Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 71–80 of 165

71

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

استئناف ابتدائي لتأييس المشركين من ارتداد بعض المسلمين عن الدين ، فقد كان المشركون يحاولون ارتداد بعض قرابتهم أو من لهم به صلة . كما ورد في خبر سعيد بن زيد وما لَقي من عُمر بن الخطاب . وقد روي أنّ عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق دعا أباه إلى عبادة الأصنام ، وأنّ الآية نزلت في ذلك ، ومعنى ذلك أنّ الآية نزلت مشيرة إلى ذلك وغيره وإلاّ فإنّ سورة الأنعام نزلت جملة واحدة . وحاول المشركون صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الإسلام وهم يُرْضُونه بما أحبّ كما ورد في خبر أبي طالب .والاستفهام إنكار وتأييس ، وجيء بنون المتكلّم ومعه غيره لأنّ الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلّهم . و { من دون الله } متعلّق ب { ندعوا }.والمراد بما لا ينفع ولا يضرّ الأصنامُ ، فإنَّها حجارة مشاهد عدمُ نفعها وعجزُها عن الضرّ ، ولو كانت تستطيع الضرّ لأضرّت بالمسلمين لأنَّهم خلعوا عبادتها وسفَّهوا أتباعها وأعلنوا حقارتها ، فلمَّا جعلوا عدَم النفع ولا الضرّ علَّة لنفي عبادة الأصنام فقد كنّوا بذلك عن عبادتهم النافع الضارّ وهو الله سبحانه .وقوله : { ونُردّ على أعقابنا } عطف على { ندعوا } فهو داخل في حيّز الإنكار . والردّ : الإرجاع إلى المكان الذي يؤتى منه ، كقوله تعالى : { رُدّوها عليّ } [ ص : 33 ].والأعقاب جمع عَقِب وهي مؤخّر القدم . وعقب كلّ شيء طَرفه وآخره ويقال : رجع على عَقِبه وعلى عَقِبَيْه ونكص على عقبيه بمعنى رجع إلى المكان الذي جاء منه لأنَّه كان جاعلاً إيَّاه وراءه فرَجَع .وحرف ( على ) فيه للاستعلاء ، أي رجع على طريق جهة عقبه ، كما يقال : رجع وراءه ، ثم استعمل تمثيلاً شائعاً في التَّلبّس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبُها ثم عاد إليها وتلبّس بها ، وذلك أنّ الخارج إلى سفر أو حاجة فإنَّما يمشي إلى غرض يريده فهو يمشي القُدُمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيَه؛ فيمثّل حاله بحال من رجع على عقبيه . وفي الحديث : « اللهمّ أمْض لأصحابي هِجْرتهم ولا تَرُدّهم على أعقابهم » فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتدّ إلى الشرك بعد أن أسلَم بحال من خرج في مهمّ فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له . وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يُقال : ونرجعُ إلى الكفر بعد الإيمان .وقد أضيف ( بعد ) إلى { إذْ هدانا } وكلاهما اسم زمان ، فإنّ ( بعد ) يدلّ على الزمان المتأخِّر عن شيء كقوله : { ومن بعد صلاة العشاء } [ النور : 58 ] و ( إذا ) يدلّ على زمان معرّف بشيء ، ف ( إذا ) اسم زمن متصرّف مراد به الزمان وليس مفعولاً فيه . والمعنى بعدَ الزمن الذي هدانا الله فيه ، ونظيره{ ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } في سورة [ آل عمران : 8 ].ارتقى في تمثيل حالهم لو فُرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدقّ ، بقوله : { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } ، وهو تمثيل بهيئة متخيّلة مبنيّة على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسُوسينَ . فالكاف في موضع الحال من الضمير في { نُردّ على أعقابنا } ، أي حال كوننا مشْبهينَ للذي استهوته الشياطين فهذه الحال مؤكّدة لما في { نردّ على أعقابنا } من معنى التَمثيل بالمرتدّ على أعقابه .والاستهواء استفعال ، أي طلب هَوى المرء ومحبّتِه ، أي استجلاب هَوى المرء إلى شيء يحاوله المستجلِب . وقرّبه أبو علي الفارسي بمعنى همزة التعدية . فقال : استهواه بمعنى أهواه مثل استزلّ بمعنى أزلّ . ووقع في «الكشَّاف» أنَّه استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهب فيها ، ولا يعرف هذا المعنى من كلام أئمَّة اللغة ولِم يذكره هو في «الأساس» مع كونه ذكر { كالذي استهوته الشياطين } ولم ينبِّه على هذا مَن جاء بعده .والعرب يقولون : استهوته الشياطين ، إذا اختطفت الجنّ عقله فسيَّرتْه كما تريد . وذلك قريب من قولهم : سَحَرتْه ، وهم يعتقدون أنّ الغيلان هي سحرة الجنْ ، وتسمَّى السعالي أيضاً ، واحدتُها …

