Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 165

81

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allah that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?

وتَعَجَّبَ مِنهم في ظَنِّهِمْ خَوْفَهُ مِن مَعْبُوداتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَعَ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴿ولا﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم أنْتُمْ لا ﴿تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ عَلى العَذابِ والنِّقْمَةِ.

ولَمّا كانَ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ قالَ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِإشْراكِهِ؛ ولَمّا كانَ المَقامُ صَعْبًا لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ - أثْبَتَ الجارَّ والمَجْرُورَ وقَدَّمَهُ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً تَكُونُ مانِعَةً مِن إنْزالِهِ الغَضَبَ بِكم، والحاصِلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْقَعَ الأمْنَ في مَوْضِعِهِ وهم أوْقَعُوهُ في مَوْضِعِ الخَوْفِ، فَعَجِبَ مِنهم لِذَلِكَ فَبانَ أنَّ هَذا وقَوْلَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأعْرافِ ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف: ٨٩] الآيَةُ، وقَوْلَهُ تَعالى في الكَهْفِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ؛ ولَمّا كانَ المَحْذُورُ المَنفِيُّ هُنا إنَّما هو خَوْفُ الضَّرَرِ مِن آلِهَتِهِمْ، وكانَ حُصُولُ الضَّرَرِ لِمُخالِفِها بِواسِطَةِ أتْباعِها أوْ غَيْرِهِمْ مِن سُنَنِ اللَّهِ الجارِيَةِ في عِبادِهِ - اقْتَصَرَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والكِفايَةِ والحِمايَةِ، وقَدْ وقَعَ في قِصَّتِهِ الأمْرانِ: إمْكانُهم مِن أسْبابِ ضَرَرِهِ بِإيقادِ النّارِ وإلْقائِهِمْ لَهُ فِيها، ورَحْمَتِهِ بِجَعْلِها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا. ولَمّا كانَ المَحْذُورُ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَوْدُ في مِلَّتِهِمْ - زادَ الإتْيانَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ المُنَزَّهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ المُقْتَضِي لِاسْتِحْضارِ الجَلالِ والعَظَمَةِ والتَّفَرُّدِ والكِبْرِ المانِعِ مِن دُنُوِّ ساحاتِ الكُفْرِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا بانَ كالشَّمْسِ بِما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ أنَّهُ أحَقُّ بِالأمْنِ مِنهم، قالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى تَقْرِيرًا لَهم: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيْ: حِزْبِ اللَّهِ وحِزْبِ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا، تَعْمِيمًا لِلْمَعْنى ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ وألْزَمَهم بِالجَوابِ حَتْمًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم عِلْمٌ فَأخْبِرُونِي عَمّا سَألْتُكم عَنْهُ؛

Al-An'aam 6:81Listen in Qur'an →
82

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ

They who believe and do not mix their belief with injustice - those will have security, and they are [rightly] guided.

ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ دِلالَةً عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا لِيُخْبِرُوا عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ قَوْلَهُ مُسْتَأْنِفًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الفِعْلَ ﴿ولَمْ﴾ أيْ: وصَدَّقُوا دَعْواهم بِأنَّهم لَمْ ﴿يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ﴾ أيْ: يُخالِطُوهُ ويَشُوبُوهُ ﴿بِظُلْمٍ﴾

