Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 165

71

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ ارْتِدادَ بَعْضِ قَرابَتِهِمْ أوْ مَن لَهم بِهِ صِلَةٌ. كَما ورَدَ في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وما لَقِيَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ

صفحة ٣٠٠

مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ وإلّا فَإنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً. وحاوَلَ المُشْرِكُونَ صَرْفَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وهم يُرْضُونَهُ بِما أحَبَّ كَما ورَدَ في خَبَرِ أبِي طالِبٍ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَأْيِيسٌ، وجِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ الكَلامَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٧٠] مُتَعَلِّقٌ بِـ نَدْعُو. والمُرادُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ الأصْنامُ، فَإنَّها حِجارَةٌ مَشاهَدٌ عَدَمُ نَفْعِها وعَجْزُها عَنِ الضُّرِّ، ولَوْ كانَتْ تَسْتَطِيعُ الضُّرَّ لَأضَرَّتْ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهم خَلَعُوا عِبادَتَها وسَفَّهُوا أتْباعَها وأعْلَنُوا حَقارَتَها، فَلَمّا جَعَلُوا عَدَمَ النَّفْعِ ولا الضُّرِّ عِلَّةً لِنَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَقَدْ كَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِمُ النّافِعَ الضّارَّ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ. والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُؤْتى مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] .

والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهي مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وعَقِبُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وآخِرُهُ ويُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ وعَلى عَقِبَيْهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِمَعْنى رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ جاعِلًا إيّاهُ وراءَهُ فَرَجَعَ.

وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ رَجَعَ عَلى طَرِيقِ جِهَةِ عَقِبِهِ، كَما يُقالُ: رَجَعَ وراءَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ تَمْثِيلًا شائِعًا في التَّلَبُّسِ بِحالَةٍ ذَمِيمَةٍ كانَ فارَقَها صاحِبُها ثُمَّ عادَ إلَيْها وتَلَبَّسَ بِها، وذَلِكَ أنَّ الخارِجَ إلى سَفَرٍ أوْ حاجَةٍ فَإنَّما يَمْشِي إلى غَرَضٍ يُرِيدُهُ فَهو يَمْشِي القُدُمِيَّةَ فَإذا رَجَعَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى غَرَضِهِ فَقَدْ أضاعَ مَشْيَهُ، فَيُمَثَّلُ حالُهُ بِحالِ مَن رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ» . فَكَذَلِكَ في الآيَةِ هو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْتَدِّ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بِحالِ مَن خَرَجَ في مُهِمٍّ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ولَمْ يَقْضِ ما خَرَجَ لَهُ. وهَذا أبْلَغُ في تَمْثِيلِ سُوءِ الحالَةِ مِن أنْ يُقالَ: ونَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.

وقَدْ أُضِيفَ ”بَعْدَ“ إلى ”إذْ هَدانا“ وكِلاهُما اسْمُ زَمانٍ، فَإنَّ بَعْدَ يَدُلُّ عَلى

صفحة ٣٠١

الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَنْ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] وإذا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَرَّفٍ بِشَيْءٍ، فَـ إذا اسْمُ زَمَنٍ مُتَصَرِّفٍ مُرادٌ بِهِ الزَّمانُ ولَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ. والمَعْنى بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي هَدانا اللَّهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

* * * …

Al-An'aam 6:71Listen in Qur'an →
72

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ ارْتِدادَ بَعْضِ قَرابَتِهِمْ أوْ مَن لَهم بِهِ صِلَةٌ. كَما ورَدَ في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وما لَقِيَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ

صفحة ٣٠٠

مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ وإلّا فَإنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً. وحاوَلَ المُشْرِكُونَ صَرْفَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وهم يُرْضُونَهُ بِما أحَبَّ كَما ورَدَ في خَبَرِ أبِي طالِبٍ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَأْيِيسٌ، وجِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ الكَلامَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٧٠] مُتَعَلِّقٌ بِـ نَدْعُو. والمُرادُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ الأصْنامُ، فَإنَّها حِجارَةٌ مَشاهَدٌ عَدَمُ نَفْعِها وعَجْزُها عَنِ الضُّرِّ، ولَوْ كانَتْ تَسْتَطِيعُ الضُّرَّ لَأضَرَّتْ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهم خَلَعُوا عِبادَتَها وسَفَّهُوا أتْباعَها وأعْلَنُوا حَقارَتَها، فَلَمّا جَعَلُوا عَدَمَ النَّفْعِ ولا الضُّرِّ عِلَّةً لِنَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَقَدْ كَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِمُ النّافِعَ الضّارَّ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ. والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُؤْتى مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] .

والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهي مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وعَقِبُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وآخِرُهُ ويُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ وعَلى عَقِبَيْهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِمَعْنى رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ جاعِلًا إيّاهُ وراءَهُ فَرَجَعَ.

وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ رَجَعَ عَلى طَرِيقِ جِهَةِ عَقِبِهِ، كَما يُقالُ: رَجَعَ وراءَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ تَمْثِيلًا شائِعًا في التَّلَبُّسِ بِحالَةٍ ذَمِيمَةٍ كانَ فارَقَها صاحِبُها ثُمَّ عادَ إلَيْها وتَلَبَّسَ بِها، وذَلِكَ أنَّ الخارِجَ إلى سَفَرٍ أوْ حاجَةٍ فَإنَّما يَمْشِي إلى غَرَضٍ يُرِيدُهُ فَهو يَمْشِي القُدُمِيَّةَ فَإذا رَجَعَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى غَرَضِهِ فَقَدْ أضاعَ مَشْيَهُ، فَيُمَثَّلُ حالُهُ بِحالِ مَن رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ» . فَكَذَلِكَ في الآيَةِ هو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْتَدِّ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بِحالِ مَن خَرَجَ في مُهِمٍّ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ولَمْ يَقْضِ ما خَرَجَ لَهُ. وهَذا أبْلَغُ في تَمْثِيلِ سُوءِ الحالَةِ مِن أنْ يُقالَ: ونَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.

وقَدْ أُضِيفَ ”بَعْدَ“ إلى ”إذْ هَدانا“ وكِلاهُما اسْمُ زَمانٍ، فَإنَّ بَعْدَ يَدُلُّ عَلى

صفحة ٣٠١

الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَنْ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] وإذا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَرَّفٍ بِشَيْءٍ، فَـ إذا اسْمُ زَمَنٍ مُتَصَرِّفٍ مُرادٌ بِهِ الزَّمانُ ولَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ. والمَعْنى بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي هَدانا اللَّهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

* * * …

Al-An'aam 6:72Listen in Qur'an →
73

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day He says, "Be," and it is, His word is the truth. And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen and the witnessed; and He is the Wise, the Acquainted.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ ارْتِدادَ بَعْضِ قَرابَتِهِمْ أوْ مَن لَهم بِهِ صِلَةٌ. كَما ورَدَ في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وما لَقِيَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ

صفحة ٣٠٠

مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ وإلّا فَإنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً. وحاوَلَ المُشْرِكُونَ صَرْفَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وهم يُرْضُونَهُ بِما أحَبَّ كَما ورَدَ في خَبَرِ أبِي طالِبٍ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَأْيِيسٌ، وجِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ الكَلامَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٧٠] مُتَعَلِّقٌ بِـ نَدْعُو. والمُرادُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ الأصْنامُ، فَإنَّها حِجارَةٌ مَشاهَدٌ عَدَمُ نَفْعِها وعَجْزُها عَنِ الضُّرِّ، ولَوْ كانَتْ تَسْتَطِيعُ الضُّرَّ لَأضَرَّتْ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهم خَلَعُوا عِبادَتَها وسَفَّهُوا أتْباعَها وأعْلَنُوا حَقارَتَها، فَلَمّا جَعَلُوا عَدَمَ النَّفْعِ ولا الضُّرِّ عِلَّةً لِنَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَقَدْ كَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِمُ النّافِعَ الضّارَّ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ. والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُؤْتى مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] .

والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهي مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وعَقِبُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وآخِرُهُ ويُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ وعَلى عَقِبَيْهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِمَعْنى رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ جاعِلًا إيّاهُ وراءَهُ فَرَجَعَ.

وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ رَجَعَ عَلى طَرِيقِ جِهَةِ عَقِبِهِ، كَما يُقالُ: رَجَعَ وراءَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ تَمْثِيلًا شائِعًا في التَّلَبُّسِ بِحالَةٍ ذَمِيمَةٍ كانَ فارَقَها صاحِبُها ثُمَّ عادَ إلَيْها وتَلَبَّسَ بِها، وذَلِكَ أنَّ الخارِجَ إلى سَفَرٍ أوْ حاجَةٍ فَإنَّما يَمْشِي إلى غَرَضٍ يُرِيدُهُ فَهو يَمْشِي القُدُمِيَّةَ فَإذا رَجَعَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى غَرَضِهِ فَقَدْ أضاعَ مَشْيَهُ، فَيُمَثَّلُ حالُهُ بِحالِ مَن رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ» . فَكَذَلِكَ في الآيَةِ هو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْتَدِّ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بِحالِ مَن خَرَجَ في مُهِمٍّ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ولَمْ يَقْضِ ما خَرَجَ لَهُ. وهَذا أبْلَغُ في تَمْثِيلِ سُوءِ الحالَةِ مِن أنْ يُقالَ: ونَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.

