Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 165

71

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧١] ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ أيْ: أنَعْبُدُ مِن دُونِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا، إنْ دَعَوْناهُ، ولا ضُرِّنا إنْ تَرَكْناهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى (نَدْعُو)، داخِلٌ في حُكْمِ الإنْكارِ والنَّفْيِ. أيْ: ونُرَدُّ إلى الشِّرْكِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالرَّدِّ عَلى الأعْقابِ - لِزِيادَةِ تَقْبِيحِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما هو عَلَمٌ في القُبْحِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ الشِّرْكِ حالَةً قَدْ تُرِكَتْ ونُبِذَتْ وراءَ الظَّهْرِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: لِلْإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، وأنْقَذَنا مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَنَصِيرَ كالمُسْتَمِرِّ عَلى الضَّلالِ، بَلْ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ أيِ: اسْتَمالَتْهُ عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ مَرَدَةُ الجِنِّ ﴿فِي الأرْضِ﴾ القَفْرِ المُهْلِكَةِ ﴿حَيْرانَ﴾ أيْ: تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ، لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِهَذا المُسْتَهْوى: ﴿أصْحابٌ﴾ أيْ: رُفْقَةٌ: ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ أيْ: إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿ائْتِنا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: يَقُولُونَ: ائْتِنا. أيْ: وهو قَدِ اعْتَسَفَ المَهْمَهَ، تابِعًا لِلشَّياطِينِ، لا يُجِيبُهم ولا يَأْتِيهِمْ. فَشُبِّهَ حالُ مَن خَلَصَ مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ عادَ لَهُ، بِحالِ مَن ذَهَبَ بِهِ المَرَدَةُ في مَهْمَهٍ بَعْدَ ما كانَ عَلى الجادَّةِ، ولا يَدْرِي مَقْصِدَهُ الَّذِي هو سائِرٌ إلَيْهِ، مَعَ وُجُودِ رُفْقَةٍ تُنادِيهِ لِتَهْدِيَهُ، وهو لا يَسْمَعُ لَهم ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ ﴿هُوَ الهُدى﴾ أيْ: وما وراءَهُ ضَلالٌ وغَيٌّ ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

Al-An'aam 6:71Listen in Qur'an →
72

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٢] ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ أمْرِهِ وأنْ أقِيمُوا عَطْفٌ عَلى: لِنُسْلِمَ. ومَعْناهُ: أنْ نُسْلِمَ. فاللّامُ فِيهِ رَدِيفَةُ: أنْ، أوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ؛ واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ: لِلْإسْلامِ، ولِإقامَةِ الصَّلاةِ. وفي وُرُودِ: أقِيمُوا الصَّلاةَ مَحْكِيًّا بِصِيغَتِهِ، ووُرُودِ: نُسْلِمَ مَحْكِيًّا بِمَعْناهُ. احْتِمالُ أنْ يَكُونَ ﷺ حَكى قَوْلَ اللَّهِ بِمَعْناهُ، دُونَ لَفْظِهِ. انْظُرِ "الِانْتِصافَ".

تَنْبِيهٌ:

فِي تَخْصِيصِ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ أنْواعِ الشَّرائِعِ، وعَطْفِها عَلى الأمْرِ بِالإسْلامِ، وقَرْنِها بِالأمْرِ بِالتَّقْوى - دَلِيلٌ عَلى تَفْخِيمِ أمْرِها، وعَظِيمِ شَأْنِها - ذَكَرَهُ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ -: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

Al-An'aam 6:72Listen in Qur'an →
73

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day He says, "Be," and it is, His word is the truth. And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen and the witnessed; and He is the Wise, the Acquainted.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٣] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ [ص: ٢٧]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ بَيانٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى حَشْرِهِمْ، بِكَوْنِ مُرادِهِ لا يَتَخَلَّفُ عَنْ أمْرِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ هو النّافِذُ والواقِعُ، والمُرادُ بِ (القَوْلِ) كَلِمَةُ (كُنْ) تَحْقِيقًا أوْ تَمْثِيلًا. فَ (قَوْلُهُ الحَقُّ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. و(يَوْمَ) ظَرْفٌ لِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]

وكَأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلَخْ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢] سِيقَ لِلِاحْتِجاجِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى البَعْثِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ السِّياقُ فِيهِمْ. وما أشْبَهَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢]

ولا يَخْفى أنَّ بِاسْتِحْضارِ النَّظائِرِ القُرْآنِيَّةِ، تَنْجَلِي الحَقائِقُ. وقَدْ تَوَسَّعَ المُفَسِّرُونَ هُنا في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، بِسَرْدِ وُجُوهٍ ضاعَ الظّاهِرُ بَيْنَها - وقَدْ عَلِمْتَهُ؛ فاحْرِصْ عَلَيْهِ.

﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ أيْ: فَلا بُدَّ أنْ يَفْعَلَ بِالمُطِيعِ والعاصِي فِعْلَ المُلُوكِ، لِمَن يُطِيعُهم أوْ يَعْصِيهِمْ. فَ (يَوْمَ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ولَهُ المُلْكُ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ - وتَقْيِيدُ اخْتِصاصِ المُلْكِ بِهِ تَعالى، بِذَلِكَ اليَوْمِ، مَعَ اليَوْمِ، مَعَ عُمُومِ الِاخْتِصاصِ لِجَمِيعِ الأوْقاتِ، لِغايَةِ ظُهُورِ ذَلِكَ. بِانْقِطاعِ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ الكائِنَةِ في الدُّنْيا، المُصَحِّحَةِ لِلْمالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ في الجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]

وقَدْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِ (الصُّورِ) هُنا جَمْعُ صُورَةٍ، أيْ: يَوْمَ يُنْفَخُ فِيها، فَتَحْيا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ بِ (الصُّورِ) القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَكَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّوابُ عِنْدَنا ما تَظاهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنْ إسْرافِيلَ قَدِ التَقَمَ الصُّورَ، وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «إنَّ أعْرابِيًّا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصُّورِ؟ فَقالَ: «قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ، عَنْهُ أيْضًا.

﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: هو عالِمُهُما ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ذُو الحِكْمَةِ في سائِرِ أفْعالِهِ. والعِلْمِ بِالأُمُورِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ.

Al-An'aam 6:73Listen in Qur'an →
74

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said to his father Azar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَذْكُرَ لِمَنِ اتَّخَذَ دِينَهُ هُزُوًا ولَعِبًا إنْكارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِهِ، ويَفْتَخِرُونَ بِهِ - عَلى أبِيهِ في شِرْكِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٤] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا﴾ أيْ: صُوَرًا مَصْنُوعَةً ﴿آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِاعْتِقادِ إلَهِيَّتِها، أوِ اتِّصافِها بِصِفاتِهِ، أوِ اسْتِحْقاقِها لِلْعِبادَةِ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ بِوُجُوبِ الوُجُودِ بِالذّاتِ، وهي مُمْكِنَةٌ مَصْنُوعَةٌ وأنّى لَها الِاتِّصافُ بِصِفاتِهِ، وهي عاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، خالِيَةٌ عَنِ الحَياةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ، والعِبادَةُ غايَةُ التَّذَلُّلِ، فَلا يَسْتَحِقُّها مَن لا يَخْلُو عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الذِّلَّةِ، وإنَّما يَسْتَحِقُّها مَن كانَ في غايَةِ العُلُوِّ - أفادَهُ المَهايِمِيُّ -.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قُرِئَ: آزَرَ بِالنَّصْبِ، عَطْفَ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: لِأبِيهِ وبِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ.

