Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 81–90 of 165

81

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allah that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?

عُطفت جملة { وكيف أخاف } على جملة : { ولا أخاف ما تشركون به } [ الأنعام : 80 ] ليبيّن لهم أنّ عدم خوفه من آلهتهم أقلّ عجباً من عدم خوفهم من الله تعالى ، وهذا يؤذن بأنّ قومه كانوا يعرفون الله وأنَّهم أشركوا معه في الإلهية غيره فلذلك احتجّ عليهم بأنّهم أشركوا بربّهم المعتَرف به دون أن يُنَزّل عليهم سلطاناً بذلك .و { كيف } استفهام إنكاري ، لأنَّهم دعَوه إلى أن يخاف بأس الآلهة فأنكر هو عليهم ذلك وقلب عليهم الحجَّة ، فأنكر عليهم أنَّهم لم يخافوا الله حين أشركوا به غيره بدون دليل نصبه لهم فجَمَعَت ( كيف ) الإنكارَ على الأمرين .قالوا وفي قوله : { ولا تخافون أنَّكم أشركتم } يجوز أن تكون عاطفة على جملة : { أخاف ما أشركتم } فيدخل كلتاهما في حكم الإنكار ، فخوفُه من آلهتهم مُنكر ، وعدم خوفهم من الله منكر .ويجوز أن تكون الواو للحال فيكون محلّ الإنكار هو دعوتَهم إيّاه إلى الخوف من آلهتهم في حال إعراضهم عن الخوف ممَّن هو أعظم سلطاناً وأشدّ بطشاً ، فتفيد ( كيف ) مع الإنكار معنى التعجيب على نحو قوله تعالى : { أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم } [ البقرة : 44 ]. ولا يقتضي ذلك أنّ تخويفهم إيَّاه من أصنامهم لا ينكَر عليهم إلاّ في حال إعراضهم عن الخوف من الله لأنّ المقصود على هذا إنكار تحميق ومقابلة حال بحال ، لا بيان ما هو منكر وما ليس بمنكر ، بقرينة قوله في آخره { فأي الفريقين أحقّ بالأمن }.وهذا الوجه أبلغ .و { ومَا أشركتُم } موصولة والعائد محذوف ، أي ما أشركتُم به . حذف لدلالة قوله : { ولا أخاف ما تشركون به } [ الأنعام : ] عليه ، والموصول في محلّ المفعول ( به ) ، ل { ما أشركتم }.وفي قوله : { أنَّكم أشركتم } حُذفت ( من ) المتعلِّقة ب { تخافون } لاطِّراد حذف الجارّ مع ( أنّ ) ، أي من إشراككم ، ولم يقل : ولا تخافون الله ، لأنّ القوم كانوا يعرفون الله ويخافونه ولكنَّهم لم يخافوا الإشراك به . { وما لم ينزّل به عليكم سلطاناً } موصول مع صلته مفعول { أنَّكم أشركتم }.ومعنى { لم يُنزّل به عليكم } لم يخبركم بإلهية الأصنام التي عبدتموها ولم يأمركم بعبادتها خبَراً تعلمون أنَّه من عنده فلذلك استعار لذلك الخبر التنزيل تشبيهاً لعظم قدره بالرفعة ، ولبلوغه إلى من هم دون المخبِر ، بنزول الشيء العالي إلى أسفلَ منه .والسلطان : الحجّة لأنَّها تتسلَّط على نفس المخاصم ، أي لم يأتكم خبر منه تجعلونه حجَّة على صحَّة عبادتكم الأصنام .والفاء في قوله : { فأي الفريقين } تفريع على الإنكار ، والتعجيب فَرع عليهما استفهاماً ملجئاً إلى الاعتراف بأنَّهم أوْلى بالخوف من الله من إبراهيم من آلهتهم . والاستفهام ب { أيّ } للتقرير بأنّ فريقه هو وحده أحقّ بالأمن .والفريق : الطائفة الكثيرة من النّاس المتميِّزة عن غيرها بشيء يجمعها من نسب أو مكان أو غيرهما ، مشتقّ من فَرَق إذا ميّز . والفِرْقَة أقلّ من الفريق ، وأراد بالفريقين هنا قومه ونفسه ، فأطلق على نفسه الفريق تغليباً ، أو أراد نفسه ومن تبعه إن كان له أتباع ساعتئذٍ ، قال تعالى : { فآمن له لوط } [ العنكبوت : 26 ] ، أو أراد من سيوجد من أتباع ملَّته ، كما يناسب قوله { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [ الأنعام : 82 ].والتعريف في { الأمن } للجنس ، وهو ضدّ الخوف ، وجملة { إن كنتم تعلمون } مستأنفة ابتدائية ، وجواب شرطها محذوف دلّ عليه الاستفهام ، تقديره : فأجيبوني ، وفيه استحثاث على الجواب .

Al-An'aam 6:81Listen in Qur'an →
82

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ

They who believe and do not mix their belief with injustice - those will have security, and they are [rightly] guided.

