Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 61–70 of 165

61

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers take him, and they do not fail [in their duties].

قد تقدَّم الكلامُ على هذه الآية أوَّل السورة.

قوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَة﴾ : فيه خمسة أوجه:

أحدها: أنه عَطْفٌ على اسم الفاعل الواقع صِلَةً ل «أل» ؛ لأنه في معنى يَفْعَل، والتقدي: وهو الذي يقهر عبادَةُ ويرسل، فعطف الفعل على الاسم؛ لأنه في تأويله، ومثله عند بعضهم: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] [قالوا] : «أقْرَضُوا» عطف على «مُصَّدِّقِين» الواقع صِلَةً ل «أل» ؛ لأنه في معنى: إنَّ الذين صَدَّقُوا وأقْرَضُوا، وهذا ليس بشيء؛ لأنه يلزم من ذلك الفَصْلُ بين أبْعَاضِ الصِّلةِ بأجنبي، وذلك أن «وأقْرَضُوا» من تمام صِلَةِ «أل» في «المُصَّدِّقين» ، وقد عطف على الموصُولِ قوله «المُصَّدِّقات» وهو أجنبي، وقد تقرَّر غير مرَّةِ أنه لا يتبغ الموصول إلاَّ بعد تمام صلته.

وأمَّا قوله تعالى ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: 19] ف «يَقْبِضْنَ» في تأويل اسم، أي: وقابضات.

ومن عطف الاسمعلى الفعل لكونه في تأويل الاسم قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ [الأنعام: 95] .

وقوله: [الطويل] 2189 - فَألْفَيْتُهُ يَوْماً [يُبِيرُ] عَدُوَّهُ ... [ومُجْرٍ] عَطَاءً يِسْتَخِفُّ المعَابِرَا

والثاني: أنها جملة فعلية على جملة اسمية وهي قوله: «وهُوَ القَاهِرُ» .

والثالث: أنها مَعْطُوفَةٌ على الصِّلَةِ، وما عطف عليها، وهو قوله: «يَتَوَفَّاكُمْ» و «يَعْلَم» وما بعده، أي: وهو الذي يتوفاكم ويرسل.

الرابع: أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان:

أظهرهما: أنه الضمير المُسْتَكِنُّ في «القَاهِرِ» .

والثاني: أنها حالٌ من الضمير المُسْتَكِنَّ في الظرف، هكذا قال أبو البقاء، ونقله عنه أبُو حيَّان قال: «وهذا الوجهُ أضعفُ الأعاريبِ» .

وقولهما: «الضمير الذي في الظرف» ليس هنا ظَرْفٌ يُتَوَهَّمُ كون هذه الحال من ضير فيه، إلاَّ قوله: «فَوْقَ عِبَادِهِ» ، ولكن بأيِّ طريق يتحمَّلُ هذا الظرف ضميراً؟

والجوابُ: أنه قد تقدَّم في الآية المشبهة لهذه أن «فَوْقَ عِبَادِهِ» فيه خمسة أوجه:

ثلاثة منها تتحمَّلُ فيها ضَمِيراً، وهي: كونه خبراً ثانياً، أو بَدَلاً من الخبرِ، أو حالاً، وإنما اضْطررْنَا إلى تقدير مبتدأ قَبْلَ «يُرْسِلُ» ؛ لأن المضارع المثبت إذا وقع حالاً لم يقترن بالواو كما تقدَّم إيضاحه.

والخامس: أنها مُسْتَأنَفَةٌ سيقت للإخبار بذلك، وهذا الوجه هو في المعنى كالثاني.

قوله: «عليكم» يحتملُ ثلاثة أوجه:

أظهرها: أنه متعلّق ب «يرسل» ومنه ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: 35] ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: 133] ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرا﴾ [الفيل: 3] إلى غير ذلك.

والثاني: أنه متعلّق ب «حَفَظَة» ، يقال: حفظت عليه عمله، فالتقدير: ويرسل حَفَظَةً عليْكُمْ.

قال أبو حيَّان: أي: يحفظون عليكم أعمالكم، كما قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10] كما تقول: حفظت عليك ما تعمل فقوله كما قال تشبيه من حيث المعنى، لا أن «عَلَيْكُمْ» تعلَّقَ ب «حافظين» ؛ لأن «عَلَيْكُمْ» هو الخبر ل «أنَّ» ، فيتعلق بمحذوف.

والثالث: أنه مُتَعلِّقٌ بمحذوف على أنه حالٌ من «حَفَظَة» ، إذ لو تأخَّر لجاز أن يكون صِفَةً لها.

قال أبو البقاء: «عَلَيْكُمْ» فيه وجهان:

أحدهما: هو مُتعلّق ب «يرسل» .

والثاني: أن يكون في نِيَّةِ التَّأخير، وفيه وجهان:

أحدهما أن يتعلَّق بنفس «حَفَظَة» ن والمفعول محذوف، أي: يرسل عليكم من يحفظ أعمالكم.

والثاني: أن يكون صفة ل «حفظة» قدمت فصارت حالاً. قوله: والمفعول محذوف يعني: مفعول «حفظة» ، إلاَّ أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ تقدير المفعول خاصُّ بالوجه الذي ذكره، وليس كذلك، بل لا بُدَّ من تقديره على كُلِّ وجْهِ، و «حَفَظَة» إنما عمل في ذلك المقدَّر لكونه صِفَةً لمحذوفٍ تقديره: ويرسل عليكم ملائكة …

Al-An'aam 6:61Listen in Qur'an →
62

ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ

Then they His servants are returned to Allah, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

قد تقدَّم الكلامُ على هذه الآية أوَّل السورة.

قوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَة﴾ : فيه خمسة أوجه:

أحدها: أنه عَطْفٌ على اسم الفاعل الواقع صِلَةً ل «أل» ؛ لأنه في معنى يَفْعَل، والتقدي: وهو الذي يقهر عبادَةُ ويرسل، فعطف الفعل على الاسم؛ لأنه في تأويله، ومثله عند بعضهم: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] [قالوا] : «أقْرَضُوا» عطف على «مُصَّدِّقِين» الواقع صِلَةً ل «أل» ؛ لأنه في معنى: إنَّ الذين صَدَّقُوا وأقْرَضُوا، وهذا ليس بشيء؛ لأنه يلزم من ذلك الفَصْلُ بين أبْعَاضِ الصِّلةِ بأجنبي، وذلك أن «وأقْرَضُوا» من تمام صِلَةِ «أل» في «المُصَّدِّقين» ، وقد عطف على الموصُولِ قوله «المُصَّدِّقات» وهو أجنبي، وقد تقرَّر غير مرَّةِ أنه لا يتبغ الموصول إلاَّ بعد تمام صلته.

وأمَّا قوله تعالى ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: 19] ف «يَقْبِضْنَ» في تأويل اسم، أي: وقابضات.

ومن عطف الاسمعلى الفعل لكونه في تأويل الاسم قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ [الأنعام: 95] .

وقوله: [الطويل] 2189 - فَألْفَيْتُهُ يَوْماً [يُبِيرُ] عَدُوَّهُ ... [ومُجْرٍ] عَطَاءً يِسْتَخِفُّ المعَابِرَا

والثاني: أنها جملة فعلية على جملة اسمية وهي قوله: «وهُوَ القَاهِرُ» .

والثالث: أنها مَعْطُوفَةٌ على الصِّلَةِ، وما عطف عليها، وهو قوله: «يَتَوَفَّاكُمْ» و «يَعْلَم» وما بعده، أي: وهو الذي يتوفاكم ويرسل.

الرابع: أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان:

أظهرهما: أنه الضمير المُسْتَكِنُّ في «القَاهِرِ» .

والثاني: أنها حالٌ من الضمير المُسْتَكِنَّ في الظرف، هكذا قال أبو البقاء، ونقله عنه أبُو حيَّان قال: «وهذا الوجهُ أضعفُ الأعاريبِ» .

وقولهما: «الضمير الذي في الظرف» ليس هنا ظَرْفٌ يُتَوَهَّمُ كون هذه الحال من ضير فيه، إلاَّ قوله: «فَوْقَ عِبَادِهِ» ، ولكن بأيِّ طريق يتحمَّلُ هذا الظرف ضميراً؟

والجوابُ: أنه قد تقدَّم في الآية المشبهة لهذه أن «فَوْقَ عِبَادِهِ» فيه خمسة أوجه:

ثلاثة منها تتحمَّلُ فيها ضَمِيراً، وهي: كونه خبراً ثانياً، أو بَدَلاً من الخبرِ، أو حالاً، وإنما اضْطررْنَا إلى تقدير مبتدأ قَبْلَ «يُرْسِلُ» ؛ لأن المضارع المثبت إذا وقع حالاً لم يقترن بالواو كما تقدَّم إيضاحه.

والخامس: أنها مُسْتَأنَفَةٌ سيقت للإخبار بذلك، وهذا الوجه هو في المعنى كالثاني.

قوله: «عليكم» يحتملُ ثلاثة أوجه:

أظهرها: أنه متعلّق ب «يرسل» ومنه ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: 35] ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: 133] ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرا﴾ [الفيل: 3] إلى غير ذلك.

والثاني: أنه متعلّق ب «حَفَظَة» ، يقال: حفظت عليه عمله، فالتقدير: ويرسل حَفَظَةً عليْكُمْ.

قال أبو حيَّان: أي: يحفظون عليكم أعمالكم، كما قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10] كما تقول: حفظت عليك ما تعمل فقوله كما قال تشبيه من حيث المعنى، لا أن «عَلَيْكُمْ» تعلَّقَ ب «حافظين» ؛ لأن «عَلَيْكُمْ» هو الخبر ل «أنَّ» ، فيتعلق بمحذوف.

والثالث: أنه مُتَعلِّقٌ بمحذوف على أنه حالٌ من «حَفَظَة» ، إذ لو تأخَّر لجاز أن يكون صِفَةً لها.

قال أبو البقاء: «عَلَيْكُمْ» فيه وجهان:

أحدهما: هو مُتعلّق ب «يرسل» .

والثاني: أن يكون في نِيَّةِ التَّأخير، وفيه وجهان:

أحدهما أن يتعلَّق بنفس «حَفَظَة» ن والمفعول محذوف، أي: يرسل عليكم من يحفظ أعمالكم.

والثاني: أن يكون صفة ل «حفظة» قدمت فصارت حالاً. قوله: والمفعول محذوف يعني: مفعول «حفظة» ، إلاَّ أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ تقدير المفعول خاصُّ بالوجه الذي ذكره، وليس كذلك، بل لا بُدَّ من تقديره على كُلِّ وجْهِ، و «حَفَظَة» إنما عمل في ذلك المقدَّر لكونه صِفَةً لمحذوفٍ تقديره: ويرسل عليكم ملائكة …

Al-An'aam 6:62Listen in Qur'an →
63

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.' "

وهذا نوع آخر من الدلالة على كمالِ القُدرةِ الإلهية، وكمال الرحمة والفَصْلِ والإحسان.

وقرأ السبعة هذه مشدّدة: ﴿قُلِ الله يُنَجِّيكُم﴾ [الأنعام: 64] قرأها الكوفيون وهشام بن عامر عن أبي عام كالأول. وقرأ الثِّنْتينِ بالتخفيف من «أنْجَى» حُمَيْدُ بن قيس، ويعقوب، وعلي بن نَصْرٍ عن أبي عمرو، وتحصَّل من ذلك أن الكوفيين وهشاماً يثقلون في الموضعين، وأن حميداً ومن مَعَهُ يُخَفِّفُونَ فيهما، وأن نافعاً، وابن كثير، وأبا عمرو، وابن ذكوان عن ابن عامرٍ يُثَقِّلُون الأولى، ويُخَفِّفُون الثانية، والقراءات واضحة، فإنها من: نجَّى وأنْجى، فالتضعيف والهمزة كلاهما للتَّعديَةِ.

فالكوفيون وهشام التَزَمُوا التَّعْديةَ بالتضعيف، وحميد وجماعته التَزَمُوهَا بالهمزة. والباقون جمعوا بين التَّعديتين جمعاً بين اللُّغَتَيْنِ كقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: 17] .

والاستفهام للتقرير والتَّوْبيخ، وفي الكلام حَذفُ مضاف، أي: مِنْ مهالِكِ ظُلُمات، أو من مخاوفها، والظلمات كِنَايةٌ عن الشدائد والأهوال إذا سافروا في البرِّ والبَحْرِ.

قوله: «تَدْعُونَهُ» في مَحَلِّ نصب على الحال، إما من مفعول «ينجيكم» ، وهو الظاهر، أي: ينجيكم داعين إيَّاه، وإما من فاعله، أي: مدعُوَّاً من جهتكم.