ولَمّا كانَ المَعْنى: أحَقُّ بِالأمْنِ، عَدَلَ عَنْهُ إلى قَوْلِهِ مُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأمْنُ﴾ أيْ: لِما تَقَدَّمَ مِن وصْفِهِمْ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ ضالُّونَ، فَأنْتُمْ هالِكُونَ لِإشْرافِكم عَلى المَهالِكِ ( وتَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ فِيما أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِهَذا الظُّلْمِ المُطْلَقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ ) الَّذِي هو ظُلْمٌ مَوْصُوفٌ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] تَنْبِيهٌ لِلصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلى أنَّ هَذا التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأنَّهم أهْلُ اللِّسانِ المَطْبُوعُونَ فِيهِ صَفَوْا بِذَلِكَ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ السِّياقَ كُلَّهُ في التَّنْفِيرِ عَنِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ دالٌّ عَلى الحَثِّ عَلى التَّبَرِئِ عَنْ قَلِيلِ الشِّرْكِ وكَثِيرِهِ، فَآلَ الأمْرُ إلى أنَّ المُرادَ: ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، فالتَّنْوِينُ حِينَئِذٍ لِلتَّحْقِيرِ كَما هو لِلتَّعْظِيمِ، فَهو مِن اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَعْنَيْهِ المُشْتَرِكِ فِيهِما لَفْظُهُ مَعًا - واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:82Listen in Qur'an →
83

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ انْتَصَبَ لِإظْهارِ حُجَّةِ اللَّهِ في التَّوْحِيدِ والذَّبِّ عَنْها، وكانَ التَّقْدِيرُ -تَنْبِيهًا لِلسّامِعِ عَلى حُسْنِ ما مَضى نَدْبًا لِتَدَبُّرِهِ -: هَذِهِ مُقاوَلَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ وقَوْمِهِ -عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَدِّدًا وُجُوهَ نِعَمِهِ عَلَيْهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ، دالًّا عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيْ: وهَذِهِ الحُجَّةُ العَظِيمَةُ الشَّأْنِ الَّتِي تَلَوْناها عَلَيْكم، وهي ما حاجَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ قَوْمَهُ، وعَظَّمَهُ بِتَعْظِيمِها فَقالَ: ﴿حُجَّتُنا﴾ أيْ: الَّتِي يَحِقُّ لَها - بِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ - أنْ تُضافَ إلَيْنا؛ لِأنَّها مِن أشْرَفِ النِّعَمِ وأجَلِّ العَطايا ﴿آتَيْناها﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إبْراهِيمَ﴾ وأوْقَفْناهُ عَلى حَقِيقَتِها وبَصَّرْناهُ بِها، ونَبَّهَ عَلى ارْتِفاعِ شَأْنِها بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ مُضَمِّنًا لِـ ( آتَيْنا ) ( أقَمْنا )، فَقالَ: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ: مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ غالِبًا لَهم قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ الحُجَّةُ الَّتِي نَصَبَها، ثُمَّ زادَ في الإعْلامِ بِفَضْلِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿نَرْفَعُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى جَمِيعِ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ.

ولَمّا كانَتْ مُحاجَّتُهُ لَهم عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي نَسَبُوا الخَلْقَ والتَّدْبِيرَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ إلَيْهِ، وكانَ في خِتامِ مُحاجَّتِهِ لَهم أنَّ الجارِيَ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ أنَّ المَلِكَ الحَقَّ لا يُهِينُ جُنْدَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ؛ كانَ الأنْسَبُ أنْ يُقَدِّمَ في خَتْمِ الآيَةِ وصْفَ الحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: خاصًّا لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالمُخاطَبَةِ بِاسْمِ الإحْسانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حَجْبَهُ الدَّلِيلَ عَمَّنْ يَشاءُ لِحِكَمٍ أرادَها - سُبْحانَهُ - فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَفْعَلُ بِحِزْبِهِ إلّا ما ظَنَّهُ بِهِ خَلِيلُهُ ﷺ مِمّا يُقِرُّ أعْيُنَهم، إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ وإمّا فِيهِما ﴿عَلِيمٌ﴾ فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَفْعَلُ بِهِ ما يَحِلُّ بِالحِكْمَةِ.

