Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 165

61

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers take him, and they do not fail [in their duties].

ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ - أخْبَرَ بِغالِبِ سَلْطَنَتِهِ وعَظِيمِ جَبَرُوتِهِ وأنَّ أفْعالَهُ هَذِهِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ لا يُسْتَطاعُ مُخالَفَتُها، فَلَوْ بالَغَ أحَدٌ في الِاجْتِهادِ في أنْ يَنامَ في غَيْرِ وقْتِهِ ما قَدَرَ، أوْ أنْ يَقُومَ وقْتَ النَّوْمِ لَعَجَزَ، أوْ أنْ يُحْيِيَ وقْتَ المَوْتِ لَمْ يَسْتَطِعْ ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ بِما لَهُ مِن غَيْبِ الغَيْبِ وحُجُبِ الكِبْرِياءِ ﴿القاهِرُ﴾ وصَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ أيْ: في الإحاطَةِ بِالعِلْمِ والفِعْلِ، أمّا قَهْرُهُ لِلْعَدَمِ فَبِالتَّكْوِينِ والإيجادِ، وأمّا قَهْرُهُ لِلْوُجُودِ فَبِالإفْناءِ والإفْسادِ بِنَقْلِ المُمْكِنِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى، فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ الكائِناتِ وصُرُوفِ المُمْكِناتِ ﴿ويُرْسِلُ﴾ ورَجَعَ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مِن مَلائِكَتِهِ ﴿حَفَظَةً﴾ أيْ: يَحْفَظُونَ عَلَيْكم كُلَّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ لِتَسْتَحْيُوا مِنهم وتَخافُوا عاقِبَةَ كِتابَتِهِمْ. ويَقُومَ عَلَيْكم بِشَهادَتِهِمْ الحُجَّةَ عَلى مَجارِي عاداتِكم، وإلّا فَهو - سُبْحانُهُ - غَنِيٌّ عَنْهم؛ لِأنَّهُ العالَمُ القادِرُ فَيَحْفَظُونَكم عَلى حَسَبِ مُرادِهِ فِيكم ﴿حَتّى إذا جاءَ﴾ ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ أخْوَفَ قالَ: ﴿أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: الَّذِي لا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ ولا مَحِيصَ ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ أيْ: أخَذَتْ رُوحَهُ كامِلَةً ﴿رُسُلُنا﴾ مِن مَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ عَلى ما لَهم مِنَ العَظَمَةِ بِالإضافَةِ إلَيْنا ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ في نَفَسٍ واحِدٍ ولا ما دُونَهُ ولا ما فَوْقَهُ بِالتَّوانِي عَنْهُ لِيَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ وقْتِهِ أوْ يَتَأخَّرَ.

Al-An'aam 6:61Listen in Qur'an →
62

ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ

Then they His servants are returned to Allah, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

ولَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى قُوَّتِهِ بِالجُنُودِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ - وإنْ كانَ عَنْهم غَنِيًّا بِصِفَةِ القَهْرِ - نَبَّهَ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ إلى اسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ وشامِلِ جَبَرُوتِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ حَبْسِهِمْ في قَيْدِ البَرْزَخِ ﴿رُدُّوا﴾ أيْ: رَدَّهم رادٌّ مِنهُ لا يَسْتَطِيعُونَ دِفاعَهُ أصْلًا ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا تُحَدُّ عَظَمَتُهُ ولا تُعَدُّ جُنُودُهُ وخَدَمَتُهُ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ: مُبْدِعُهم ومُدَبِّرُ أُمُورَهم كُلُّها ﴿الحَقِّ﴾ أيْ: الثّابِتُ الوِلايَةِ، وكُلُّ وِلايَةٍ غَيْرُ وِلايَتِهِ مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ عَدَمٌ؛ لِأنَّ الحَفَظَةَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما ظَهَرَ لَهم، وهو - سُبْحانُهُ - يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.

