Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 165

61

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers take him, and they do not fail [in their duties].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾

﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ، وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في أُمُورِهِمْ لا غَيْرُهُ، يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ. ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ أيْ: مَلائِكَةٌ تَحْفَظُ أعْمالَكم وتُحْصِيها، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ [ق: ١٧] الآيَةَ.

لَطِيفَةٌ:

الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُكْتَبُ عَلَيْهِ، وتُعْرَضُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، كانَ أزْجَرَ عَنِ المَعاصِي. وأنَّ العَبْدَ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ، واعْتَمَدَ عَلى عَفْوِهِ وسَتْرِهِ، لَمْ يَحْتَشِمْ مِنهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ - أفادَهُ القاضِي.

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: أسْبابُهُ ومَبادِيهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أيْ: مَلائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ أيْ: بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: في حِفْظِ رُوحِ المُتَوَفّى، بَلْ يَحْفَظُونَها ويَتْرُكُونَها حَيْثُ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، إنْ كانَ مِنَ الأبْرارِ فَفي عِلِّيِّينَ، وإنْ كانَ مِنَ الفُجّارِ في سِجِّينٍ.

Al-An'aam 6:61Listen in Qur'an →
62

ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ

Then they His servants are returned to Allah, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢] ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾

﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَوَلّى أُمُورَهم. و(الحَقِّ): العَدْلُ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الضَّمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ. أوْ لِلْخَلائِقِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِ (أحَدَ). والإفْرادُ أوَّلًا، والجَمْعُ آخِرًا لِوُقُوعِ التَّوَفِّي عَلى الِانْفِرادِ، والرَّدِّ عَلى الِاجْتِماعِ. أيْ: رُدُّوا بَعْدَ البَعْثِ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِعَدْلِهِ، كَما قالَ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] وقالَ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] ولِهَذا قالَ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾

﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ فِيهِ لِغَيْرِهِ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ يُحاسِبُ الخَلائِقَ في أسْرَعِ زَمانٍ.

فَوائِدُ:

الأُولى: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ونَذْكُرُ هَهُنا الحَدِيثَ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ المَيِّتَ تَحْضُرُهُ المَلائِكَةُ، فَإذا كانَ الرَّجُلَ الصّالِحَ، قالُوا: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، ورَبٍّ غَيْرِ غَضْبانَ. فَلا يَزالُ يُقالُ ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ. ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَها، فَيُقالُ: مَن هَذا؟ فَيُقالُ فُلانٌ. فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، ورَبٍّ غَيْرِ غَضْبانَ، فَلا زالَ يُقالُ لَها حَتّى يُنْتَهى بِها إلى السَّماءِ الَّتِي فِيها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وإذا كانَ الرَّجُلَ السُّوءَ، قالُوا: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وأبْشِرِي بِحَمِيمٍ وغَسّاقٍ، وآخَرَ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ. فَلا يَزالُ حَتّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَها، فَيُقالُ: مَن هَذا؟ فَيُقالُ فُلانٌ! فَيُقالُ: لا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ، كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ. ارْجِعِي ذَمِيمَةً، فَإنَّهُ لا يُفْتَحُ لَكَ أبْوابُ السَّماءِ، فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ تَصِيرُ إلى القَبْرِ. فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ الصّالِحُ، فَيُقالُ لَهُ مِثْلُ ما قِيلَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ، ويَجْلِسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فَيُقالُ لَهُ ما قِيلَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ.»» . قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ أهْلِ الكَلامِ: إنَّ لِكُلِّ حاسَّةٍ مِن هَذِهِ الحَواسِّ رُوحًا تُقْبَضُ عِنْدَ النَّوْمِ، ثُمَّ تُرَدُّ إلَيْها إذا ذَهَبَ النَّوْمُ. فَإمّا الرُّوحُ الَّتِي تَحْيا بِها النَّفْسُ، فَإنَّها لا تُقْبَضُ إلّا عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ. والمُرادُ بِالأرْواحِ، المَعانِي والقُوى الَّتِي تَقُومُ بِالحَواسِّ، ويَكُونُ بِها السَّمْعُ والبَصَرُ، والأخْذُ والمَشْيُ والشَّمُّ، ومَعْنى: ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ أيْ: يُوقِظُكُمْ، ويَرُدُّ إلَيْكم أرْواحَ الحَواسِّ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ؛ لِأنَّهُ بِالنَّوْمِ يَذْهَبُ أرْواحُ هَذِهِ الحَواسِّ، ثُمَّ يَرُدُّها إلَيْها. فَكَذا يُحْيِي الأنْفُسَ بَعْدَ مَوْتِها - نَقَلَهُ النَّسَفِيُّ -.