هذه الجملة من حكاية كلام إبراهيم على ما ذهب إليه جمهور المفسِّرين فيكون جواباً منه عن قوله : { فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن } [ الأنعام : 81 ]. تولّى جوابَ استفهامه بنفسه ولم ينتظر جوابهم لكون الجواب ممَّا لا يسع المسؤول إلاّ أن يجيب بمثله ، وهو تبكيت لهم . قال ابن عبَّاس : كما يسأل العالم ويُجيبُ نفسه بنفسه ، أي بقوله : «فإن قلتَ قلتُ» . وقد تقدّمت نظائره في هذه السورة .وقيل : ليس ذلك من حكاية كلام إبراهيم ، وقد انتهى قول إبراهيم عند قوله { إن كنتم تعلمون } [ الأنعام : 81 ] بل هو كلام مستأنف من الله تعالى لابتداء حكم ، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تصديقاً لقول إبراهيم .وقيل : هو حكاية لكلام صدر من قوم إبراهيم جواباً عن سؤال إبراهيم { فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن } [ الأنعام : 81 ]. ولا يصحّ لأنّ الشأن في ذلك أن يقال : قال الذين آمنوا الخ ، ولأنَّه لو كان من قول قومه لما استمرّ بهم الضلال والمكابرة إلى حدّ أن ألقَوا إبراهيم في النّار .وحذف متعلّق فعل { آمنوا } لظهوره من الكلام السابق . والتقدير : الذين آمنوا بالله .وحقيقة { يلبسوا } يخلطوا ، وهو هنا مجاز في العمل بشيئين متشابهين في وقت واحد . شبّه بخلط الأجسام كما في قوله : { ولا تلبسوا الحقّ بالباطل } [ البقرة : 42 ].والظّلم : الاعتداء على حقّ صاحب حقّ ، والمراد به هنا إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية وفي العبادة ، قال تعالى : { إنّ الشِّرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] لأنَّه أكبر الاعتداء ، إذ هو اعتداء على المستحقّ المطلق العظيم ، لأنّ من حقّه أن يفرد بالعبادة اعتقاداً وعملاً وقولاً لأنّ ذلك حقّه على مخلوقاته . ففي الحديث " حقّ العباد على الله أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً " وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك . في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود " لمّا نزلت { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان لابنه : { إنّ الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] اه . " وذلك أنّ الشرك جمع بين الاعتراف لله بالإلهية والاعتراف لغيره بالربوبيّة أيضاً . ولمَّا كان الاعتراف لغيره ظلماً كان إيمانهم بالله مخلوطاً بظلم وهو إيمانهم بغيره ، وحَمله على هذا المعنى هو الملائم لاستعارة اسم الخَلط لهذا المعنى لأنّ الإيمان بالله وإشراكَ غيره في ذلك كلاهما من جنس واحد وهو اعتقاد الربوبيّة فهما متماثلان ، وذلك أظهر في وجه الشبه ، لأنّ شأن الأجسام المتماثلة أن يكون اختلاطها أشدّ فإنّ التَّشابُه أقوى أحوال التّشبيه عند أهل البيان . والمعنى الذين آمنوا بالله ولم يشركوا به غيره في العبادة .وحَمَل الزمخشري الظلم على ما يشمل المعاصي ، لأنّ المعصية ظلم للنَّفس كما في قوله تعالى : { فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم } [ التوبة : 36 ] تأويلاً للآية على أصول الاعتزال لأنّ العاصي غير آمن من الخلود في النّار فهو مساو للكافر في ذلك عندهم ، مع أنَّه جَعَل قوله : { الذين آمنوا ولم يلبسوا } إلى آخره من كلام إبراهيم ، وهو إن كان محكيّاً من كلام إبراهيم لا يصحّ تفسير الظلم منه بالمعصية إذ لم يكن إبراهيم حينئذٍ داعياً إلاّ للتَّوحيد ولم تكن له بعدُ شريعة ، وإن كان غير محكي من كلامه فلا يناسب تفسيره فيه بالمعصية ، لأنّ تعقيب كلام إبراهيم به مقصود منه تأييد قوله وتبيينُه ، فالحقّ أنّ الآية غير محتاجة للتّأويل على أصولهم نظراً لهذا الذي ذكرناه .والإشارة بقوله : { أولئك لهم الأمن } للتنبيه على أنّ المسند إليه جدير بالمسند من أجل ما تقدّم من أوصاف المسند إليه وهذا كقوله { أولئك على هدى من ربّهم } [ البقرة : 5 ]. وقوله { لهم الأمْن } أشارت اللاّم إلى أنّ الأمن مختصّ بهم وثابت ، وهو …