قوله: «تَضَرُّعاً وخُفْيَةٌ» يجوز فيها وجهان:

أحدهما: إنهما مصدران في موضع الحالِ، أي: تدعونه مُتَضَرِّعين ومُخْفِينَ.

والثاني: أنها مصدارن من معنى العامل لا من لفظه كقولك: قعدت جُلُوساً.

وقرأ الجمهور: «خُفْيَةً» بضم الخاء، وقرأ أبو بكر بكسرها، وهما لغتانِ، كالعُدْوِةِ والعِدْوةِ، والأسْوَة والإسْوَة.

وقرأ الأعمش: «وخيفة» كالتي في «الأعراف» وهي من الخَوْفِ، قُلِبَتْ «الواو» ياء لانكسار ما قبلها وسكونها، ويظهر على هذه القراءة أن يكون مفعولاً من أجله لولا ما يَأبَاهُ «تَضرُّعاً» من المعنى.

قوله: «لَئِنْ أنْجَيْتَنَا» الظاهر أن هذه الجلمة القسميَّةَ تفسير للدُّعاءِ قبلها

ويجوز أن تكون مَنْصُوبَةً المَحلِّ على إضمار القول، ويكون ذلك القول في محلِّ نصب على الحال من فاعل «تدعونه» أي: تدعونه قائلين ذلك، وقد عرف مما تقدَّم غير مرَّةٍ كيفية اجتماع الشرط والقسم.

وقرأ الكوفيون «أنْجَانَا» بلفظ الغَيْبَةِ مُرَعَاةً لقوله «تَدْعُونَهُ» والباقون «أنجيتَنَا» بالخطاب حكاية لخطابِهِمْ في حالة الدعاء، وقد قرأ كُلُّ بما رسم في مصحفه، فإن في مصاحف «الكوفة» : أنْجَانَا» ، وفي غيرها: «أنْجَيْتَنَا» .

قوله: «مِنْ هَذِهِ» متعلِّقٌ بالفعل قَبْلَهُ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، و «هذه» اشارةٌ إلى الظُّلماتِ، لأنها تجري مجرى المؤنثة الواحدة، وكذلك في «منها» تعود على الظلمات.

وقوله: «ومِنْ كُلِّ كَرْبٍ» عطف على الضمير المجرور بإعادةِ حرف الجر، وهو واجب عند البصريين، وقد تقدَّم.

و «الكَرْبُ» غاية الغَمِّ الذي يأخذ النَّفْسَ.

قوله: «ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ» يريد أنهم يُقرُّونَ أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي يُنَجِّيهم، ثم يشركون معه الأصنامَ التي علموا أنها لا تضر ولا تنفع.

Al-An'aam 6:63Listen in Qur'an →
64

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ

Say, "It is Allah who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

وهذا نوع آخر من الدلالة على كمالِ القُدرةِ الإلهية، وكمال الرحمة والفَصْلِ والإحسان.

وقرأ السبعة هذه مشدّدة: ﴿قُلِ الله يُنَجِّيكُم﴾ [الأنعام: 64] قرأها الكوفيون وهشام بن عامر عن أبي عام كالأول. وقرأ الثِّنْتينِ بالتخفيف من «أنْجَى» حُمَيْدُ بن قيس، ويعقوب، وعلي بن نَصْرٍ عن أبي عمرو، وتحصَّل من ذلك أن الكوفيين وهشاماً يثقلون في الموضعين، وأن حميداً ومن مَعَهُ يُخَفِّفُونَ فيهما، وأن نافعاً، وابن كثير، وأبا عمرو، وابن ذكوان عن ابن عامرٍ يُثَقِّلُون الأولى، ويُخَفِّفُون الثانية، والقراءات واضحة، فإنها من: نجَّى وأنْجى، فالتضعيف والهمزة كلاهما للتَّعديَةِ.

فالكوفيون وهشام التَزَمُوا التَّعْديةَ بالتضعيف، وحميد وجماعته التَزَمُوهَا بالهمزة. والباقون جمعوا بين التَّعديتين جمعاً بين اللُّغَتَيْنِ كقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: 17] .

والاستفهام للتقرير والتَّوْبيخ، وفي الكلام حَذفُ مضاف، أي: مِنْ مهالِكِ ظُلُمات، أو من مخاوفها، والظلمات كِنَايةٌ عن الشدائد والأهوال إذا سافروا في البرِّ والبَحْرِ.

قوله: «تَدْعُونَهُ» في مَحَلِّ نصب على الحال، إما من مفعول «ينجيكم» ، وهو الظاهر، أي: ينجيكم داعين إيَّاه، وإما من فاعله، أي: مدعُوَّاً من جهتكم.

قوله: «تَضَرُّعاً وخُفْيَةٌ» يجوز فيها وجهان:

أحدهما: إنهما مصدران في موضع الحالِ، أي: تدعونه مُتَضَرِّعين ومُخْفِينَ.

والثاني: أنها مصدارن من معنى العامل لا من لفظه كقولك: قعدت جُلُوساً.

وقرأ الجمهور: «خُفْيَةً» بضم الخاء، وقرأ أبو بكر بكسرها، وهما لغتانِ، كالعُدْوِةِ والعِدْوةِ، والأسْوَة والإسْوَة.

وقرأ الأعمش: «وخيفة» كالتي في «الأعراف» وهي من الخَوْفِ، قُلِبَتْ «الواو» ياء لانكسار ما قبلها وسكونها، ويظهر على هذه القراءة أن يكون مفعولاً من أجله لولا ما يَأبَاهُ «تَضرُّعاً» من المعنى.

قوله: «لَئِنْ أنْجَيْتَنَا» الظاهر أن هذه الجلمة القسميَّةَ تفسير للدُّعاءِ قبلها

ويجوز أن تكون مَنْصُوبَةً المَحلِّ على إضمار القول، ويكون ذلك القول في محلِّ نصب على الحال من فاعل «تدعونه» أي: تدعونه قائلين ذلك، وقد عرف مما تقدَّم غير مرَّةٍ كيفية اجتماع الشرط والقسم.

