قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللهِ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
اَلْمَعْنى: "قُلْ في احْتِجاجِكَ: أنْطِيعَ رَأْيَكم في أنْ نَدْعُوَ مِن دُونِ اللهِ...؟"؛ والدُعاءُ يَعُمُّ العِبادَةَ وغَيْرَها؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ شَيْئًا مَوْضِعَ دُعائِهِ؛ فَإيّاهُ يَعْبُدُ؛ وعَلَيْهِ يَتَّكِلُ.
﴿ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ ؛ يَعْنِي الأصْنامَ؛ إذْ هي جَماداتٌ؛ حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ ونَحْوُهُ؛ وضَرَرُ الأصْنامِ في الدِينِ لا يَفْهَمُهُ الكُفّارُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ "وَلا يَضُرُّنا"؛﴾ إنَّما الضَرَرُ الَّذِي يَفْهَمُونَهُ مِن نُزُولِ المَكارِهِ الدُنْيَوِيَّةِ.
ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ؛ تَشْبِيهٌ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْدُودَ عَلى العَقِبِ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَمْشِي قُدُمًا - وهي المِشْيَةُ الجَيِّدَةُ -؛ فَيُرَدُّ يَمْشِي القَهْقَرى - وهي المِشْيَةُ الدَنِيَّةُ -؛ فاسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ؛ ووَقَعَتْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ في تَمْثِيلِ الراجِعِ مِنَ الهُدى إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: اَلرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا؛ فَخابَ أمَلُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "رَدًّا كَرَدِّ الَّذِي..."؛ و"اِسْتَهْوَتْهُ": "اِسْتَفْعَلَتْهُ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هَواهُ؛ وأمالَتْهُ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُحْتَمَلُ هُوِيُّهُ؛ وهو جِدُّهُ؛ ورُكُوبُ رَأْسِهِ في النُزُوعِ إلَيْهِمْ؛ و"اَلْهَوى" - مِن "هَوى؛ يَهْوِي" - يُسْتَعْمَلُ في السُقُوطِ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ ∗∗∗ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ
وهَذا المَعْنى لا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنْ تُتَأوَّلَ اللَفْظَةُ بِمَعْنى: "ألْقَتْهُ الشَياطِينُ في هُوَّةٍ"؛ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ ؛ وقالَ: هو بِمَعْنى: "أهْوى"؛ كَما أنَّ "اِسْتَزَلَّ"؛ بِمَعْنى: "أزَلَّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَحْرِيرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "هَوى"؛ و"أهْواهُ غَيْرُهُ"؛ و"اِسْتَهْواهُ"؛ بِمَعْنى: "طَلَبِ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ هُوَ"؛ أو: "طَلَبَ مِنهُ أنْ يُهْوِيَ شَيْئًا"؛ ويُسْتَعْمَلُ الهَوى أيْضًا في رُكُوبِ الرَأْسِ؛ في النُزُوعِ إلى الشَيْءِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ؛ ومِنهُ قَوْلُ شاعِرِ الجِنِّ:
؎ تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجاسِها
وَهَذا المَعْنى هو الَّذِي يَلِيقُ بِالآيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطُونَ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو لَحْنٌ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هو شاذٌّ قَبِيحٌ؛ وإنَّما هو مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِمْ: "سُنُونَ"؛ و"أرْضُونَ"؛ إلّا أنَّ هَذِهِ في جَمْعٍ مُسَلَّمٍ ؛ و"شَياطُونَ"؛ في جَمْعٍ مُكَسَّرٍ؛ فَهَذا مَوْضِعُ الشُذُوذِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "اِسْتَهْواهُ الشَياطِينُ"؛ وأمالَ "اِسْتَهْواهُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ: "اِسْتَهْوِيهِ الشَيْطانُ"؛ بِالياءِ؛ وإفْرادِ …