Al-An'aam 6:82Listen in Qur'an →
83

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

عطف على جملة { وحاجّه قومه } [ الأنعام : 80 ]. و { تلك } إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجَّة قومه ، وأتي باسم إشارة المؤنّث لأنّ المشار إليه حجّة فأخبر عنه بحجّة فلمَّا لم يكن ثمَّة مشار إليه محسوس تعيّن أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير ، كقوله تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } [ البقرة : 253 ]. وإضافة الحجّة إلى اسم الجلالة للتّنويه بشأنها وصحَّتها .و { آتيناها } في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر . وحقيقة الإيتاء الإعطاء ، فحقَّه أن يتعدّى إلى الذّوات ، ويكون بمناولة اليد إلى اليد . قال تعالى : { وآتى المال على حبّه ذوي القربى } [ البقرة : 177 ] ، ولذلك يقال : اليدُ العليا هي المعطية واليد السّفلى هي المعطاة . ويستعمل مجازاً شائعاً في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتاً أم معانيَ . يقال : آتاه الله مالاً ، ويقال : آتاه الخليفة إمارة و { آتاه الله المُلك } [ البقرة : 258 ] ، { وآتيناه الحكمة } [ ص : 20 ]. فإيتاء الحجّة إلهامُه إيّاها وإلقاءُ ما يعبِّر عنها في نفسه . وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه .و { على } للاستعلاء المجازي ، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكّن من المغلوب ، وهي متعلّقة { بحجّتنا } خلافاً لمن منعه . يقال : هذا حجّة عليك وشاهد عليك ، أي تلك حجّتنا على قومه أقحمناهم بها بواسطة إبراهيم ، ويجوز أن يتعلَّق ب { آتيناها } لمّا يتضمّنه الإيتاء من معنى النصر .وجملة : { نرفع درجات من نشاء } حال من ضمير الرفع في { آتيناها } أو مستأنفة لبيان أنّ مثل هذا الإيتاء تفضيل للمؤتَى وتكرمة له . ورفع الدّرجات تمثيل لتفضيل الشأن ، شبّهت حالة المفضّل على غيره بحال المرتقي في سُلَّم إذا ارتفع من درجة إلى درجة ، وفي جميعها رفع ، وكلّ أجزاء هذا التمثيل صالح لاعتبار تفريق التّشبيه ، فالتّفضيل يُشبه الرّفع ، والفضائل المتفاوتة تشبه الدّرجات ، ووجه الشّبه عِزّة حصول ذلك لغالب النّاس .وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، بإضافة { درجات } إلى { مَنْ }.فإضافة الدرجات إلى اسم الموصول باعتبار ملابسة المرتقي في الدرجة لها لأنّها إنّما تضاف إليه إذا كان مرتقياً عليها ، والإتيان بصيغة الجمع في { درجات } باعتبار صلاحيّة { من نشاء } لأفراد كثيرين متفاوتين في الرفعة ، ودلّ فعل المشيئة على أنّ التفاضل بينهم بكثرة موجبات التّفضيل ، أو الجمعُ باعتبار أنّ المفضّل الواحد يتفاوت حاله في تزايد موجبات فضله . وقرأه البقية بتنوين { درجات } ، فيكون تمييزاً لنسبة الرفع باعتبار كون الرفع مجازاً في التفضيل . والدرجات مجازاً في الفضائل المتفاوتة .ودلّ قوله { مَن نشاء } على أنّ هذا التّكريم لا يكون لكلّ أحد لأنّه لو كان حاصلاً لكلّ النّاس لم يحصل الرفع ولا التفضيل .وجملة : { إنّ ربّك حكيم عليم } مستأنفة استئنافاً بيانياً ، لأنّ قوله : { نرفع درجات من نشاء } يثير سؤالاً ، يقول : لماذا يرفع بعض النّاس دون بعض ، فأجيب بأنّ الله يعلم مستحقّ ذلك ومقدار استحقاقه ويخلق ذلك على حسب تعلّق علمه . فحكيم بمعنى محكم ، أي متّقن للخلق والتّقدير . وقدم { حكيم } على { عليم } لأنّ هذا التّفضيل مَظهر للحكمة ثمّ عقّب ب { عليم } ليشير إلى أنّ ذلك الإحكام جار على وفق العلم .

Al-An'aam 6:83Listen in Qur'an →
84

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And We gave to Abraham, Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