وقرأ الكوفيون «أنْجَانَا» بلفظ الغَيْبَةِ مُرَعَاةً لقوله «تَدْعُونَهُ» والباقون «أنجيتَنَا» بالخطاب حكاية لخطابِهِمْ في حالة الدعاء، وقد قرأ كُلُّ بما رسم في مصحفه، فإن في مصاحف «الكوفة» : أنْجَانَا» ، وفي غيرها: «أنْجَيْتَنَا» .

قوله: «مِنْ هَذِهِ» متعلِّقٌ بالفعل قَبْلَهُ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، و «هذه» اشارةٌ إلى الظُّلماتِ، لأنها تجري مجرى المؤنثة الواحدة، وكذلك في «منها» تعود على الظلمات.

وقوله: «ومِنْ كُلِّ كَرْبٍ» عطف على الضمير المجرور بإعادةِ حرف الجر، وهو واجب عند البصريين، وقد تقدَّم.

و «الكَرْبُ» غاية الغَمِّ الذي يأخذ النَّفْسَ.

قوله: «ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ» يريد أنهم يُقرُّونَ أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي يُنَجِّيهم، ثم يشركون معه الأصنامَ التي علموا أنها لا تضر ولا تنفع.

Al-An'aam 6:64Listen in Qur'an →
65

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

وهذا نوع آخر من دلائلِ التوحيد مَمْزُوجٌ بالتخويف فبين كونه - تعالى - قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطُّرُقِ المختلفة تارة من فوقهم، وتارةً من تحت أرجهلم، فقيل: هذا حقيقة.

فأما العذابُ من فوقهم كالمطرِ النازل عليهم في قِصَّةِ نوح، والصَّاعقةِ، والرِّيحِ، والصَّيْحةِ، ورَمْي أصحاب الفيل.

وأما الذي من تحت أرجلهم: كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ، وقيل: حبس المطر والنبات. وقيل: هذا مجاز.

قال مجاهد وابن عباس في رواية عكرمة: «مِنْ فَوْقِكُمْ» أي: من الأمراء، أو من تحت أرجلكم من العبيد والسَّفلةِ.

قوله: «عَذَاباً مِنْ فَوقكُم» يجوز أن يكون الظَّرْفُ معلِّقاً ب «نبعث» وأن يكون متعلّقاً بمحذوف على أنه صفةٌ ل «عذاباً» أي: كائناً من هاتين الجِهَتين. قوله: «أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» عطف على «يبعث» .

والجمهور على فتح الياء من «يَلْبِسَكُمْ» وفيه وجهان:

أحدهما: أنه بمعنى يخلطكم فِرقاً مختلفين على أهْوَاء شَتَّى كل فرقة مُشَايعة لإمام، ومعنى خَلْطِهِم: إنْشابُ القتالِ بيهم، فيختلطون في ملاحم القتال كقول الحماسي: [الكامل]

2190 - وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتيبَةٍ ... حَتَّى إَذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يِدِي

فَتَرَكُتُهُمْ تَقِصُ الرِّمَاحُ ظُهُورَهُم ... ْ مَا بَيْنَ مُنْعَفِرِ وَآخَرَ مُسْنَدِ

وهذه عبارة الزمخشري: فجعله من اللَّبْسِ الذي هو الخَلْطُ، وبهذا التفسر الحسن ظهر تعدِّي «يلبس» إلى المفعول، و «شِيَعاً» نصب على الحال، وهي جمع غير الصدر كقعدت جلوساً.

قال أبو حيَّان: «ويحتاج في جعله مصدراً إلى نقل من اللغة» .

ويجوز على هذا أيضاً أن يكون حالاً ك «أتَيْتُهُ رَكْضاً» أي: راكضاً، أو ذا ركض.

وقال أبو البقاء: والجمهور على فتح الياء، أي: يَلْبِسُ عليكم أموركم، فحذف حرف الجر والمفعول، والأجود أن يكون التقدير: أو يَلْبِسُ أموركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.

فصل في معنى الآية

قال الُفَسِّرُونَ: معناه: أن يجعلكم فرقاً، ويثبت فيكم الأهواء المختلفة.

وروى عمرو بن دينار عن جابرٍ، قال: «لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أعُوذُ بِوَجْهِكَ» قال: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعُوذُ بِوَجْهِكَ» . قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «هذا أهْوَنُ أوْ هَذَا أيْسَرُ» وعن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عن أبيه قال: «أقبلنا مع روسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى مررنا على مسجد بني مُعاويةَ، فدخل وصلَّى ركعتين، وصلينا معه فناجى ربه طويلاً، ثم قال:» سَألْتُ ربِّي ثلاثاً: ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي فأعْطَانِيها، وسَالْتُهُ ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي بالسَّنَةِ فأعْطَانيها، وسَألْتُهُ ألاَّ يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمنَعَنِيهَا»

وعن ابن عُمَرَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا في المسجد، فسأله الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين، ومنعه واحدة، سأله ألاَّ يُسَلِّطَ على أمته عدواً من غيرهم يظهر عليهم، فأعطاه ذلك، وسأله ألا يهلكهم بالسِّنين، فأعطماه ذلك، وسأله ألاَّ يجعل بَأسَ بضعهم على بَعْضٍ فمنعه ذلك.

فصل في مزيد بيان عن الآية

ظاهر قوله تعالى: ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا﴾ أنه يجعلهم على الأهْوَاءِ المختلفة، والمذاهب المُتنافيةِ، والحق منها ليس إلا لواحدٍ، وما سواه فهو باطل، وهذا يقتضي أنه - تعالى - قد يحلم المُكَلَّف على اعتقاد الباطِلِ.

وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض﴾ لا شَكَّ أن أكثرها ظُلم ومعصية، وهذا يدل على كونه - تعالى - خالقاً للخير والشر.

وأجاب الخَصْمُ عنه بأنه الآية تَدُلُّ على أنه - تعالى - قادر عليه، وعندنا أن الله - …

Al-An'aam 6:65Listen in Qur'an →
66

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager."

وهذا نوع آخر من دلائلِ التوحيد مَمْزُوجٌ بالتخويف فبين كونه - تعالى - قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطُّرُقِ المختلفة تارة من فوقهم، وتارةً من تحت أرجهلم، فقيل: هذا حقيقة.

فأما العذابُ من فوقهم كالمطرِ النازل عليهم في قِصَّةِ نوح، والصَّاعقةِ، والرِّيحِ، والصَّيْحةِ، ورَمْي أصحاب الفيل.

