Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 71–80 of 165

71

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

صفحة ٢٥

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وهي مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٦] فَقالَ: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا ولا عَلى ضُرِّنا، ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا راجِعِينَ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أنَقْذَنا اللَّهُ مِنهُ وهَدانا لِلْإسْلامِ ؟ ويُقالُ لِكُلِّ مَن أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ إنَّهُ رَجَعَ إلى خَلْفٍ، ورَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ورَجَعَ القَهْقَرى، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ هو الجَهْلُ، ثُمَّ إذا تَرَقّى وتَكامَلَ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ. قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] فَإذا رَجَعَ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ مَرَّةً أُخْرى فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أوَّلِ مَرَّةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ: فُلانٌ رُدَّ عَلى عَقِبَيْهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الإنْسانَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”اسْتَهْواهُ“ بِألِفٍ مُمالَةٍ عَلى التَّذْكِيرِ والباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يَصْلُحُ أنْ يُذَكَّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ويَصْلُحُ أنْ يُؤَنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُوِيِّ في الأرْضِ، وهو النُّزُولُ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ في قَعْرِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذا الضّالِّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ [الحَجِّ: ٣١] ولا شَكَّ أنَّ حالَ هَذا الإنْسانِ عِنْدَ هُوِيِّهِ مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ المُظْلِمَةِ يَكُونُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اتِّباعِ الهَوى والمَيْلِ، فَإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ رُبَّما بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أكْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الدَّهْشَةِ والضَّعْفِ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَيْرانَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ حارَ يَحارُ حَيْرَةً وحَيَرًا، وزادَ الفَرّاءُ حَيَرانًا وحَيْرُورَةً، ومَعْنى الحَيْرَةِ هي التَّرَدُّدُ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يَهْتَدِي إلى مَخْرَجِهِ. ومِنهُ يُقالُ: الماءُ يَتَحَيَّرُ في الغَيْمِ أيْ يَتَرَدَّدُ، وتَحَيَّرَتِ الرَّوْضَةُ بِالماءِ إذا امْتَلَأتْ فَتَرَدَّدَ فِيها الماءُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَثَلَ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ …

Al-An'aam 6:71Listen in Qur'an →
72

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

صفحة ٢٥

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وهي مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٦] فَقالَ: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا ولا عَلى ضُرِّنا، ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا راجِعِينَ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أنَقْذَنا اللَّهُ مِنهُ وهَدانا لِلْإسْلامِ ؟ ويُقالُ لِكُلِّ مَن أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ إنَّهُ رَجَعَ إلى خَلْفٍ، ورَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ورَجَعَ القَهْقَرى، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ هو الجَهْلُ، ثُمَّ إذا تَرَقّى وتَكامَلَ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ. قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] فَإذا رَجَعَ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ مَرَّةً أُخْرى فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أوَّلِ مَرَّةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ: فُلانٌ رُدَّ عَلى عَقِبَيْهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الإنْسانَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”اسْتَهْواهُ“ بِألِفٍ مُمالَةٍ عَلى التَّذْكِيرِ والباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يَصْلُحُ أنْ يُذَكَّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ويَصْلُحُ أنْ يُؤَنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُوِيِّ في الأرْضِ، وهو النُّزُولُ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ في قَعْرِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذا الضّالِّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ [الحَجِّ: ٣١] ولا شَكَّ أنَّ حالَ هَذا الإنْسانِ عِنْدَ هُوِيِّهِ مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ المُظْلِمَةِ يَكُونُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اتِّباعِ الهَوى والمَيْلِ، فَإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ رُبَّما بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أكْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الدَّهْشَةِ والضَّعْفِ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَيْرانَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ حارَ يَحارُ حَيْرَةً وحَيَرًا، وزادَ الفَرّاءُ حَيَرانًا وحَيْرُورَةً، ومَعْنى الحَيْرَةِ هي التَّرَدُّدُ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يَهْتَدِي إلى مَخْرَجِهِ. ومِنهُ يُقالُ: الماءُ يَتَحَيَّرُ في الغَيْمِ أيْ يَتَرَدَّدُ، وتَحَيَّرَتِ الرَّوْضَةُ بِالماءِ إذا امْتَلَأتْ فَتَرَدَّدَ فِيها الماءُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَثَلَ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ …

Al-An'aam 6:72Listen in Qur'an →
73

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day He says, "Be," and it is, His word is the truth. And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen and the witnessed; and He is the Wise, the Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَسادَ طَرِيقَةِ عَبْدَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا

صفحة ٢٧

مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ فِيها أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلائِلِ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أمّا كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، فَقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما بِالحَقِّ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ مالِكٌ لِكُلِّ الكائِناتِ، وتَصَرُّفُ المالِكِ في مُلْكِهِ حَسَنٌ وصَوابٌ عَلى الإطْلاقِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ حَسَنًا عَلى الإطْلاقِ وحَقًّا عَلى الإطْلاقِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ واقِعٌ عَلى وفْقِ مَصالِحِ المُكَلَّفِينَ مُطابِقٌ لِمَنافِعِهِمْ. قالَ القاضِي: ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ خَلَقَ المُكَلَّفَ أوَّلًا حَتّى يُمْكِنَهُ الِانْتِفاعُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولِحُكَماءِ الإسْلامِ في هَذا البابِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ يُقالُ: أوْدَعَ في هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ قُوًى وخَواصَّ يَصْدُرُ بِسَبَبِها عَنْها آثارٌ وحَرَكاتٌ مُطابَقَةٌ لِمَصالِحِ هَذا العالَمِ ومَنافِعِهِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ وخَلَقَ يَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ، والمُرادُ مِن هَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلدُّنْيا ولِكُلِّ ما فِيها مِنَ الأفْلاكِ والطَّبائِعِ والعَناصِرِ والخالِقِ لِيَوْمِ القِيامَةِ والبَعْثِ ولِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ عَلى سَبِيلِ كُنْ فَيَكُونُ.

والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (الحَقُّ) مُبْتَدَأٌ و﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ظَرْفٌ دالٌّ عَلى الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: قَوْلُهُ: (الحَقُّ) واقِعٌ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كَقَوْلِكَ: يَوْمَ الجُمْعَةِ القِتالُ، ومَعْناهُ القِتالُ واقِعٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ. والمُرادُ مِن كَوْنِ قَوْلِهِ حَقًّا في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ والصِّدْقِ؛ لِأنَّ أقْضِيَتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الجَوْرِ والعَبَثِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا مَلِكَ في يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فالمُرادُ بِالكَلامِ الثّانِي تَقْرِيرُ الحُكْمِ الحَقِّ المُبَرَّأِ عَنِ العَبَثِ والباطِلِ، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ القُدْرَةِ التّامَّةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دافِعَ لَها ولا مُعارِضَ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُ اللَّهِ حَقٌّ في كُلِّ وقْتٍ، وقُدْرَتُهُ كامِلَةٌ في كُلِّ وقْتٍ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا …

Al-An'aam 6:73Listen in Qur'an →
74

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said to his father Azar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَثِيرًا ما يَحْتَجُّ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ بِأحْوالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِهِ جَمِيعُ الطَّوائِفِ والمِلَلِ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ مُقِرِّينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ واليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ كُلُّهم مُعَظِّمُونَ لَهُ مُعْتَرِفُونَ بِجَلالَةِ قَدْرِهِ. فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ حِكايَةَ حالِهِ في مَعْرِضِ الِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا المَنصِبَ العَظِيمَ وهو اعْتِرافُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ بِفَضْلِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ لَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ كَما اتَّفَقَ لِلْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَ العَبْدِ مُعاهَدَةٌ. كَما قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فَإبْراهِيمُ وفّى بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى شَهِدَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ تارَةً وعَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ أُخْرى.

أمّا الإجْمالُ فَفي آيَتَيْنِ:

إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وهَذا شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ تَمَّمَ عَهْدَ العُبُودِيَّةِ.

والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وأمّا التَّفْصِيلُ: فَهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناظِرٌ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ القَوْلِ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ في مَقاماتٍ كَثِيرَةٍ.

فالمَقامُ الأوَّلُ: في هَذا البابِ مُناظَراتُهُ مَعَ أبِيهِ حَيْثُ قالَ لَهُ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] .