جملة { ووهبنا } عطف على جملة { آتيناها } [ الأنعام : 83 ] لأنّ مضمونها تكرمة وتفضيل . وموقع هذه الجملة وإن كانت معطوفة هو موقع التذييل للجمل المقصود منها إبطال الشرك وإقامةُ الحجج على فساده وعلى أنّ الصالحين كلّهم كانوا على خلافه .والوَهْب والهِبة : إعطاء شيء بلا عوض ، وهو هنا مجاز في التّفضّل والتّيسير . ومعنى هبة يعقوب لإبراهيم أنّه وُلد لابنه إسحاق في حياة إبراهيم وكبر وتزوّج في حياته فكان قرّة عين لإبراهيم .وقد مضت ترجمة إبراهيم عليه السلام عند قوله تعالى : { وإذْ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات } [ البقرة : 124 ]. وترجمةُ إسحاق ، ويعقوب ، عند قوله تعالى : { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } [ البقرة : 132 ] وقوله : { وإله آبائك إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ] كلّ ذلك في سورة البقرة .وقوله : { كلاّ هدينا } اعتراض ، أي كلّ هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التّنوين في «كلّ» تنوينَ عوض عن المضاف إليه كما هو المختار .وفائدة ذكر هديهما التّنويه بإسحاق ويعقوب ، وأنّهما نبيئان نالا هدى الله كهَدْيه إبراهيم ، وفيه أيضاً إبطال للشرك ، ودمغ ، لقريش ومشركي العرب ، وتسفيه لهم بإثبات أنّ الصالحين المشهورين كانوا على ضدّ معتقدهم كما سيصرّح به في قوله : { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ( الأعراف : 88 . (وجملة : { ونوحاً هدينا من قبل } عطف على الاعتراض ، أي وهدينا نوحاً من قبلهم . وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم الله عليهم بالهدى ، وإشارة إلى أنّ الهدى هو الأصل ، ومن أعظم الهدى التّوحيد كما علمت . وانتصب { نوحاً } على أنّه مفعول مقدّم على { هدينا } للاهتمام ، و { من قبل } حال من { نوحا }.وفائدة ذكر هذا الحال التّنبيه على أنّ الهداية متأصّلة في أصول إبراهيم وإسحاق ويعقوب . وبُني { قبل } على الضمّ ، على ما هو المعروف في ( قبلُ ) وأخواتتِ غيرٍ من حذف ما يضاف إليه قبلُ وينوى معناه دون لفظه . وتقدمت ترجمة نوح عند قوله تعالى : { إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً } في سورة آل عمران ( 33 .( وقوله : { من ذرّيته } حال من داوود ، و { داود } مفعول ( هدينا ) محذوفاً . وفائدة هذا الحال التّنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم ، والتّنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذرّيّته . والضمير المضاف إليه عائد إلى نوح لا إلى إبراهيم لأنّ نوحاً أقرب مذكور ، ولأنّ لوطاً من ذرّية نوح ، وليس من ذرية إبراهيم حسبما جاء في كتاب التّوراة . ويجوز أن يكون لوط عومل معاملة ذرّيّة إبراهيم لشدّة اتّصاله به . كما يجوز أن يجعل ذكر اسمه بعد انتهاء أسماء من هم من ذرّيّة إبراهيم منصوباً على المدح بتقدير فعللٍ لا على العَطف .وداود تقدّم شيء من ترجمته عند قوله تعالى : { وقَتل داودُ جالوتَ } في سورة البقرة ( 251 ).ونكمّلها هنا بأنّه داود بن يِسيِّ من سبط يهوذا من بني إسرائيل . ولد بقرية بيت لحم سنة1085 قبل المسيح ، وتوفّي في أورشليم سنة 1015 . وكان في شبابه راعياً لغنم أبيه . وله معرفة النغَم والعزف والرمي بالمقلاع . فأوحى الله إلى ( شمويل ) نبيء بني إسرائيل أنْ يبارك داودَ بن يسيّ ، ويمسحه بالزيت المقدّس ليكون ملكاً على بني إسرائيل ، على حسب تقاليد بني إسرائيل إنباء بأنّه سيصير ملكاً على إسرائيل بعد موت ( شاول ) الذي غضب الله عليه . فلمّا مسحه ( شمويل ) في قرية بيت لحم دُون أن يعلم أحد خطر لشاول ، وكان مريضاً ، أن يتّخذ من يضرب له بالعود عندما يعتاده المرض ، فصادف أن اختاروا له داود فألحقه بأهل مجلسه ليسمع أنغامه . ولما حارب جنُدُ ( شاول ) الكنعانيين كما تقدّم في سورة البقرة ، كان النصر للإسرائيليين بسبب داود إذ رمى البطل الفلسطيني ( جالوت ) بمقلاعه بين عينيه فصرعه وقطع رأسه ، فلذلك صاهره ( شاولُ ) بابنته ( ميكال …

Al-An'aam 6:84Listen in Qur'an →
85

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

وأمّا إلياس فهو المعروف في كتب الإسرائيليّين باسم إيليا ، ويسمّى في بلاد العرب باسم إلياس أو ( مَار إلياس ) وهو إلياس التشبي . وذكر المفسّرون أنّه إلياس بن فنحاص بن إلعاز ، أو ابن هارون أخي موسى فيكون من سبط لاوي . كان موجوداً في زمن الملك ( آخاب ) ملك إسرائيل في حدود سنة ثمان عشرة وتسعمائة قبل المسيح . وهو إسرائيلي من سكان ( جِلْعاد ) بكسر الجيم وسكون اللاّم صقع جبلي في شرق الأرْدُن ومنه بَعْلبك . وكان إلياس من سبط روبين أو من سبط جَاد . وهذان السّبطان هما سكّان صقع جِلْعاد ، ويقال لإلياس في كتب اليهود التشبي ، وقد أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل لمّا عبدوا الأوثان في زمن الملك ( آخاب ) وعبدوا ( بَعْل ) صنم الكنعانيّين . وقد وعظهم إلياس وله أخبار معهم . أمره الله أن يجعل اليسع خليفة له في النّبوءة ، ثمّ رفع الله إلياس في عاصفة إلى السّماء فلم يُر له أثر بعدُ ، وخلفه اليسع في النّبوءة في زمن الملك ( تهورام ) بن ( آخاب ) ملك إسرائيل .وقوله : { كلّ من الصّالحين } اعتراض . والتّنوين في كلّ عوض عن المضاف إليه ، أي كلّ هؤلاء المعدودين وهو يشمل جميع المذكورين إسحَاقَ ومن بعده .