الثّانِي: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى الشِّيعَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن آباءِ الأنْبِياءِ كافِرًا، وأنَّ آزَرَ عَمُّ إبْراهِيمَ، لا أبُوهُ، عَلى ما بَسَطَهُ الرّازِيُّ هُنا، وذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، ومِثْلُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الإمامِيَّةِ: إنَّ الإمامَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أبُوهُ كافِرًا؛ لِأنَّهُ إذا جازَ نَبِيٌّ أبُوهُ وزَوْجَتُهُ كافِرانِ فالإمامُ أوْلى.

اشْتَمَلَ كَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ذِكْرِ الحُجَّةِ العَقْلِيَّةِ إجْمالًا عَلى فَسادِ قَوْلِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، بِإنْكارِهِ اتِّخاذَها آلِهَةً، وهي ما هي في عَجْزِها. وقَدْ جاءَتْ مُفَصَّلَةً في سُورَةِ مَرْيَمَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥] ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] الآياتِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ. فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: يا رَبِّ! إنَّكَ وعَدْتَنِي يَوْمَ أنْ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ. ثُمَّ يُقالُ: يا إبْراهِيمُ! انْظُرْ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ، فَيَنْظُرُ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ»» .

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الدَّلالَةُ عَلى …

Al-An'aam 6:74Listen in Qur'an →
75

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith]

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٥] ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: نُطْلِعُهُ عَلى حَقائِقِهِما، ونُبَصِّرُهُ في دَلالَتِهِما عَلى شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن حَيْثُ إنَّهُما بِما فِيهِما، مَرْبُوبانِ ومَمْلُوكانِ، لَهُ تَعالى. و(المَلَكُوتُ) مَصْدَرٌ عَلى زِنَةِ المُبالَغَةِ، كالرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، ومَعْناهُ: المُلْكُ العَظِيمُ، والسُّلْطانُ القاهِرُ. وقِيلَ: مَلَكُوتُهُما عَجائِبُهُما وبَدائِعُهُما. وقَدْ أسْلَفْنا الكَلامَ في (وكَذَلِكَ) قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا﴾ [الأنعام: ٥٣] وأنَّ مُخْتارَ الزَّمَخْشَرِيِّ كَوْنُهُ إشارَةً إلى مَصْدَرِ ما بَعْدَهُ، والكافُ مُقْحَمَةٌ، والتَّقْدِيرُ: تِلْكَ الإراءَةُ والتَّبْصِيرُ البَدِيعُ، نُرِيهِ ونُبْصِرُهُ. فَجَدَّدَ بِهِ عَهْدًا.

﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ لَمْ تُقْصَدْ بِعَيْنِها، إشْعارًا بِأنَّ لِتِلْكَ الإراءَةِ فَوائِدَ جَمَّةً، مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ.

قالَ المَهايِمِيُّ في الآيَةِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِيَعْلَمَ أنَّ شَيْئًا مِن رُوحانِيّاتِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والمَشايِخِ والشَّياطِينِ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ بِالِاسْتِدْلالِ بِالأدِلَّةِ الكَثِيرَةِ. وقِيلَ: ولِيَكُونَ عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ هو عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِ. أيْ: ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ، فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الإراءَةِ والتَّبْصِيرِ بِآياتِ السَّماواتِ والأرْضِ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الرّازِيُّ: وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ نُورَ جَلالِ اللَّهِ تَعالى لائِحٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ ولا زائِلٍ البَتَّةَ، والأرْواحُ البَشَرِيَّةُ، لا تَصِيرُ مَحْرُومَةً عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ إلّا لِأجْلِ حِجابٍ، وذَلِكَ الحِجابُ لَيْسَ إلّا الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَبِقَدْرِ ما يَزُولُ ذَلِكَ الحِجابُ، يَحْصُلُ هَذا التَّجَلِّي. فَقَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إشارَةٌ إلى تَقْبِيحِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو حِجابٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا زالَ ذَلِكَ الحِجابُ، لا جَرَمَ تَجَلّى لَهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ بِالتَّمامِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ﴾ مَعْناهُ: وبَعْدَ زَوالِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ نُورٌ تَجَلّى جَلالُ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ مَنشَأً لِهَذِهِ الفائِدَةِ الشَّرِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ.

