وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allah that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?
قد تقدَّم الكلامُ على «كيف» في أوَّل البقرة [آية 28] ، و «ما» يجوز فيها ثلاثة أوجهٍ، في حيِّز التَّعْجُّبِ والإنكار، وأن تكون حاليةً، أي: وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين إشراككم، ولا بُدَّ من إضْمَارِ مبتدأ قبل المضراع المنفي ب «لا» لما تقدَّم غير مرَّةٍ، أيك كيف أخاف الذي تشركون، أو عاقبة إشارككم حال كونكم آمنين من مَكْرِ اللَّهِ الذي أشركتم به غيره، وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رَابِطٌ يعود على ذِي الحالِ لا يَضُرُّ ذلك، لأن الواو بنفسها رابطة.
وانظر إلى حُسْنِ هذا النَّظْمِ السَّويِّن حيث جعل متعلّق الخَوْفِ الواقع منه الأصنام، ومتعلق الخوف الواقع منهم إشاركهم باللَّهِ غيره تَرْكاً لأن يعادل الباري - تعالى - لأصنامهم لو أبْرَزَ التركيب على هذا، فقال: «ولا تخافون اللَّه» مُقَابَلَةً لقوله: «وكيف أخافُ معبوداتكم» . وأتى ب «ما» في قوله: «ما أشركتم» وفي قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ إلاَّ أنهم غير عقلاء؛ إذ هي جماد وأحْجَارٌ وخشبٌ كانوا يَنْحِتُونَهَا ويعبدونها.
وقوله: «مَا لَمْ يُنَزَّلْ» مفعول لت «أشركتكم» ، وهي موصولة اسميَّة أو نكرة، ولا تكون مَصْدريَّةً لفساد المعنى، و «به» و «عليكم» ، متعلقان ب «يُنَزِّلْ» ويجوز في «عَلَيْكُمْ» وجه آخر، وهو أن يكون حالاً، من «سًلْطَاناً» ؛ لأنَّهُ تَأخَّر عنه لجاز أن يكون صِفَةً.
وقرا الجمهور: «سُلْطَاناً» ساكن اللام حيث وقع، وقُرِئَ بِضَمِّهَا، وهل هي لغة مُسْتَقِلَّةٌ، فيثبت فيها بناء فعل بضم الفاء والعين، أو هي إتباع حركةٍ لأخرى.
ومعنى الآية: وكيف أخَافُ الأصنام التي لا قُدْرَةَ لها على النَّفْعِ والضُّرِّ ولا تُبْصرُ ولا تَسْمَعُن وأنتم لا تخافون من الشِّرْكِ الذي هو أعظم الذنوب، وليس لكن حُجَّةٌ على ذلك.
وقوله: ﴿فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن﴾
أي: ما لكم تنكرون عَلَيَّ الأمْنَ في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمْنَ في موضع الخوفِ فقال: «فَأيُّ الفريقَيْنِ أحَقُّ» ولم يَقُل: «فايُّنَا أحَقُّ نَحْنُ أم أنتم» إلزاماً لِخَصْمِهِ بما يدَّعيهِ عليهن وأحترازاً من تَزْكِيَة نفسه، فعدل عنه إلى قوله: «فايُّ الفَريقَيْنِ أحَقُّ بالأمْنِ» ، يعني: فريق المشركين أم الموحدين؟ وهذا بخلاف قول الآخر: [الكامل]
2227 - فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعلَمَنْ ... أيِّي أيُّكَ فَارِسُ الأحْزَابِ
فَلِلِّهِ فَصَاحَة القُرْآن وآدابه.
وقوله: «إنْ كُنْتُمْ» جوابه محذوف، أي: فأخبروني، ومعلّق العلم محذوف، ويجوز ألاَّ يُرَادَ له مفعول؛ أي: إن كنتم من ذوي العلم.
قوله: «الَّذِينَ آمَنُوا» هل هو من كلام إبراهيم، أو من كلامه قومه، أو من كلام اللَّهِ تعالى؟ ثلاثة أقوالٍ، وعلهيا يَتَرتَّبُ الإعرابُ.
فإن قلنا: إنها من كلام إبراهيم كانت جواباً عن السؤال في قوله «فأيُّ الفَريقَيْنِ» .
وكذا إن قلنا: إنها كلام قومه، وأنهم أجابوا بما هو حُجَّة عليهم كأن الموصول خب مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين آمنا، وإن جعلناه من كلام اللَّهِ تعالى، وأنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بأن يجيب به السُّؤال المتقدم، فكذلك أيضاً.
وإن جعلناه لِمُجَرَّدِ الإخبار من الباري - تعالى - كان الموصول مبتدأ، وفي خبره أوجه:
أحدهما: أنه الجملة بعده، فإن «أولئك» ، و «أولئك» مبتدأ ثانٍ، و «الأمن» مبتدأ ثالث، و «لهم» خبره، والجملةُ خَبَرُ «أولئك» ، و «أولئك» وخبره خبر الأوَّلِ.
الثاني: أن يكون «أولئك» بَدَلاً أو عطف بَيَان، و «لهم» خبر الموصول، و «الأمن فاعلٌ به لاعتماده.
الثالث: كذلك، إلا أنَّ» لهم «خبرٌ مقدَّم، و» الأمن «مبتدأ مؤخر، والجُمْلَةُ خبر الموصُول.
الرابع: أن يكون» أولئك «مبتدأ ثانياً، و» لهم» خبره، و «الأمن» فاعل به، والجملةُ خبر الموصول.
الخامس: وإليه ذهب أبو جَعْفَرٍ النحاسُ، والحوفي أن» لهم الأمن «خبر …