Al-An'aam 6:85Listen in Qur'an →
86

وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

وأمّا إسماعيل فقد تقدّمت ترجمته في سورة البقرة .واليسع اسمه بالعبرانيّة إليشع بهمزة قطع مكسورة ولام بعدها تحتيّة ثمّ شين معجمة وعين وتعريبه في العربيّة اليسع بهزة وصل ولام ساكنة في أوّله بعدها تحتيّة مفتوحة في قراءة الجمهور .وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف «اللَّيْسَع» بهمزة وصل وفتح اللاّم مشدّدة بعدها تحتيّة ساكنة بوزن ضَيْغَم ، فهما لغتان فيه . وهو ابن ( شافاط ) من أهل ( آبل محولة ). كان فلاّحاً فاصطفاه الله للنّبوءة على يد الرّسول إلياس في مدّة ( آخاب ) وصحب إلياسَ . ولمّا رفع إلياس لازم سيرة إلياس وظهرت له معجزات لبني إسرائيل في ( أريحا ) وغيرها . وتوفّي في مدّة الملك ( يُوءَاش ) ملك إسرائيل وكانت وفاته سنة أربعين وثمانمائة840 قبل المسيح ودفن بالسّامرة .والألف واللاّم في اليسع من أصل الكلمة ، ولكن الهمزة عوملت معاملة همزة الوصل للتّخفيف فأشبه الاسم الّذي تدخل عليه اللاّم الّتي للمْححِ الأصللِ مثل العبّاس ، وما هي منها .وأمّا يونس فهو ابن متَّى ، واسمه في العبرانيّة ( يونان بن أمِتَّاي ) ، وهو من سبط ( زَبولُون ). ويجوز في نونه في العربيّة الضمّ والفتح والكسر . ولد في بلدة ( غاث ايفر ) من فلسطين ، أرسله الله إلى أهْل ( نَيْنوَى ) من بلاد أشور . وكان أهلها يومئذٍ خليطاً من الأشوريين واليهود الّذين في أسر الأشوريّين ، ولمّا دعاهم إلى الإيمان فأبوا توعّدهم بعذاب فتأخّر العذاب فخرج مغاضِباً وذهب إلى ( يافا ) فركب سفينة للفنيقيّين لتذهب به إلى ترشيش ( مدينة غربي فلسطين إلى غربي صور وهي على البحر ولعلّها من مراسي الوجه البحري من مصر أو من مراسي برقة لأنّه وصف في كتب اليهود أنّ سليمان كان يجلب إليه الذهب والفضّة والقرود والطواويس من ترشيش ، فتعيّن أن تكون لترشيش تجارة مع الحبشة أو السّودان ، ومنها تصدر هذه المحصولات . وقيل هي طرطوشة من مراسي الأندلس . وقيل ( قرطاجنّة ) مرسى إفريقيّة قرب تونس . وقد قيل في تواريخنا أنّ تونس كان اسمها قبل الفتح الإسلامي ترشيش . وهذا قريب لأنّ تجارتها مع السّودان قد تكون أقرب ) فهال البحر على السّفينة وثقلت وخيف غرقها ، فاقترعوا فكان يونس ممّن خاب في القرعة فرُمي في البحر والتقمه حوت عظيم فنادى في جوفه : { لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين } [ الأنبياء : 87 ] ، فاستجاب الله له ، وقذفه الحوت على الشاطىء . وأرسله الله ثانياً إلى أهل نينوى وآمنوا وكانوا يزيدون على مائة ألف . وكانت مدّته في أوّل القرن الثامن قبل الميلاد . ولم نقف على ضبط وفاته . وذكر ابن العربي في «الأحكام» في سورة الصافات أنّ قبره بقرية جلجون بين القدس وبلد الخليل ، وأنّه وقف عليه في رحلته . وستأتي أخبار يونس في سورة يونس وسورة الأنبياء وسورة الصافات .وأمّا لوط فهو ابن هَارَان بن تارح ، فهو ابن أخي إبراهيم . ولد في ( أور الكلدانيين ). ومات أبوه قبل تارح ، فاتّخذ تارحُ لوطاً في كفالته . ولمّا مات تارح كان لوط مع إبراهيم ساكنيْن في أرض حاران ( حوران ) بعد أن خرج تارحُ أبُو إبراهيم من أور الكلدانيّين قاصدين أرض كنعان . وهاجر إبراهيم مع لوط إلى مصر لقحط أصاب بلاد كنعان ، ثمّ رجعا إلى بلاد كنعان ، وافترق إبراهيم ولوط بسبب خصام وقع بين رُعاتهما ، فارتحل لوط إلى ( سَدُوم ) ، وهي من شَرق الأرْدُن إلى أن أوحي إليه بالخروج منها حين قدّر الله خسفها عقاباً لأهلها فخرج إلى ( صوغر ) مع ابنته ونسله هناك ، وهم ( المؤابيون ) و ( بنو عمون ).وقوله : { وكلاّ فضّلنا على العالمين } جملة معترضة ، والواو اعتراضيّة ، والتّنوين عوض عن المضاف إليه ، أي كلّ أولئك المذكورين من إسحاق إلى هنا .و ( كلّ ) يقتضي استغراق ما أضيف إليه . وحكم الاستغراق أن يثبت الحكم لكلّ فرد فرد لا للمجموع . والمراد تفضيل كلّ واحد منهم على العالمين من أهل عصره عدا من كان أفضلَ منه أو مساوياً له …