والمَقامُ الثّانِي: مُناظَرَتُهُ مَعَ قَوْمِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٦] .

والمَقامُ الثّالِثُ: مُناظَرَتُهُ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] .

والمَقامُ الرّابِعُ: مُناظَرَتُهُ مَعَ الكُفّارِ بِالفِعْلِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨] ثُمَّ إنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ بَذَلَ ولَدَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَعِنْدَ هَذا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مِنَ الفِتْيانِ؛ لِأنَّهُ سَلَّمَ قَلْبَهُ لِلْعِرْفانِ ولِسانَهُ لِلْبُرْهانِ وبَدَنَهُ لِلنِّيرانِ ووَلَدَهُ لِلْقُرْبانِ ومالَهُ لِلضِّيفانِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ رَبَّهُ فَقالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] فَوَجَبَ في كَرَمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَهُ ويُحَقِّقُ مَطْلُوبَهُ في هَذا السُّؤالِ، فَلا جَرَمَ أجابَ دُعاءَهُ، وقَبِلَ نِداءَهُ وجَعْلَهُ مَقْبُولًا لِجَمِيعِ الفِرَقِ والطَّوائِفِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ العَرَبُ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى مُناظَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ حُجَّةً عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في العالَمِ أحَدٌ يُثْبِتُ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا يُساوِيهِ في الوُجُوبِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ، لَكِنِ الثَّنَوِيَّةُ يُثْبِتُونَ إلَهَيْنِ، أحَدُهُما …

Al-An'aam 6:74Listen in Qur'an →
75

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الكافُ“ في كَذَلِكَ لِلتَّشْبِيهِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى غائِبٍ جَرى ذِكْرُهُ، والمَذْكُورُ هَهُنا فِيما قَبْلُ هو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَقْبَحَ عِبادَةَ الأصْنامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والمَعْنى: ومِثْلُ ما أرَيْناهُ مِن قُبْحِ عِبادَةِ الأصْنامِ نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ نُورَ جَلالِ اللَّهِ

صفحة ٣٥

تَعالى لائِحٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ ولا زائِلٍ البَتَّةَ، والأرْواحُ البَشَرِيَّةُ لا تَصِيرُ مَحْرُومَةً عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ إلّا لِأجْلِ حِجابٍ، وذَلِكَ الحِجابُ لَيْسَ إلّا الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِقَدْرِ ما يَزُولُ ذَلِكَ الحِجابُ يَحْصُلُ هَذا التَّجَلِّي فَقَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ إشارَةٌ إلى تَقْبِيحِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو حِجابٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا زالَ ذَلِكَ الحِجابُ لا جَرَمَ تَجَلّى لَهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ بِالتَّمامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ﴾ مَعْناهُ: وبَعْدَ زَوالِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ نُورُ تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) مَنشَأً لِهَذِهِ الفائِدَةِ الشَّرِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَذِهِ الإراءَةُ قَدْ حَصَلَتْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّمانِ، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: وكَذَلِكَ أرَيْنا إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلِمَ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ، وكَذَلِكَ كُنّا نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَكُونُ هَذا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنِ الماضِي. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ شافَهَ أباهُ الكَلامَ الخَشِنَ تَعَصُّبًا لِلدِّينِ الحَقِّ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَيْفَ بَلَغَ إبْراهِيمُ هَذا المَبْلَغَ العَظِيمَ في قُوَّةِ الدِّينِ، فَأُجِيبَ بِأنّا كُنّا نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ مِن وقْتِ طُفُولِيَّتِهِ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ مِنَ المُوقِنِينَ زَمانَ بُلُوغِهِ.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: وهو أعْلى وأشْرَفُ مِمّا تَقَدَّمَ، وهو أنّا نَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إراءَةِ اللَّهِ إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ هو مُجَرَّدُ أنْ يَرى إبْراهِيمُ هَذا المَلَكُوتَ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَراها فَيَتَوَسَّلَ بِها إلى مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وقُدْسِهِ وعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وإنْ كانَتْ مُتَناهِيَةً في الذَّواتِ وفي الصِّفاتِ، إلّا أنَّ جِهاتِ دَلالاتِها عَلى الذَّواتِ والصِّفاتِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإمامَ الوالِدَ عُمَرَ ضِياءَ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا القاسِمِ الأنْصارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ إمامَ الحَرَمَيْنِ يَقُولُ: مَعْلُوماتُ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ومَعْلُوماتُهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَعْلُوماتِ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في أحْيازٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، ويُمْكِنُ إنْصافُهُ بِصِفاتٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، وكُلُّ …