الثّالِثَةُ: قالَ الخازِنُ: فَإنْ قُلْتَ: قالَ …

Al-An'aam 6:62Listen in Qur'an →
63

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.' "

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣] ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ﴾ أيْ: شَدائِدِهِ، كَخَوْفِ العَدُوِّ، وضَلالِ الطَّرِيقِ ﴿والبَحْرِ﴾ كَخَوْفِ الغَرَقِ، والضَّلالِ، وسُكُونِ الرِّيحِ. اسْتُعِيرَتِ الظُّلْمَةُ لِلشِّدَّةِ، لِمُشارَكَتِهِما في الهَوْلِ، وإبْطالِ الأبْصارِ، ودَهَشِ العُقُولِ. يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ. أيِ: اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى عادَ كاللَّيْلِ، وظَهَرَتِ الكَواكِبُ فِيهِ.

﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا﴾ أيْ: تَذَلَّلا إلَيْهِ، تَحْقِيقًا لِلْعُبُودِيَّةِ ﴿وخُفْيَةً﴾ بِضَمِّ الخاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها. أيْ: سِرًّا، تَحْقِيقًا لِلْإخْلاصِ ﴿لَئِنْ أنْجانا﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ. أيْ: قائِلِيِنَ، وعْدًا بِالشُّكْرِ، لَئِنْ أنْجَيْتَنا: ﴿مِن هَذِهِ﴾ أيِ: الشِّدَّةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالظُّلُماتِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ: لَكَ، بِاعْتِقادِ أنَّكَ المَخْصُوصُ بِالثَّناءِ الجَمِيلِ.

Al-An'aam 6:63Listen in Qur'an →
64

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ

Say, "It is Allah who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٤] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالجَوابِ تَنْبِيهًا عَلى ظُهُورِهِ وتَعَيُّنِهِ عِنْدَهُمْ، أوْ إهانَةً لَهُمْ؛ إذْ لا يَلْتَفِتُونَ لِخِطابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ شَفاعَةِ أحَدٍ ولا عَوْنٍ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ما تُشاهِدُونَ مِنَ النَّجاةِ عَنْها، المَوْعُودِ فِيها بِالشُّكْرِ وعْدًا وثِيقًا بِالقَسَمِ، تُشْرِكُونَ، بِعِبادَتِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، غَيْرَهُ. وتَنْسُبُونَ النَّجاةَ الحاصِلَةَ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالدَّعْوَةِ، إلى شَفاعَةِ الشَّرِيكِ، فَقَدْ جَعَلْتُمُ الشِّرْكَ مَكانَ الشُّكْرِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ظُلُماتِ: البَرِّ والبَحْرِ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِها وأهْوالِها، هو ما قالَهُ المُحَقِّقُونَ.

قالَ الرّازِيُّ: ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: أمّا ظُلُماتُ البَحْرِ، فَهي أنْ تَجْتَمِعَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ السَّحابِ، ويُضافُ الرِّياحُ الصَّعْبَةُ، والأمْواجُ الهائِلَةُ إلَيْها، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الخَلاصِ، وعَظُمَ الخَوْفُ، وأمّا ظُلُماتُ البَرِّ، فَهي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ السَّحابِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن هُجُومِ الأعْداءِ والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ. والمَقْصُودُ أنَّ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ، لا يَرْجِعُ الإنْسانُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى. وهَذا الرُّجُوعُ يَحْصُلُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ يَعْظُمُ إخْلاصُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى. ويَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى. وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: تَضَرُّعًا وخُفْيَةً. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إذا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، والخِلْقَةُ الأصْلِيَّةُ في هَذِهِ الحالَةِ، بِأنَّهُ لا مَلْجَأ إلّا اللَّهُ، ولا تَعْوِيلَ إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَبَ أنَ يَبْقى هَذا الإخْلاصُ عِنْدَ كُلِّ الأحْوالِ والأوْقاتِ. ولَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الفَوْزِ بِالسَّلامَةِ والنَّجاةِ. يُحِيلُ تِلْكَ السَّلامَةَ إلى الأسْبابِ، ويُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَقُولُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ والأوْثانِ.

ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وأنا أقُولُ: التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ في طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ، يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ تَعَلُّقًا بِالوَثَنِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ يُسَمُّونَهُ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ. انْتَهى.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً عَلى أنَّ دُعاءَ السِّرِّ أفْضَلُ. قِيلَ: وكانَ جَهْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِالدُّعاءِ لِيُعَلِّمَ غَيْرَهُ. انْتَهى.

وهَذا بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: تَضَرُّعًا تَذَلُّلًا، لا جَهْرًا. وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى جَهْرًا وسِرًّا، ولَعَلَّهُ الصَّوابُ. فَإنَّ العِيانَ يُؤَيِّدُهُ، إذْ لا يَتَمالَكُ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الأمْرُ، وأظْلَمَ عَلَيْهِ طَرِيقُ الخَلاصِ، عَلى الِاقْتِصارِ عَلى دُعاءِ السِّرِّ وحْدَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وفِي القامُوسِ وشَرْحِهِ: تَضَرَّعْ إلى اللَّهِ تَعالى، أيِ: ابْتَهِلْ وتَذَلَّلْ. وقِيلَ: أظْهِرِ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ والحاجَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: …

Al-An'aam 6:64Listen in Qur'an →
65

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥] ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾

﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ النَّجاةِ المَوْعُودِ فِيها بِالشُّكْرِ: إنَّما أشْرَكْتُمْ لِأمْنِكم مِنَ الشَّدائِدِ، لَكِنْ لا وجْهَ لِلْأمانِ مِنها، لِاسْتِمْرارِ مَنشَأِ الخَوْفِ، وهو القُدْرَةُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنْواعِ الشَّدائِدِ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها. إذْ هو القادِرُ عَلى إرْسالِ عَذابٍ أعْظَمَ مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ مِن فَوْقِكُمْ، كَإمْطارِ النّارِ أوِ الحِجارَةِ، أوْ إسْقاطِ السَّماءِ.

﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ كالخَسْفِ والطُّوفانِ ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ أيْ: يَخْلِطُكم فِرَقًا خَلْطَ اضْطِرابٍ، فَيَجْعَلُكم مُتَحَزِّبِينَ مُخْتَلِفِينَ في القِتالِ، بِأنْ يُقَوِّيَ أعْداءَكُمْ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ﴾ أيْ: شِدَّةَ: ﴿بَعْضٍ﴾ يَعْنِي: يُسَلِّطُ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: نُحَوِّلُها مِن نَوْعٍ إلى آخَرَ ﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: يَفْهَمُونَ ويَعْتَبِرُونَ، فَيَكُفُّوا عَنْ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: رَوى البُخارِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ. «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أعُوذُ بِوَجْهِكَ! ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ قالَ: أعُوذُ بِوَجْهِكَ! ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قالَ: هَذا أهْوَنُ، أوْ أيْسَرُ»» .