Al-An'aam 6:71Listen in Qur'an →
72

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

جملة : { قل إنّ هدى الله هو الهدى } مستأنفة استئنافَ تكرير لِما أمِر أن يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ، وقد روي أنَّهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم اعْبُد آلهتنا زمناً ونعبُدُ إلهك زمناً . وكانوا في خلال ذلك يزعمون أنّ دينهم هدى فلذلك خوطبوا بصيغة القصر . وهي { إنّ هدى الله هو الهدى } فجيء بتعريف الجزأيْن ، وضمير الفصل ، وحرف التوكيد ، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكّدات ، لأنّ القصر بمنزلة مؤكِّدَيْن إذ ليس القصر إلاّ تأكيداً على تأكيد ، وضمير الفصل تأكيد ، و ( إنّ ) تأكيد ، فكانت مقتضَى حال المشركين المنكرين أنّ الإسلام هدى .وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند الله تعالى ، وهو الدين المُوصى به ، وهو هنا الإسلام ، بقرينة قوله { بعد إذْ هدانا الله }.وقد وصف الإسلام بأنَّه { هُدى الله } في قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتَّى تتّبع ملَّتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى } في سورة [ البقرة : 120 ] ، أي القرآن هو الهدى لا كُتُبُهم .وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام ، كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس ، وهو قصر إضافي لأنّ السياق لردّ دعوة المشركين إيَّاهم الرجوع إلى دينهم المتضمِّنة اعتقادهم أنَّه هدى ، فالقصر للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى ، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن بمعنى الهدى الكامل ، بخلاف ما في سورة البقرة .وجملة : وأمِرْنا لِنُسْلِم } عطف على المقول . وهذا مقابل قوله { قل إنِّي نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [ الأنعام : 56 ] ، وقوله { قل أندعو من دون الله } الآية .واللام في { لِنُسْلِم } أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرّد التأكيد . وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادّة الأمر ومادّة الإرادة . وسمَّاها بعضهم لام أنْ بفتح الهمزة وسكون النون قال الزجَّاج : العرب تقول : أمَرْتُك بأنْ تفعل وأمرتُك أن تفعل وأمرتك لِتَفعل . فالباء للإلصاق ، وإذا حذفوها فهي مقدّرة مع ( أنْ ). وأمَّا أمرتك لتفعل ، فاللام للتعليل ، فقد أخبر بالعلَّة التي لها وقَع الأمر . يعني وأغنت العلَّة عن ذكر المعلّل . وقيل : اللام بمعنى الباء ، وقيل : زائدة ، وعلى كلّ تقدير ف ( أنْ ) مضرة بعدها ، أي لأجل أن نُسْلِمَ . والمعنى : وأمرنا بالإسلام ، أي أمرنا أن أسلموا . وتقدّم الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى : { يريد الله ليُبيّن لكم } في سورة [ النساء : 26 ].واللام في قوله : لربّ العالمين } متعلِّقة ب { نسلم } لأنَّه معنى تخلّص له ، قال : { فقل أسلمت وجهي لله }.وقد تقدّم القول في معنى الإسلام عند قوله تعالى : { إذ قال له ربّه أسْلِم قال أسلمت لربّ العالمين } في سورة [ البقرة : 131 ].وفي ذكر اسم الله تعالى بوصف الربوبية لجميع الخلق دون اسمه العَلَم إشارة إلى تعليل الأمر وأحقِّيّته .وقوله : وأن أقيموا الصلاة } إنْ جُعلت ( أنْ ) فيه مصدرية على قول سيبويه ، إذ يسوّغ دخول ( أنْ ) المصدرية على فِعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معاً لأنّ صيغة الأمر لم يؤت بها عبثاً ، فقول المعربين : إنَّه يتجرّد عن الأمرية ، مرادهم به أنَّه تجرّد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات . وهو إمّا عطف على { لنسلم } بتقدير حرف جرّ محذوف قبل ( أنْ ) وهو الباء . وتقدير الحرف المحذوف يدلّ عليه معنى الكلام ، وإمّا عطف على معنى { لنسلم } لأنَّه وقع في موقع بأن نسلم ، كما تقدّم عن الزجّاج . فالتقدير : أمرنا بأن نسلم ، ثم عطف عليه { وأن أقيموا } أي وأمرنا بأن أقيموا ، والعطف على معنى اللفظ وموقِعه استعمال عربي ، كقوله تعالى : { لولا أخَّرْتَنِي إلى أجل قريب فأصّدّقَ وأكُنْ } [ المنافقون : 10 ] إذ المعنى إنْ تُؤخّرني أصّدّقْ وأكُنْ .وإن جُعلت ( أنْ …

Al-An'aam 6:72Listen in Qur'an →
73

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day He says, "Be," and it is, His word is the truth. And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen and the witnessed; and He is the Wise, the Acquainted.

وجملة : { وهو الذي خلق السماوات } عطف على { وهو الذي إليه تحشرون } ، والقصر حقيقي إذ ليس ثم ردّ اعتقاد لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدّمناه في أول السورة . فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنَّه هو المستحقّ للعبادة لأنّ الخلائق عبيده كقوله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون } [ النحل : 17 ].والباء من قوله : { بالحقّ } للملابسة ، والمجرور متعلّق ب { خلَق } أو في موضع الحال من الضمير .والحقّ في الأصل مصدر ( حقّ ) إذا ثبت ، ثم صار اسماً للأمر الثاتب الذي لا يُنكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عَدْل . والحقّ ضدّ الباطل . فالباطل اسم لضدّ ما يسمَّى به الحقّ فيطلق الحقّ إطلاقاً شائعاً على الفعل أو القول الذي هو عَدل وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه ، وهو حينئذٍ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادفُ الجَور والظلم ، ويطلق الحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حدّ الإتقان والصواب ، ويرادف الحكمة والحقيقة ، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعبَ . والحقّ في هذه الآية بالمعنى الثاني ، كما في قوله تعالى : { ما خلقناهما إلاّ بالحقّ } [ الدخان : 39 ] بعد قوله : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين } [ الدخان : 38 ] وكقوله : { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً } [ آل عمران : 191 ]. فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما فيهنّ من العَدم إلى الوجود لِحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قُوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتَّبها على نُظم عجيبة تحفظ أنواعها وتُبرز ما خُلقت لأجله ، وأعظمها خَلق الإنسان وخَلْق العقل فيه والعلم ، وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلّفين لكان ذلك نقصاناً من الحقّ الذي خُلقت السماوات والأرض ملابِسة له ، فعُقّب بقوله : { ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ }.وجملة : { ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ } معطوفة على التي قبلها لمناسبة ملابسة الحقّ لأفعاله تعالى فبُينت ملابسة الحقّ لأمره تعالى الدّال عليه { يقول }.والمراد ب { يومَ يقول كن } يوم البعث ، لقوله بعده : { يوم يُنفخ في الصور }.وقد أشكل نظم قوله : { ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ } ، وذهب فيه المفسّرون طرائق . والوجه أنّ قوله { ويوم يقول كن فيكون } ظرف وقع خبره مقدّماً للاهتمام به ، والمبتدأ هو { قوله } ويكون { الحق } صفة للمتبدأ . وأصل التركيب : وقوله الحقّ يومَ يقول : كن فيكون . ونكتة الاهتمام بتقديم الظرف الردّ على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم .ووصف القول بأنَّه الحقّ للردّ على المشركين أيضاً . وهذا القول هو عين المقول لِفعل { يقول كن } ، وحُذف المقول له { كن } لظهوره من المقام ، أي يقول لغير الموجود الكائن : كُن . وقوله : { فيكون } اعتراض ، أي يقول لمّا أراد تكوينه ( كن ) فيوجد المقولُ له { كُن } عقِب أمر التكوين .والمعنى أنَّه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحقّ ، وأنّه يعيد الخلق الذي بدأه بقول حقّ ، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحقّ . ويتضمَّن أنّه قول مستقبل ، وهو الخلق الثاني المقابل للخلق الأول ، ولذلك أتي بكلمة { يوم } للإشارة إلى أنَّه تكوين خاصّ مقدّر له يوم معيّن .وفي قوله : { قولُه الحقّ } صيغة قصر للمبالغة ، أي هو الحقّ الكامل لأنّ أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحقّ فهي معرّضة للخطأ وما كان فيها غيرَ معرض للخطأ فهو من وحي الله أو من نعمته بالعقل والإصابة ، فذلك اعتداد بأنَّه راجع إلى فضل الله . ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه : « قولك الحقّ ووعدك الحقّ » . والمراد بالقول كلّ ما يدلّ على مراد الله تعالى وقضائه في يوم الحشر ، وهو يوم يقول كن ، من أمرِ تكوين ، أو أمر ثواب ، أو عقاب ، أو خبر بما اكتسبه …

Al-An'aam 6:73Listen in Qur'an →
74

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said to his father Azar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