Al-An'aam 6:83Listen in Qur'an →
84

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And We gave to Abraham, Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

ولَمّا أشارَ إلى رِفْعَتِهِ بِأنَّهُ بَصَّرَهُ بِالحُجَّةِ حَتّى كانَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ عَلا عَلى المُخالِفِينَ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما دَلَّ عَلَيْها وعَلى حِكْمَتِهِ بِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا لِأنَّ أشْرَفَ النّاسِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ، وهم مِن نَسْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ورَفَعَ ذِكْرَهُ أبَدًا لِأجْلِ قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ تَوْحِيدِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: لِخَلِيلِنا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إسْحاقَ﴾ ولَدًا لَهُ عَلى الكِبَرِ حَيْثُ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ ولا لِمِثْلِ زَوْجَتِهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: ولَدَ ولَدٍ، وابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِهِما لِأنَّ السِّياقَ لِلِامْتِنانِ عَلى الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أشَدُّ سُرُورًا بِابْنِهِ الَّذِي مُتِّعَ بِهِ ولَمْ يُؤْمَرْ بِفِراقِهِ وابْنِ ابْنِهِ الَّذِي أكْثَرُ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ مِن نَسْلِهِ ومِن خَواصِّهِ، وهو المُوجِبُ الأعْظَمُ لِلْبَداءَةِ أنَّ أبْناءَهُ طَهَّرُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي هي مُهاجَرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُخْتارُهُ لِلسُّكْنى بِنَفْسِهِ ونَسْلِهِ، بَلْ مُخْتارُ اللَّهِ لَهُ ولَهم بَعْدَهُ بِمَدَدِ طَهُورِها مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، ودَعَوْا إلى اللَّهِ ونَوَّرُوا الأرْضَ بِعِبادَتِهِ.

ولَمّا كانَتْ النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالهِدايَةِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُقَدِّمًا لِلْمَفْعُولِ لِيَشْمَلَ الكَلامُ إيّاهُما: ﴿كُلا﴾ أيْ: مِنهُما ومِن أبِيهِما ﴿هَدَيْنا﴾ ثُمَّ أتْبَعُ ذَلِكَ المُهْتَدِينَ قَدِيمًا وحَدِيثًا تَأْكِيدًا لِأنَّ هَذا المَذْهَبَ لَمْ يَزَلْ خُلَّصُ العِبادَ دُعاةً إلَيْهِ في قَدِيمِ الزَّمانِ وجَدِيدِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَ دِينَكم؛ لِأنَّهُ عِنْدَكم حَقٌّ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم بُطْلانُهُ، وأنَّ الحَقَّ إنَّما هو التَّوْحِيدُ، وإنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَهُ لِقِدَمِهِ فَهَذا الدِّينُ - الَّذِي - دَعاكم إلَيْهِ رَسُولِي مَعَ وُضُوحِ الدِّلالَةِ عَلى حَقِّيَّتِهِ - هو القَدِيمُ الَّذِي دَعاكم إلَيْهِ نُوحٌ ومَن تَلاهُ مِن خُلَّصِ ذُرِّيَّتِهِ إلى إبْراهِيمَ أبِيكم الأعْظَمِ ومَن بَعْدَهُ مِن خُلَّصِ ذُرِّيَّتِهِ إلى عِيسى، ثُمَّ إلى هَذا الرَّسُولِ الَّذِي هو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى - عَلى الكُلِّ أبْلَغُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ - فَهو أحَقُّ بِالِاتِّباعِ مِن جِهَةِ الحَقِّيَّةِ والأقْدَمِيَّةِ، وإنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَهُ لِمُجَرَّدِ اتِّباعِ الآباءِ فَلَيْسَ في آبائِكم مِثْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَلَوْتُ عَلَيْكم في كَلامِي الَّذِي أقَمْتُ الدَّلِيلَ القَطْعِيَّ بِعَجْزِكم عَنْهُ عَلى صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى ما حاجَّ بِهِ أباهُ وقَوْمَهُ في إبْطالِ الأوْثانِ الَّتِي أضَلَّتْكم، فَهو أوْلى آبائِكم أنْ تَعْتَدُّوا بِهِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أنَّ هِدايَةَ كُلٍّ مِن إسْحاقَ وابْنِهِ بِتَرْبِيَةِ أبِيهِ، ذَكَرَ العاشِرَ مِن آباءِ الخَلِيلِ وهو نُوحٌ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِدَفْعِ ذَلِكَ، ولِأنَّ السِّياقَ لِإنْكارِ الأوْثانِ، وهو أوَّلُ مَن نَهى عَنْ عِبادَتِها، وهو أجَلُّ آباءِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِن بَيْنِ ذَلِكَ الجِيلِ الأعْوَجِ.