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسِ ما يُفَسِّرُ بِهِ حَدِيثَ جابِرٍ، ولَفْظُهُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أرْبَعًا، فَرَفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ، وأبى أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ. دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّماءِ والخَسْفَ مِنَ الأرْضِ، وأنْ لا يُلْبِسَهم شِيَعًا، ولا يُذِيقُ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ؛ فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الخَسْفَ والرَّجْمَ، وأبى أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الأُخْرَيَيْنِ»» . فَيُسْتَفادُ مِن هَذِهِ الرِّوايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ ويُسْتَأْنَسُ لَهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ [الإسراء: ٦٨]

ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ «أنَّهُ أقْبَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ مِنَ العالِيَةِ، حَتّى إذا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعاوِيَةَ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وصَلَّيْنا مَعَهُ ودَعا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْنا فَقالَ: «سَألْتُ رَبِّي ثَلاثًا، فَأعْطانِي ثِنْتَيْنِ، ومَنَعَنِي واحِدَةً. سَألْتُ رَبِّي أنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ، فَأعْطانِيها. وسَألْتُهُ أنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالغَرَقِ، فَأعْطانِيها. وسَألْتُ رَبِّي أنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهم بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيها»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي بَصْرَةَ نَحْوَهُ، لَكِنْ قالَ (بَدَلَ خَصْلَةِ الإهْلاكِ). أنْ لا يَجْمَعَهم عَلى ضَلالَةٍ. وكَذا الطَّبَرِيُّ مِن مُرْسَلِ الحَسَنِ.

قالَ الخَفاجِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أُجِيبَتِ الدَّعْوَيانِ، وسَيَكُونُ خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ؟ أيْ: كَما …

Al-An'aam 6:65Listen in Qur'an →
66

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٦] ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ المَجِيدِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيِ: الكِتابُ الصّادِقُ في كُلِّ ما نَطَقَ بِهِ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: لَمْ يُفَوَّضْ إلَيَّ أمْرُكم فَأمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، وأُجْبِرُكم عَلى التَّصْدِيقِ. إنَّما أنا مُنْذِرٌ، وقَدْ بَلَّغْتُ. وبَعْضُهم أرْجَعَ الضَّمِيرَ في (بِهِ) لِلْعَذابِ. أيْ: كَذَّبَ بِالعَذابِ المَوْعُودِ، قَوْمُكَ المُعانِدُونَ، وهو الواقِعُ لا مَحالَةَ.

Al-An'aam 6:66Listen in Qur'an →
67

لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

For every happening is a finality; and you are going to know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٧] ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ: لِكُلِّ خَبَرٍ عَظِيمٍ وقْتُ اسْتِقْرارٍ، لِصِدْقِهِ أوْ كَذِبِهِ ﴿وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقَرَّ هَذا النَّبَأِ ومَآلَهُ، وأنَّ العاقِبَةَ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]

Al-An'aam 6:67Listen in Qur'an →
68

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when you see those who engage in [offensive] discourse concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٨] ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾

﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ أيْ: بِالطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿فِي آياتِنا﴾ أيِ: المَنسُوبَةِ إلى مَقامِ عَظَمَتِنا، الَّتِي حَقُّها أنْ تُعَظَّمَ بِما يُناسِبُ عَظَمَتَنا. والمَوْصُولُ كِنايَةٌ عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، فَقَدْ كانَ دَيْدَنُهم ذَلِكَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَلا تُجالِسْهُمْ، وقُمْ عَنْهم ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أيْ: حَتّى يَأْخُذُوا في كَلامٍ آخَرَ، غَيْرِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْضِ في آياتِنا.

﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ فَتَنْسى النَّهْيَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: إنْ يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ، فَجَلَسْتَ مَعَهُمْ، فَلا تُؤاخَذْ بِهِ، لَكِنْ إذا ذَكَرْتَ النَّهْيَ، فَلا تَقْعُدْ مَعَهُمْ؛ لِأنَّهم ظالِمُونَ بِالطَّعْنِ في الكَلامِ المُعْجِزِ، عِنادًا.

وفِي الحَدِيثِ: ««إنَّ اللَّهَ وضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»» - رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ ثَوْبانَ مَرْفُوعًا. وإسْنادُهُ صَحِيحٌ - وهَذِهِ الآيَةُ هي المُشارُ إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] الآيَةَ. لِأنَّ في حُضُورِ المُنْكَرِ مَعَ إمْكانِ التَّباعُدِ عَنْهُ، مُشارَكَةً لِصاحِبِهِ.