عطف على الجمل السابقة التي أولاها { وكذّب به قومك وهو الحقّ } [ الأنعام : 66 ] المشتملة على الحجج والمجادلة في شأن إثبات التوحيد وإبطال الشرك ، فعُقّبت تلك الحجج بشاهد من أحوال الأنبياء بذكر مجادلة أول رسول أعلَن التوحيد وناظر في إبطال الشرك بالحجّة الدامغة والمناظرة الساطعة ، ولأنَّها أعدل حجَّة في تاريخ الدين إذ كانت مجادلة رسول لأبيه ولقومه ، وكانت أكبر حجّة على المشركين من العرب بأنّ أباهم لم يكن مشركاً ولا مُقِرّاً للشرك في قومه ، وأعظم حجَّة للرسول صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك .والكلام في افتتاح القصّة ب { إذْ } بتقدير اذْكُر تقدّم عند قوله تعالى : { وإذ قال ربّك للملائكة إنٌّي جاعل في الأرض خليفة } في سورة [ البقرة : 30 ].وآزر } ظاهر الآية أنَّه أبو إبراهيم . ولا شكّ أنّه عُرف عند العرب أنّ أبا إبراهيم اسمُه آزر فإنّ العرب كانوا معتنين بذكر إبراهيم عليه السلام ونسبِه وأبنائه . وليس من عادة القرآن التعرّض لذكر أسماء غير الأنبياء فما ذكر اسمه في هذه الآية إلاّ لقصد سنذكره . ولم يُذكر هذا الاسم في غير هذه الآية . والذي في كتب الإسرائيليّين أنّ اسم أبي إبراهيم ( تارح ) بمثناة فوقية فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة . قال الزجاج : لا خلاف بين النسّابين في أنّ اسم أبي إبراهيم تارح . وتبعه محمد بن الحسن الجويني الشافعي في «تفسير النكت» . وفي كلامهما نظر لأنّ الاختلاف المنفي إنَّما هو في أنّ آزر اسم لأبي إبراهيم ولا يقتضي ذلك أنه ليس له اسم آخر بين قومه أو غيرهم أو في لغة أخرى غير لغة قومه . ومثل ذلك كثير . وقد قيل : إنّ ( آزر ) وصف . قال الفخر : قيل معناه الهرم بلغة خوارزم ، وهي الفارسية الأصلية . وقال ابن عطية عن الضحّاك : ( آزر ) الشيخ . وعن الضحَّاك : أنّ اسم أبي إبراهيم بلغة الفرس ( آزر ). وقال ابن إسحاق ومقاتل والكلبي والضحَّاك : اسم أبي إبراهيم تارح وآزر لقب له مثل يعقوب الملقب إسرائيل ، وقال مجاهد : ( آزر ) اسم الصنم الذي كان يعبده أبو إبراهيم فلقّب به . وأظهر منه أن يقال : أنَّه الصنم الذي كان أبو إبراهيم سادن بيته .وعن سليمان التيْمي والفرّاء : ( آزر ) كلمةُ سبّ في لغتهم بمعنى المعْوَجّ ، أي عن طريق الخير . وهذا وهم لأنَّه يقتضي وقوع لفظ غير عربي ليس بعلم ولا بمعرّب في القرآن . فإنّ المعرّب شرطه أن يكون لفظاً غير علم نقله العرب إلى لغتهم . وفي «تفسير الفخر» : أنّ من الوجوه أن يكون ( آزر ) عمّ إبراهيم وأطلق عليه اسم الأب لأنّ العمّ قد يقال له : أب . ونسب هذا إلى محمد بن كعب القرظي . وهذا بعيد لا ينبغي المصير إليه فقد تكرّر في القرآن ذكر هذه المجادلة مع أبيه ، فيبعد أن يكون المراد أنَّه عمّه في تلك الآيات كلِّها .قال الفخر : وقالت الشيعة : لا يكون أحد من آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجداده كافراً . وأنكروا أنّ ( آزر ) أب لإبراهيم وإنَّما كان عمّه . وأمَّا أصحابنا فلم يلتزموا ذلك . قلت : هو كما قال الفخر من عدم التزام هذا وقد بيّنتُ في «رسالة» لي في طهارة نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الكفر لا ينافي خلوص النسب النبوي خلوصاً جبليّاً لأنّ الخلوص المبحوث عنه هو الخلوص ممَّا يتعيّر به في العادة .والذي يظهر لي أنَّه : أنّ ( تارح ) لُقِّب في بلد غربة بلقب ( آزر ) باسم البلد الذي جاء منه ، ففي «معجم ياقوت» آزر بفتح الزاي وبالراء ناحية بين سوق الأهواز ورامهرمز . وفي الفصل الحادي عشر من سفر التكوين من التوراة أنّ بلد تارح أبي إبراهيم هو ( أور الكَلْدَانيين ). وفي «معجم ياقوت» ( أور ) بضم الهمزة وسكون الواو من أصقاع رامهرمز من خوزستان» . ولعلّه هو أور الكلدانيين أو جزء منه أضيف إلى سكّانه . وفي سفر التكوين أنّ ( تارح ) خرج هو وابنه إبراهيم من بلده أور الكلدانيين قاصديْن أرض كنعان وأنهما مرّا في طريقهما ببلد ( حَاران ) …

Al-An'aam 6:74Listen in Qur'an →
75

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith]