ولَمّا كانَتْ لَمْ تَتَجاوَزْ مِنهُ، وكانَ زَمَنُهُ بَعْضَ الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ -أثْبَتَ الجارَّ وقَطَعَهُ عَنِ الإضافَةِ لِتَراخِي زَمانِهِمْ كَثِيرًا عَنْ زَمانِهِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ …

Al-An'aam 6:84Listen in Qur'an →
85

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

ولَمّا كانَ المَذْكُورانِ قَبْلَهُ مِمَّنْ سَلَّطَهُما عَلى المُلُوكِ، أتْبَعَهُما مَن سَلَّطَ المُلُوكَ عَلَيْهِما بِالقَتْلِ فَقالَ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُما مَن عانَدَهُما المُلُوكُ ولَمْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِما وأدامَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - حَياتَهُما إلى أنْ يُرِيدَ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿وعِيسى وإلْياسَ﴾ ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ مِنَ الصّابِرِينَ، قالَ مادِحًا لَهم عَلى وجْهٍ يَعُمُّ مَن قَبْلَهم: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِنَ المَذْكُورِينَ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾

Al-An'aam 6:85Listen in Qur'an →
86

وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

ثُمَّ أتْبَعَهم مَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما وبَيْنَ المُلُوكِ أمْرٌ، وهَدى بِهِما مَن كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِ، فَقالَ: ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هَذا إنْ كانَ اليَسَعُ هو ابْنَ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ خَلِيفَةُ إلْياسَ، كَما ذَكَرَ البَغَوِيُّ في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ إلى إلْياسَ - وهو مِن سَبْطِ لاوِي مِن نَسْلِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَسًا مِن نارٍ فَرَكِبَهُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وكَساهُ الرِّيشَ، فَكانَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا أرْضِيًّا سَماوِيًّا، وسَلَّطَ اللَّهُ عَلى آجب - يَعْنِي: المَلِكَ الَّذِي سَلَّطَ عَلى إلْياسَ - عَدُوًّا فَقَتَلَهُ ونَبَّأ اللَّهُ اليَسَعَ وبَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأيَّدَهُ فَآمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وكانُوا يُعَظِّمُونَهُ وإنْ كانَ اليَسَعُ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ - كَما قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ - فالمُناسَبَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أنَّ كُلًّا مِنهُما كانَ صادِقَ الوَعْدِ؛ لِأنَّ يُوشَعَ أحَدُ النَّقِيبَيْنِ اللَّذَيْنِ وفَّيا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بَعَثَهم يَجُسُّونَ بِلادَ بَيْتِ المَقْدِسِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وقَوْلِهِ ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] وأيْضًا فَكُلٌّ مِنهُما كانَ سَبَبَ عِمارَةِ بَلَدِ اللَّهِ الأعْظَمِ بِالتَّوْحِيدِ، فَإسْماعِيلُ سَبَبُ عِمارَةِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، ويُوشِعُ سَبَبُ عِمارَةِ البَلْدَةِ المُقَدَّسَةِ - كَما سَيَأْتِي فِي سُورَةِ يُونُسَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - .

ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ واليَسَعُ مِمَّنْ هَدى اللَّهُ بِهِما قَوْمَهُما مِن غَيْرِ عَذابٍ، أتْبَعَهُما مَن هَدى اللَّهُ قَوْمَهُ بِالعَذابِ وأنْجاهم بَعْدَ إتْيانِ مَخايِلِهِ فَقالَ: ﴿ويُونُسَ﴾ أيْ: هَدَيْناهُ. ولَمّا انْقَضَتْ ذُرِّيَّةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَتَمَ بِابْنِ أخِيهِ الَّذِي ضَلَّ قَوْمُهُ فَهَلَكُوا بَغْتَةً، فَبَيْنَ قِصَّتَيْ هَذَيْنِ الآخَرَيْنِ طِباقٌ مِن جِهَةِ الهَلاكِ والنَّجاةِ، ووِفاقٌ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى غَيْرِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿ولُوطًا﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِما يَعُمُّ مَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ: مِمَّنْ ذَكَرْنا ﴿فَضَّلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِتَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ فَكُلُّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ بِهُداهُ وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، وبَدَأهم تَعالى بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وخَتَمَهم بِابْنِ أخِيهِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى هَذِهِ المُناسَبَةِ الحَسَنَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ قَوْمَ إبْراهِيمَ - نُمْرُودَ وجُنُودَهُ - بَعْدَ هِجْرَتِهِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ تَمَّتْ المُناسَبَةُ في هَلاكِ كُلٍّ مِن قَوْمِهِ وقَوْمِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ بَعْدَ خُرُوجِ نَبِيِّهِمْ عَنْهم، فَيَكُونُ بَيْنَهُما وِفاقٌ كَما كانَ بَيْنَ قِصَّتِهِ وقِصَّةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طِباقٌ.

ومِن لَطائِفَ تَرْتِيبِهِمْ هَكَذا أيْضًا أنَّ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُوازِي نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ رابِعٌ في العَدِّ لِهَذا العِقْدِ إذا عَدَدْتَهُ مِن آخِرِهِ، كَما أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - رابِعُهُ إذا عَدَدْتَهُ مِن أوَّلِهِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَهُما أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَرَ اللَّهُ مِنهُ الآدَمِيِّينَ حَتّى …

Al-An'aam 6:86Listen in Qur'an →
87

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

ولَمّا نَصَّ - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ، وخَتَمَ بِتَفْضِيلِ كُلٍّ عَلى العالَمِينَ - أتْبَعَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ غَيْرَهم كانَ مَهْدِيًّا، وأنَّ فَضْلَ هَؤُلاءِ عِلَّةُ النَّصِّ لَهم عَلى أسْمائِهِمْ، فَقالَ تَرْغِيبًا في سُلُوكِ هَذا السَّبِيلِ بِكَثْرَةِ سالِكِيهِ وحَثًّا عَلى مُنافَسَتِهِمْ في حُسْنِ الِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ والسُّلُوكِ فِيهِ: ﴿ومِن﴾ أيْ: وهَدَيْنا أوْ: وفَضَّلْنا مِن ﴿آبائِهِمْ﴾ أيْ: أُصُولِهِمْ ﴿وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: مِن فُرُوعِهِمْ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ﴿وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: فُرُوعِ أُصُولِهِمْ، وعَطَفَ عَلى العامِلِ المُقَدَّرِ قَوْلَهُ: ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ أيْ: واخْتَرْناهم، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ ما هُدُوا إلَيْهِ حَثًّا لَنا عَلى شُكْرِهِ عَلى ما زادَنا مِن فَضْلِهِ فَقالَ: ﴿وهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما تَقَدَّمَ مِنَ الهِدايَةِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأمّا الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ فَخَصَصْناكم بِهِ وأقَمْناكم عَلَيْهِ، فاعْرِفُوا نِعْمَتَنا عَلَيْكم واذْكُرُوا تَفْضِيلَنا لَكم.

Al-An'aam 6:87Listen in Qur'an →
88

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is the guidance of Allah by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allah, then worthless for them would be whatever they were doing.