وقَدْ أُضِيفَ ”بَعْدَ“ إلى ”إذْ هَدانا“ وكِلاهُما اسْمُ زَمانٍ، فَإنَّ بَعْدَ يَدُلُّ عَلى

صفحة ٣٠١

الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَنْ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] وإذا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَرَّفٍ بِشَيْءٍ، فَـ إذا اسْمُ زَمَنٍ مُتَصَرِّفٍ مُرادٌ بِهِ الزَّمانُ ولَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ. والمَعْنى بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي هَدانا اللَّهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

* * * …

Al-An'aam 6:73Listen in Qur'an →
74

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said to his father Azar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّيَ أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ الَّتِي أُولاها ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] المُشْتَمِلَةِ عَلى الحُجَجِ والمُجادِلَةِ في شَأْنِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ، فَعُقِّبَتْ تِلْكَ الحُجَجُ بِشاهِدٍ مِن أحْوالِ الأنْبِياءِ بِذِكْرِ مُجادَلَةِ أوَّلِ رَسُولٍ أعْلَنَ التَّوْحِيدَ وناظَرَ في إبْطالِ الشِّرْكِ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ والمُناظَرَةِ السّاطِعَةِ، ولِأنَّها أعْدَلُ حُجَّةٍ في تارِيخِ الدِّينِ إذْ كانَتْ مُجادَلَةَ رَسُولٍ لِأبِيهِ ولِقَوْمِهِ، وكانَتْ أكْبَرَ حُجَّةٍ عَلى المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ أباهم لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا ولا مُقِرًّا لِلشِّرْكِ في قَوْمِهِ، وأعْظَمُ حُجَّةٍ لِلرَّسُولِ ﷺ إذْ جاءَهم بِالإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ.

والكَلامُ في افْتِتاحِ القِصَّةِ بِـ ”إذْ“ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وآزَرُ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أبُو إبْراهِيمَ. ولا شَكَّ أنَّهُ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ أبا إبْراهِيمَ اسْمُهُ آزَرُ فَإنَّ العَرَبَ كانُوا مُعْتَنِينَ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَسَبِهِ وأبْنائِهِ. ولَيْسَ مِن عادَةِ القُرْآنِ التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ أسْماءِ غَيْرِ الأنْبِياءِ فَما ذُكِرَ اسْمُهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا لِقَصْدٍ سَنَذْكُرُهُ. ولَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْمَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. والَّذِي في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ (تارَحُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فَألِفٍ فَراءٍ مَفْتُوحَةٍ فَحاءٍ مُهْمَلَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: لا خِلافَ بَيْنَ النَّسّابِينَ في أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ تارَحُ. وتَبِعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الجُوَيْنِيُّ الشّافِعِيُّ في تَفْسِيرِ النُّكَتِ. وفي كَلامِهِما نَظَرٌ لِأنَّ الِاخْتِلافَ المَنفِيَّ إنَّما هو في أنَّ آزَرَ اسْمٌ لِأبِي إبْراهِيمَ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ بَيْنَ قَوْمِهِ أوْ غَيْرِهِمْ أوْ في لُغَةٍ أُخْرى غَيْرَ لُغَةِ قَوْمِهِ. ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ (آزَرَ) وصْفٌ.

صفحة ٣١١

قالَ الفَخْرُ: قِيلَ مَعْناهُ الهَرِمُ بِلُغَةِ خُوارَزْمَ، وهي الفارِسِيَّةُ الأصْلِيَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الضَّحّاكِ: (آزَرُ) الشَّيْخُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ بِلُغَةِ الفُرْسِ (آزَرُ) . وقالَ ابْنُ إسْحاقَ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والضَّحّاكُ: اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ تارَحُ وآزَرُ لَقَبٌ لَهُ مِثْلَ يَعْقُوبَ المُلَقَّبِ إسْرائِيلَ، وقالَ مُجاهِدٌ: (آزَرُ) اسْمُ الصَّنَمِ الَّذِي كانَ يَعْبُدُهُ أبُو إبْراهِيمَ فَلُقِّبَ بِهِ. وأظْهَرُ مِنهُ أنْ يُقالَ: أنَّهُ الصَّنَمُ الَّذِي كانَ أبُو إبْراهِيمَ سادِنُ بَيْتِهِ.

وعَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ ‌والفَرّاءِ: (آزَرُ) كَلِمَةُ سَبٍّ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى المُعْوَجِّ، أيْ عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ. وهَذا وهْمٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ لَفْظٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ لَيْسَ بِعَلَمٍ ولا بِمُعَرَّبِ في القُرْآنِ. فَإنَّ المُعَرَّبَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ لَفْظًا غَيْرَ عَلَمٍ نَقَلَهُ العَرَبُ إلى لُغَتِهِمْ. وفي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: أنَّ مِنَ الوُجُوهِ أنْ يَكُونَ (آزَرُ) عَمَّ إبْراهِيمَ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الأبِ لِأنَّ العَمَّ قَدْ يُقالُ لَهُ: أبٌ. ونُسِبَ هَذا إلى مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. وهَذا بَعِيدٌ لا يَنْبَغِي المَصِيرُ إلَيْهِ فَقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ …

Al-An'aam 6:74Listen in Qur'an →
75

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith]

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] . فالمَعْنى وإذْ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ إرادَةً لا إرادَةَ أوْضَحَ مِنها في جِنْسِها والإشارَةُ بِقَوْلِهِ وكَذَلِكَ إلى الإراءِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ العَجِيبِ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فاسْمُ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا الِاسْتِعْمالِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ.

وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى حُجَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِن دَلالَةِ أحْوالِ المَوْجُوداتِ عَلى وُجُودِ صانِعِها.

والرُّؤْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ لِلِانْكِشافِ والمَعْرِفَةِ، فالإراءَةُ بِمَعْنى الكَشْفِ والتَّعْرِيفِ، فَتَشْمَلُ المُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ المُسْتَدَلَّ بِجَمِيعِها عَلى الحَقِّ وهي إراءَةُ إلْهامٍ وتَوْفِيقٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتُدِئَ في أوَّلِ أمْرِهِ بِالإلْهامِ إلى الحَقِّ كَما ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإراءَةِ العِلْمُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ. وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ الإراءَةُ في الماضِي فَحَكاها القُرْآنُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الإراءَةِ العَجِيبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] .

والمَلَكُوتُ اتَّفَقَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالرَّغَبُوتِ والرَّحَمُوتِ والرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ. وقالُوا: إنَّ الواوَ والتّاءَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. وظاهِرُهُ أنَّ مَعْناهُ المِلْكُ بِكَسْرِ المِيمِ لِأنَّ مَصْدَرَ مَلَكَ المِلْكُ بِكَسْرِ المِيمِ ولَمّا كانَ فِيهِ زِيادَةٌ تُفِيدُ المُبالَغَةَ كانَ مَعْناهُ المِلْكَ القَوِيَّ الشَّدِيدَ. ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ.

صفحة ٣١٦

وفِي اللِّسانِ: مُلْكُ اللَّهِ ومَلَكُوتُهُ سُلْطانُهُ ولِفُلانٍ مَلَكُوتُ العِراقِ، أيْ سُلْطانُهُ ومِلْكُهُ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ مُرادِفٌ لِلْمُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ وفي طَبْعَةِ اللِّسانِ في بُولاقَ رُقِّمَتْ عَلى مِيمِ مُلْكِهِ ضَمَّةٌ.

وفِي الإتْقانِ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَلَكُوتَ كَلِمَةٌ نَبَطِيَّةٌ. فَيَظْهَرُ أنَّ صِيغَةَ فَعَلَوْتٍ في جَمِيعِ المَوارِدِ الَّتِي ورَدَتْ فِيها أنَّها مِنَ الصِّيَغِ الدَّخِيلَةِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّها في النَّبَطِيَّةِ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ، فَنَقَلَها العَرَبُ إلى لُغَتِهِمْ لِما فِيها مِن خُصُوصِيَّةِ القُوَّةِ. ويُسْتَخْلَصُ مِن هَذا أنَّ المَلَكُوتَ يُطْلَقُ مَصْدَرًا لِلْمُبالَغَةِ في المُلْكِ، وأنَّ المُلْكَ (بِالضَّمِّ) لَمّا كانَ مِلْكًا (بِالكَسْرِ) عَظِيمًا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أيْضًا المَلَكُوتُ.

فَأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهو مُجازٌ عَلى كِلا الإطْلاقَيْنِ لِأنَّهُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، وهو المَمْلُوكُ، كالخَلْقِ عَلى المَخْلُوقِ، إمّا مِنَ المِلْكِ بِكَسْرِ المِيمِ أوْ مِنَ المُلْكِ بِضَمِّها.

وإضافَةُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى مَعْنى (في) . والمَعْنى ما يَشْمَلُهُ المُلْكُ أوِ المِلْكُ، …

Al-An'aam 6:75Listen in Qur'an →
76

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord." But when it set, he said, "I like not those that disappear."

صفحة ٣١٧

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.

وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.

ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.

صفحة ٣١٨

يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.

واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ …

Al-An'aam 6:76Listen in Qur'an →
77

فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

صفحة ٣١٧

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.

وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.

ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.

صفحة ٣١٨

يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.

واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ …

Al-An'aam 6:77Listen in Qur'an →
78

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allah.

صفحة ٣١٧

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.

وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.

ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.

صفحة ٣١٨

يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.

واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ …

Al-An'aam 6:78Listen in Qur'an →
79

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, I have turned my face toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allah."

صفحة ٣١٧

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.

وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.

ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.

صفحة ٣١٨

يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.

واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ …

Al-An'aam 6:79Listen in Qur'an →
80

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allah while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ .

لَمّا أعْلَنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَقَدَهُ لِقَوْمِهِ أخَذُوا في مُحاجَّتِهِ، فَجُمْلَةُ وحاجَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .

وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً بِالإخْبارِ بِمَضْمُونِها مَعَ أنَّ تَفَرُّعَ مَضْمُونِها عَلى ما قَبْلَها مَعْلُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ.

صفحة ٣٢٦

والمُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ مِنَ الحُجَّةِ، وهي الدَّلِيلُ المُؤَيِّدُ لِلدَّعْوى. ولا يُعْرَفُ لِهَذِهِ المُفاعَلَةِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بِمَعْنى اسْتَدَلَّ بِحُجَّةٍ، وإنَّما المَعْرُوفُ فِعْلُ حَجَّ إذا غَلَبَ في الحُجَّةِ، فَإنْ كانَتِ احْتِجاجًا مِنَ الجانِبَيْنِ فَهي حَقِيقَةٌ وهو الأصْلُ، وإنْ كانَتْ مِن جانِبٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أنَّ مُحاوِلَ الغَلَبِ في الحُجَّةِ لا بُدَّ أنْ يَتَلَقّى مِن خَصْمِهِ ما يَرُدُّ احْتِجاجَهُ فَتَحْصُلُ المُحاوَلَةُ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أُطْلِقَ عَلى الِاحْتِجاجِ مُحاجَّةٌ، أوِ المُفاعَلَةُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. والأوْلى حَمْلُها هُنا عَلى الحَقِيقَةِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى حُصُولَ مُحاجَّةٍ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ.

وذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ تَفْسِيرِهِ: أنَّ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ تَقْتَضِي أنَّ المَجْعُولَ فِيها فاعِلًا هو البادِئُ بِالمُحاجَّةِ، وأنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] حَيْثُ قالَ ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . فَبَدَأ بِكَلامِ إبْراهِيمَ وهو مَفْعُولُ الفِعْلِ وأجابَ بِأنَّ إبْراهِيمَ بَدَأ بِالمُقاوَلَةِ ونُمْرُوذَ بَدَأ المُحاجَّةَ. ولَمْ يَذْكُرْ أئِمَّةُ اللُّغَةِ هَذا القَيْدَ في اسْتِعْمالِ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا أنَّهم سَلَكُوا مَعَهُ طَرِيقَ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ أوْ عَلى إبْطالِ مُعْتَقَدِهِ وهو يَسْمَعُ، فَجَعَلَ سَماعَهُ كَلامَهم بِمَنزِلَةِ جَوابٍ مِنهُ فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ كَلِمَةَ المُحاجَّةِ. وأبْهَمَ احْتِجاجَهم هُنا إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ لِأنَّ الغَرَضَ هو الِاعْتِبارُ بِثَباتِ إبْراهِيمَ عَلى الحَقِّ. وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ حاجَّهُ لِدَلالَةِ المَقامِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أتُحاجُّونِي في اللَّهِ﴾ الآياتِ.

وقَدْ ذُكِرَتْ حُجَجُهم في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ قالَ ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] الآياتِ، وفي سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] وكُلُّها مُحاجَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ويَدْخُلُ في المُحاجَّةِ ما لَيْسَ

صفحة ٣٢٧

بِحُجَّةٍ ولَكِنَّهُ مِمّا يَرَوْنَهُ حُجَجًا بِأنْ خَوَّفُوهُ غَضَبَ آلِهَتِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. …

Al-An'aam 6:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.