عطف على جملة : { قال إبراهيم لأبيه آزرَ أتتّخذ أصناماً آلهة } [ الأنعام : 74 ]. فالمعنى وإذ نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراءة لا إراءة أوضح منها في جنسها والإشارة بقوله : { وكذلك } إلى الإراء المأخوذ من قوله { نُري إبراهيم } أي مثل ذلك الإراء العجيب نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض . وهذا على طريقة قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً } [ البقرة : 143 ]. وقد تقدّم بيانه في سورة البقرة ، فاسم الإشارة في مثل هذا الاستعمال يلازم الإفراد والتذكير لأنَّه جرى مجرى المثل .وقوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } إشارة إلى حجّة مستنبطة من دلالة أحوال الموجودات على وجود صانعها .والرؤية هنا مستعملة للانكشاف والمعرفة ، فالإراءة بمعنى الكشف والتعريف ، فتشمل المبصرات والمعقولات المستدلّ بجميعها على الحق وهي إراءة إلهام وتوفيق ، كما في قوله تعالى : { أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } [ الأعراف : 185 ] ، فإبراهيم عليه السلام ابتُدىء في أوّل أمره بالإلهام إلى الحقّ كما ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤية الصادقة . ويجوز أن يكون المراد بالإراءة العلم بطريق الوحي . وقد حصلت هذه الإراءة في الماضي فحكاها القرآن بصيغة المضارع لاستحضار تلك الإراءة العجيبة كما في قوله تعالى : { الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } [ فاطر : 9 ].والملكوت اتَّفق أئمَّة اللغة على أنَّه مصدر كالرَغَبُوت والرّحَمُوت والرّهَبُوت والجَبَرُوت . وقالوا : إنّ الواو والتاء فيه للمبالغة . وظاهره أنّ معناه المِلك بكسر الميم لأنّ مصدر مَلك المِلك بكسر الميم ولمَّا كان فيه زيادة تفيد المبالغة كان معناه المِلك القوي الشديد . ولذلك فسَّره الزمخشري بالربوبية والإلهية . وفي «اللسان» : مُلْك الله وملكوته سلطانُه ولفلان ملكوت العراق ، أي سلطانه ومُلكه . وهذا يقتضي أنَّه مرادف للمُلك بضمّ الميم وفي طبعة «اللسان» في بولاق رُقمت على ميم مُلكه ضمّة .وفي «الإتقان» عن عكرمة وابن عبَّاس : أنّ الملكوت كلمة نَبَطِيَّة . فيظهر أنّ صيغة ( فعلوت ) في جميع الموارد التي وردت فيها أنَّها من الصيغ الدخيلة في اللغة العربية ، وأنَّها في النبطيّة دالَّة على المبالغة ، فنقلها العرب إلى لغتهم لِما فيها من خصوصية القوّة . ويستخلص من هذا أنّ الملكوت يطلق مصدراً للمبالغة في المِلك ، وأنّ المُلك ( بالضمّ ) لما كان مِلكاً ( بالكسر ) عظيماً يطلق عليه أيضاً المَلَكُوت . فأمَّا في هذه الآية فهو مجاز على كلا الإطلاقين لأنَّه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول ، وهو المملوك ، كالخَلق على المخلوق ، إمَّا من المِلك بكسر الميم أو من المُلك بضمِّها .وإضافة ملكوت السماوات والأرض على معنى ( في ). والمعنى ما يشمله المُلك أو الملك ، والمُراد مُلك الله . والمعنى نكشف لإبراهيم دلائل مخلوقاتنا أو عظمة سلطاننا كشفاً يطلعه على حقائقها ومعرفة أن لا خالق ولا متصرّف فيما كشفنا له سوانا .وعُطِف قوله : { وليَكون من الموقنين } على قوله : { وكذلك } لأنّ { وكذلك } أفاد كون المشبَّه به تعليماً فائقاً . ففهم منه أنّ المشبَّه به علّة لأمر مهمّ هو من جنس المشبَّه به . فالتقدير : وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراء تبصير وفهم ليَعْلم علماً على وفق لذلك التفهيم ، وهو العلم الكامل وليكون من الموقنين . وقد تقدّم بيان هذا عند تفسير قوله تعالى : { وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } في هذه السورة [ 56 ].والموقن هو العالم علماً لا يقبل الشكّ ، وهو الإيقان . والمراد الإيقان في معرفة الله تعالى وصفاته . وقوله : وليكون من الموقنين } أبلغ من أن يقال : وليكون موقناً كما تقدّم عند قوله تعالى : { قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين } في هذه السورة [ 56 ].

Al-An'aam 6:75Listen in Qur'an →
76

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord." But when it set, he said, "I like not those that disappear."