ولَمّا كانَ رُبَّما أوْهَمَ تَنْكِيرَهُ نَقْصًا فِيهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا بَيانًا لِكَمالِهِ وتَعْظِيمًا لِفَضْلِهِ وإفْضالِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الهُدى العَظِيمُ الرُّتْبَةِ ﴿هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَهْدِي﴾ أيْ: يَخْلُقُ الهِدايَةَ ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِواسِطَةِ الإقامَةِ عَلَيْهِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: سَواءٌ كانَ لَهُ أبٌ يُعَلِّمُهُ أوْ كانَ لَهُ مَن يَحْمِلُهُ عَلى الضَّلالِ أوَّلًا؛ ولَمّا بَيَّنَ فَضْلَ الهُدى ونَصَّ عَلى رُؤُوسِ أهْلِهِ، تَهَدَّدَ مَن تَرَكَهُ كائِنًا مَن كانَ، فَقالَ مُظْهِرًا لِعِزِّ الإلَهِيَّةِ بِالغِنى المُطْلَقِ مُنَزِّهًا نَفْسَهُ عَمّا لُوحِظَ فِيهِ غَيْرُهُ ولَوْ بِأدْنى لَحْظٍ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنا مِن مَدْحِهِمْ ما سَمِعْتَ وبَيَّنّا مِن اخْتِصاصِنا لَهم ما عَلِمْتَ - شَيْئًا مِن شِرْكٍ وقَدْ أعاذَهم اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وأقامَ بِهِمْ مُعْوَجَّ المَسالِكِ، وأنارَ بِهِمْ ظَلامَ الأرْضِ بِطُولِها والعَرْضِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَسَدَ وسَقَطَ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: وإنْ كانَ في غايَةِ الإتْقانِ بِقَوانِينِ العِلْمِ،

Al-An'aam 6:88Listen in Qur'an →
89

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَٰفِرِينَ

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if the disbelievers deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

وزادَ في التَّرْهِيبِ مِنَ التَّوانِي في السَّيْرِ والزَّيْغِ عَنْ سُوءِ القَصْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ الَّذِينَ قَدَّمْنا ذِكْرَهم وأخْبَرْنا أنَّهم لَوْ أشْرَكُوا سَقَطَتْ أعْمالُهم ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَمَن مَلَكَ ما فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ حَكَمَ عَلى البَواطِنِ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يُحِبُّونَهُ فَيَنْقادُونَ لَهُ بِبَواطِنِهِمْ ﴿والحُكْمَ﴾ أيْ: العَمَلَ المُتْقَنَ بِالعِلْمِ، ومِنهُ نُفُوذُ الكَلِمَةِ عَلى الظَّواهِرِ بِالسَّلْطَنَةِ وإنْ كَرِهَتْ البَواطِنُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ أيْ: العِلْمَ المُزَيَّنَ بِالحُكْمِ وهي وضْعُ كُلِّ شَيْءٍ في أحَقِّ مَواضِعِهِ، فَهي جامِعَةٌ لِلْمَرْتَبَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ كانَ الأنْبِياءُ يَحْكُمُونَ عَلى البَواطِنِ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، وعَلى الظَّواهِرِ بِما يَظْهَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ تَعْظِيمِها بِذَلِكَ تَعْظِيمَها بِأنَّها لا تَبُورُ، فَقالَ تَسْلِيَةً عَنِ المُصِيبَةِ بِطَعْنِ الطّاعِنِينَ فِيها وإعْراضِ الجاهِلِينَ عَنْها، وتَرْجِيَةً عِنْدَما يُوجِبُ اليَأْسُ مِن نُفْرَةِ أكْثَرِ المَدْعُوِّينَ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ العَظِيمَةُ ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ أنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقَدْ حَبَوْناهم بِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ وأعْلاهُ وأجْمَلِهِ، وأنْتَ تَدْعُوهم إلى أنْ يَكُونُوا سُعَداءَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى وهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ، ولَعَلَّ الإشارَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿بِها قَوْمًا﴾ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ عَلى القِيامِ بِالأُمُورِ بِالإيمانِ بِها والحِفْظِ لِحُقُوقِها ﴿لَيْسُوا﴾ وقَدَّمَ الجارَّ اهْتِمامًا فَقالَ: ﴿بِها بِكافِرِينَ﴾ أيْ: بِساتِرِينَ الشَّيْءَ مِمّا ظَهَرَ مِن شُمُوسِ أدِلَّتِها، وهم الأنْبِياءُ ومَن تَبِعَهم، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ - ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ! فَقَدْ جاءَ في هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ العُلَماءِ الأخْيارِ والرّاسِخِينَ الأحْبارِ مَن لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ.