الثّانِيَةُ: قالَ الرّازِيُّ: اليَقِينُ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمٍ يَحْصُلُ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ بِسَبَبِ التَّأمُّلِ. ولِهَذا المَعْنى لا يُوصَفُ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِ يَقِينًا؛ لِأنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِالشُّبْهَةِ، وغَيْرُ مُسْتَفادٍ مِنَ الفِكْرِ والتَّأمُّلِ. واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ قَلْبُهُ عَنْ شَكٍّ وشُبْهَةٍ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَإذا كَثُرَتِ الدَّلائِلُ وتَوافَقَتْ وتَطابَقَتْ، صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ اليَقِينِ. وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ نَوْعُ تَأثُّرٍ وقُوَّةٍ، فَلا تَزالُ القُوَّةُ تَتَزايَدُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى الجَزْمِ.

الثّانِي: أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ …

Al-An'aam 6:75Listen in Qur'an →
76

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord." But when it set, he said, "I like not those that disappear."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٦] ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: لَمّا رَأى - يَعْنِي إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المَلَكُوتَ، وأيْقَنَ أنَّ شَيْئًا مِنها لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، أرادَ الرَّدَّ عَلى قَوْمِهِ في اعْتِقادِ إلَهِيَّتِها لِخِسَّتِها، بِاعْتِبارِ افْتِقارِها في أفْعالِها إلى أجْسامٍ لَها دَناءَةُ الأُفُولِ، وإنْ كانَتْ عُلْوِيَّةً، وكَذا في اعْتِقادِ إلَهِيَّةِ تِلْكَ الأجْسامِ. كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَلِتَظْهَرَ ظُهُورَ الكَواكِبِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. انْتَهى.

وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ اسْتِدْلالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووُصُولِهِ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ. ومَعْنى: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ. و(الكَوْكَبُ) قِيلَ: الزُّهْرَةُ، وقِيلَ: المُشْتَرِي.

أقُولُ: (الكَوْكَبُ) لُغَةً: النَّجْمُ. قالَ الزُّبَيْدِيُّ في "شَرْحِ القامُوسِ": وكَوْنُهُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الزُّهْرَةِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وإنَّما هي الكَوْكَبَةُ بِالهاءِ. انْتَهى.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ أبُوهُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ في دِينِهِمْ، وأنْ يُرْشِدَهم إلى طَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويُعَرِّفَهم أنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ مُؤَدٍّ إلى أنَّ شَيْئًا مِنها لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا، لِقِيامِ دَلِيلِ الحُدُوثِ فِيها وأنَّ وراءَها مُحْدِثًا أحْدَثَها، وصانِعًا صَنَعَها، ومُدَبِّرًا دَبَّرَ طُلُوعَها وأُفُولَها وانْتِقالَها ومَسِيرَها وسائِرَ أحْوالِها. وقَوْلُ إبْراهِيمَ لِقَوْمِهِ: هَذا رَبِّي إرْخاءٌ لِلْعِنانِ مَعَهم بِإظْهارِ مُوافَقَتِهِ لَهم أوَّلًا، ثُمَّ إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ لِرُجُوعِ الخَصْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ إبْراهِيمَ ذَلِكَ. هو قَوْلُ مَن يُنْصِفُ خَصْمَهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ مُبْطِلٌ. يَحْكِي قَوْلَهُ كَما هو غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى إلى الحَقِّ، وأنْجى مِنَ الشَّغَبِ. ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بَعْدَ حِكايَتِهِ، فَيُبْطِلُهُ بِالحُجَّةِ.

﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ: غابَ: ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أيْ: لا أُحِبُّ عِبادَةَ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأُفُولَ دَناءَةٌ تُنافِي الإلَهِيَّةَ، بَلْ تَمْنَعُ مِنَ المَيْلِ إلى صاحِبِها، فَضْلًا عَنِ اتِّخاذِهِ إلَهًا أوْ مَعْبُودًا، فَضْلًا عَمّا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ.

Al-An'aam 6:76Listen in Qur'an →
77

فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٧] ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾

﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ: طالِعًا مُنْتَشِرَ الضَّوْءِ: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ عَلى الأُسْلُوبِ المُتَقَدِّمِ: ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ فَإنَّ ما رَأيْتُهُ لا يَلِيقُ بِالإلَهِيَّةِ لِدَناءَتِهِ بِمَحْوِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِقَوْمِهِ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ القَمَرَ إلَهًا، وهو نَظِيرُ الكَواكِبِ في الأُفُولِ، فَهو ضالٌّ. وأنَّ الهِدايَةَ إلى الحَقِّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى ولُطْفِهِ.

وفِي "الِانْتِصافِ": التَّعْرِيضُ بِضَلالِهِمْ ثانِيًا أصْرَحُ وأقْوى مِن قَوْلِهِ أوَّلًا: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ وإنَّما تَرَقّى إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الخُصُومَ قَدْ أقامَتْ عَلَيْهِ، بِالِاسْتِدْلالِ الأوَّلِ، حُجَّةً فَأنِسُوا بِالقَدْحِ في مُعْتَقَدِهِمْ، ولَوْ قِيلَ هَذا في الأوَّلِ فَلَعَلَّهم كانُوا يَنْفِرُونَ، ولا يُصْغُونَ إلى الِاسْتِدْلالِ. فَما عَرَّضَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنَّهم في ضَلالَةٍ، إلّا بَعْدَ أنْ وثِقَ بِإصْغائِهِمْ إلى تَمامِ المَقْصُودِ، واسْتِماعِهِمْ إلى آخِرِهِ. والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَرَقّى في النَّوْبَةِ الثّالِثَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالبَراءَةِ مِنهُمْ، والتَّقْرِيعِ بِأنَّهم عَلى شِرْكٍ حِينَ تَمَّ قِيامُ الحُجَّةِ، وتَبَلَّجَ الحَقُّ، وبَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ غايَةَ المَقْصُودِ. كَما قالَ تَعالى:

Al-An'aam 6:77Listen in Qur'an →
78

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allah.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٨] ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾

﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، أوْ لِأنَّهُ أرادَ: هَذا الطّالِعُ، أوِ الَّذِي أراهُ، أوْ لِصِيانَةِ الرَّبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَّأْنِيثِ، لِيَسْتَدْرِجَهم. إذْ لَوْ حَقَّرَ بِوَجْهٍ ما كانَ سَبَبًا لِعَدَمِ إصْغائِهِمْ - وعَلى الأخِيرِ اقْتَصَرَ المَهايِمِيُّ - فَقالَ: لَمْ يُؤَنِّثْهُ لِئَلّا يُعارِضَ عَظَمَتَهَ نَقْصُ الأُنُوثَةِ، ولَوْ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، وهي وإنْ كانَتْ في الواقِعِ لَمْ يَأْتِ بِها لَفْظًا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ مُساعَدَةَ الخَصْمِ أوَّلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ الكَواكِبِ جِرْمًا، وأعْظَمُها قُوَّةً، فَهو أوْلى بِالإلَهِيَّةِ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما رامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ، مَعَ إشارَةٍ خَفِيَّةٍ إلى فَسادِ دِينِهِمْ مِن جِهَةٍ أُخْرى، بِبَيانِ أنَّ الأكْبَرَ أحَقُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الأصْغَرِ.

﴿فَلَمّا أفَلَتْ قالَ﴾ صادِعًا بِالحَقِّ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ المُتَغَيِّرَةِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى، أوْ مِن إشْراكِكم.

Al-An'aam 6:78Listen in Qur'an →
79

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, I have turned my face toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allah."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٩] ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ: وجَّهْتُ قَلْبِي ورُوحِي في المَحَبَّةِ والعِبادَةِ، بَلْ جَعَلَتْهُ مُسْلِمًا: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، والعَقائِدِ الزّائِغَةِ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

وفِي هَذا المَقامِ:

مَباحِثُ:

الأوَّلُ: تَوَسَّعَ المُفَسِّرُونَ هُنا في قَوْلِهِ: هَذا رَبِّي.

فَمِن قائِلٍ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا آزَرُ، وأنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ، قالَ إبْراهِيمُ: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ.

وقِيلَ: إنَّهُ إبْراهِيمُ. وكانَ ذَلِكَ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ، قَبْلَ اسْتِحْكامِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي﴾ [الأنعام: ٧٧] رَبِّي ... إلَخْ.

وقِيلَ: بَعْدَ بُلُوغِهِ وتَكْرِيمِهِ بِالرِّسالَةِ. إلّا أنَّهُ أرادَ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ، تَوْبِيخًا لِقَوْمِهِ، فَحَذَفَ الهَمْزَةَ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

وقِيلَ: عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ هَذا رَبِّي، وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.

وقِيلَ: المَعْنى في زَعْمِكم واعْتِقادِكم. وقِيلَ: الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ... إلى أقْوالٍ أُخَرَ.

والقَصْدُ في ذَلِكَ تَنْزِيهُ مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ، واعْتِقادِ رُبُوبِيَّةِ ذَلِكَ، لِمُنافاتِهِ لِلْعِصْمَةِ.

وأقُولُ: هَذا مُسَلَّمٌ بِلا رَيْبٍ، ولَكِنَّ الأوْجَهَ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ ما أسْلَفْناهُ أوَّلًا مِن أنَّ قَوْلَهُ: هَذا رَبِّي مِن بابِ اسْتِعْمالِ النَّصَفَةِ مَعَ الخُصُومِ، عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ، وهو سَوْقٌ مُقَدِّمَةٍ في الدَّلِيلِ لا يَعْتَقِدُها، لِكَوْنِها مُسَلَّمَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، لِأجْلِ إلْزامِهِ بِها. وهو مُصْطَلَحُ أهْلِ الجَدَلِ. وقَدِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى هَذا الوَجْهِ الفَرِيدِ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": وذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ. وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ الوارِدِ في الشَّفاعَةِ أنَّهم يَأْتُونَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَلْتَمِسُونَ مِنهُ الشَّفاعَةَ، فَيَقُولُ: نَفْسِي! نَفْسِي! ويَذْكُرُ كِذْباتِهِ الثَّلاثَ، ويَقُولُ: لَسْتُ لَها، يُرِيدُ قَوْلَهُ لِسارَّةَ: هي أُخْتِي، وإنَّما عَنى: في الإسْلامِ، وقَوْلَهُ: إنَّهُ سَقِيمٌ، وإنَّما عَنى هَمَّهُ بِقَوْمِهِ وبِشِرْكِهِمْ، والمُؤْمِنُ يُسْقِمُهُ ذَلِكَ - وقَوْلَهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وقَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ التَّعْرِيضِ. فَإذا عَدَّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ عَلى نَفْسِهِ هَذِهِ الكَلِماتِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ ما صَدَرَ مِنهُ. فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما يُقالُ، مِن أنَّ هَذا الكَلامَ مَحْكِيٌّ عَنْهُ عَلى أنَّهُ نَظَرُهُ لِنَفْسِهِ، لَكانَ أوْلى أنْ يَعُدَّهُ، وأعْظَمَ، مِمّا ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ شَكًّا، بَلْ جَزْمًا. عَلى أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ الأنْبِياءَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مَعْصُومُونَ مِن ذَلِكَ، انْتَهى.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا المَقامِ، هَلْ هو مَقامُ نَظَرٍ أوْ مُناظَرَةٍ؟ فَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّهُ مَقامُ نَظَرٍ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي الآيَةَ... وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ الَّذِي ولَدَتْهُ فِيهِ أُمُّهُ، …