وأما الذي من تحت أرجلهم: كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ، وقيل: حبس المطر والنبات. وقيل: هذا مجاز.

قال مجاهد وابن عباس في رواية عكرمة: «مِنْ فَوْقِكُمْ» أي: من الأمراء، أو من تحت أرجلكم من العبيد والسَّفلةِ.

قوله: «عَذَاباً مِنْ فَوقكُم» يجوز أن يكون الظَّرْفُ معلِّقاً ب «نبعث» وأن يكون متعلّقاً بمحذوف على أنه صفةٌ ل «عذاباً» أي: كائناً من هاتين الجِهَتين. قوله: «أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» عطف على «يبعث» .

والجمهور على فتح الياء من «يَلْبِسَكُمْ» وفيه وجهان:

أحدهما: أنه بمعنى يخلطكم فِرقاً مختلفين على أهْوَاء شَتَّى كل فرقة مُشَايعة لإمام، ومعنى خَلْطِهِم: إنْشابُ القتالِ بيهم، فيختلطون في ملاحم القتال كقول الحماسي: [الكامل]

2190 - وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتيبَةٍ ... حَتَّى إَذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يِدِي

فَتَرَكُتُهُمْ تَقِصُ الرِّمَاحُ ظُهُورَهُم ... ْ مَا بَيْنَ مُنْعَفِرِ وَآخَرَ مُسْنَدِ

وهذه عبارة الزمخشري: فجعله من اللَّبْسِ الذي هو الخَلْطُ، وبهذا التفسر الحسن ظهر تعدِّي «يلبس» إلى المفعول، و «شِيَعاً» نصب على الحال، وهي جمع غير الصدر كقعدت جلوساً.

قال أبو حيَّان: «ويحتاج في جعله مصدراً إلى نقل من اللغة» .

ويجوز على هذا أيضاً أن يكون حالاً ك «أتَيْتُهُ رَكْضاً» أي: راكضاً، أو ذا ركض.

وقال أبو البقاء: والجمهور على فتح الياء، أي: يَلْبِسُ عليكم أموركم، فحذف حرف الجر والمفعول، والأجود أن يكون التقدير: أو يَلْبِسُ أموركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.

فصل في معنى الآية

قال الُفَسِّرُونَ: معناه: أن يجعلكم فرقاً، ويثبت فيكم الأهواء المختلفة.

وروى عمرو بن دينار عن جابرٍ، قال: «لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أعُوذُ بِوَجْهِكَ» قال: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعُوذُ بِوَجْهِكَ» . قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «هذا أهْوَنُ أوْ هَذَا أيْسَرُ» وعن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عن أبيه قال: «أقبلنا مع روسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى مررنا على مسجد بني مُعاويةَ، فدخل وصلَّى ركعتين، وصلينا معه فناجى ربه طويلاً، ثم قال:» سَألْتُ ربِّي ثلاثاً: ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي فأعْطَانِيها، وسَالْتُهُ ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي بالسَّنَةِ فأعْطَانيها، وسَألْتُهُ ألاَّ يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمنَعَنِيهَا»

وعن ابن عُمَرَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا في المسجد، فسأله الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين، ومنعه واحدة، سأله ألاَّ يُسَلِّطَ على أمته عدواً من غيرهم يظهر عليهم، فأعطاه ذلك، وسأله ألا يهلكهم بالسِّنين، فأعطماه ذلك، وسأله ألاَّ يجعل بَأسَ بضعهم على بَعْضٍ فمنعه ذلك.

فصل في مزيد بيان عن الآية

ظاهر قوله تعالى: ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا﴾ أنه يجعلهم على الأهْوَاءِ المختلفة، والمذاهب المُتنافيةِ، والحق منها ليس إلا لواحدٍ، وما سواه فهو باطل، وهذا يقتضي أنه - تعالى - قد يحلم المُكَلَّف على اعتقاد الباطِلِ.

وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض﴾ لا شَكَّ أن أكثرها ظُلم ومعصية، وهذا يدل على كونه - تعالى - خالقاً للخير والشر.

وأجاب الخَصْمُ عنه بأنه الآية تَدُلُّ على أنه - تعالى - قادر عليه، وعندنا أن الله - …

Al-An'aam 6:66Listen in Qur'an →
67

لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

For every happening is a finality; and you are going to know.

وهذا نوع آخر من دلائلِ التوحيد مَمْزُوجٌ بالتخويف فبين كونه - تعالى - قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطُّرُقِ المختلفة تارة من فوقهم، وتارةً من تحت أرجهلم، فقيل: هذا حقيقة.

فأما العذابُ من فوقهم كالمطرِ النازل عليهم في قِصَّةِ نوح، والصَّاعقةِ، والرِّيحِ، والصَّيْحةِ، ورَمْي أصحاب الفيل.

وأما الذي من تحت أرجلهم: كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ، وقيل: حبس المطر والنبات. وقيل: هذا مجاز.

قال مجاهد وابن عباس في رواية عكرمة: «مِنْ فَوْقِكُمْ» أي: من الأمراء، أو من تحت أرجلكم من العبيد والسَّفلةِ.

قوله: «عَذَاباً مِنْ فَوقكُم» يجوز أن يكون الظَّرْفُ معلِّقاً ب «نبعث» وأن يكون متعلّقاً بمحذوف على أنه صفةٌ ل «عذاباً» أي: كائناً من هاتين الجِهَتين. قوله: «أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» عطف على «يبعث» .

والجمهور على فتح الياء من «يَلْبِسَكُمْ» وفيه وجهان:

أحدهما: أنه بمعنى يخلطكم فِرقاً مختلفين على أهْوَاء شَتَّى كل فرقة مُشَايعة لإمام، ومعنى خَلْطِهِم: إنْشابُ القتالِ بيهم، فيختلطون في ملاحم القتال كقول الحماسي: [الكامل]

2190 - وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتيبَةٍ ... حَتَّى إَذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يِدِي

فَتَرَكُتُهُمْ تَقِصُ الرِّمَاحُ ظُهُورَهُم ... ْ مَا بَيْنَ مُنْعَفِرِ وَآخَرَ مُسْنَدِ

وهذه عبارة الزمخشري: فجعله من اللَّبْسِ الذي هو الخَلْطُ، وبهذا التفسر الحسن ظهر تعدِّي «يلبس» إلى المفعول، و «شِيَعاً» نصب على الحال، وهي جمع غير الصدر كقعدت جلوساً.