Al-An'aam 6:89Listen in Qur'an →
90

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَٰلَمِينَ

Those are the ones whom Allah has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for this message no payment. It is not but a reminder for the worlds."

ولَمّا كانَ المُرادُ بِسَوْقِهِمْ هَكَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ كُلًّا مِنهم بادَرَ بَعْدَ الهِدايَةِ إلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والغَيْرَةِ عَلى جَلالِهِ مِنَ الإشْراكِ، لَمْ يُشْغِلْ أحَدًا مِنهم عَنْ ذَلِكَ سَرّاءٌ ولا ضَرّاءٌ بِمُلْكٍ ولا غَيْرِهِ مِن مَلِكٍ أوْ غَيْرِهِ بَلْ لازَمُوا الهُدى والدُّعاءَ إلَيْهِ عَلى كُلِّ حالٍ - قالَ مُسْتَأْنِفًا لِتَكْرارِ أمْداحِهِمْ بِما يَحْمِلُ عَلى التَّحَلِّي بِأوْصافِهِمْ، مُؤَكِّدًا لِإثْباتِ الرِّسالَةِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو المَراتِبِ ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: المُلْكُ الحائِزُ لِرُتَبِ الكَمالِ، الهُدى الكامِلُ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ مَدْحِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿فَبِهُداهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً في واجِباتِ الإرْسالِ وغَيْرِها ﴿اقْتَدِهِ﴾ وأشارَ بِهاءِ السَّكْتِ الَّتِي هي أمارَةُ الوُقُوفِ - وهي ثابِتَةٌ في جَمِيعِ المَصاحِفِ - إلى أنَّ الِاقْتِداءَ بِهِمْ كانَ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ؛ ثُمَّ فَسَّرَ الهُدى بِمُعْظَمِ أسْبابِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِمَن تَدْعُوهم كَما كانُوا يَقُولُونَ مِمّا يَنْفِي التُّهْمَةَ ويُمَحِّصُ النَّصِيحَةَ فَيُوجِبُ الِاتِّباعَ إلّا مَن شَقِيَ ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المَدْعُوُّونَ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الدُّعاءِ ﴿أجْرًا﴾ فَإنَّ الدَّواعِيَ تَتَوَفَّرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلى الإقْبالِ إلى الدّاعِي والِاسْتِجابَةِ لِلْمُرْشِدِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هُوَ﴾ أيْ: هَذا الدُّعاءُ الَّذِي أدْعُوكم بِهِ ﴿إلا ذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ بَلِيغٌ مِن كُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في المَعاشِ والمَعادِ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ دائِمًا، لا يَنْقَضِي دُعاؤُهُ ولا يَنْقَطِعُ نِداؤُهُ، وفي التَّعْبِيرِ بِالِاقْتِداءِ إيماءٌ إلى تَبْكِيتِ كُفّارِ العَرَبِ حَيْثُ اقْتَدَوْا بِمَن لا يَصْلُحُ لِلْقُدْوَةِ مِن آبائِهِمْ، وتَرَكُوا مَن يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِ.

Al-An'aam 6:90Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.