{ فلمَّا جنّ } تفريع على قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ] بقرينة قوله : { رأى كوكباً } فإنّ الكوكب من ملكوت السماوات ، وقولِه في المعطوف عليه { نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ]. فهذه الرؤية الخاصّة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب فيه إبكات لقومه مُلجىء إيّاهم للاعتراف بفساد معتقدهم ، هي فرع من تلك الإراءة التي عمَّت ملكوت السماوات والأرض ، لأنّ العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتِّصال بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبّب ، ولذلك نعُدّ جعل الزمخشري { فلما جنّ } عطفاً على { قال إبراهيم لأبيه } [ الأنعام : 74 ] ، وجعْله ما بينهما اعتراضاً ، غيرَ رشيق .وقوله : { جَنّ عليه الليل } أي أظلم الليل إظلاماً على إبراهيم ، أي كان إبراهيم محوطاً بظلمة الليل ، وهو يقتضي أنَّه كان تحت السَّماء ولم يكن في بيت .ويؤخذ من قوله بعده { قال يا قوم إنِّي بريء مِمَّا تشركون } أنَّه كان سائراً مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب ، وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ويصوّرون لها أصناماً . وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم .يقال : جَنَّة الليل ، أي أخفاه ، وجَنان الليل بفتح الجيم ، وجنُّه : ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد . يقال : جنَّة الليل ، وهو الأصل . ويقال : جَنّ عليه الليل ، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتَّى صارت كأنَّها غطاء ، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جنّ اللَّيل قاصراً بمعنى أظلم .وظاهر قوله : { رأى كوكباً } أنَّه حصلت له رؤية الكواكب عَرَضاً من غير قصد للتأمّل وإلاّ فإنّ الأفق في الليل مملوء كواكبَ ، وأنّ الكواكب كان حين رآه واضحاً في السماء مشرقاً بنوره ، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء . فالظاهر أنَّه رأى كوكباً من بينها شديد الضوء . فعن زيد بن علي أنّ الكوكب هو الزهرة . وعن السدّي أنَّه المشتري . ويجوز أن يكون نَظَر الكواكب فرأى كوكباً فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل { أننِ اضربْ بعصاك البحر فانفلق } [ الشعراء : 63 ] ، أي فضرب فانفلق . وجملة { رأى كوكباً } جواب { لمَّا }.والكوكب : النجم .وجملة : { قال هذا ربِّي } مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن مضمون جملة { رأى كوكباً } وهو أن يسأل سائل : فماذا كان عندما رآه ، فيكون قوله : { قال هذا ربِّي } جوباً لذلك .واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكنْ إجراؤه على نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس { هذا ربِّي هذا ربِّي } يعيّن أنّ يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمراً مطلوباً مبحوثاً عنه فإذا عُثر عليه أشير إليه ، وذلك كالإشارة في قوله تعالى : { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث } [ الروم : 56 ] ، وقوله : { قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه }[ يوسف : 32 ] ولم يقل فهو الذي لمتنني . ولعلّ منه قوله : { هذه بضاعتُنا رُدّت إلينا } [ يوسف : 65 ] إذ لم يقتصروا على «بضاعتُنا ردّت إلينا» . وفي «صحيح البخاري» قال الأحنف بن قيس : «ذَهَبْتُ لأنْصُر هذا الرجل» ( يعني عليّ بن أبي طالب ) ولم يتقدّم له ذكر ، لأنّ عليّاً وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفّين ، وسيأتي قوله تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء } [ الأنعام : 89 ] يعني كفَّار قريش ، وفي حديث سؤال القبر : " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " ( يعني الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي أهملها علماء البلاغة فيصحّ هنا أن يجعل مستعملاً في معنييه الصريح والكناية .وتعريف الجزأين مفيد للقصر لأنَّه لم يقل : هذا ربّ . فدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام أراد استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنَّه لا يَرى تعدّد الآلهة ليصل بهم إلى التوحد واستبقى واحداً من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية …

Al-An'aam 6:76Listen in Qur'an →
77

فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

وقوله : { فلمّا رأى القمر بازغاً } الخ عطف على جملة محذوفة دلّ عليها الكلام . والتقدير : فطلع القمر فلَّما رآه بازغاً ، فحذفت الجملة للإيجاز وهو يقتضي أنّ القمر طلع بعد أفول الكوكب ، ولعلّه اختار لمحاجّة قومه الوقت الذي يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر بقرب ذلك ، وأنَّه كان آخر اللَّيل ليعقبهما طلوع الشمس .وأظْهِر اسمُ { القمر } لأنَّه حذف معاد الضمير . والبازغ : الشارق في ابتداء شروقه ، والبُزُوغ ابتداء الشروق .وقوله { هذا ربِّي } أفاد بتعريف الجزأين أنَّه أكثر ضوءاً من الكوكب فإذا كان استحقاق الإلهية بسبب النّور فالذي هو أشدّ نوراً أولى بها من الأضعف . واسم الإشارة مستعمل في معناه الكنائي خاصّة وهو كون المشار إليه مطلوباً مبحوثاً عنه كما تقدّم آنفاً .وقوله : { فلَّما أفل قال لَئن لم يهدني ربِّي لأكونَنّ من القوم الضالِّين } قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الربّ الحقّ وأنَّه واحد ، وأنّ الكوكب والقمر كليهما لا يستحقَّان ذلك مع أنَّه عَرّض في كلامه بأنّ له ربّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك لأنَّهم قائلون بعدّة أرباب . وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأنّ له ربّاً غير الكواكب . ثم عَرّض بقومه أنَّهم ضالّون وهيّأهم قبل المصارحة للعلم بأنَّهم ضالّون ، لأنّ قوله : { لأكونَنّ من القوم الضالّين } يُدخِل على نفوسهم الشكّ في معتقدهم أن يكون ضلالاً ، ولأجل هذا التعريض لم يقل : لأكوننّ ضالاّ ، وقال { لأكوننّ من القوم الضالّين } ليشير إلى أنّ في النَّاس قوماً ضالّين ، يعني قومه .وإنَّما تريَّث إلى أفول القمر فاستدلّ به على انتفاء إلهيته ولم ينفها عنه بمجرّد رؤيته بازغاً مع أنّ أفوله محقّق بحسب المعتاد لأنَّه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول لأنّ المشاهدة أقوى .

Al-An'aam 6:77Listen in Qur'an →
78

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allah.

