةٍ مِن قِبَلِ أُمٍّ ولا أبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تَجْعَلُ العَمَّ أبًا، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾، مَعَ إنَّ إسْمَعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ.

﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ مَنصُوبانِ بِمُضْمَرٍ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِما، وبِهِ يَتَعَلَّقُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ في الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ مَعَ ما في المَفاعِيلِ مِن نَوْعِ طُولٍ، رُبَّما يُخِلُّ تَأْخِيرُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ أيْ: وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ.

﴿وَأيُّوبَ﴾ هو ابْنُ أمُوصَ مِنَ أسْباطِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ.

﴿وَيُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَذْكُورِينَ؛ أيْ: وهَدَيْناهم حالَ كَوْنِهِمْ مِن ذُرِّيَّتِهِ.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن جَزاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.

وَأصْلُ التَّقْدِيرِ: ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ جَزاءً مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ: الجِنْسُ، وبِمُماثَلَةِ جَزائِهِمْ لِجَزائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُطْلَقُ المُشابَهَةِ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، والمُكافَأةِ بَيْنَ الأعْمالِ والأجْزِيَةِ مِن غَيْرِ بَخْسٍ، لا المُماثَلَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ، ضَرُورَةَ أنَّ الجَزاءَ بِكَثْرَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ مِمّا اخْتَصَّ بِهِ …

Al-An'aam 6:84Listen in Qur'an →
85

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

﴿وَزَكَرِيّا﴾ هو ابْنُ آذَنَ، ﴿وَيَحْيى﴾ ابْنُهُ.

﴿وَعِيسى﴾ هو ابْنُ مَرْيَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ تَتَناوَلُ أوْلادَ البَناتِ.

﴿وَإلْياسَ﴾ قِيلَ: هو إدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ، فَيَكُونُ البَيانُ مَخْصُوصًا بِمَن في الآيَةِ الأُولى، وقِيلَ: هو مِن أسْباطِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ.

﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَنْبَغِي، والتَّحَرُّزِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالصَّلاحِ.

Al-An'aam 6:85Listen in Qur'an →
86

وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

﴿وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هو ابْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وقُرِئَ: ( واللَّيْسَعَ ) وهو عَلى القِراءَتَيْنِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ ولا اشْتِقاقَ لَهُ، ويُقالُ: إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. وقِيلَ: إنَّهُ مَنقُولٌ مِن مُضارِعِ وسِعَ، واللّامُ كَما في يَزِيدَ في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ أرَأيْتَ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبارَكًا ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهْ

﴿وَيُونُسَ﴾ هُوَ ابْنُ مَتّى، ولُوطًا هو ابْنُ هارانَ بْنِ أخِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَكُلا﴾؛ أيْ: وكُلَّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، ﴿فَضَّلْنا﴾ بِالنُّبُوَّةِ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ.

﴿عَلى العالَمِينَ﴾ عَلى عالَمِي عَصْرِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ كَأُخْتِها.

Al-An'aam 6:86Listen in Qur'an →
87

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى " كُلًّا " ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: وفَضَّلْنا بَعْضَ آبائِهِمْ ... إلَخْ.

﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى فَضَّلْنا؛ أيِ: اصْطَفَيْناهم.

﴿وَهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ ما هُدُوا إلَيْهِ.

Al-An'aam 6:87Listen in Qur'an →
88

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is the guidance of Allah by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allah, then worthless for them would be whatever they were doing.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَصادِرِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: إلى ما دانُوا بِهِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا.

﴿هُدى اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ.

﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِلْهِدايَةِ والإرْشادِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالهِدايَةِ.

﴿وَلَوْ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ.

﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقاتِهِمْ.

﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ المَرْضِيَّةِ الصّالِحَةِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم، وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهم.

Al-An'aam 6:88Listen in Qur'an →
89

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَٰفِرِينَ

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if the disbelievers deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ، والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ، وغَيْرِها مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الثّابِتَةِ لَهم، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ المُتَحَقِّقِ في ضِمْنِ؛ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، والمُرادُ بِإيتائِهِ: التَّفْهِيمُ التّامُّ بِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ، والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً، أوْ بِالإيراثِ بَقاءً، فَإنَّ المَذْكُورِينَ لَمْ يُنْزَلْ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابٌ مُعَيَّنٌ.