ولَمّا اسْتَحْضَرَ المُخاطَبُ عِزَّتَهُ وقَهْرَهُ، وتَصَوَّرَ جَبَرُوتَهُ وكِبْرَهُ، فَتَأهَّلَ قَلْبُهُ وسَمْعُهُ لِما يُلْقى إلَيْهِ ويُتْلى عَلَيْهِ - قالَ: ﴿ألا لَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ حَقًّا ﴿الحُكْمُ﴾ ولَمّا كانَ الِانْفِرادُ بِالحُكْمِ بَيْنَ جَمِيعِ الخَلْقِ أمْرًا يُحَيِّرُ الفِكْرَ، ولا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ، قالَ مُحَقِّرًا في جَنْبِ قُدْرَتِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في أسْرَعَ مِنَ اللَّمْحِ كَما أنَّهُ يُقَسِّمُ أرْزاقَهم في الدُّنْيا في مِثْلِ ذَلِكَ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْفَكَّ عَنْ عِقابِهِ بِمُطاوَلَةٍ في الحِسابِ ولا مُغالَطَةٍ في ثَوابٍ ولا عِقابٍ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ ولا عَقْدٍ ولا كِتابَةٍ، فَلا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ ولا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ.

Al-An'aam 6:62Listen in Qur'an →
63

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.' "

ولَمّا تَعَرَّفَ بِأفْعالِهِ وشُؤُونِهِ حَتّى اتَّضَحَتْ وحْدانِيَّتُهُ وثَبَتَتْ فَرْدانِيَّتُهُ - ذَكَّرَهم أحْوالَهم في إقْرارِ تَوْحِيدِهِ وقْتَ الشَّدائِدِ والرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ الإنْجاءِ مِنها، فَكانُوا كَمَن طَلَبَ مِن شَخْصٍ شَيْئًا وأكَّدَ لَهُ المِيثاقَ عَلى الشُّكْرِ، فَلَمّا أحْسَنَ إلَيْهِ بِإعْطائِهِ سُؤْلَهُ نَقَضَ عَهْدَهُ وبالَغَ في الكُفْرِ، وذَلِكَ عِنْدَهم في غايَةٍ مِنَ القَبائِحِ لا تُوصَفُ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ مَحاسِنَ الأعْمالِ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ أيْ: كَثِيرًا وعَظِيمًا ﴿مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: حَيْثُ لا هِدايَةَ لَكم بِنَجْمٍ ولا جَبَلٍ ولا غَيْرِهِما، أوْ عَبَّرَ بِالظُّلُماتِ عَنِ الكُرُوبِ الَّتِي بَلَغَتْ شِدَّتَها إلى أنَّ صاحِبَها يَكُونُ كَأنَّهُ في أشَدِّ ظَلامٍ، فَهو بِحَيْثُ إنَّهُ لا يَهْتَدِي فِيها إلى وجْهِ حِيلَةٍ بِنَوْعِ وسِيلَةٍ ﴿تَدْعُونَهُ﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الإخْلاصِ لَهُ والتَّوْحِيدِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ شِرْكٍ وشَرِيكٍ لِزَوالِ الحُظُوظِ عِنْدَ إحاطَةِ الرُّعْبِ واسْتِيلائِهِ عَلى مَجامِعِ القَلْبِ، فَلا يَبْقى إلّا الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ: ( الواعِي ): ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ: مُظْهِرِينِ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ، وحَقِيقَتُهُ الخُشُوعُ ”و“ قَوْلُهُ: ”خَفِيَّة“ أيْ: تُخْفُونَ في أنْفُسِكم مِثْلَ ما تُظْهِرُونَ؛ قالَ شِمْرٌ: يُقالُ: ضَرَعَ لَهُ وهو ضارِعٌ بَيِّنُ الضَّراعَةِ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ ضُرَّعٌ، أيْ: أذِلّاءُ، وهم ضَرَعَةٌ أيْ: مُتَضَرِّعُونَ، والتَّضَرُّعُ إلى اللَّهِ: التَّخَشُّعُ إلَيْهِ والتَّذَلُّلُ، وإذا كانَ الرَّجُلُ مُخْتَلُّ الجِسْمِ قُلْتَ: إنَّهُ لَضارِعُ الجِسْمِ بَيِّنُ الضُّرُوعِ، وفي الذُّلِّ بَيِّنُ الضَّراعَةِ. انْتَهى.

ولَمّا بَيَّنَ وصْفَهم وقْتَ الدُّعاءِ، بَيَّنَ قَوْلَهم إذْ ذاكَ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ﴾ فَأكَّدُوا وخَصُّوا وبَيَّنُوا غايَةَ البَيانِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ: العَرِيقِينَ في الشُّكْرِ؛

Al-An'aam 6:63Listen in Qur'an →
64

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ

Say, "It is Allah who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو اللَّهُ، ولَكِنَّهم يَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، عُدُّوا مُنْكِرِينَ فَأمَرَهُ بِالجَوابِ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ لِجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿يُنَجِّيكم مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ ﴿ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ أيْ: وقَعْتُمْ فِيهِ، وما أعْظَمَ مَوْقِعَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ﴾ مَعَ التِزامِ الإخْلاصِ في وقْتِ الكَرْبِ ومَعَ التِزامِ الشُّكْرِ ﴿تُشْرِكُونَ﴾ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِ نَقْضِهِمْ بِأداةِ التَّراخِي مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجِناسِ لِما كانَ يَنْبَغِي لَهم مِن أنَّهم يَشْكُرُونَ.

Al-An'aam 6:64Listen in Qur'an →
65

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

ولَمّا كانُوا بِإشْراكِهِمْ كَأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ الشِّدَّةَ زالَتْ عَنْهم زَوالًا لا يَعُودُ، وكانَ اللّائِقُ بِهِمْ دَوامَ التَّذَلُّلِ إمّا وفاءً وإمّا خَوْفًا - أخْبَرَهم تَرْهِيبًا لَهم مِن سَطْوَتِهِ وتَحْذِيرًا مِن بالِغِ قُدْرَتِهِ أنَّ شِدَّتَهم تِلْكَ الَّتِي أذَلَّتْهم لَمْ تَزَلْ في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ قُدْرَةَ المَلِكِ عَلَيْها حالَةَ الرَّخاءِ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْها في وقْتِها سَواءٌ، فَإنَّهُ خالِقُ الحالَتَيْنِ وأسْبابُهُما وما فِيهِما، ولَكِنَّهم عُمْيُ الأبْصارِ أجْلافُ الطَّبائِعِ، فَقالَ: ﴿قُلْ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿القادِرُ﴾ ولَمْ يَصُغْهُ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ إنَّما كانُوا يَدَّعُونَ المُشارَكَةَ الَّتِي نَفاها بِالتَّخْصِيصِ، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ يُفِيدُ بِهِ المُبالَغَةَ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ يُرِيدُهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في كُلِّ حالَةٍ ﴿عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ بِإسْقاطِ السَّماءِ قِطَعًا أوْ شَيْءٍ مِنها كالحِجارَةِ الَّتِي حَصَبَ بِها قَوْمَ لُوطٍ وأصْحابَ الفِيلِ أوْ بِتَسْلِيطِ أكابِرِكم ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ أيْ: بِالخَسْفِ أوْ إثارَةِ الحَيّاتِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأرْضِ كَما وقَعَ لِبَعْضِ مَن سَلَفَ، أوْ بِتَسْلِيطِ سَفَلَتِكم وعَبِيدِكم عَلَيْكم ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ أيْ: يَخْلِطُ بَيْنَكم حالَ كَوْنِكم ﴿شِيَعًا﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ، كُلُّ شِيعَةٍ عَلى هَوًى، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلسَّيْفِ ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَ تِلْكَ الشِّيَعِ ﴿بَأْسَ بَعْضٍ﴾ فَيُساوِي في ذَلِكَ بَيْنَ الحَرَمِ وغَيْرِهِ، ويَصِيرُ التَّخَطُّفُ بِالنَّهْبِ والغاراتِ عامًّا، وسَوْقُ هَذا الكَلامِ هَكَذا يُفْهِمُ إيقاعَهُ في وقْتٍ ما لِناسٍ ما؛ لِأنَّ كَلامَ المُلُوكِ يُصانُ عَنْ أنْ لا يَكُونُ لَهُ صُورَةٌ تُوجَدُ وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ الشَّرْطِ ونَحْوِهِ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ عَلّامِ الغُيُوبِ ! ولِلتَّدْرِيبِ عَلى مِثْلِ هَذا الفَهْمِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أما إنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ» .

وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وسَيَأْتِي لِهَذا مَزِيدُ بَسْطٍ وتَحْقِيقٍ في قَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]

ولَمّا كانَ هَذا بَيانًا عَظِيمًا - أشارَ إلى عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ﴾ وعَظَّمَهُ تَعْظِيمًا آخَرَ بِالِاسْتِفْهامِ فَقالَ ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: نُكَرِّرُها مُوَجَّهَةً في جَمِيعِ الوُجُوهِ البَدِيعَةِ النّافِعَةِ البَلِيغَةِ ﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى فَهْمُهُ وانْتِفاعُهُ بِهِ، كانَ هَذا

Al-An'aam 6:65Listen in Qur'an →
66

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager."

و الحالُ أنَّهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ أيْ: هَذا العَذابِ أوْ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ والأسْبابِ المُبَيِّنَةِ لِلْخَلْقِ جَمِيعَ ما يَنْفَعُهم لِيَلْزَمُوهُ وما يَضُرُّهم لِيَحْذَرُوهُ ﴿قَوْمُكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَقُومُوا بِجَمِيعِ أمْرِكَ ويُسَرُّوا بِسِيادَتِكَ؛ فَإنَّ القَبِيلَةَ إذا سادَ أحَدُها عَزَّتْ بِهِ، فَإنَّ عِزَّهُ عِزُّها وشَرَفَهُ شَرَفُها، ولا سِيَّما إذا كانَ مِن بَيْتِ الشَّرَفِ ومَعْدِنِ السِّيادَةِ، وإذا سَفَلَ أحَدُها اهْتَمَّتْ بِهِ غايَةَ الِاهْتِمامِ وسَتَرَتْ عُيُوبَهُ مَهْما أمْكَنَها فَإنَّ عارَهُ لاحِقٌ بِها، فَهو مِن عَظِيمِ التَّوْبِيخِ لَهم ودَقِيقِ التَّقْرِيعِ، وزادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيْ: الثّابِتُ الَّذِي لا يَضُرُّهُ التَّكْذِيبُ بِهِ ولا يُمْكِنُ زَوالُهُ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما حَصَلَ لَهُ اللَّوْمُ بِسَبَبِ قَوْمِهِ كانَ ﷺ في هَذا المَقامِ بِمَعْرِضِ أنْ يَخافَ عاقِبَةَ ذَلِكَ ويَقُولَ: فَماذا أصْنَعُ بِهِمْ ؟ فَقالَ - تَعالى - مُعَلِّمًا: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ مِن تَكْذِيبِهِمْ: ﴿قُلْ لَسْتُ﴾ وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: حَفِيظٍ ورَقِيبٍ لِأقْهَرَكم عَلى الرَّدِّ عَمّا أنْتُمْ فِيهِ.

Al-An'aam 6:66Listen in Qur'an →
67

لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

For every happening is a finality; and you are going to know.

ولَمّا كانُوا بِصَدَدِ أنْ يَقُولُوا تَهَكُّمًا: كُنْ كَذَلِكَ، فَلا عَلَيْنا مِنكَ ! قالَ مُهَدِّدًا: ﴿لِكُلِّ﴾ وأشارَ إلى جَلالَةِ خَبَرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبَإٍ﴾ أيْ: خَبَرٍ أخْبَرْتُكم بِهِ مِن هَذِهِ الأخْبارِ العَظِيمَةِ، ومَعْنى ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ مَوْضِعٌ ووَقْتُ قَرارٍ مِن صِدْقٍ أوْ كَذِبٍ، أيْ: لا بُدَّ أنْ يَحُطَّ الخَبَرُ عَلى واحِدٍ مِنهُما، لا يَنْفَكُّ خَبَرٌ مِنَ الأخْبارِ عَنْ ذَلِكَ ﴿وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَحَطَّ خَبَرِهِ العَظِيمِ بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ تَأخَّرَ وُقُوعُهُ.

Al-An'aam 6:67Listen in Qur'an →
68

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when you see those who engage in [offensive] discourse concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

ولَمّا أمَرَهُ بِما يَقُولُ جَوابًا لِتَكْذِيبِهِمْ، تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيما يَفْعَلُ وقْتَ خَوْضِهِمْ في التَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ خاطَبَ النَّبِيَّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ لِيَكُونَ أرْدَعَ ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ أيْ: يَتَكَلَّمُونَ ﴿فِي آياتِنا﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَأمُّلٍ ولا بَصِيرَةٍ بَلْ طَوْعَ الهَوى، كَما يَفْعَلُ خائِضُ الماءِ في وضْعِهِ لِرِجْلِهِ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِسَتْرِ مَواضِعِ الخُطا وبِغَيْرِ تَمامِ الِاخْتِيارِ لِغَلَبَةِ الماءِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بِتَرْكِ المُجالَسَةِ أوْ ما يَقُومُ مَقامَها؛ ولَمّا كانَ الخَوْضُ في الآياتِ دالًّا عَلى قِلَّةِ العَقْلِ قالَ: ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فَحَكَمَ عَلى حَدِيثِهِمْ فِيما سِوى ذَلِكَ أيْضًا بِالخَوْضِ؛ لِأنَّ فِيهِ الغَثَّ والسَّمِينَ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِنِظامِ الشَّرْعِ.

ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى - ولَهُ الحَمْدُ - قَدْ رَفَعَ حُكْمَ النِّسْيانِ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: إنْساءً عَظِيمًا إشارَةً إلى أنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنْسى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أيْ: التَّذَكُّرِ لِهَذا النَّهْيِ ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا ودِلالَةً عَلى الوَصْفِ الَّذِي هو سَبَبُ الخَوْضِ، وهو الكَوْنُ في الظَّلامِ.

Al-An'aam 6:68Listen in Qur'an →
69

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And those who fear Allah are not held accountable for the disbelievers at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وكانُوا إذْ ذاكَ عاجِزِينَ عَنِ الإنْكارِ بِغَيْرِ القَلْبِ - قالَ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ فَلا يُكَذِّبُونَ بِآياتِهِ في مُجالَسَةِ الكَفَرَةِ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ أيْ: الخائِضِينَ إذا كانُوا أقْوى مِنهم ﴿مِن شَيْءٍ﴾ وما نَهَيْنا عَنِ المُجالَسَةِ لِأنَّ عَلَيْهِمْ فِيها - والحالَةُ هَذِهِ - إثْمًا ﴿ولَكِنْ﴾ نَهَيْنا لِتَكُونَ المُفارَقَةُ إظْهارًا لِلْكَراهَةِ ﴿ذِكْرى﴾ لِلْخائِضِينَ لِاسْتِحْيِائِهِمْ مِن أذى الجَلِيسِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بِذَلِكَ حالَ مَن يُرْجى مِنهُ التَّقْوى، فَيَجْتَنِبُ الخَوْضَ في الآياتِ إكْرامًا لِلْجَلِيسِ.

Al-An'aam 6:69Listen in Qur'an →
70

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with the Qur'an, lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allah no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

ولَمّا أبْرَزَ هَذا الأمْرَ في صِيغَةِ النَّهْيِ - أعادَهُ بِصِيغَةِ الأمْرِ اهْتِمامًا بِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، وأظْهَرَ لَهم وصْفًا آخَرَ هو غايَةُ الوَصْفِ الأوَّلِ مَعَ ما ضُمَّ إلَيْهِ مِنَ الإرْشادِ إلى الإنْقاذِ مِنَ المَعاطِبِ فَقالَ: ﴿وذَرِ﴾ أيْ: اتْرُكْ أيَّ تَرْكٍ كانَ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم في اتِّباعِ الهَوى بِمُخالَفَةِ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ والطَّبْعِ الفِطْرِيِّ السَّلِيمِ بِأنْ أخَذُوا ﴿دِينَهُمْ﴾ عَلى نَمَطِ الأسْخَفِ مِن دُنْياهُمْ؛ ولَمّا كانَ الدِّينُ مَلَكَةً راسِخَةً في النَّفْسِ، ولا شَيْءَ مِن كَيْفِيّاتِ النَّفْسِ أرْسَخُ مِنها ولا أثْبَتُ، وهو أشْرَفُ ما عِنْدَ الإنْسانِ، وكانَ اللَّعِبُ ضِدَّهُ لا شَيْءَ أسْرَعُ مِن انْقِضائِهِ ولا أوْهى مِن بِنائِهِ - قالَ ذامًّا لَهم بِأنَّهم بَدَّلُوا مَقْصُودَ هَذِهِ السُّورَةِ - الَّذِي هو مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي لا أشْرَفَ مِنهُ مُطْلَقًا ولا أعْلى ولا أنْفَسَ بِوَجْهٍ ولا أحْلى - بِما لا أدْنى مِنهُ ولا أوْهى ولا أمْحَقَ لِلْمُرُوءَةِ ولا أدْهى: ﴿لَعِبًا﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهم إذا انْقَضى اللَّعِبُ عادُوا إلى الِاشْتِغالِ بِالدِّينِ، أتْبَعَهُ الباعِثَ عَلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ كُلَّما مَلُّوا اللَّعِبَ بَعَثُوا النُّفُوسَ إلَيْهِ بِاللَّهْوِ كَما تَرى الرّاقِصَ كُلَّما فَتَرَ في رَقْصِهِ بَعَثُوهُ عَلَيْهِ بِتَقْوِيَةِ اللَّهْوِ أوْ الِانْتِقالِ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ مِن فُنُونِهِ وشَأْنٍ بَدِيعٍ مِن شُؤُونِهِ، فَقالَ: ﴿ولَهْوًا﴾ أيْ: في الِاسْتِهْزاءِ بِالدِّينِ الحَقِّ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ وبِالبَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا يُشْغَلْ قَلْبُكَ بِهِمْ ﴿وغَرَّتْهُمُ﴾ أيْ: خَدَعَتْهم ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ الَّتِي هم مِن أعْرَفِ النّاسِ بِزَوالِها، وأنَّ كُلَّ مَن بِها هالِكٌ، فَمِنَّتُهم النِّعَمُ الَّتِي مَنَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - بِها فِيما لا يَنالُونَهُ مِنَ السَّعادَةِ إلّا بِاتِّباعِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما أفْهَمَ ذَلِكَ تَرْكَهم في كُلِّ حالَةٍ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ: تَحْدِيثِ الآياتِ، وهي القُرْآنُ المُتَجَدِّدُ إنْزالُهُ، والضَّمِيرُ في الحَقِيقَةِ لِلْآياتِ، أيْ: دَعْهم يَفْعَلُوا ما أرادُوا، لا تُبالِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا تَتْرُكْ وعْظَهم بِهَذا القُرْآنِ، أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، لَمْ نُكَلِّفْكَ في هَذِهِ الحالَةِ أكْثَرَ مِنهُ ﴿أنْ تُبْسَلَ﴾ قالَ في ( المُجْمَلِ ): البَسْلُ: النَّخْلُ، وأبْسَلْتُهُ: أسْلَمْتُهُ لِلْهَلَكَةِ، فالمَعْنى: كَراهَةَ أنْ تُخْلى وتُسْلَمَ ﴿نَفْسٌ بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كَسَبَتْ﴾ في دُنْياها كائِنَةً ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُنْفَرِدِ بِالعَظَمَةِ ﴿ولِيٌّ﴾ أيْ: يَتَوَلّى نَصْرَها ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يُنْقِذُها بِشَفاعَتِهِ.

ولَمّا كانَ الفِداءُ مِن أسْبابِ الخَلاصِ - قالَ: ﴿وإنْ تَعْدِلْ﴾ أيْ: تِلْكَ النَّفْسُ لِأجْلِ التَّوَصُّلِ إلى الفِكاكِ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ يُظَنُّ أنَّهُ يَعْدِلُها ولَوْ كانَ أنْفَسَ شَيْءٍ؛ ( ولَمّا ) كانَ الضّارُّ عَدَمَ الأخْذِ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ ولَمّا أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا أنَّ مَن هَذا حالُهُ هالِكٌ، قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ عَمِلُوا هَذِهِ الأعْمالَ البَعِيدَةَ عَنِ الخَيْرِ ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ أيْ: أُسْلِمُوا ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: هو غايَةُ الحَرِّ يُصْهَرُ بِهِ ما في …

Al-An'aam 6:70Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.