Al-An'aam 6:86Listen in Qur'an →
87

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

وقوله : { ومن آبائهم } عطف على قوله : { كُلاً }.فالتَّقدير : وهدينا من آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم . وجعل صاحب «الكشاف» ( مِن ) اسما بمعنى بعض ، أي وهدينا بعض آبائهم على طريقته في قوله تعالى : { من الَّذين هادوا يحرّفون } [ النساء : 46 ]. وقدّر ابنُ عطيّة ومن تبعه المعطوف محذوفاً تقديره : ومن آبائهم جمعاً كثيراً أو مهديين كثيرين ، فتكون ( مِن ) تبعيضية متعلّقة ب { هدينا }.والذرّيَّات جمع ذرّيَّة ، وهي مَن تناسل من الآدمي من أبناء أدْنَيْن وأبنائهم فيشمل أولاد البنين وأولاد البنات . ووجه جمعه إرادة أنّ الهدى تعلّق بذرّيّة كلّ من له ذرّيّة من المذكورين للتنبيه على أنّ في هدي بعض الذرّية كرامة للجدّ ، فكلّ واحد من هؤلاء مراد وقوعُ الهدي في ذرّيَّته . وإنْ كانت ذرّياتهم راجعين إلى جدّ واحد وهو نوح عليه السّلام . ثمّ إن كان المراد بالهدى المقدّر الهُدَى المماثل للهُدى المصرّح به ، وهو هُدى النّبوءة ، فالآباء يشمل مثل آدم وإدريس عليهم السلام فإنّهم آباء نوح .

Al-An'aam 6:87Listen in Qur'an →
88

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is the guidance of Allah by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allah, then worthless for them would be whatever they were doing.

استئناف بياني ، أي لا تعجبوا من هديهم وضلال غيرهم . والإشارة إلى الهُدى الّذي هو مصدر مأخوذ من أفعال الهداية الثلاثة المذكورة في الآية قبلها ، وخصوصاً المذكور آخراً بقوله { وهديناهم إلى صراط مستقيم } [ الأنعام : 87 ]. وقد زاد اسمُ الإشارة اهتماماً بشأن الهدي إذ جعل كالشيء المشاهد فزيد باسم الإشارة كمالُ تمييز ، وأخبِر عن الهدي بأنّه هدى الله لتشريف أمره وبيان عصمته من الخطأ والضلال ، وفيه تعريض بما عليه المشركون ممّا يزعمونه هدى ويتلقّونه عن كبرائهم ، أمثاللِ عَمْرو بن لُحَيّ الذي وضع لهم عبادة الأصنام ، ومثللِ الكهّان وأضرابهم . وقد جاء هذا الكلام على طريقة الفذلكة لأحوال الهداية الّتي تكرّر ذكرها كأبيات حاتم الطائي: ... وللّهِ صُعلوك يُساوِر هَمَّهُويمضي على الأحداث والدهرِ مُقدماً ... إلى أن قال بعد أبيات سبعة في محامد ذلك الصّعلوك: ... فذَلك إنْ يهلِكْ فحسنى ثَناؤهوإن عاش لم يقْعد ضعيفاً مذمَّماً ... وقوله تعالى : { يهدي به من يشاء من عباده } جملة في موضع الحال من { هُدى الله }.والمراد ب { من يشاء } الّذين اصطفاهم الله واجتباهم وهو أعلم بهم وباستعدادهم لهديه ونبذهم المكابرة وإقبالهم على طلب الخير وتطلّعهم إليه وتدرّجهم فيه إلى أن يبلغوا مرتبة إفاضة الله عليهم الوحيَ أو التّوفيق والإلهام الصادق . ففي قوله : { من يشاء } من الإبهام ما يبعث النّفوس على تطلّب هُدى الله تعالى والتّعرّض لنفحاته ، وفيه تعريض بالمشركين الّذين أنكروا نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم حسداً ، ولذلك أعقبه بقوله { ولو أشركوا لحَبِط عنهم ما كانوا يعملون } تفظيعاً لأمر الشرك وأنّه لا يغتفر لأحد ولو بلغ من فضائل الأعمال مبلغاً عظيماً مثل هؤلاء المعدودين المنوّه بهم . والواو للحال . و«حبط» معناه تلف ، أي بطل ثوابه . وقد تقدّم في قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم } في سورة [ البقرة : 217 ].