فَوائِدُ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ اجْتِنابِ مَجالِسِ المُلْحِدِينَ، وأهْلِ اللَّغْوِ، ويُسْتَدَلُّ بِها عَلى أنَّ النّاسِيَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وأنَّهُ إذا ذَكَرَ عادَ إلَيْهِ التَّكْلِيفُ، فَيُعْفى عَمّا ارْتَكَبَهُ في حالِ نِسْيانِهِ. ويَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ مَسائِلُ كَثِيرَةٌ في العِباداتِ والتَّعْلِيقاتِ. انْتَهى.

وقالَ الرّازِيُّ: ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ. قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ، والخَوْضُ في آياتِ اللَّهِ حَرامٌ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ.

والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الخَوْضِ في الآيَةِ الشُّرُوعُ في الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ. فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ - ثَمَرَةُ الآيَةِ أحْكامٌ:

الأوَّلُ: وُجُوبُ الإعْراضِ عَنْ مَجالِسِ المُسْتَهْزِئِينَ بِآياتِ اللَّهِ أوْ بِحُجَجِهِ أوْ بِرُسُلِهِ، وأنْ لا يُقْعَدَ مَعَهُمْ؛ لِأنَّ في القُعُودِ إظْهارَ عَدَمِ الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ عامٌّ لَنا، ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما يَجِبُ الإعْراضُ، وتَرْكُ الجُلُوسِ مَعَهُمْ، إذا لَمْ يَطْمَعْ في قَبُولِهِمْ، فَإذا انْقَطَعَ طَمَعُهُ إذًا، فَلا فائِدَةَ في دُعائِهِمْ. ويَجِبُ القِيامُ عَنْ مَجالِسِهِمْ إذا عَرَفَ أنَّ قِيامَهُ يَكُونُ سَبَبًا في تَرْكِ الخَوْضِ، وأنَّهم إنَّما يَفْعَلُونَهُ مُغايَظَةً لِلْواقِفِ، إذْ كانَ وُقُوفُهُ يُوهِمُ عَدَمَ الكَراهَةِ.

الحُكْمُ الثّانِي: جَوازُ مُجالَسَةِ الكُفّارِ، مَعَ عَدَمِ الخَوْضِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُمِرْنا بِالإعْراضِ مَعَ الخَوْضِ. وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ قالَ الحاكِمُ: والآيَةُ تَدُلُّ أيْضًا عَلى …

Al-An'aam 6:68Listen in Qur'an →
69

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And those who fear Allah are not held accountable for the disbelievers at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٩] ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وما يَلْزَمُ المُتَّقِينَ الَّذِينَ يُجالِسُونَهم شَيْءٌ عَمّا يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ مِن خَوْضِهِمْ ﴿ولَكِنْ ذِكْرى﴾ أيْ: ولَكِنْ أُمِرُوا بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، لِيَكُونَ ذِكْرى لِضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ؛ لِئَلّا يَقَعَ شَيْءٌ مِن مُطاعِنِ المُسْتَهْزِئِينَ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّوَقِّي مِن شُبُهاتِهِمْ، بِالجُلُوسِ مَعَ عُلَمائِهِ بَدَلَهم.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ في مَعْنى الآيَةِ، هو ما قَرَّرَهُ المَهايِمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ عَلى المُتَّقِينَ أنْ يُذَكِّرُوهم ذِكْرى إذا سَمِعُوهم يَخُوضُونَ، بِالقِيامِ عَنْهُمْ، وإظْهارِ الكَراهَةِ لَهم ومَوْعِظَتِهِمْ، لَعَلَّهم يَتَّقُونَ الخَوْضَ حَياءً أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ، فَلا يَعُودُونَ إلَيْهِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، أيْ: يُذَكِّرُونَهم رَجاءَ أنْ يَثْبُتُوا عَلى تَقْواهُمْ، أوْ يَزْدادُوها. انْتَهى.

وما ذَكَرْناهُ أسَدُّ وأوْجَهُ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ في الآيَةِ: أيْ: ما عَلَيْكَ أنْ يَخُوضُوا في آياتِ اللَّهِ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ. أيْ: إذا تَجَنَّبْتَهُمْ، وأعْرَضْتَ عَنْهم. وعَلَيْهِ فالمَوْصُولُ كِنايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. التَفَتَ بِهِ تَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا.

الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": قَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ مَن جالَسَ أهْلَ المُنْكِرِ، وهو غَيْرُ راضٍ بِفِعْلِهِمْ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ آيَةَ النِّساءِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ آثِمٌ، ما لَمْ يُفارِقْهُمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: إنَّكم إذًا مِثْلُهم. أيْ: إنْ قَعَدْتُمْ فَأنْتُمْ مِثْلُهم في الإثْمِ، وهي مُتَأخِّرَةٌ. فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ناسِخَةً لِهَذِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ مِنهُمُ السُّدِّيُّ. أقُولُ: المَنفِيُّ في الآيَةِ هو لُحُوقُ شَيْءٍ مِن وبالِ الخائِضِينَ، وإثْمِ كُفْرِهِمْ لِمُجالِسِيهِمُ المُتَّقِينَ، فَلا يُنافِي ذَلِكَ لِحُوقَ وبالِ المُجالَسَةِ عَلى انْفِرادِها، وهو ما أفادَتْهُ آيَةُ النِّساءِ. فالمِثْلِيَّةُ إذَنْ في مُطْلَقِ الإثْمِ، وإنْ تَبايَنَ (ماصَدَقُهُ) فِيهِما؛ إذْ لا قائِلَ بِأنَّ مُطْلَقَ مُجالَسَتِهِمْ رِدَّةٌ وكُفْرٌ. نَعَمْ! لَوْ قِيلَ بِأنَّ المِثْلِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى ما إذا حَصَلَ الرِّضا بِشَأْنِ مُجالَسَتِهِمْ، فَلا إشْكالَ إذَنْ. وبِالجُمْلَةِ فاسْتِدْلالُ "الإكْلِيلِ" واهٍ، ولِذا عَبَّرَ بِ (قَدْ)، ودَعْوى النَّسْخِ أوْهى. فَتَأمَّلْ!

Al-An'aam 6:69Listen in Qur'an →
70

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with the Qur'an, lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allah no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٠] ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِي كُلِّفُوهُ ودُعُوا إلَيْهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَؤُوا: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ﴾ الدُّنْيا حَيْثُ اطْمَأنُّوا بِها، وزَعَمُوا أنْ لا حَياةَ بَعْدَها أبَدًا، وأنَّ السَّعادَةَ في لَذّاتِها. أيْ: أعْرِضْ عَنْهُمْ، ودَعْهُمْ، ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، وأمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإنَّهم صائِرُونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ: ذَكِّرِ النّاسَ بِهَذا القُرْآنِ: ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ تُسْلَمَ إلى الهَلاكِ، وتُرْتَهَنَ بِسُوءِ كَسْبِها. وغُرُورِها بِإنْكارِ الآخِرَةِ. يُقالُ: أبْسَلَهُ لِكَذا: عَرَّضَهُ ورَهَنَهُ، أوْ أسْلَمَهُ لِلْهَلَكَةِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ﴾ يَنْصُرُها بِالقُوَّةِ: ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يَدْفَعُ عَنْها بِالمَسْألَةِ.

﴿وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ أيْ: وإنْ تَفْدِ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الفِداءِ، بِما يُقابِلُ العَذابَ، لا يُقْبَلُ مِنها، لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِ الفِداءِ. والعَدْلُ: الفِدْيَةُ؛ لِأنَّ الفادِيَ يَعْدِلُ المُفْدى بِمِثْلِهِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُتَّخِذِينَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا: ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ أيْ: سُلِّمُوا لِلْهَلاكِ، بِحَيْثُ لا يُعارِضُهُ شَيْءٌ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ بِهَذا الِاغْتِرارِ مِن إنْكارِ الآخِرَةِ مَعَها، والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: ماءٌ مَغْلِيٌّ يَتَجَرْجَرُ في بُطُونِهِمْ، وتُقَطَّعُ بِهِ أمْعاؤُهم ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بِنارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

Al-An'aam 6:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.