Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 81–90 of 165

81

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allah that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨١] ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ أيْ: مَعْبُوداتِكُمْ، وهي مَأْمُونَةُ الخَوْفِ ﴿ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِإشْراكِهِ: ﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً. إذِ الإشْراكُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ. والمَعْنى: وما لَكم تُنْكِرُونَ عَلَيَّ الأمْنَ في مَوْضِعِ الأمْنِ، ولا تُنْكِرُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الأمْنَ في مَوْضِعِ أعْظَمِ المَخُوفاتِ وأهْوَلِها: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيْ: فَرِيقَيِ المُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ أيْ: مِن لُحُوقِ الضَّرَرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما يَحِقُّ أنْ يُخافَ مِنهُ. أوْ مَن أحَقُّ بِالأمْنِ أوْ مِن أُولِي العِلْمِ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ. أيْ: فَأخْبِرُونِي.

Al-An'aam 6:81Listen in Qur'an →
82

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ

They who believe and do not mix their belief with injustice - those will have security, and they are [rightly] guided.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَن لَهُ الأمْنُ، جَوابًا عَمّا اسْتَفْهَمَ عَنْهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾

﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِشِرْكٍ، كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مِن تَتِمّاتِ إيمانِكم وأحْكامِهِ، لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ، كَما قالُوا: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. وهَذا مَعْنى اللَّبْسِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - وسَيَأْتِي زِيادَةٌ لِذَلِكَ.

﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ، ومِن عَداهم في ضَلالٍ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ قالَ أصْحابُهُ: وأيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» . - هَذا لَفْظُ رِوايَةِ البُخارِيِّ -.

ولَفْظُ رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَأيُّنا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: «إنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، ألَمْ تَسْمَعُوا ما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ إنَّما هو الشِّرْكُ»» .

أقُولُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ تُوَضِّحُ رِوايَةَ البُخارِيِّ السّابِقَةَ - أعْنِي: قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَنَزَلَتْ: إنَّ الشِّرْكَ .. إلَخْ - مِن جِهَةِ أنَّ النُّزُولَ أُرِيدَ بِهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ، لا سَبَبُ نُزُولِها، وهو اصْطِلاحٌ لِلصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ دَقِيقٌ، يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ. وقَدْ أشَرْنا لَهُ في المُقَدِّمَةِ. فَجَدِّدْ بِهِ عَهْدًا.

ولِابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: «ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ قالَ: «بِشِرْكٍ»» .

قالَ: ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والنَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وغَيْرِ واحِدٍ نَحْوَ ذَلِكَ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وبِالجُمْلَةِ، فَلا يُعْلَمُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ في تَفْسِيرِ (الظُّلْمِ) هُنا بِالشِّرْكِ، وُقُوفًا مَعَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ، المُبَيِّنِ لِلنَّظائِرِ القُرْآنِيَّةِ المُوَضِّحِ بَعْضُها لِما أُبْهِمَ في بَعْضٍ. وتَعَرُّفُ تِلْكَ القاعِدَةِ مِن مِثْلِ هَذا الحَدِيثِ يَكْشِفُ غُمَّةَ أوْهامٍ كَثِيرَةٍ. ولَوْ قِيلَ: لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] أنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لا يَكُونُ ظُلْمًا، يُجابُ: بِأنَّ التَّنْوِينَ في (بِظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ عَظِيمٍ. ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ عُلِمَ أنَّ المُرادَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ، أوْ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ المُطْلَقِ أكْمَلُ أفْرادِهِ. كَذا في "العِنايَةِ".

قالَ الرّازِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ، أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما ورَدَتْ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ، ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الطّاعاتِ …

Al-An'aam 6:82Listen in Qur'an →
83

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣] ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ المُشارُ إلَيْها في قَوْلِهِ: أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إلى هاهُنا: ﴿حُجَّتُنا﴾ أيْ: لا يُمْكِنُ نَقْضُها: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ: أرْشَدْناهُ إلَيْها، وعَلَّمْناهُ إيّاها، بِلا واسِطَةِ مُعَلِّمٍ: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ: حُجَّتُنا إنْ جُعِلَ خَبَرَ: تِلْكَ، وبِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلَهُ، أيْ: آتَيْناها حُجَّةً ودَلِيلًا عَلى قَوْمِهِ الكَثِيرِينَ، لِيَغْلِبَ وحْدَهُ.

﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ يَعْنِي: في العِلْمِ والحِكْمَةِ، وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في رَفْعِهِ وخَفْضِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادَهُ لَهُ.

Al-An'aam 6:83Listen in Qur'an →
84

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And We gave to Abraham, Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

[٨٥] ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]

[٨٦] ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]

﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: لِإبْراهِيمَ عِوَضًا عَنْ قَوْمِهِ، لَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: ولَدًا، ووَلَدَ ولَدٍ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِبَقاءِ العَقِبِ: ﴿كُلا هَدَيْنا﴾ أيْ: كُلًّا مِنهُما هَدَيْناهُ الهِدايَةَ الكُبْرى، بِلُحُوقِهِما بِدَرَجَةِ أبِيهِما في النُّبُوَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَذْكُرُ تَعالى أنَّهُ وهَبَ لِإبْراهِيمَ إسْحاقَ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ طَعَنَ في السِّنِّ، وأيِسَ وامْرَأتُهُ سارَّةُ مِنَ الوَلَدِ، فَجاءَتْهُ المَلائِكَةُ وهم ذاهِبُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، فَبَشَّرُوهُما بِإسْحاقَ، فَتَعَجَّبَتِ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] فَبَشَّرُوهُما فَتَعَجَّبَتْ، وبَشَّرُوهُما مَعَ وُجُودِهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِأنَّ لَهُ نَسْلًا وعَقِبًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وهَذا أكْمَلُ في البِشارَةِ، وأعْظَمُ في النِّعْمَةِ. وقالَ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويُولَدُ لِهَذا المَوْلُودِ ولَدٌ في حَياتِكُما، فَتَقَرُّ أعْيُنُكُما بِهِ، كَما قَرَّتْ بِوالِدِهِ، وإنَّ الفَرَحَ بِوَلَدِ الوَلَدِ شَدِيدٌ، لِبَقاءِ النَّسْلِ والعَقِبِ. ولَمّا كانَ ولَدُ الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ لا يُعْقِبُ لِضَعْفِهِ، وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ، وبِوَلَدٍ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، الَّذِي فِيهِ اشْتِقاقُ العَقِبِ والذُّرِّيَّةِ، وكانَتْ هَذِهِ المُجازاةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ وتَرَكَهُمْ، ونَزَحَ عَنْهُمْ، وهاجَرَ مِن بِلادِهِمْ، ذاهِبًا إلى عِبادَةِ اللَّهِ في الأرْضِ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ قَوْمِهِ وعَشِيرَتِهِ بِأوْلادٍ صالِحِينَ، مِن صُلْبِهِ، عَلى دِينِهِ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ﴾ [مريم: ٤٩] الآيَةَ...

﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِ، هَدَيْناهُ كَما هَدَيْناهُ. وعَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ أبَوْهُ، وشَرَفُ الوالِدِ يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كُلٌّ مِنهُما لَهُ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، أمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أغْرَقَ أهْلَ الأرْضِ، إلّا مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوهُ في السَّفِينَةِ، جَعَلَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ، فالنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا الخَلِيلُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَهُ نَبِيًّا إلّا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآيَةَ... وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما …

Al-An'aam 6:84Listen in Qur'an →
85

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

[٨٥] ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]

[٨٦] ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]

﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: لِإبْراهِيمَ عِوَضًا عَنْ قَوْمِهِ، لَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: ولَدًا، ووَلَدَ ولَدٍ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِبَقاءِ العَقِبِ: ﴿كُلا هَدَيْنا﴾ أيْ: كُلًّا مِنهُما هَدَيْناهُ الهِدايَةَ الكُبْرى، بِلُحُوقِهِما بِدَرَجَةِ أبِيهِما في النُّبُوَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَذْكُرُ تَعالى أنَّهُ وهَبَ لِإبْراهِيمَ إسْحاقَ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ طَعَنَ في السِّنِّ، وأيِسَ وامْرَأتُهُ سارَّةُ مِنَ الوَلَدِ، فَجاءَتْهُ المَلائِكَةُ وهم ذاهِبُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، فَبَشَّرُوهُما بِإسْحاقَ، فَتَعَجَّبَتِ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] فَبَشَّرُوهُما فَتَعَجَّبَتْ، وبَشَّرُوهُما مَعَ وُجُودِهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِأنَّ لَهُ نَسْلًا وعَقِبًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وهَذا أكْمَلُ في البِشارَةِ، وأعْظَمُ في النِّعْمَةِ. وقالَ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويُولَدُ لِهَذا المَوْلُودِ ولَدٌ في حَياتِكُما، فَتَقَرُّ أعْيُنُكُما بِهِ، كَما قَرَّتْ بِوالِدِهِ، وإنَّ الفَرَحَ بِوَلَدِ الوَلَدِ شَدِيدٌ، لِبَقاءِ النَّسْلِ والعَقِبِ. ولَمّا كانَ ولَدُ الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ لا يُعْقِبُ لِضَعْفِهِ، وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ، وبِوَلَدٍ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، الَّذِي فِيهِ اشْتِقاقُ العَقِبِ والذُّرِّيَّةِ، وكانَتْ هَذِهِ المُجازاةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ وتَرَكَهُمْ، ونَزَحَ عَنْهُمْ، وهاجَرَ مِن بِلادِهِمْ، ذاهِبًا إلى عِبادَةِ اللَّهِ في الأرْضِ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ قَوْمِهِ وعَشِيرَتِهِ بِأوْلادٍ صالِحِينَ، مِن صُلْبِهِ، عَلى دِينِهِ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ﴾ [مريم: ٤٩] الآيَةَ...

﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِ، هَدَيْناهُ كَما هَدَيْناهُ. وعَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ أبَوْهُ، وشَرَفُ الوالِدِ يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كُلٌّ مِنهُما لَهُ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، أمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أغْرَقَ أهْلَ الأرْضِ، إلّا مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوهُ في السَّفِينَةِ، جَعَلَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ، فالنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا الخَلِيلُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَهُ نَبِيًّا إلّا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآيَةَ... وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما …

Al-An'aam 6:85Listen in Qur'an →
86

وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

[٨٥] ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]

[٨٦] ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]

﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: لِإبْراهِيمَ عِوَضًا عَنْ قَوْمِهِ، لَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: ولَدًا، ووَلَدَ ولَدٍ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِبَقاءِ العَقِبِ: ﴿كُلا هَدَيْنا﴾ أيْ: كُلًّا مِنهُما هَدَيْناهُ الهِدايَةَ الكُبْرى، بِلُحُوقِهِما بِدَرَجَةِ أبِيهِما في النُّبُوَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَذْكُرُ تَعالى أنَّهُ وهَبَ لِإبْراهِيمَ إسْحاقَ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ طَعَنَ في السِّنِّ، وأيِسَ وامْرَأتُهُ سارَّةُ مِنَ الوَلَدِ، فَجاءَتْهُ المَلائِكَةُ وهم ذاهِبُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، فَبَشَّرُوهُما بِإسْحاقَ، فَتَعَجَّبَتِ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] فَبَشَّرُوهُما فَتَعَجَّبَتْ، وبَشَّرُوهُما مَعَ وُجُودِهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِأنَّ لَهُ نَسْلًا وعَقِبًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وهَذا أكْمَلُ في البِشارَةِ، وأعْظَمُ في النِّعْمَةِ. وقالَ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويُولَدُ لِهَذا المَوْلُودِ ولَدٌ في حَياتِكُما، فَتَقَرُّ أعْيُنُكُما بِهِ، كَما قَرَّتْ بِوالِدِهِ، وإنَّ الفَرَحَ بِوَلَدِ الوَلَدِ شَدِيدٌ، لِبَقاءِ النَّسْلِ والعَقِبِ. ولَمّا كانَ ولَدُ الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ لا يُعْقِبُ لِضَعْفِهِ، وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ، وبِوَلَدٍ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، الَّذِي فِيهِ اشْتِقاقُ العَقِبِ والذُّرِّيَّةِ، وكانَتْ هَذِهِ المُجازاةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ وتَرَكَهُمْ، ونَزَحَ عَنْهُمْ، وهاجَرَ مِن بِلادِهِمْ، ذاهِبًا إلى عِبادَةِ اللَّهِ في الأرْضِ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ قَوْمِهِ وعَشِيرَتِهِ بِأوْلادٍ صالِحِينَ، مِن صُلْبِهِ، عَلى دِينِهِ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ﴾ [مريم: ٤٩] الآيَةَ...

﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِ، هَدَيْناهُ كَما هَدَيْناهُ. وعَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ أبَوْهُ، وشَرَفُ الوالِدِ يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كُلٌّ مِنهُما لَهُ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، أمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أغْرَقَ أهْلَ الأرْضِ، إلّا مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوهُ في السَّفِينَةِ، جَعَلَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ، فالنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا الخَلِيلُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَهُ نَبِيًّا إلّا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآيَةَ... وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما …

Al-An'aam 6:86Listen in Qur'an →
87

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى: كُلًّا أوْ: ونُوحًا أيْ: كُلًّا مِنهم فَضَّلْنا، وفَضَّلْنا بَعْضَ آبائِهِمْ، أوْ هَدَيْنا مِن آبائِهِمْ ومَن مَعَهم لِلدِّينِ الخالِصِ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأعْمالِ، فَجُعِلَتْ لَهم هَذِهِ الفَضائِلُ أيْضًا، ولَحِقَتْ إبْراهِيمَ، فازْدادَ ارْتِفاعُ دَرَجاتِهِ.

Al-An'aam 6:87Listen in Qur'an →
88

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is the guidance of Allah by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allah, then worthless for them would be whatever they were doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨] ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما دانُوا بِهِ ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ مَعَ عَظَمَتِهِمْ: ﴿لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ المَرْضِيَّةِ. فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ تَشْدِيدٌ لِأمْرِ الشِّرْكِ، وتَغْلِيظٌ لِشَأْنِهِ، وتَعْظِيمٌ لِمُلابَسَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهَذا شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا يَقْتَضِي جَوازَ الوُقُوعِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]

وكَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤]

Al-An'aam 6:88Listen in Qur'an →
89

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَٰفِرِينَ

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if the disbelievers deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ، والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ، بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ وغَيْرِها ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ المُتَحَقِّقِ في ضِمْنِ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ. والمُرادُ بِ (إيتائِهِ)؟ التَّفْهِيمُ التّامُّ بِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ. والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ، أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً، أوْ بِالإيراثِ نَقاءً. فَإنَّ المَذْكُورِينَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابٌ مُعَيَّنٌ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿والحُكْمَ﴾ أيِ: الحِكْمَةَ، أوْ فَصْلَ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ والصَّوابُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ قالَ البَيْضاوِيُّ وأبُو السُّعُودِ: أيِ: الرِّسالَةَ. قالَ الخَفاجِيُّ: النُّبُوَّةُ وإنْ كانَتْ أعَمَّ، إلّا أنَّ المُرادَ بِها ما يَشْتَمِلُ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّ المَذْكُورِينَ رُسُلٌ. انْتَهى.

﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ: بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ ﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا، فَإنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، كافِرُونَ بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾ أيْ: وفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، المَذْكُورُونَ وأتْباعُهم. أوْ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ - وهو الأظْهَرُ - في مُقابَلَةِ كُفّارِ قُرَيْشٍ. أيْ: فَإنَّ في إيمانِهِمْ غُنْيَةً عَنْ إيمانِ الكَفَرَةِ بِها. وفي التَّكْنِيَةِ عَنْ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ بِها، بِالتَّوْكِيلِ الَّذِي أصْلُهُ الحِفْظُ لِلشَّيْءِ، ومُراعاتُهُ - إيذانٌ بِفَخامَتِها وعُلُوِّها، وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ قَدْرُها قِيامًا بِحَقِّ الوِكالَةِ، وعَهْدِ الِاسْتِحْفاظِ.

قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى سَيَنْصُرُ نَبِيَّهُ، ويُقَوِّي دِينَهُ، ويَجْعَلُهُ مُسْتَعْلِيًا عَلى كُلِّ مَن عاداهُ، قاهِرًا لِكُلِّ مَن نازَعَهُ. وقَدْ وقَعَ هَذا الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في هَذا المَوْضِعِ. فَكانَ جارِيًا مَجْرى الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

Al-An'aam 6:89Listen in Qur'an →
90

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَٰلَمِينَ

Those are the ones whom Allah has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for this message no payment. It is not but a reminder for the worlds."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ: ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أيْ: بِطَرِيقَتِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، والأفْعالِ المَرْضِيَّةِ، والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ، اعْمَلْ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، ما لَمْ يَرِدْ ناسِخٌ.

الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى اسْتِحْبابِ السَّجْدَةِ في (ص)؛ لِأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَجَدَها، رَواهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ - ولَفْظُ البُخارِيِّ: عَنِ العَوّامِ، قالَ «سَألْتُ مُجاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ (ص)، فَقالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقالَ: أوْ ما تَقْرَأُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَكانَ داوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكم ﷺ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». الثّالِثُ - قالَ الرّازِيُّ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ رَسُولَنا ﷺ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَقْرِيرُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ خِصالَ الكَمالِ، وصِفَةَ الشَّرَفِ، كانَتْ مُفَرَّقَةً فِيهِمْ بِأجْمَعِهِمْ، فَداوُدُ وسُلَيْمانُ كانا مِن أصْحابِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، وأيُّوبُ كانَ مِن أصْحابِ الصَّبْرِ عَلى البَلاءِ، ويُوسُفُ كانَ مُسْتَجْمِعًا لِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ صاحِبَ الشَّرِيعَةِ القَوِيَّةِ القاهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ، وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسُ كانُوا أصْحابَ الزُّهْدِ، وإسْماعِيلُ كانَ صاحِبَ الصِّدْقِ، ويُونُسُ كانَ صاحِبَ التَّضَرُّعِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ خَصْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن خِصالِ المَدْحِ والشَّرَفِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُلَّ، أمَرَ نَبِيَّنا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ بِأسْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَجْمَعَ مِن خِصالِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ كُلَّ الصِّفاتِ الَّتِي كانَتْ مُفَرَّقَةً فِيهِمْ بِأجْمَعِهِمْ، وهو مَعْصُومٌ عَنْ مُخالَفَةِ ما أُمِرَ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ ما تَفَرَّقَ فِيهِمْ مِنَ الكَمالِ، وثَبَتَ أنَّهُ أفْضَلُهم. وهو اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ.

الرّابِعُ: "اقْتَدِهْ" يُقْرَأُ بِسُكُونِ الهاءِ وإثْباتِها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ، وهي عَلى هَذا هاءُ السَّكْتِ. ومِنهم مَن يُثْبِتُها في الوَصْلِ أيْضًا لِشَبَهِها بِهاءِ الإضْمارِ. ومِنهم مَن يَكْسِرُها وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما هي هاءُ السَّكْتِ أيْضًا، شُبِّهَتْ بِهاءِ الضَّمِيرِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

الثّانِي هي هاءُ الضَّمِيرِ والمَصْدَرِ؛ أيِ: اقْتَدِ الِاقْتِداءَ. ومِثْلُهُ:

؎هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشا، إنْ يَلْقَها ذِيبُ

(فالهاءُ) ضَمِيرُ (الدَّرْسِ) لا مَفْعُولٌ؛ لِأنَّ (يَدْرُسُ) قَدْ تَعَدّى إلى (القُرْآنِ). وقِيلَ: مَن سَكَّنَ الهاءَ جَعَلَها هاءَ الضَّمِيرِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. أفادَهُ أبُو البَقاءِ.

وأمّا قَوْلُ الواحِدِيِّ: الَّذِينَ أثْبَتُوا الهاءَ رامُوا مُوافَقَةَ المُصْحَفِ، فَإنَّ الهاءَ ثابِتَةٌ في الخَطِّ، فَكَرِهُوا مُخالَفَةَ الخَطِّ في …

Al-An'aam 6:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.