Al-An'aam 6:88Listen in Qur'an →
89

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَٰفِرِينَ

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if the disbelievers deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

استئناف ابتدائي للتّنويه بهم ، فهي فذلكة ثانية ، لأنّ الفذلكة الأولى راجعة إلى ما في الجمل السابقة من الهدى وهذه راجعة إلى ما فيها من المهديّين .واسم الإشارة لزيادة الاعتناء بتمييزهم وإخطار سيرتهم في الأذهان . والمشار إليهم هم المعيَّنون بأسمائهم والمذكورون إجمالاً في قوله : { ومن آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم } [ الأنعام : 87 ]. و { الّذين آتيناهم الكتاب } خبر عن اسم الإشارة .والمراد بالكتاب الجنس : أي الكتب . وإيتاء الكتاب يكون بإنزال ما يكتب ، كما أنزل على الرسل وبعضضِ الأنبياء ، وما أنزل عليهم يعتبر كتاباً ، لأنّ شأنه أن يكتب سواء كتب أم لم يكتب . وقد نصّ القرآن على أنّ إبراهيم كانت له صُحُف بقوله : { صحف إبراهيم وموسى } [ الأعلى : 19 ] وكان لعيسى كلامه الذي كتب في الإنجيل . ولداوود الكلام الصادر منه تبليغاً عن الله تعالى ، وكان نبيئاً ولم يكن رسولاً ، ولسليمان الأمثال ، والجامعة ، والنشيد المنسوب في ثلاثتها أحكامٌ أمر الله بها . ويقال : إنّ إدريس كتب الحكمة في صحف وهو الّذي يُسمّيه الإسرائليون ( أخنوخ ) ويدعوه القبط ( توت ) ويدعوه الحكماء ( هُرْمس ). ويكون إيتاء الكتاب بإيتاء الّنبيء فهْم ونبيِينَ الكتب المنزّلة قبله ، كما أوتي أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى أمثال يحيى فقد قال تعالى له { يا يحيى خذ الكتاب بقوّة } [ مريم : 12 ].والحُكم هو الحكمة ، أي العلم بطرق الخير ودفع الشرّ . قال تعالى في شأن يحيى { وآتيناه الحكم صبياً } [ مريم : 12 ] ، ولم يكن يحيى حاكماً أي قاضياً ، وقد يفسّر الحكم بالقضاء بالحقّ كما في قوله تعالى في شأن داوود وسليمان { وكلاً آتينا حُكماً وعلماً } [ الأنبياء : 79 ].وإيتاء هذه الثلاث على التّوزيع ، فمنهم من أوتي جميعها وهم الرسل منهم والأنبياء الّذين حكموا بين النّاس مثل داوود وسليمان ، ومنهم من أوتي بعضَها وهم الأنبياء غير الرّسل والصّالحون منهم غير الأنبياء ، وهذا باعتبار شمول اسم الإشارة لآبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم .والفاء في قوله : { فإن يكفر } عاطفة جملة الشّرط على جملة { أولئك الّذين آتيناهم الكتاب } عقّبت بجملة الشّرط وفرّعت عليها لأنّ الغرض من الجمل السابقة من قوله { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } [ الأنعام : 74 ] هو تشويه أمر الشرك بالاستدلال على فساده بنبذ أهل الفضل والخير إيّاه ، فكان للفاء العاطفة عقب ذلك موقع بديع من أحكام نظم الكلام .وضمير { بها } عائد إلى المذكورات : الكتاب والحكم والنّبوءة . والإشارة في قوله : { هؤلاء } إلى المشركين من أهل مكّة ، وهي إشارة إلى حاضر في أذهان السّامعين ، كما ورد في حديث سؤال القبر " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " ( يعني النّبيء صلى الله عليه وسلم . وفي «البخاري» قال الأحنف بن قيس : ذهبتُ لأنصر هذا الرجل ( يعني عليّ بن أبي طالب ).وقد تقصيت مواقع آي القرآن فوجدته يعبّر عن مشركي قريش كثيراً بكلمة ( هؤلاء ) ، كقوله{ بل متّعت هؤلاء وآباءهم } [ الزخرف : 29 ] ولم أر من نبّه عليه من قبل .وكُفر المشركين بنبوءة أولئك الأنبياء تابع لكفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك حكى الله عنهم بعْدُ أنّهم { قالوا ما أنزل الله على بشر مِن شيء } [ الأنعام : 91 ].ومعنى : { وكَّلْنا بها } وفّقْنا للإيمان بها ومراعاتها والقياممِ بحقّها . فالتّوكيل هنا استعارة ، لأنّ حقيقة التّوكيل إسناد صاحب الشيء تدبيرَ شيئه إلى من يتولّى تدبيره ويكفيه كلفةَ حفظه ورعاية ما به بقاؤُه وصلاحُه ونماؤُه . يقال : وكَّلته على الشيء ووكَّلته بالشيء فيتعدّى بعلى وبالباء . وقد استعير في هذه الآية للتّوفيق إلى الإيمان بالنّبوءة والكتاب والحكم والنّظر في ما تدعو إليه ورعايته تشبيهاً لتلك الرّعاية برعاية الوكيل ، وتشبيهاً للتّوفيق إليها بإسناد النّظر إلى الوكيل ، لأنّ الوكالة تقتضي وُجود الشيء الموكّل بيد الوكيل مع حفظه ورعايته ، …

Al-An'aam 6:89Listen in Qur'an →
90

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَٰلَمِينَ

Those are the ones whom Allah has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for this message no payment. It is not but a reminder for the worlds."