وقوله : { فلمَّا رأى الشمس بازغة } أي في الصباح بعد أن أفل القمر ، وذلك في إحدى الليالي التي يغرب فيها القمر قبيل طلوع الشمس لأنّ الظاهر أنّ هذا الاستدلال كلّه وقع في مجلس واحد .وقوله للشمس { هذا ربِّي } باسم إشارة المذكّر مع أنّ الشمس تجري مجرى المؤنّث لأنّه اعتبرها ربّاً ، فروعي في الإشارة معنى الخبر ، فكأنَّه قال : هذا الجرْم الذي تدعونه الشمس تبيّن أنَّه هو ربِّي . وجملة { هذا ربي } جارية مجرى العلَّة لجملة { هذا ربِّي } المقتضية نقض ربوبية الكوكب والقمر وحصر الرّبوبيّة في الشمس ونفيها عن الكوكب والقمر ، ولذلك حذف المُفضّل عليه لظهوره ، أي هو أكبر منهما ، يعني أن الأكبر الأكثر إضاءة أولى باستحقاق الإلهية .وقوله : { قال يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون } ، إقناع لهم بأنْ لا يحاولوا موافقته إيَّاهم على ضلالهم لأنَّه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب التي عبدوها فقد انتفى عمَّا دونها بالأحرى .والبريء فعيل بمعنى فَاعِل من بَرىءَ بكسر الرّاء لا غير يَبرَأ بفتح الرّاء لا غير بمعنى تفصّى وتنزّه ونفَى المخالطة بينه وبين المجرور ب ( مِن ). ومنه { أن الله بريء من المشركين } [ التوبة : 3 ] ، { فبرّأهُ الله ممَّا قالُوا } [ الأحزاب : 69 ] ، { وما أبرّىء نفسي } [ يوسف : 53 ]. فمعنى قوله { بريء } هنا أنَّه لا صلة بينه وبين ما يشركون .والصلة في هذا المقام هي العبادة إن كان ما يشركون مراداً به الأصنام ، أو هي التلبّس والاتِّباع إن كان ما يشركون بمعنى الشرك .والأظهر أنّ ( ما ) في قوله { ما تشركون } موصولة وأنّ العائد محذوف لأجل الفاصلة ، أي ما تشركون به ، كما سيأتي في قوله : { ولا أخاف ما تشركون به } [ الأنعام : 80 ] لأنّ الغالب في فعل البراءة أن يتعلَّق بالذوات ، ولئلاّ يتكرّر مع قوله بعده { وما أنا من المشركين }.ويجوز أن تكون ( ما ) مصدرية ، أي من إشراككم ، أي لا أتقلَّده .وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكاً لأنّ قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض ، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه ، ولقوله الآتي { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [ الأنعام : 82 ].

Al-An'aam 6:78Listen in Qur'an →
79

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, I have turned my face toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allah."

وجملة { إنّي وجَّهْت وَجْهِي } بمنزلة بدل الاشتمال من جملة { إنِّي بريء ممّا تشركون } ، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله ، وهو إفراده بالعبادة . والوجه في قوله : { وجهي }.و { وجّهت } مشتقّ من الجهة والوجهة ، أي صرفته إلى جهة ، أي جعلت كذا جهة له يقصدها . يقال : وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه . ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو ، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه ، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر . فمعنى { وجَّهت وجهي } صرفتُه وأدرته . وهذا تمثيل : شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره .وأتي بالموصول في قوله : { للذي فطر السماوات والأرض } ليومىء إلى علّة توجّهه إلى عبادته ، لأنّ الكواكب من موجودات السماء ، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى .وفعل ( وجَّه ) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى ، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء ، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول : توجّهت للحبيب ، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام ، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة .وفَطَر : خلَق ، وأصل الفَطْر الشقّ . يقال فطر فطوراً إذا شقّ قال تعالى { فارجع البصر هل تَرى من فُطُور } [ الملك : 3 ] أي اختلال ، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه ، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه ، وهذا كما يقال : الفَتق والفَلْق ، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل .و { حنيفاً } حال من ضمير المتكلّم في { وجهتُ }.وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى : { قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً } في سورة [ البقرة : 135 ].وجملة : وما أنا من المشركين } عطف على الحال ، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلاً بالمشركين وفي عدادهم .فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم ، وقد جمعهما أيضاً في سورة [ الممتحنة : 4 ] إذ قال { إنّا بُرَآء منكم وممّا تعبدون من دون الله }وأفادت جملة { وما أنا من المشركين } تأكيداً لجملة { إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً } ، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّىء من أن يكون من المشركين .وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات { هذا ربِّي } هو مناظرة لقومه واستدراج لهم ، وأنّه كان موقناً بنفي إلهيتها ، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه . ومن المفسّرين من قال : إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله : { لئن لم يهدني ربِّي } ، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط ، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية ، كما بيّنّاه في موضعه ، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض . على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها ، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه .فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى ، فيكون قوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [ الأنعام : 75 ] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه ، ويكون قوله : { رأى كوكباً } بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل ، ويكون قوله : { قال هذا ربِّي } قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه ، وهو حديث النفس ، كقول النابغة في كلب صيد: ... قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاًوإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد ... وقول العَجّاج في …

