ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَن لَهُ الأمْنُ، جَوابًا عَمّا اسْتَفْهَمَ عَنْهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾
﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِشِرْكٍ، كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مِن تَتِمّاتِ إيمانِكم وأحْكامِهِ، لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ، كَما قالُوا: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. وهَذا مَعْنى اللَّبْسِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - وسَيَأْتِي زِيادَةٌ لِذَلِكَ.
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ، ومِن عَداهم في ضَلالٍ.
رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ قالَ أصْحابُهُ: وأيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» . - هَذا لَفْظُ رِوايَةِ البُخارِيِّ -.
ولَفْظُ رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَأيُّنا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: «إنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، ألَمْ تَسْمَعُوا ما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ إنَّما هو الشِّرْكُ»» .
أقُولُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ تُوَضِّحُ رِوايَةَ البُخارِيِّ السّابِقَةَ - أعْنِي: قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَنَزَلَتْ: إنَّ الشِّرْكَ .. إلَخْ - مِن جِهَةِ أنَّ النُّزُولَ أُرِيدَ بِهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ، لا سَبَبُ نُزُولِها، وهو اصْطِلاحٌ لِلصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ دَقِيقٌ، يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ. وقَدْ أشَرْنا لَهُ في المُقَدِّمَةِ. فَجَدِّدْ بِهِ عَهْدًا.
ولِابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: «ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ قالَ: «بِشِرْكٍ»» .
قالَ: ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والنَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وغَيْرِ واحِدٍ نَحْوَ ذَلِكَ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وبِالجُمْلَةِ، فَلا يُعْلَمُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ في تَفْسِيرِ (الظُّلْمِ) هُنا بِالشِّرْكِ، وُقُوفًا مَعَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ، المُبَيِّنِ لِلنَّظائِرِ القُرْآنِيَّةِ المُوَضِّحِ بَعْضُها لِما أُبْهِمَ في بَعْضٍ. وتَعَرُّفُ تِلْكَ القاعِدَةِ مِن مِثْلِ هَذا الحَدِيثِ يَكْشِفُ غُمَّةَ أوْهامٍ كَثِيرَةٍ. ولَوْ قِيلَ: لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] أنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لا يَكُونُ ظُلْمًا، يُجابُ: بِأنَّ التَّنْوِينَ في (بِظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ عَظِيمٍ. ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ عُلِمَ أنَّ المُرادَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ، أوْ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ المُطْلَقِ أكْمَلُ أفْرادِهِ. كَذا في "العِنايَةِ".
قالَ الرّازِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ، أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما ورَدَتْ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ، ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الطّاعاتِ …