جملة ابتدائية قصد من استئنافها استقلالها للاهتمام بمضمونها ، ولأنّها وقعت موقع التّكرير لمضمون الجملتين اللّتين قبلها : جملة { وهديناهم إلى صراط مستقيم } [ الأنعام : 87 ] وجملة { أولئك الذّين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوءة } [ الأنعام : 89 ]. وحقّ التكرير أن يكون مفصولاً ، وليبنى عليها التّفريع في قوله : { فبهداهم اقتده }.والمشار إليهم باسم الإشارة هم المشار إليهم بقوله { أولئك الّذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوءة } [ الأنعام : 89 ] فإنّهم الّذين أمر نبيّنا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم . وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ولما يقتضيه التكرير من الاهتمام بالخبر .وأفاد تعريف المسند والمسند إليه قصر جنس الّذين هداهم الله على المذكورين تفصيلاً وإجمالاً ، لأنّ المهديين من البشر لا يعدون أن يكونوا أولئك المسمّين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ، فإنّ من آبائهم آدم وهو الأب الجامع للبشر كلّهم ، فأريد بالهدى هدى البشر ، أي الصرف عن الضلالة ، فالقصر حقيقي . ولا نظر لصلاح الملائكة لأنّه صلاح جبليّ . وعدل عن ضمير المتكلّم إلى اسم الجلالة الظاهر لقَرْن هذا الخبر بالمهابة والجلالة .وقوله : { فبهداهم اقتده } تفريع على كمال ذلك الهُدَى ، وتخلُّص إلى ذكر حظّ محمدّ صلى الله عليه وسلم من هُدى الله بعد أن قُدّم قبله مُسْهَبُ ذكر الأنبياء وهديهم إشارة إلى علوّ منزلة محمّد صلى الله عليه وسلم وأنّها منزلة جديدة بالتّخصيص بالذكر حيث لم يذكر مع الأنبياء المتقدّمين ، وأنّه جمَعَ هُدى الأوّلين ، وأكملت له الفضائل ، وجُمع له ما تفرّق من الخصائص والمزايا العظيمة . وفي إفراده بالذكر وترك عدّه مع الأوّلين رمز بديع إلى فذاذته وتفرّد مقداره ، ورَعْي بديع لحال مجيء رسالته بعد مرور تلك العصور المتباعدة أو المتجاورة ، ولذلك قُدّم المجرور وهو { بهداهم } على عامله ، للاهتمام بذلك الهدى لأنّه هو منزلتك الجامعة للفضائل والمزايا ، فلا يليق به الاقتداء بهُدى هو دون هُداهم . ولأجل هذا لم يسبق للنّبيء صلى الله عليه وسلم اقتداء بأحد ممّن تحنّفوا في الجاهليّة أو تنصَّروا أو تهوّدوا . فقد لقي النّبيء صلى الله عليه وسلم زيدَ بن عَمْرو بن نُفَيْللٍ قبل النّبوءة في بَلْدَح وعَرض عليه أن يأكل معه من سُفْرته ، فقال زيد « { إنِّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم توهّماً منه أنّ النبي يدين بدين الجاهليّة ، وألهم الله محمّداً السكوت عن إجابته إلهاماً لحفظ السِرّ المدَّخر فلم يقل له إنّي لا أذبح على نُصُب . ولقي ورقةَ بن نوفل غير مرّة بمكّة . ولَقِي بَحيرا الرّاهبَ . ولم يقتد بأحد من أولئك وبقي على الفطرة إلى أن جاءته الرّسالة .والاقتداء افتعال من القُدوةَ بضمّ القاف وكسرها وقياسه على الإسوة يقتضي أنّ الكسر فيه أشهر . وقال في المصباح } : الضمّ أكثر . ووقع في «المقامات» للحريري «وقدوة الشحَّاذين» فضُبط بالضمّ .وذكره الواسطي في إشرح ألفاظ المقامات» في القاف المضمومة ، وروى فيه فتح القاف أيضاً ، وهو نادر . والقدوة هو الّذي يَعمل غيرُه مثل عمله ، ولا يعرف له في اللّغة فعل مجرّد فلم يسمع إلاّ اقتدى . وكأنّهم اعتبروا القدوة اسماً جامداً واشتقّوا منه الافتعال للدّلالة على التّكلّف كما اشتقّوا من اسم الخريف اخترف ، ومن الأسوة ائْتسى ، وكما اشتقّوا من اسم النمر تَنَمَّر ، ومن الحجَر تحجَّر . وقد تستعمل القدوة اسم مصدر لاقتدى . يقال : لي في فلان قُدوة كما في قوله تعالى : { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة } [ الممتحنة : 6 ].وفي قوله : { فبهداهم اقتده } تعريض للمشركين بأنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم ما جاء إلاّ على سنّة الرّسل كلّهم وأنّه ما كان بدعاً من الرّسل .وأمْرُ النّبيء صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهُداهم يؤذن بأنّ الله زوى إليه كلّ فضيلة من فضائلهم الّتي اختصّ كلّ واحد بها سواء ما اتّفق منه …

Al-An'aam 6:90Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.