Al-An'aam 6:75Listen in Qur'an →
76

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord." But when it set, he said, "I like not those that disappear."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

صفحة ٣٩

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ …

Al-An'aam 6:76Listen in Qur'an →
77

فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

صفحة ٣٩

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ …

Al-An'aam 6:77Listen in Qur'an →
78

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allah.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

صفحة ٣٩

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ …

Al-An'aam 6:78Listen in Qur'an →
79

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, I have turned my face toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allah."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

صفحة ٣٩

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ …

Al-An'aam 6:79Listen in Qur'an →
80

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allah while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ المَذْكُورَةَ، فالقَوْمُ أوْرَدُوا عَلَيْهِ حُجَجًا عَلى صِحَّةِ أقْوالِهِمْ، مِنها أنَّهم تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] وكَقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ومِنها: أنَّهم خَوَّفُوهُ بِأنَّكَ لَمّا طَعَنْتَ في إلَهِيَّةِ هَذِهِ الأصْنامِ وقَعْتَ مِن جِهَةِ هَذِهِ الأصْنامِ في الآفاتِ والبَلِيّاتِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] فَذَكَرُوا هَذا الجِنْسَ مِنَ الكَلامِ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

فَأجابَ اللَّهُ عَنْ حُجَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾، يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ المُوجِبِ لِلْهِدايَةِ واليَقِينِ صِحَّةُ قَوْلِي، فَكَيْفَ يُلْتَفَتُ إلى حُجَّتِكُمُ العَلِيلَةِ، وكَلِماتِكُمُ الباطِلَةِ.

وأجابَ عَنْ حُجَّتِهِمُ الثّانِيَةِ وهي أنَّهم خَوَّفُوهُ بِالأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ لِأنَّ الخَوْفَ إنَّما يَحْصُلُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، والأصْنامُ جَماداتٌ لا تَقْدِرُ ولا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الخَوْفُ مِنها ؟

فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ لِلطَّلْسَماتِ آثارًا مَخْصُوصَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الخَوْفُ مِنها مِن هَذِهِ الجِهَةِ ؟

قُلْنا: الطَّلْسَمُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى تَأْثِيراتِ الكَواكِبِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قُوى الكَواكِبِ عَلى التَّأْثِيراتِ إنَّما يَحْصُلُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ الرَّجاءُ والخَوْفُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إلّا أنْ أُذْنِبَ فَيَشاءُ إنْزالَ العُقُوبَةِ بِي.

وثانِيها: إلّا أنْ يَشاءَ أنْ يَبْتَلِيَنِي بِمِحَنِ الدُّنْيا فَيَقْطَعَ عَنِّي بَعْضَ عاداتِ نِعَمِهِ.

وثالِثُها: إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي فَأخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ بِأنْ يُحْيِيَها ويُمَكِّنَها مِن ضُرِّي ونَفْعِي، ويُقَدِّرَها عَلى إيصالِ الخَيْرِ والشَّرِّ إلَيَّ.

واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لِلْإنْسانِ في مُسْتَقْبَلِ عُمْرِهِ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ، والحَمْقى مِنَ النّاسِ يَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما حَدَثَ ذَلِكَ المَكْرُوهُ بِسَبَبِ أنَّهُ طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَذَكَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ حَتّى لَوْ أنَّهُ حَدَثَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ لَمْ يُحْمَلْ عَلى هَذا السَّبَبِ.

صفحة ٤٩

ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَعْنِي أنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ فَلا يَفْعَلُ إلّا الصَّلاحَ والخَيْرَ والحِكْمَةَ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَحْدُثَ مِن مَكارِهِ الدُّنْيا فَذاكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى عُرِفَ وجْهُ الصَّلاحِ والخَيْرِ فِيهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أفَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ نَفْيَ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لا يُوجِبُ حُلُولَ العِقابِ ونُزُولَ …

Al-An'aam 6:80Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.