Al-An'aam 6:79Listen in Qur'an →
80

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allah while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

لمّا أعلن إبراهيم عليه السلام معتَقَده لقومه أخذوا في محاجّته ، فجملة { وحاجَّة } عطف على جملة { إنِّي وجَّهْتُ وجهِي للذي فطر السماوات والأرض } [ الأنعام : 79 ]. وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلَّة بالإخبار بمضمونها مع أنّ تفرّع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام .والمحاجَّة مفاعلة متصرّفة من الحُجَّة ، وهي الدّليل المؤيّد للدعوى . ولا يعرف لهذه المفاعلة فعْل مجرّد بمعنى استدلّ بحجّة ، وإنَّما المعروف فِعْل حَجّ إذا غَلب في الحُجَّة ، فإن كانت احتجاجاً من الجانبين فهي حقيقة وهو الأصل ، وإن كانت من جانب واحد باعتبار أنّ محاول الغَلَب في الحجَّة لا بدّ أن يتلقَّى من خصمه ما يرُدّ احتجاجه فتحصل المحاولة من الجانبين ، فبذلك الاعتبار أطلق على الاحتجاج محاجَّة ، أو المفاعلة فيه للمبالغة . والأوْلى حملها هنا على الحقيقة بأن يكون المعنى حصول محاجَّة بينهم وبين إبراهيم .وذكر الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره : أنّ صيغة المفاعلة تقتضي أنّ المجعول فيها فاعلاً هو البادىء بالمحاجَّة ، وأنّ بعض العلماء استشكل قوله تعالى في سورة [ البقرة : 258 ] { ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيمَ في ربِّه } حيث قال : { إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت } [ البقرة : 258 ]. فبدأ بكلام إبراهيم وهو مفعول الفعل وأجاب بأنّ إبراهيم بدأ بالمقاولة ونمروذ بدأ المحاجَّة . ولم يذكر أئمَّة اللّغة هذا القيد في استعمال صيغة المفاعلة . ويجوز أن يكون المراد هنا أنَّهم سلكوا معه طريق الحجَّة على صحَّة دينهم أو على إبطال معتقده وهو يسمع ، فجعل سماعه كلامهم بمنزلة جواب منه فأطلق على ذلك كلمة المحاجَّة . وأبهم احتجاجهم هنا إذ لا يتعلَّق به غرض لأنّ الغرض هو الاعتبار بثبات إبراهيم على الحقّ . وحذف متعلّق { حاجّة } لدلالة المقام ، ودلالة ما بعده عليه من قوله : { أتحاجّوني في الله } الآيات .وقد ذكرت حججهم في مواضع في القرآن ، منها قوله في سورة [ الأنبياء : 52 56 ] { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين إلى قوله وأنا على ذلكم من الشاهدين } ، وقوله في سورة [ الشعراء : 72 ، 73 ] { قال هل يَسْمعونكم إذْ تدعون أو ينفعونكم أو يضُرّون الآيات } وفي سورة [ الصافات : 85 98 ] { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون إلى قوله فجعلناهم الأسفلين } وكلّها محاجَّة حقيقيّة ، ويدخل في المحاجّة ما ليس بحجَّة ولكنَّه ممّا يرونه حججاً بأن خوّفُوه غضب آلهتهم ، كما يدلّ عليه قوله : ولا أخاف ما تشركون به } الآية . والتقدير : وحاجّه قومه فقالوا : كيت وكيت .وجملة { قال أتحاجّوني في الله } جوابُ محاجَّتهم ، ولذلك فصلت ، على طريقة المحاورات كما قدّمناه في قوله تعالى : { وإذ قال ربّك للملائكة إنِّي جاعل في الأرض خليفة } في سورة [ البقرة : 30 ] ، فإن كانت المحاجَّة على حقيقة المفاعلة فقوله أتحاجّوني } غلق لباب المجادلة وخَتْم لها ، وإن كانت المحاجّة مستعملة في الاحتجاج فقوله : { أتحاجّوني } جواب لمحاجّتهم ، فيكون كقوله تعالى :{ فإن حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي لله } [ آل عمران : 20 ]. والاستفهام إنكار عليهم وتأييس من رجوعه إلى معتقدهم .و { في } للظرفية المجازية متعلّقة ب { تحاجّوني } ودخولها على اسم الجلالة على تقدير مضاف ، لأنّ المحاجَّة لا تكون في الذّوات ، فتعيّن تقدير ما يصلح له المقام وهو صفات الله الدّالَّة على أنَّه واحد ، أي في توحيد الله وهذا كقوله تعالى : { يُجَادلُنا في قوم لُوط } [ هود : 74 ] أي في استئصالهم .وجملة { وقد هدانِ } حال مؤكَّدة للإنكار ، أي لا جدوى لمحاجَّتكم إيّاي بعد أن هداني الله إلى الحقّ ، وشأن الحال المؤكّدة للإنكار أن يكون اتّصاف صاحبها بها معروفاً عند المخاطب . فالظاهر أنّ إبراهيم نزّلهم في خطابه منزلةَ من يعلم أنّ الله …

Al-An'aam 6:80Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.