قال أبو حيَّان: «ويحتاج في جعله مصدراً إلى نقل من اللغة» .

ويجوز على هذا أيضاً أن يكون حالاً ك «أتَيْتُهُ رَكْضاً» أي: راكضاً، أو ذا ركض.

وقال أبو البقاء: والجمهور على فتح الياء، أي: يَلْبِسُ عليكم أموركم، فحذف حرف الجر والمفعول، والأجود أن يكون التقدير: أو يَلْبِسُ أموركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.

فصل في معنى الآية

قال الُفَسِّرُونَ: معناه: أن يجعلكم فرقاً، ويثبت فيكم الأهواء المختلفة.

وروى عمرو بن دينار عن جابرٍ، قال: «لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أعُوذُ بِوَجْهِكَ» قال: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعُوذُ بِوَجْهِكَ» . قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «هذا أهْوَنُ أوْ هَذَا أيْسَرُ» وعن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عن أبيه قال: «أقبلنا مع روسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى مررنا على مسجد بني مُعاويةَ، فدخل وصلَّى ركعتين، وصلينا معه فناجى ربه طويلاً، ثم قال:» سَألْتُ ربِّي ثلاثاً: ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي فأعْطَانِيها، وسَالْتُهُ ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي بالسَّنَةِ فأعْطَانيها، وسَألْتُهُ ألاَّ يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمنَعَنِيهَا»

وعن ابن عُمَرَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا في المسجد، فسأله الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين، ومنعه واحدة، سأله ألاَّ يُسَلِّطَ على أمته عدواً من غيرهم يظهر عليهم، فأعطاه ذلك، وسأله ألا يهلكهم بالسِّنين، فأعطماه ذلك، وسأله ألاَّ يجعل بَأسَ بضعهم على بَعْضٍ فمنعه ذلك.

فصل في مزيد بيان عن الآية

ظاهر قوله تعالى: ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا﴾ أنه يجعلهم على الأهْوَاءِ المختلفة، والمذاهب المُتنافيةِ، والحق منها ليس إلا لواحدٍ، وما سواه فهو باطل، وهذا يقتضي أنه - تعالى - قد يحلم المُكَلَّف على اعتقاد الباطِلِ.

وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض﴾ لا شَكَّ أن أكثرها ظُلم ومعصية، وهذا يدل على كونه - تعالى - خالقاً للخير والشر.

وأجاب الخَصْمُ عنه بأنه الآية تَدُلُّ على أنه - تعالى - قادر عليه، وعندنا أن الله - …

Al-An'aam 6:67Listen in Qur'an →
68

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when you see those who engage in [offensive] discourse concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

قال تعالى في الآية الأولى ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 66] فتبيَّنَ به أنه لا يجب على الرّسُول ملازمة المكذَّبين بهذا الدَّين.

وبيَّن في هذه الآية أن أولئك المكذَّبين إن ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ وتكذيبهم الاسْتِهْزَاءَ بالدَّين والطَّعْن في الرسول، فإن يجب الإعراض عنهم، وترك مُجَالَسَتِهِم.

قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فقيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به غيره.

وقيل: الخطاب لغيره، أي: إذا رأيت أيها السَّامِعُ الذين يخوضون في آياتنا.

نقل الواحديُّ أنَّ المشركين كانوا إذا جالَسُوا المؤمنين وَقَعُوا في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والقرآن فَشَتَمُوا واستعهزءوا فأمرهم ألاَّ يقعدوا معهم حتى يَخُوضُوا في حديث غيره.

والخَوْضُ في اللغة عبارة عن المُفاوضةِ على وجه اللَّعبِ والعبثِ.

قال تعالى حكاية عن الكفار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ [المدثر: 45] وإذا قال الرجل: تركت القوم يَخُوضُونَ أفاد أنهم شَرَعثوا في كَلِمَاتٍ لا ينبغي ذِكُرُهَا.

قوله: «إذَا» منصوب بجوابها، وهو «فأعْرَضْ» ؛ أي: فأعرض عنهم في هذا الوَقْتِ و «رأيت» هنا تحتمل أن تكون البصريَّة، وهو الظاهر، ولذلك تعدّت لواحد.

قال أبو حيَّان: «ولابُدَّ من تقدير حالٍ مَحْذُوفَةٍ، أي: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا، وهو خائضون فيها، أي: وإذا رأيتهم مُلْتَبِسينَ بالخَوْضِ فيها» . انتهى.

قال شهاب الدِّين: ولا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأن قوله: «يَخُوضُونَ» مُضارع، والراجح حَاليَّتُهُ وأيضاً فإن «الذينَ يَخُوضُونَ» في قُوَّةِ الخائضين، واسم الفاعل حَقيقَةٌ في الحال بلا خلاف، فيحمل هذا على حقيقته، فيُسْتَغْنَى عن حذف هذه الحال التي قدَّرها وهي حال مؤكدة.

ويحتمل أن تكون علمية، وضعَّفَةُ أبو حيان بأنه يَلْزَمُ منه حذف المفعول الثاني، وحذفه إما اقْتَصَارٌ، وإما اختِصَارٌ، فإن كان الأوَّل: فممنوع اتفاقاً وإن كان الثاني: فالصحيح المَنْعُ حتى منع ذلك بعض النحويين.

قوله: «غَيْرِهِ» «الهاء» فيها وجهان:

أحدهما: أنها تعود على الآياتِ، وعاد مفرداً مذكراً؛ لأن الآيات في معنى الحديثِ والقرآن.

وقيل: إنها تعود على الخَوْضِ، أي: المدلول عليه بالفِعْلِ كقوله: [الوافر]

2196 - إذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ ... وخَالَفَ والسَّفِيهُ إلى خلافِ

أي: جرى إلى السَّفَهِ، دَلَّ عليه الصِّفَةُ كما دَلَّ الفعل على مصدره؛ أي: حتى يخوضوا في حديث غير الخَوْضِ.

وقوله: «وإمَّا يُنْسِيَنَّكَ» قراءة العامّة «يُنْسِيَنَّكَ» بتخفيف السِّين من «أنْسَاهُ» كقوله: ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان﴾ [الكهف: 63] قال تعلى في الآية الأولى ﴿فَأَنْسَاهُ الشيطان﴾ [يوسف: 42] .

وقرأ ابن عامر: بتشديدها من «نسَّاهُ» ، والتعدِّي جاء في هذا الفعل بالهمزة مرة، وبالتضعيف أخرى، كما تقدم في «أنْجَى» و «نَجَّى» و «أمْهَل» و «مَهَّلَ» .

والمفعول الثاني محذوف في القراءتين؛ تقديره: وإما يُنْسِيَنَّك الشَّيْطانُ الذِّكرَ أو الحقَّ.

والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى، أي: وإما نيسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مُجَالَسَةِ الخائضين بعد تذكيرك، فلا تقعدْ بعد ذلك معهم، وإنما أبرزهم ظاهرين تسجيلاً عليهم بصفة الظُّلْم، وجاء الشرط الأول ب «إذا» ؛ لأن خَوْضَهُمْ في الآيات مُحَقَّقٌ، وفي الشرط الثاني ب «إن» إنْسَاءَ الشيطان له لي أمراً مُحَقَّقاً، بل قد يقع وقد لا يقعن وهو مَعْصُومٌ منه.

ولم يجئ مصدر على «فِعْلَى» غير ذِكْرَى «.

وقال ابن عطيَّة:» وإمَّا شرطن ويلزمها في الأغلب النون الثقيلة، وقد لا تلزم كقوله: [البسيط]

2197 - إمَّا يُصِبْكَ عَدُوُّ في مُنَاوَأةِ..... ... ... ... …

Al-An'aam 6:68Listen in Qur'an →
69

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And those who fear Allah are not held accountable for the disbelievers at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

يجوز أن تقدر «ما» حجازية، فيكون «مِنْ شيءٍ» اسمها، و «من» مزيدة فيه لتأكيد الاستغراقِ، و «على الذين يتَّقُون» خبرها عند من يُجيزُ إعمالها مقدمة الخبر مطلقاً، أو يرى ذلك في الظَّرْفِ وعديلِهِ.

و «مِنْ حِسَابِهِمْ» حالٌ من «شيء» لأنه لو تأخَّر لكان صِفَةً، ويجوز أن تكون مُهْمَلةً إما على لُغَةِ «تميم» وإما على لغة «الحجاز» لِفَواتِ شرطٍ، وهو تقديم خبرها وإن كان طرفاً، وتحقيق ذلك مما تقدَّم في قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 52]

قوله: «ولَكِنْ ذِكْرَى» فيه أربعة أوجه:

أحدهما: أنها مَنْصُوبَةٌ على المَصْدَرِ بفعلٍ مُضْمَرٍ، فَقَدَّرهُ بعضهم أمراً؛ أي: ولكن ذكِّروهم ذِكْرَى، وبعضهم قدَّرَةُ خبراً؛ أي: ولكن يذكرونهم ذكرى.

الثاني: أنه مبتدأ خَبَرُهُ محذوف؛ أي: ولكن عليهم ذكرى؛ أي: النهي عن مُجَالَسَتِهِمْ والامتناع منها ذكرى.

الرابع: أنه عطفٌ على موضع «شيء» المجرور ب «مِنْ» ؛ أي: ما على المُتَّقين من حسابهم شيء، ولكن عليهم ذكرى، فيكون من عَطْفِ المفردات، وأما على الأوجه السَّابقة فمن عطف الجُمَلِ.

وقد رَدَّ الزمخشري هذا الوَجْهَ الرابع، ورَدَّهُ عليه أبو حيان.

فأما رَدّ الزمخشري فقال: «ولا يجوز أن يكون عَطْفاً على مَحَلِّ من شيء؛ كقولك:» ما في الدار من أحد ولكن زيد» ؛ لأن قوله: «مِنْ حِسَابِهِمْ» يأبَى ذلك» .

قال أبو حيَّان: كأنه تَخَيَّلَ أن في العَطْفِ يلزم القَيْدُ الذي في المعطوف عليه، وهو «مِنْ حِسَابِهِم» فهو قيد في «شيء» فلا يجوز عنده أن يكون من عَطْفِ المفردات عطفاً على «من شيء» على الموضع؛ لأنه يصير التقدير عنده: ولكن ذكرى من حسابهم، وليس المعنى على هذا، وهذا الذي تَخَيَّلَهُ ليس بشيء، ولا يلزم في العطف ب «لكن» ما ذكر؛ تقول: ما عندنا رَجُلُ سُوءٍ ولكن رَجُلُ صِدْقٍ، وما عندما رَجُلٌ من تميم ولكن رَجُلٌ من قريش، وما قام من رَجُلٍ عالم ولكن رَجُل جاهل، فعلى هذا الذي قَرَّرْناهُ يجوز أن يكون من عطف الجمل كما تقدم، وأن يكون من عَطْفِ المفرادات والعطف بالواو، ولكن جيء بها للاستدراك.

قال شهاب الدِّين: قوله: «تقول: ما عندنا رجل سوء وكن رجل صدق» إلى آخر الأمثلة التي ذكرها لا يَرُدُّ على الزمخشري؛ لأن الزمخشري وغيره من أهْلِ اللِّسانِ والأصوليين يقولون: إنَّ العطف ظَاهِرٌ في التشريك، فإن كان في المعطوف عليه قَيْدٌ فالظَّاهِرُ تقييد المعطوف بذلك القَيْد؛ إلاَّ أن تجيء قرينَةٌ صارِفَةٌ، فيُحَالٌ الأمر عليها.

فإذا قلت: ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً، فالظاهر اشتراك عمرو مع زيد في الضَّربِ مقيداً بيوم الجمعة، فإن قلت: وعمراً يوم السبت لم يشاركه في قَيْدِهِ، والآية الكريمة من قَبِيلِ النوع الأول؛ أي: لم يؤت مع المعطوف بقرينه تُخْرِجُهُ، فالظاهر مُشَاركَتُهُ للأول في قيده، ولو شاركه في قيده لزم منه ما ذكر الزومخشري، وأما الأمثلة التي أوْرَدَهَا فالمعطوف مُقَيَّدٌ بيغر القيد الذي قيد به الأوَّل، وإنما كان نبغي أن يُمَثِّلَ بقوله: «ما عندنا رجل سوء ولكن امرأة وما عندنا رجل من تميم ولكن صبي» ، فالظاهر من هذا أن المعنى: ولكن امرأة سوء، ولكن صبي من قريش.

