قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.
﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ ارْتِدادَ بَعْضِ قَرابَتِهِمْ أوْ مَن لَهم بِهِ صِلَةٌ. كَما ورَدَ في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وما لَقِيَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ
صفحة ٣٠٠
مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ وإلّا فَإنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً. وحاوَلَ المُشْرِكُونَ صَرْفَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وهم يُرْضُونَهُ بِما أحَبَّ كَما ورَدَ في خَبَرِ أبِي طالِبٍ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَأْيِيسٌ، وجِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ الكَلامَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٧٠] مُتَعَلِّقٌ بِـ نَدْعُو. والمُرادُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ الأصْنامُ، فَإنَّها حِجارَةٌ مَشاهَدٌ عَدَمُ نَفْعِها وعَجْزُها عَنِ الضُّرِّ، ولَوْ كانَتْ تَسْتَطِيعُ الضُّرَّ لَأضَرَّتْ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهم خَلَعُوا عِبادَتَها وسَفَّهُوا أتْباعَها وأعْلَنُوا حَقارَتَها، فَلَمّا جَعَلُوا عَدَمَ النَّفْعِ ولا الضُّرِّ عِلَّةً لِنَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَقَدْ كَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِمُ النّافِعَ الضّارَّ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ. والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُؤْتى مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] .
والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهي مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وعَقِبُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وآخِرُهُ ويُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ وعَلى عَقِبَيْهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِمَعْنى رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ جاعِلًا إيّاهُ وراءَهُ فَرَجَعَ.
وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ رَجَعَ عَلى طَرِيقِ جِهَةِ عَقِبِهِ، كَما يُقالُ: رَجَعَ وراءَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ تَمْثِيلًا شائِعًا في التَّلَبُّسِ بِحالَةٍ ذَمِيمَةٍ كانَ فارَقَها صاحِبُها ثُمَّ عادَ إلَيْها وتَلَبَّسَ بِها، وذَلِكَ أنَّ الخارِجَ إلى سَفَرٍ أوْ حاجَةٍ فَإنَّما يَمْشِي إلى غَرَضٍ يُرِيدُهُ فَهو يَمْشِي القُدُمِيَّةَ فَإذا رَجَعَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى غَرَضِهِ فَقَدْ أضاعَ مَشْيَهُ، فَيُمَثَّلُ حالُهُ بِحالِ مَن رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ» . فَكَذَلِكَ في الآيَةِ هو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْتَدِّ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بِحالِ مَن خَرَجَ في مُهِمٍّ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ولَمْ يَقْضِ ما خَرَجَ لَهُ. وهَذا أبْلَغُ في تَمْثِيلِ سُوءِ الحالَةِ مِن أنْ يُقالَ: ونَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.
وقَدْ أُضِيفَ ”بَعْدَ“ إلى ”إذْ هَدانا“ وكِلاهُما اسْمُ زَمانٍ، فَإنَّ بَعْدَ يَدُلُّ عَلى
صفحة ٣٠١
الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَنْ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] وإذا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَرَّفٍ بِشَيْءٍ، فَـ إذا اسْمُ زَمَنٍ مُتَصَرِّفٍ مُرادٌ بِهِ الزَّمانُ ولَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ. والمَعْنى بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي هَدانا اللَّهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * * …