وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ
And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers take him, and they do not fail [in their duties].
﴿وهْوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا. والمُناسَبَةُ هُنا أنَّ النَّوْمَ والمَوْتَ خَلَقَهُما اللَّهُ فَغَلَبا شِدَّةَ الإنْسانِ كَيْفَما بَلَغَتْ فَبَيَّنَ عَقِبَ ذِكْرِهِما أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ الغالِبُ دُونَ الأصْنامِ. فالنَّوْمُ قَهْرٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يُرِيدُ أنْ لا يَنامَ فَيَغْلِبُهُ النَّوْمُ، والمَوْتُ قَهْرٌ وهو أظْهَرُ، ومِنَ الكَلِمِ الحَقِّ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.
* * *
﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهْوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .
صفحة ٢٧٨
ويُرْسِلُ عَطْفٌ عَلى القاهِرِ، فَيُعْتَبَرُ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَيَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ أيْضًا بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ هو الَّذِي يُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً دُونَ غَيْرِهِ. والقَصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ، فَلا يَسْتَدْعِي رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ. والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِهَذا الخَبَرِ الحَقِّ لِيَحْذَرَ السّامِعُونَ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
ومَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ ”عَلَيْكم“ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أيْ إرْسالُ قَهْرٍ وإلْزامٍ، كَقَوْلِهِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥]، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] .
وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ يُرْسِلُ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحَفَظَةِ الإحْصاءُ والضَّبْطُ مِن قَوْلِهِمْ: حَفِظْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ كَذا. وهو ضِدُّ نَسِيَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] . ولَيْسَ هو مِن حِفْظِ الرِّعايَةِ والتَّعَهُّدِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] .
فالحَفَظَةُ مَلائِكَةٌ وظِيفَتُهم إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ» الحَدِيثَ.
وقَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ غايَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَفَظَةِ مِن مَعْنى الإحْصاءِ، أيْ فَيَنْتَهِي الإحْصاءُ بِالمَوْتِ فَإذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ أجْلُ الحَياةِ تَوَفّاهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لَقَبْضِ الأرْواحِ.
فَقَوْلُهُ ”رُسُلُنا“ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ لِأنَّ المُضافَ مُشْتَقٌّ فَهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ فَلا تُفِيدُهُ الإضافَةُ تَعْرِيفًا، ولِذَلِكَ فالمُرادُ مِنَ الرُّسُلِ الَّتِي تَتَوَفّى رُسُلٌ غَيْرُ الحَفَظَةِ المُرْسَلِينَ عَلى العِبادِ، بِناءً عَلى الغالِبِ في مَجِيءِ نَكِرَةٍ عَقِبَ نَكِرَةٍ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أنَّ عَدَدًا مِنَ المَلائِكَةِ يَتَوَلّى تَوَفِّيَ الواحِدَ مِنَ النّاسِ.
صفحة ٢٧٩
وفِي الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وسُمِّيَ في الآثارِ عِزْرائِيلُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ لِمَلَكِ المَوْتَ أعْوانًا. فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ظاهِرٌ.
وعُلِّقَ فِعْلُ التَّوَفِّي بِضَمِيرِ أحَدِكُمُ الَّذِي هو في مَعْنى الذّاتِ. والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِحالٍ مِن أحْوالِ أحَدِكُمُ المُناسِبِ لِلتَّوَفِّي، وهو الحَياةُ، أيْ تَوَفَّتْ حَيّاتُهُ وخَتْمَتْها، وذَلِكَ بِقَبْضِ رُوحِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَوَفَّتْهُ …