قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.
المقصود: من هذه الآية الرَّدُّ على عبدةِ الأصنام، وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الأنعام: 56] .
فقوله: «أنَدْعُوا من دون الله» أي: أنعبد من دون الله النَّافِعِ الضَّارِّ ما لا يَقْدرُ لعى نَفْعِنَا إن عبدناهُ، ولا على ضرنا إن تركناه.
قوله: «أنّدْعُوا» استفهام توبيخ وإنكارن والجملة في مَحَلِّ نصب بالقول، و «ما» مفعولة ب «ندعوا» ، وهي موصولة أو نكرة موصوفة، و «مِنْ دون الله» متعلِّقٌ ب «ندعوا» .
قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في» يَنْفَعُنَا «ولا معمولاً ل» يَنْفَعُنَا «لتقدُّمهِ على» ما» ، والصلة والصفة لا تَعْملُ فيما قبل الموصول والموصوف.
قوله: «من الضمير في يَنْفعنَا» يعني به المرفوع العائد على» ما «وقوله:» لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف «يعني: أن» ما «لا تخرج عن هذين القسمين ولكن يجوز أن يكون» من دون «حالاً من» ما» نفسها على قوله؛ إذ لم يجعل المانع من جعله حالاً من ضميره الذي في «يَنْفَعُنَا» إلاَّ صِناعِياً لا معنوياً، ولا فرق بين الظاهر وضميره بمعنى أنه إذا جازَ أن يكون حالاً من ظاهره، جاز أن يكون حالاً من ضميره، إلا أن يمنع مَانِعٌ.
قوله: «ونُرَدُّ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه نَسَقٌ على» نَدْعُوا «فهو داخل في حيِّز الاستفهام المُتَسَلِّطِ عليه القَوْلُ.
الثاني: أنه حالٌ على إضمار مبتدأ؛ أي: ونحن نُرَدُّ.
قال أبو حيَّان بعد نقله هنا عن أبي البقاء:» وهوضعيف لأضمار المبتدأ، ولأنها تكون حالاً مؤكّدة «، وفي كونها مؤكدة نظرٌ؛ لأن المؤكدة ما فهم معناها من الأوَّلِ، وكأنه يقول: من لازم الدعاء» من دون الله «الارتداد على العقب.
قوله:» عَلى أعْقَابِنَا» فيه وجهان:
أحدهما: أنه معلّق ب «نُرَدُّ» .
والثاني: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه حال من مرفوع» نرد «أي: نرد راجعين على أعْقابنا، أو منقلبين، أو متأخرين كذا قدَّرُوهُ، وهو تفسير معنى؛ إذا المُقَدَّرُ في مثله كونٌ مُطلقٌ، وهذا يحتمل أن يقال فيه: إنه حال مؤكدة، و» بعد إذ» مُتعلِّقٌ ب «نُرَدُّ» .
[ومعنى الآية: ونرد على أعقابنا إلى الشِّرْكِ مرتدين بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام.
يقال لكل من أعْرَضَ عن الحق إلى الباطل: إنه رجع إلى خَلْفٍ، ورجع على عَقِبَيْهِ، ورجع القَهْقَرى؛ لأن الأصل في الإنسان الجَهْلُ ثم يترقى ويتعلم حتى يتكاملن ويحصل له العلم.
قال تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: 78] فإذا رجع من العِلْمِ إلى الجَهْلِ مرة أخرى، فكأنه رجع إلى أوَّل أمره، فلهذا السبب يقال: فلان رُدَّ على عقبيه] .
قوله «كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ» في هذه الكاف وجهان:
أحدهما: أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوف؛ أي: نُرَدُّ رَدَّاً مثل ردِّ الذين.
الثاني: في مَحَلّ نصب على الحال من مرفوع «نرد» ، أي: نرد مُشْبهينَ الذي استهوته الشياطين، فمن جوَّز تعدُّدّ الحالِ جعلها حالاً ثانية، إن جعل «على أعقابنا» حالاً، ومن لم يُجَوِّزْ ذلك جعل هذه الحال بدلاً من الحال الأولى، أو لم يجعل على أعقابنا حالاً، بل معلّقاً ب «نرد» . الجمهور على «اسْتهْوتْهُ» بتاء التأنيث، وحمزة «اسْتَهْوَاهُ» وهو على قاعدته من الإمالة، والوجهان معروفان مما تقدم في ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: 61] وقرأ أبو عبد الرحمن والأعمش: «اسْتَهْوَتْهُ الشَّيْطانُ» بتأنيث الفعل، والشيطان مفرداً.
قال الكسائي: «وهي كذلك في مصحف ابن مسعود» ، وتوجيه هذه القراءة أنَّا نُؤوِّل المذكربمؤنث كقولهم: «أتته كتابي فاحتقرها» ؛ أي: صحيفتي، وتقدَّم له نظائر.
وقرأ الحسن البصري: «الشَّيَاطُون» وجعلوها لَحْناً، ولا تَصِلُ إلى الَّحْنِ، إلا أنها لُغَيّةٌ رديئة، سُمِع: حول بسان فلان بساتون وله سلاطون، …