"الحُكْمَ"؛ أيِ: الحِكْمَةَ، أوْ فَصْلَ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ والصَّوابُ.

﴿والنُّبُوَّةَ﴾؛ أيِ: الرِّسالَةَ.

﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾؛ أيْ: بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِالنُّبُوَّةِ الجامِعَةِ لِلْباقِينَ.

﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: كَفّارُ قُرَيْشٍ، فَإنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القرآن، كافِرُونَ بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.

﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾؛ أيْ: أمَرْنا بِمُراعاتِها ووَفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها والقِيامِ بِحُقُوقِها.

﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تُفِيدُ دَوامَ الثُّبُوتِ، كَذَلِكَ السَّلْبِيَّةُ تُفِيدُ دَوامَ النَّفْيِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، لا نَفْيَ الدَّوامِ كَما حُقِّقَ في مَقامِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأنْصارُ وأهْلُ المَدِينَةِ. وقِيلَ: أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ مِن بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: الفُرْسُ؛ فَإنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ بِالأنْبِياءِ، وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ إلَيْهِمْ، عامِلُونَ بِما فِيها مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ، وفُرُوعِها الباقِيَةِ في شَرِيعَتِنا، وبِهِ يَتَحَقَّقُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّوْكِيلِ، دُونَ المَنسُوخَةِ مِنها، فَإنَّها بِانْتِساخِها خارِجَةٌ عَنْ كَوْنِها مِن أحْكامِها، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المائِدَةِ.

وَقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ؛ فالمُرادُ بِالتَّوْكِيلِ: الأمْرُ بِما هو أعَمُّ مِن إجْراءِ أحْكامِها، كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ كِتابِهِمْ، ومِنِ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ سائِرِ الكُتُبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القرآن الكَرِيمُ.

وَقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ فالتَّوْكِيلُ هو الأمْرُ بِإنْزالِها وحِفْظِها واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها، وأيًّا ما كانَ فَتَنْكِيرُ قَوْمًا لِلتَّفْخِيمِ، والباءُ الأُولى صِلَةٌ لِكافِرِينَ، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، والثّانِيَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وأمّا تَقْدِيمُ صِلَةِ وكَّلْنا عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ، فَلِما ذُكِرَ آنِفًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ طُولٍ رُبَّما يُؤَدِّي تَقْدِيمُهُ إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أوْ إلى الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ …

Al-An'aam 6:89Listen in Qur'an →
90

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَٰلَمِينَ

Those are the ones whom Allah has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for this message no payment. It is not but a reminder for the worlds."

كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلى الحَقِّ والنَّهْجِ المُسْتَقِيمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ.

﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾؛ أيْ: فاخْتَصَّ هُداهم بِالِاقْتِداءِ ولا تَقْتَدِ بِغَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِهُداهم: طَرِيقَتُهم في الإيمان باللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ القابِلَةِ لِلنَّسْخِ، فَإنَّها بَعْدَ النَّسْخِ لا تَبْقى هُدًى.

والهاءُ في " اقْتَدِهْ " لِلْوَقْفِ، حَقُّها أنْ تَسْقُطَ في الدَّرْجِ، واسْتُحْسِنَ إثْباتُها فِيهِ أيْضًا إجْراءً لَهُ مُجْرى الوَقْفِ واقْتِداءً بِالإمامِ، وقُرِئَ بِإشْباعِها عَلى أنَّها كِنايَةُ المَصْدَرِ.

﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى القرآن، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما.

﴿أجْرًا﴾ مِن جِهَتِكم كَما لَمْ يَسْألْهُ مَن قَبْلِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيهِ.

﴿إنْ هُوَ﴾؛ أيْ: ما القرآن.

﴿إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم كافَّةً مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، فَلا يَخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ.

Al-An'aam 6:90Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.