Al-An'aam 6:79Listen in Qur'an →
80

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allah while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٠] ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ: جادَلُوهُ، وأرادُوا مُغالَبَتَهُ بِالحُجَّةِ، فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، تارَةً بِأدِلَّةٍ فاسِدَةٍ واقِفَةٍ في حَضِيضِ التَّقْلِيدِ، وأُخْرى بِالتَّخْوِيفِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى جَوابِ كُلٍّ مِنهُما. ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ أيْ: أتُجادِلُونَنِي في تَوْحِيدِهِ، وقَدْ هَدانِي لِإقامَةِ الحُجَجِ، ورَفْعِ الشُّبَهِ عَلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ ما سِواهُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّها ناقِصَةٌ في ذَواتِها، فَكَمالاتُها مِن غَيْرِها، ولا إلَهِيَّةَ لِلنّاقِصِ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ كَمالَهُ لا يَكُونُ مُطْلَقًا، و(تُحاجُّونِّي) بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ الأُولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أيْ: لا أخافُ مَعْبُوداتِكُمْ؛ لِأنَّها جَماداتٌ لا تَضُرُّ بِنَفْسِها ولا تَنْفَعُ، وهو جَوابٌ عَمّا خَوَّفُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أثْناءِ المُحاجَّةِ مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِن جِهَةِ أصْنامِهِمْ، كَما قالَ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمُهُ: إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ. وتَخْوِيفُهُمْ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ولا أخافُ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِكُمْ؛ إنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ لا تُؤَثِّرُ شَيْئًا، وأنا لا أخافُها ولا أُبالِيها، فَإنْ كانَ لَها كَيْدٌ فَكِيدُونِي بِها ولا تُنْظِرُونِ. انْتَهى.

﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ: مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ بِي مِن جِهَتِها، وذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَتِهِ تَعالى، مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِمَعْبُوداتِكم فِيهِ أصْلًا.

وفِي "الِانْتِصافِ": غايَةُ خَوْفِ إبْراهِيمَ مِنها المُعَلَّقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِذَلِكَ، خَوْفُ الضَّرَرِ عِنْدَها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، لا بِها، وكَأنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَمْ يَخَفْ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ الَّذِي أثْبَتَهُ مِنها مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وهو كالخَوْفِ مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الِاسْتِثْناءِ، أيْ: أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ إنْزالُ المُخَوَّفِ بِي مِن جِهَتِها، أيْ: كَرَجْمِهِ بِالنُّجُومِ لِأنَّهُ إذا أُحِيلَ شَيْءٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، أشْعَرَ بِجَوازِ وُقُوعِهِ. وفي الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ، مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، إظْهارٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِانْقِيادِهِ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِسْلامٌ لِأمْرِهِ، واعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.

هَذا وجَعَلَ المَهايِمِيُّ ذَلِكَ عِلَّةً لِاسْتِدْراكٍ مَحْذُوفٍ، لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ، حَيْثُ قالَ في الآيَةِ: ولا أخافُ الضَّرَرَ عَلى نَفْسِي مِن تَأْثِيرِ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي أنْ يَجْعَلَ لَهم شَيْئًا مِنَ التَّأْثِيرِ، لَكِنَّهُ لا يَشاءُ في شَأْنِي؛ لِأنَّهُ: وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فَعُلِمَ أنَّهُ لَوْ أوْجَدَ التَّأْثِيرَ فِيهِمْ بِما يَضُرُّونَ بِهِ مَن بَعَثَهُ لِتَوْحِيدِهِ، صارَ مَحْجُوبًا انْتَهى، والأوَّلُ أقْرَبُ.

﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَعْتَبِرُونَ بِأنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ جَماداتٌ، لا …

Al-An'aam 6:80Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.