وقول الزمخشري: «عَطْفاً على محل: من شيء» ولم يقل: عطفاً على لفظه لفائدة حَسَنَةٍ يَعْسُرُ مَعْرفَتُهَا، وهو أن «لكن» حرف إيجاب، فلو عطفت ما بعدها على المجرور ب «مِنْ» لَفْظاً لزم زيادة «من» في الواجب، وجمهور البصريين على عدم زيادتها فيه، ويَدُلُّ على اعتبار الإيجاب في «لكن» أنهم إذا عَطَفُوا بعد خبر «ما» الحجازية أبْطَلُوا النَّصْبَ؛ لأنها لا تعمل في المنتقض النفي، و «بل» ك «لكن» فيما ذكرنا.

فصل في النزول

روى عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68] قال المسلمون: لئن كُنَّا كلما استهزأ …

Al-An'aam 6:69Listen in Qur'an →
70

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with the Qur'an, lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allah no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

«اتَّخّذُوا» فيها وجهان:

أحدهما: أنها مُتَعَدِّيَةٌ لواحد، على أنها بمعنى «اكتسبوا» و «عملوا» ، و «لهواً ولعلباً» على هذا مفعول من أجله؛ أي: اكتسبوه لأجل اللهو واللعب.

قال أبو حيَّان: ويظهر من بعض كلام الزمخشري، وكلام ابن عطية أنَّ «لعباً ولهواً» هوا لمفعول الأوَّل، و «دينهم» هو المفعول الثاني.

قال الزمخشري: أي دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لَعِباً ولهواً، وذلك أن عبادتهم وما كانوا عليه من تَبْحِير البَحَائِرِ وتسييب والسَّوائبِ من باب اللَّهْوِ واللعبن واتِّباعِ هوى النفسن وما هو من جِنْسِ الهَزْلِ لا الحِدِّ، أو اتخذوا ما هولَعِبٌ ولهو من بعادة الأصنام دِيناً لهم، أو اتخذوا دينهم الذي كُلِّفُوُ، وهو دين الإسلام لعباً ولهواً، فتفسيره الأوَّلُ هو ما ذكرناه عنه» . انتهى قال شهاب الدين: وهذا الذي ذَكَرَاهُ إنما ذَكَرَاهُ تفسير معنى لا تفسير إعراب، وكيف يجعلان النكرة مَفْعُولاً أوَّل، والمعرفة مفعولاً ثانياً نم غير داعية إلى ذلك، مع أنهما من أكابر أهْلِ هذا اللسان، وانظر كيف أبرزا ما جَعَلاَهُ مفعولاً أول معرفة، وما جعلاه ثانياً نكرة في تركيب كلامها [يخرج] على كلام العرب، فكيف يظن بهما أن يجعلا النكرة محدثاً عنها، والمعرفة حديثاً في كلام الله تعالى؟ قوله تعالى: و ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ تحتمل وجهين: أحدهما: أنها مستأنفة. والثاني: أنها عطف على صلة «الَّذين» ، أي: الذين اتَّخّذُوا وغرَّتْهُم، وقد تقدم معنى» الغُرُور «في آخر آل عمران.

وقيل: هنا: غَرَّتْهُمْ من «الغَرّ» بفتح الغين، أي: ملأت أفواههم وأشبعتهم، وعليه قول الشاعر: [الطويل]

2199 - وَلَمَّا الْتَقَيْنَا بِالحُلَيْبَةِ غَرَّنِي ... بِمَعْرُوفِهِ حَتَّى خَرَجْتُ أفُوقُ

فصل في معنى الآية

المُرَادُ من هولاء الذي اتخذوا دينهُمْ لعباً ولهواً، يعني الكفار الذين إذا سَمِعُوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا.

وقيل: إن الله - تعالى - جعل لك قوم عِيداً واتَّخَذَ كل قوم دينهم؛ أي عيدهم لعباً ولهواً، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير، وفعل الخير مثل الجُمُعَةِ والفِطْرِ والنَّحْر.

وقيل: إن الكُفَّارَ كانوا يحكمون في دين الله بمجرَّدِ [التشهِّي والتمني مثل تحريم] السَّوائبِ والبَحَائِرِ.

وقيل: اتخاذهم الأصنام وغيرها ديناً لهم.

وقيل: هم الذين ينصرون الدين ليتوسَّلُوا به إلى أخْذِ المناصِبِ والرِّيَاسَةِ، وغلبة الخَصْمِ، وجمع الأموال، فهولاء الذين [نصروا الدِّين] لأجل الدنيا، وقد حكما لله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لَعِبٌ ولَهْوٌ.

ويْكِّدُ هذا الوَجْهَ قوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ .

قوله: «وذكِّر بِهِ» أي: بالقرآن، يَدُلُّ له قوله: ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] وقيل: يعود على «حِسَابِهِمْ» .

وقيل: على «الدّين» أي: الذي يجب عليهم أن يَتَداينُوا، ويعتقدوا بصحته.

وقيل: هذا ضمير يفسره ما بعده، وسيأتي إيضاحه.

قوله: «أنْ تُبْسَلَ» في هذا وجهان:

المشهور - بل الإجماع - على أنه مفعول من أجْلِهِ، وتقديره: مَخَافَة أن تُبْسَلَ، أو كاراهة أن تُبْسَلَ أو ألاَّ تبسل.

والثاني: قال أبو حيَّان بعد أن نقل الاتِّفاقَ على المفعول من أجله: «ويجوز عندي أن يكون في موضع جرِّ على البدلِ من الضمير، والضمير مفسّر بالبَدَلِ، ويضمر الإبْسَالُ لما في الإضمار من التَّفْخيمِ، كما أضمروا ضمير الأمْرِ والشَّأنِ، والتقدير: وذكِّرْ بارتهان النفوس، وحبسها بما كسبت، كما قالوا: «اللهم صَلِّ عليه الرءوف الرحيم» ، وقد أجاز ذلك سيبويه؛ قال: فإن قلت: وضربوني قومك، نَصَبْتَ إلا في قول من قال: «أكلوني البراغيث» أو تحمله على البَدَل من المضمر.

وقال أيضاً: فإن قلت: «ضربين وضربتهم قومك، رفعت على التقديم والتأخير إلا أن تجعل هاهنا البدلن كما جعلته في الرفع» . انتهى.

وقد روي قوله: [الطويل]

2200 …

Al-An'aam 6:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.